الرقص فى بيت الآلهة.. كيف غَنَّتْ مصر قبل 7 آلاف سنة؟
- كتاب بريطانى جديد يتتبع موسيقى المصريين القدماء وأسرار رقصاتهم المقدسة
- المصريون القدماء استخدموا الموسيقى والرقص للتواصل مع الآلهة وصناعة الخلود
- المقابر المصرية حفظت مشاهد لموسيقيين فى حفلات الولائم ومناسبات الحصاد والاحتفالات الاجتماعية
إذا كانت الأهرامات والمعابد تخبرنا عن قدرة المصرى القديم على البناء، والنصوص تخبرنا عن أفكاره، فإن الموسيقى والرقص يكشفان لنا الجانب الإنسانى؛ كيف كان المصرى يحتفل، وكيف كان يعبر عن مشاعره.
لقد أدرك المصرى القديم أن الإنسان لا يعيش بالخبز والمادة فقط، بل يحتاج أيضًا إلى الفن الذى يمنحه معنى للحياة.
بهذا يبدأ كتاب Music and Dance Performances in the Ancient Mediterranean «الموسيقى وفنون الرقص فى حضارات البحر المتوسط القديمة»، الصادر عن دار النشر الأكاديمية العالمية Routledge، وحرره الباحثان أنجيلا بليا Angela Bellia وكليمنتى ماركونى Clemente Marconi.
الكتاب البريطانى يقدم دراسة موسعة عن الموسيقى والرقص فى حضارات البحر المتوسط القديمة، ويضم فصلين عن مصر، الأول عن «العروض الموسيقية والراقصة فى معابد مصر القديمة»، والثانى يركز على «مواضع اللوحات التصويرية التى تضم مشاهد الرقص والموسيقى فى عمارة المعابد المصرية».


إذا كنا نقول إن «مصر أم الدنيا» فخرًا بحضارتنا، فإن هذا الكتاب يثبت ذلك بالدليل العلمى، فقبل آلاف السنين من ظهور المسارح الحديثة وقاعات الحفلات الموسيقية، كانت مصر القديمة تعرف عالمًا غنيًا من الأصوات والإيقاعات والحركات المنظمة، وفى المعابد الكبرى، وبين أعمدة الحجر المنقوشة، لم تكن الطقوس الدينية تكتمل دون الموسيقى، ولم تكن الاحتفالات الكبرى تنطلق دون أصوات الآلات وحركات الراقصين.
وحتى اليوم، لا تزال جدران المعابد المصرية تحفظ مشاهد لموسيقيين وراقصين يؤدون طقوسًا لم تكن مجرد عروض فنية، بل كانت جزءًا من نظام دينى متكامل يرى أن للصوت والحركة قدرة على حفظ التوازن الكونى واستدعاء الحضور الإلهى.
ويذهب المؤلفان إلى أن الموسيقى كانت حاضرة فى كل المراحل المهمة من حياة الإنسان فى مصر القديمة، ولم تكن منفصلة عن الدين أو الحياة اليومية، فقد ارتبطت الموسيقى بفكرة النظام والانسجام التى عبر عنها المصريون بمفهوم «ماعت»؛ أى التوازن الذى يحكم الكون ويمنع الفوضى.
لهذا كان صوت الآلة الموسيقية يحمل وظيفة رمزية مع كونه وسيلة لامتاع السامعين؛ فالإيقاع المنتظم كان يعبر عن النظام، والغناء كان وسيلة للتعبير عن التقديس، والحركة الجماعية كانت تعكس وحدة المجتمع حول فكرة أو مناسبة مشتركة.
فى المعابد، كان الصوت جزءًا من الطقس اليومى؛ فمع بداية الشعائر، كانت الأناشيد والآلات الموسيقية ترافق تقديم القرابين والصلوات والاحتفالات الخاصة بالآلهة. وكان المصرى القديم يؤمن بأن الآلهة تستجيب للطقوس الصحيحة، وأن الكلمات والأصوات والحركات المنظمة تساعد على تحقيق الاتصال بين العالم البشرى والعالم الإلهى.

عندما ننظر إلى جدران المعابد المصرية، نجد مشاهد كثيرة لفرق موسيقية وراقصين يؤدون أدوارًا محددة، وهذه الصور كانت جزءًا من برنامج رمزى دقيق وليست مجرد لوحات فنية للزينة.
ويشير الباحثون فى مجال آثار الموسيقى إلى أن مكان ظهور المشهد داخل المعبد كان يحمل معنى خاصًا؛ فالمشهد الموجود فى ساحة الاحتفالات ليس كالمشهد الموجود بالقرب من الأماكن المقدسة، وكل موقع كان مرتبطًا بوظيفة دينية محددة؛ فالمعبد فى مصر القديمة كان عالمًا متكاملًا، تتحرك داخله الطقوس وفق ترتيب محسوب، والممرات والقاعات والجدران تحمل رسائل دينية ورمزية.
وعندما كانت تماثيل الآلهة تخرج فى المواكب الكبرى، كانت الموسيقى تصاحب هذه الرحلة المقدسة، فتتحول المدينة إلى مسرح مفتوح تتداخل فيه الألوان والروائح والأصوات والحركة.

يؤكد الكتاب الصادر حديثًا أن من أكثر الجوانب إثارة فى الحضارة المصرية القديمة مكانة الرقص؛ فالمصرى القديم لم يرَ الجسد باعتباره مجرد وسيلة للحركة، واعتبره أداة للتعبير تحمل معانى رمزية؛ إذ كانت بعض الرقصات مرتبطة بالاحتفالات الدينية، وبعضها ارتبط بالموت والبعث وتجدد الحياة، وبعضها ظهر فى المناسبات الملكية والاجتماعية.
وتكشف النقوش المصرية عن وجود راقصين وراقصات يؤدون حركات منظمة، وليست عشوائية، حيث تظهر أوضاع معينة للأيدى والجسد تشير إلى أن الرقص كان يعتمد على قواعد وأساليب محددة.
وكما كانت الكتابة الهيروغليفية تستخدم الرموز لنقل المعانى، كانت حركة الجسد تستخدم أيضًا كنوع من اللغة البصرية؛ فرفع الذراعين، والانحناء، والدوران، والحركة الجماعية، كلها كانت تحمل رسائل مرتبطة بالمناسبة التى تؤدى فيها.

من أبرز الآلهة التى ارتبطت بالموسيقى والاحتفال فى مصر القديمة الإلهة حتحور.
كانت «حتحور» مرتبطة بالحب والجمال والفرح والموسيقى، لذلك ظهرت آلات موسيقية معينة فى طقوسها، وعلى رأسها آلة السيستروم «الصلاصل».
وكان صوت الصلاصل يحمل معنى دينيًا خاصًا، إذ ارتبط بفكرة طرد القوى السلبية وجلب الحماية والبركة، كما ارتبطت المعابد المخصصة لحتحور بوجود فرق موسيقية واحتفالات تعتمد على الصوت والحركة.
وهذا يكشف عن أن الموسيقى فى مصر القديمة كانت جزءًا من العلاقة بين الإنسان والعالم الروحى، وفق ما يؤكده المؤلفان.

تكشف الآثار المصرية عن حضور قوى للمرأة فى عالم الموسيقى؛ فقد ظهرت النساء فى النقوش وهن يعزفن على آلات مختلفة، ويشاركن فى الاحتفالات الدينية والاجتماعية، وكان لبعض النساء أدوار مرتبطة بالمعابد، حيث شاركن فى الطقوس الموسيقية الخاصة ببعض الآلهة.
كما تظهر مشاهد الولائم نساء يعزفن على القيثارات والمزامير والدفوف، فى صورة تؤكد أن الموسيقى كانت جزءًا من الحياة اليومية والاحتفالات العائلية، بما يعكس مكانة الفن فى المجتمع المصرى القديم، ويؤكد أن النشاط الموسيقى لم يكن حكرًا على فئة واحدة.

يؤكد المؤلفان أنه برغم ارتباط الموسيقى بالطقوس الدينية، فإنها لم تكن محصورة داخل المعابد؛ فالمقابر المصرية حفظت مشاهد لموسيقيين فى حفلات الولائم، ومناسبات الحصاد، والاحتفالات الاجتماعية، وكانت هناك فرق موسيقية محترفة تعمل فى القصور والمنازل الكبيرة والمعابد.
كما ارتبطت الموسيقى بالاحتفالات الملكية، حيث كانت تستخدم لإظهار قوة الدولة وهيبة الملك، وأيضًا كانت موجودة فى لحظات الفرح، كما كانت موجودة فى الطقوس المرتبطة بالموت والخلود.

يشير الكتاب إلى أن أكثر الأفكار عمقًا فى الحضارة المصرية القديمة ارتباط الموسيقى بعالم الموت، فالمصرى القديم لم يرَ الموت نهاية، بل انتقالًا إلى مرحلة أخرى، ولهذا ظهرت الموسيقى فى بعض السياقات الجنائزية، باعتبارها جزءًا من رحلة الروح.
وكانت الأناشيد والطقوس تساعد على الانتقال من عالم الحياة إلى عالم الآخرة، وتحمل رسائل تتعلق بالحماية والتجدد، ومن هنا نفهم لماذا احتفظت المقابر بمشاهد موسيقية كثيرة؛ فقد كان الفن بالنسبة للمصرى القديم وسيلة للحفاظ على اللحظة ومنحها فرصة للاستمرار.

تكشف دراسة الموسيقى والرقص فى مصر القديمة أن هذه الحضارة كانت حضارة إنسانية عرفت قيمة الجمال والصوت والحركة، ولهذا ترك لنا المصرى القديمة على جدران المعابد والمقابر صور العازفين والراقصين، وكأنه أراد أن يقول للأجيال القادمة إن صوته لم يختفِ.
قد تختفى الألحان نفسها بعد آلاف السنين، لكن آثارها تبقى شاهدة على حضارة آمنت بأن الفن يمكن أن يهزم الزمن، وأنها لم تكن فقط حضارة الأهرامات والمعابد والكتابة.

آلات موسيقية سبقت عصرها
يلفت الكتاب إلى الاكتشافات الأثرية ساعدت على الكشف عن عالم موسيقى متطور فى مصر القديمة، إذ أظهرت أبرز الآلات الموسيقية وهى:
القيثارة المصرية
كانت من أشهر الآلات الوترية، وظهرت فى مشاهد الاحتفالات والولائم، وتميزت بأشكال متعددة.
الناى والمزامير
استخدمت فى المناسبات الدينية والاجتماعية، وكانت قادرة على إنتاج ألحان مختلفة.
الطبول والدفوف
اعتمدت عليها الاحتفالات الجماعية والمواكب، لما تمنحه من قوة إيقاعية.
السيستروم
هى آلة ذات قيمة دينية خاصة، ارتبطت بعبادة حتحور وبعض الطقوس النسائية. والأهم أن هذه الآلات تكشف عن مستوى متقدم فى الصناعة وفهم الصوت.







