الثلاثاء 15 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

من إبداع الصين.. فى المرآة لـ آى وى

حرف

قضى الأمرُ، واستقرَّ القضاءُ، ووقع المحذور الذى طالما تنبأت به النفسُ، ولم يبق إلا طريق واحد، طريق لا رجعةَ فيه. ولكنَّها، قبل أن ترحل، كانت بحاجة إلى أن تترك وصيتها للعالم، رسالةً أخيرةً تُلقى بها على مسامع الأحياء. لم تزل بعضُ الشوائب الدنيوية عالقة بها، ولم تفلح بعد فى التخلُّصِ منها تمامًا، والآن، حانت ساعةُ الفراق، ولم يبقَ لها إلا أن تطهر نفسها من بقايا الدنيا. لعله آخر ما يُمكنها أن تقدِّمه لمن سيأتى بعدها، لعلَه عمل لا طائل منه، أو لعله يزيد الطينَ بلة، لكنَها فى كل الأحوال مصرة على أن تقدمه. ربما كان عليها أن تأخذ سرها معها إلى العالم الآخر، إلى حيث تجزى كل نفس بما كسبت، ولكنَّها لم تفعل. رفعت بصرها إلى السماء، تُناجى ربَّها، وتسأله المغفرةَ على ما اقترفت يداها من ذنوب.

ارتدت إى رونج خاتمها وقلادة اليشم التى تتبرك بها، ثم نضت عنها ثيابها لتتزيّن بفستان أنيق. غطّت وجهها بوشاح محكم، كاشفةً عن عينين ترقبان العالم بترقب. بهذا الوشاح، بدت كإحدى المسلمات. كان عليها العودة إلى المنزل لإرسال وصيتها عبر البريد الإلكترونى، فالحاسوب هناك. خطر ببالها أن تستعير حاسوب محمول من صديق، لكنها لم تجد فى ذاكرتها من تقترض منه، فقد انقطعت عن أصدقائها القدامى منذ زمن. كانت إى رونغ لا تزال تحضر اجتماعات زملائها القدامى بعد استقالتها من وظيفتها الحكومية. فى إحدى تلك الاجتماعات، حضر رئيس مجلس الإدارة، وبعد أن شرب الخمر حتى الثمالة، روى قصة محاولته دخول غرفتها ليلًا خلال إحدى رحلات العمل إلى فرنسا. لكن إى رونغ، بحسّها اليقظ، استنجدت برجال الأمن الذين احتجزوا رئيس مجلس الإدارة طوال الليل. فى صباح اليوم التالى، شرحت إى رونغ الموقف لرجال الأمن، فأطلقوا سراحه. فى ذلك اليوم، بدا رئيس مجلس الإدارة حزينًا بعد أن أفاق من سكرته، وقال لها: «برغم ما فعلته، لا أستطيع أن أكرهك، بل حبى لك يصل لحد العبادة». وأثنى عليها لكتمانها الحادث. كانت إى رونج قد دفنت ذلك الحادث فى طيات النسيان، فقد تعرضت لمثل هذه المضايقات مرات عديدة. بعد ذلك، توقفت عن حضور اجتماعات زملائها. كانت تفكر فى رئيس مجلس الإدارة، فهو ليس رجلًا سيئًا، لكنه عبدللكأس، وبطبيعة الحال للغانيات كذلك - تلكم هى طبيعة الرجال. لا شك أنه ندم على ما بدر منه بعد الشراب. كان من المقبول أن يتفوه بمثل هذه الكلمات فى مكان آخر، لكن ليس أمام مرؤوسيه. كانت إى رونغ تخشى المشاكل، ولم يكن زوجها رون شنغ يعلم شيئًا عن كل هذا. ومن طرفها لم تخبره بذلك أبدًا.

آي وي
آي وي

لا شك أن السبب الأهم فى ذلك الوقت هو أنها لم ترغب فى أن يرى أصدقاؤها وجهها المشوه.

خرجت من جدران المستشفى الباردة، لتستقبلها شمس الصيف بحرارة مشرقة، تغمر الأرض بنورها الذهبى. بعد عشرة أيام قضتها فى ظلمة المستشفى الباهتة، كافحت عيناها للتأقلم مع سطوع الشمس الذى كاد يسلبها وعيها. أغمضت جفنيها برهة، تستجمع قواها، ثم فتحتها ببطء لتستقبل العالم من جديد. تحت أشعة الشمس الدافئة، تنفست الحياة فى كل شىء من حولها، وأيقنت أن جمال هذا العالم لم يتغير، وأن الأمل لا يزال ينبض فى قلب كل شىء.

استقلت سيارة الأجرة، وراحت عينا السائق تراقبانها عبر مرآة الرؤية الخلفية، يقظتين كعينى صقر، تخشى أن تكون قد حمل فى سيارته إرهابية تخفى تحت ثيابها الفضفاضة قنبلة موقوتة، تنتظر اللحظة المناسبة لتنفجر بها وسط حشد من الناس، فتزهق أرواح الأبرياء بمن فيهم هو. وكأنها أرادت أن تهدئ من روعه، أو ربما أرادت أن تمزح معه مزحة ثقيلة، كشفت إى رونغ عن جزء من وجهها المشوه. ورغم أنها كانت ترتدى واقيًا للذقن أعطاه لها الطبيب، إلا أن الجزء المكشوف من وجهها كان مرعبًا. فى لحظة، أصبح وجه السائق شاحبًا كالأشباح، وكاد يفقد السيطرة على السيارة ويصطدم بسيارة أخرى قادمة من الاتجاه المعاكس. أعادت تغطية وجهها وقالت للسائق بصوت هادئ: «لا تقلق، أنا مجرد مريضة». بدا صوتها مكتومًا وهى تتحدث من وراء وشاحها. لم يجرؤ السائق على النظر إليها مرة أخرى. كان السائق بمثابة مرآة، ومن خلال هذه المرآة تأكد لها مرة أخرى كم كانت مخيفة.

بعد فترة وجيزة، وصل السائق بإى رونج إلى المنزل.

كما تنبأت إى رونغ، كان الصمت يخيم على المنزل يغيب عنه أى أثر للحياة. مضت عشرة أيام منذ أن وطأت قدماها عتبته للمرة الأخيرة. وبدت أركانه باردة موحشة كأنها تنوح لفراق إى مينغ وإى باى، تلاشت الألفة التى كانت تكلل زوايا البيت، فتحولت كلها إلى غرباء متجهمين. ضربت الفوضى أطنابها فى كل مكان، ربما أكثر مما كانت عليه لحظة مغادرتها، وكأن المنزل يعكس حالة سكانه. أدركت أن رون شنغ قضى أيامه وحيدًا منعزلًا، فالمطبخ خالٍ من أى أثر للطهى، وكأنه مرآة تعكس وحدته وعزلته.

دخلت إلى عالم إى مينغ، كأنها تخطو إلى عالم آخر. اصطفت على حافة النافذة كتيبة من الأبطال، كل منهم يحمل طبيعة مختلفة ونقاط قوة متميزة، عالمٌ كاملٌ من الخيال احتضنه إى مينغ فى غرفته الصغيرة. هنا أوتومان، وترانسفورمرز، وسبايدرمان، وسوبرمان، والجوكر، شخصياتٌ من عوالم مختلفة اجتمعت فى وئام، كأنه يخلق لروحه رفقة فى وحدتها. لم يكونوا مجرد دمى، بل رفاق شاركوه لياليه الطويلة وأحلامه الوردية، وملأوا فراغًا لم يستطع سواه فهمه. انتقلت إى رونغ إلى غرفة إى باى، عالمٌ مغايرٌ تمامًا. على الجدران، لوحاتٌ ملونةٌ للطيور تحلق فى سماء الخيال، وعلى الأرض، مزرعةٌ مصغرةٌ نابضةٌ بالحياة. ديكٌ يتباهى بريشه، دجاجاتٌ تتناول طعامها، قطةٌ تلعب مع خنزيرٍ ودود. عالمٌ برىءٌ ملىءٌ بالحب والحيوانات يعكس روح إى باى الطفولية. لمعت عينا إى رونغ عندما وقعت على دفتر يوميات إى باى. رموزٌ غامضةٌ تزين صفحاته، رسوماتٌ تحمل أسرارًا لا يفهمها إلا قلب إى باى الصغير. هل كانت هذه هى الطريقة التى سجلت بها مشاعرها؟ تذكرت إى رونج كيف كانت إى باى تخجل عندما تطلب منها أن تقرأ لها من دفترها، وكيف كانت تروى لها قصصًا قصيرةً غير منطقية. ألمٌ حارقٌ اعترى قلب إى رونغ، كأن الأرض انشقت تحت قدميها. أشياء أطفالها البريئة أصبحت بعيدةً عنها، كأن مجرد لمسها سيجعلها تتلاشى إلى الأبد.

دفعت إى رونغ باب مكتب رون شنغ، وارتسمت على وجهها ملامح الحزن والأسى. وقعت عيناها على صندوقين، أحدهما أسود كظلمة الليل، والآخر قانى كجرح نازف، وأدركت فى تلك اللحظة أن هذين الصندوقين يحملان رماد شقيقيها إى مينغ وإى باى. عادت بها الذاكرة إلى ذلك اليوم المشئوم، يوم الحادث المروع الذى خطف منهما الحياة فى غمضة عين. وتذكرت نظرة إى مينغ الأخيرة، تلك النظرة التى ظلت محفورة فى ذاكرتها كوشم أبدى. تلكما العينين المليئتين بالدهشة والتساؤل، وكأنه طفل صغير توقفت لعبته فجأة دون سابق إنذار. لم يسكن الخوف عينيه، بل كان هناك بريق من الفضول تجاه العالم الذى تركه وراءه دون أن يكمل استكشافه.

لم يعد بمقدورها كبح جماح نفسها، فمدّت يديها المرتعشتين واحتضنت علبتى الرماد بكل ما أوتيت من قوة. شعرت بغصة خانقة تسدّ حلقها، تمنعها من التنفس. ومن خلال رف المكتبة الزجاجى، رأت عروق عنقها تنتفخ وتتلوى كديدان خضراء تحاول خنقها. سمعت دقات قلبها تتسارع كطبول الحرب، شعرت بأنها على وشك الموت. حاولت بشدة نزع الحجاب الذى يخنقها، لكنه كان يقاومها وكأنه هو الآخر يشارك فى عذابها. وفقط عندما انطلقت شهقات بكائها الحارقة من أعماق حلقها، تمكنت من استعادة أنفاسها. كانت هذه المرة الأولى التى تبكى فيها بحرقة منذ أيام. وبسبب شدة انفعالها، شعرت كأن قلبها قد انسل من بين ضلوعها، محاولًا احتضان الصندوقين هامسًا بأسف عميق: «آسف، أنا آسف...». أدركت حينها عجز الكلمات عن وصف ما يجيش فى النفس من ألمٍ وشوق، وعلمت أن الوقت قد فات، وأن لا شىء يمكن أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

من خلال عينيها الدامعتين لمحت طائرين يحلقان فى سماء الحرية عبر النافذة. وفجأةً، كأنما استفاقت الحديقة من سباتها، اندفعت المياه من نافورة المجمع السكنى فى مشهد بديع، وتهادت معها أنغام موسيقية هادئة كأنها همس الطبيعة. كانت النافورة، التى تتراقص وسط المساحات الخضراء مرة أو مرتين كل يوم، تارة تعزف ألحانًا من أوبرا «لا أحد ينام الليلة»، وتارة أخرى تتغنى بأنغام «زواج فيجارو». فى أيامها الخوالى، عندما كانت ربة منزل، كانت تحدق طويلًا فى تدفق المياه المتراقصة نحو السماء، وهى تنحدر على الأغصان المحيطة بها، تهزها برقة كأنها أم حنون تهدهد طفلها. كان هذا المشهد يبعث فى نفسها قوة الحياة، وفى الوقت نفسه، يلامس ضعفها الخفى، فقد كاد طفل يفقد حياته فى هذه النافورة ذات يوم.

تسلل الإرهاق إلى أوصالها، فخفتت شهقاتها رويدًا رويدًا حتى سكنت. وضعت الصندوق الصغير الذى يحوى رماد أحبتها على الأرض، ثم استكانت بجوارهما، تستعيد ذكريات بعيدة تتراءى لها كظلال باهتة. تذكرت كيف كان الولدان كألعابهما، كل منهما فريد ومختلف عن الآخر، كما تختلف ألعابهم وتتنوع.

احتفظت إى رونغ من قبل فى بستانها بطائرين من فصيلة «العصفور ذو السبعة ألوان»، الذكر الذى سمى إى مينغ برأسه الأسود والأنثى التى سميت إى باى برأسها الأحمر. كانت إى باى تهيم عشقًا بالعصفور المسمى إى مينغ، ترافقه حيثما حلّ، وترعى شئونه. كانت إى باى تطلق سراحهما بين الحين والآخر ليحلقا فى الفناء ويلعبا بين غابة الخيزران، فيضفيان على المكان بهجة وسحرًا. وفى يوم من الأيام، سافرت إى رونغ مع رون شنغ، برفقة إى باى، إلى مدينة نانجينغ. قبل أن تغادر إى باى، أوصت إى مينغ برعاية الطيور، فوعدها بذلك بكل سرور. لكن سرعان ما ضجر إى مينغ من إطعام الطيور وتنظيف أقفاصها يوميًا. وفى اليوم الثالث من غياب إى باى، أخذ إى مينغ الطيور إلى قمة بى قاو فنغ، وأطلق سراحهما ليحلقا فى السماء. وعندما عادت إى باى، اختلق إى مينغ قصة من نسج خياله، أخبرها أنه كان يتمشى مع الطيور فى الشارع عندما التقى رجل دين من معبد لين يين القريب. أخبره رجل الدين أن هذين الطائرين هما فى الأصل من لوحة جدارية فى المعبد، وقد أصبحا من الخالدين بعد الاستماع إلى الترانيم لسنوات عديدة. ولأنهما من طيور الخالدين، فلا ينبغى تربيتهما فى منزل عادى. 

لعل قلب إى مينغ قد تألم لألم أخته الصغيرة على فراق عصفوريها الأثيرين، فراح يبحث عن هدية يمكن أن تخفف بعض الشىء من حزنها. وقع اختياره حينها على مجموعة نادرة من العملات السحرية المستوحاة من عالم «هارى بوتر» الخيالى، تلك التى طالما تمنت إى باى اقتناءها. همس لها إى مينغ بصوت دافئ يحمل بين طياته حنينًا عميقًا: «هذه ليست مجرد عملات، إنها بوابة سحرية. تمنى أمنية فى الليلة الظلماء، وستحلق حولك هيدويك وإيرما كأنها لم يغادرا أبدًا، سترينهما مجددًا يا صغيرتى».

لم تتوقف إى باى عن الحديث عن طيورها الأثيرة طيلة الرحلة، وعندما عادت إلى المنزل وعرفت أن إى مينغ قد أطلق سراحهما، سكنها الحزن. أدرك رون شنغ نوايا إى مينغ الخبيثة، يعرف أن ابنه قد فعل ذلك عن قصد، ببساطة لم يكن يرغب فى رعاية الطائرين فوهبهما الحرية، ولم يكن راهب معبد لين يين المزعوم إلا ذريعة اخترعها إى مينغ.

اشتعل غضب رون شنغ كالجمر، كيف لهذا المتهور أن يتخلى بدم بارد عن شىء عزيز على قلب إى باى؟ أليس من الواجب عليه الاعتذار؟ لكن إى مينغ العنيد المتغطرس، يرفض الاعتراف بخطئه، بل وينظر لرون شنغ بنظرات مليئة بالازدراء. هنا استبد الغضب برون شنغ، وكاد يضرب إى مينغ لولا تدخل إى رونغ كالنمرة تحمى صغيرها بجسدها، صارخة فى وجه رون شنغ: «أتجرؤ على ضرب طفل؟!» تنفس رون شنغ الصعداء، فصرخة إى رونغ كانت كطوق النجاة بالنسبة له. لم يكن يرغب فى ضرب إى مينغ بأى شكل من الأشكال، ولكن عناده أعمى بصيرته.

فى ذلك اليوم، أحضرت إى رونج من نانجينج طبق البط المملح، وهو الطبق الذى يعشقه رون شنغ. لكنه لم يلمسه. ظنت إى رونغ أنه غاضب منها، نادم على ما بدر منه. رأته يقف أمام النافذة، ينظر إلى الخارج حيث تتراقص أوراق الشجر الخضراء الكثيفة خلف نافورة المياه. بعدها اقتربت منه إى باى، قالت له محاولةً تهدئته: «لا تحزن يا أبى، سيعودان، كف عن لوم أخى».

لهفى عليك يا زهرة قلبى، لن يعودا، مثلك تمامًا، بالتأكيد سأكف عن لوم أخيك، فلم يتبق منه ومنك إلا حفنتى رماد، أما الحزن، فأصبح قدرى المرسوم بين عينى.

غابت العصافير، وغيبت معها إى رونغ وإى باى، ترى هل تحمل الأرواح تلك الذكريات زادًا لها فى رحلتها إلى الأبدية؟ لو كان لها مكان فى ثنايا الأرواح عند مفارقة الأبدان، لكان للرحيل معنى آخر، وللغياب نكهة أمل.