المؤرخ المغامر.. اجتهادات حسين مؤنس فى التفسير التاريخى للقرآن
- حسين مؤنس كان مجددًا جسورًا لدرجة قد تعتبرها مخيفة.. كان مهتمًا بوضع الآيات فى سياقها التاريخى ويحاول قراءتها من خلال الأحداث التى أطاحت بها
- كان يقول دائمًا: إذا أردنا أن نحقق مراد الله من القرآن فليس علينا إلا أن نهتم بالعلم الحقيقى والعمل الجاد
- الإنسان إذا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل عالمًا واسعًا من الحضارة والرقى
- الإسلام جامع فضائل الإنسانية وفيه عز لكل من دخل فيه
فاتنى الكثير لأننى تعرفت متأخرًا على الدكتور حسين مؤنس، أستاذ التاريخ الإسلامى بجامعة القاهرة، وأثق أن كل من لم يقرأ له ما أنتجه من مقالات ودراسات وبحوث وكتب فاته الكثير أيضًا.
عاش حسين مؤنس حياة طويلة بدأت فى 28 أغسطس 1911 وانتهت فى 17 مارس 1996، وما بين التاريخين حياة علمية حافلة تنقّل خلالها بين إسبانيا والكويت عاملًا فى معاهدهما وجامعاتهما، ثم مستقرًا بعد ذلك فى مصر بجامعة القاهرة، ثم رئيسًا لتحرير مجلة «الهلال» وبعد ذلك كاتبًا منتظمًا فى مجلة «أكتوبر».
كان مؤنس، ومن خلال مطالعاتى لكتاباته، مؤرخًا أخذ نفسه بالانضباط العلمى، كان ولاؤه المطلق لما يعتقد أنه الحقيقة، وربما لهذا لم يحظَ بالشهرة الشعبية اللائقة به.

نظام حياة حسين مؤنس وأخذ نفسه بالشدة فى عمله وبُعده عن الحياة الاجتماعية والشللية كان سببًا فى ألا يكون نجمًا إعلاميًا، وهو ما تدلنا عليه ابنته منى فى كتابها «فى بيت حسين مؤنس».
تقول منى: بسبب عمله كانت حياة أبى الاجتماعية محدودة جدًا، فلم يجد وقتًا لذلك، فعلى سبيل المثال لم أره أبدًا يخرج لمقابلة صديق أو يستقبل صديقًا لتمضية بعض الوقت إلا لو كان بينهما عمل ما، ولم أره يطيل المكالمة بالتليفون أو يذهب إلى أحد النوادى أو ينضم إلى شلة أصدقاء يسهر معهم، فحياته كانت عملًا ثم عملًا ثم عملًا، وكان هذا العمل المستمر بالنسبة له هو لذته الحقيقية فى الحياة ومتعته.
هذا النظام الصارم جعل حسين مؤنس منتجًا لعدد من الكتب المهمة التى يمكن أن تجدها متوافرة إلكترونيًا بسهولة.
من أهم كتبه، الكتاب الذى نعتبره مرجعية مهمة فى حديثنا عن الهوية المصرية، وهو كتاب «مصر ورسالتها.. دراسة فى خصائص مصر» الذى صدر فى العام ١٩٥٥.

وهو الكتاب الذى يبدأه بقوله: فى البدء كانت مصر، قبل الزمان ولدت، وقبل التاريخ، هنا بدأ كل شىء: الزراعة والعمارة والكتابة والورق والهندسة والقانون والنظام والحكومة، وهنا وقبل كل شىء ولد الضمير، هكذا قال جيمس هنرى بريستد فى كتاب جليل عن مصر عنوانه «فجر الضمير».
ويضيف: هنا بدأ كل شىء، وهنا عاش كل البشر، هنا عاش رسل وأنبياء وحواريون، لم يذكر الله فى كتابه العزيز بلدًا باسمه إلا مصر، هنا خرج الإنسان، وبدأ رحلته عبر القرون نحو الخير والسعادة، من هنا بدأ العلم والفن والفكر، وكما كانت مصر فى كل زمان، فهى أيضًا كائنة فى كل مكان.
وفى فخر حقيقى يقول: المصريون يقولون: مصر أم الدنيا، حقيقة كبرى يقولونها دون أن يدركوا مغزاها، نعم أم الدنيا، بل هى الدنيا، ولو عرف كل مصرى قدر مصر لما كفاه أن يعمل لها بيديه وأسنانه وعقله عشرين ساعة فى اليوم، بهذا فقط يكون المصرى جديرًا بمصر.
بعد أن تنتهى من هذا الكتاب ستكتشف أنك أمام قصيدة مدح كبيرة فى مصر، أغنية رومانسية ضافية ترصد محاسنها وتسجل رسالتها التى خلقها الله من أجلها، وهو ما يشى بوطنية صاحبها الخالصة.
تشغلنى هنا كتابات حسين مؤنس فى التاريخ الإسلامى، ليس بسبب كثرتها فقط، ولكن لأنه كان فيها مؤرخًا مغامرًا، فارق المألوف، وخطا خطوات لم يخطُها أحد من قبله، وفى بعضها كان مجددًا جسورًا لدرجة قد تعتبرها مخيفة، فهذا الرجل جاء بالفعل بما لم يأتِ به الأوائل.

فى قائمة كتبه المهمة يمكن أن نقابل «الحضارة.. دراسة فى أصول وعوامل قيامها وتدهورها» و«التاريخ والمؤرخون.. دراسة فى علم التاريخ» و«أطلس تاريخ الإسلام» و«الإسلام حضارة» و«دراسات فى السيرة النبوية» و«المرأة فى منظومة الإسلام» و«الإسلام فى عشرين آية» و«دستور أمة الإسلام.. دراسة فى أصول الحكم وطبيعته وغايته عند المسلمين» و«تنقية التاريخ الإسلامى».

من بين ما فعله حسين مؤنس كان اجتهاده الواضح فى تفسير القرآن من خلال مدخل تاريخى أجاده، ولم يكن هذا المدخل معنيًا بأسباب النزول كما فعل السابقون، ولكنه كان مهتمًا بوضع الآيات فى سياقها التاريخى، يحاول أن يقرأها من خلال أحداث التاريخ التى أحاطت بها، وكذلك ما أضافته أحداث التاريخ التى تلتها.
لم يدّعِ حسين مؤنس أبدًا أنه كان مفسرًا للقرآن، لكنه فيما أعتقد أراد أن يضع أمام المفسرين ممن سيأتون بعده فكرة واضحة؛ وهى أننا يمكن أن ندخل إلى النص القرآنى من مداخل عديدة غير المداخل التقليدية التى اعتاد عليها المفسرون السابقون، الذين كانوا أبناء لزمانهم وعطاءته.
فى كتابه «الإسلام فى عشرين آية» يقدم لما فعله، بقوله: هذا أسلوب جديد فى فهم الإسلام، فقد رأيت أننا نكتب كثيرًا جدًا عن الإسلام، ولكن كتابتنا التقليدية مملة، والكثير منها لا يعتمد الاعتماد الكافى على القرآن الكريم، فاخترت عشرين آية من القرآن وفصّلت الكلام فيها، واجتهدت فى أن أجعل فى كلامى خصائص هذا الدين العظيم، وسترى أننى أبسط لك من جمال الإسلام، وأؤيد ما أقول بالآيات القرآنية فيكون لكلامى فيما أرجو طعم جديد، وصور أدبية فنية ممتازة.

توقفت فى هذا الكتاب من بين الآيات العشرين عند تفسيره الآية الكريمة «منْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزّةَ فَلِلّهِ الْعِزّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلمُ الطّيّبُ وَالعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ» وهى الآية رقم ١٠ من سورة فاطر، وهذا بعض مما قاله فيها.
كان يرى أن المسلمين بإمكانهم الوصول لقمة العزة لو أنهم عملوا بما تتضمنه العقيدة الإسلامية
يبدأ مؤنس قراءته لهذه الآية بقوله: إذا كنت مسلمًا صحيح الإسلام، فإنك لا بد أن تكون محزون القلب على أحوال المسلمين اليوم، فقد أخذوا أعظم هدية أهداها الحق، سبحانه وتعالى، للناس، ولم ينتفعوا بها، وكان فى إمكانهم أن يصلوا بها إلى قمة العزة والقوة والنجاح فى هذه الدنيا والآخرة، لو أنهم صدقوا فى إيمانهم وعملوا بما تتضمنه العقيدة الإسلامية من هدى رشيد، ولكننا مع الأسف البالغ ضيعنا الجوهرة الغالية، وقنعنا بعد ذلك بالتراب.

ويضيف: والعجب مع ذلك أن تجد المسلمين يلقون المسئولية فى ذلك التخلف الذى هم فيه على الآخرين، وقد ضمنى منذ حين مجلس دار الحديث فيه عن المستشرقين، فتبارى القوم فى الحملة عليهم، كأنهم هم المسئولون عما تعانيه أمم الإسلام، ولم أشترك فى المناقشة لأننى أحسست أننى فى وادٍ وأصحابنا أبطال الحملة على المستشرقين فى وادٍ، وأنا أعرف معظم ما كتب المستشرقون عن الإسلام، ولكن لا ألومهم على شىء مما كتبوه، لأن الواقع أنهم لم يكتبوا لى ولا لأحد من المسلمين، ولكن لأقوامهم، والغالبية العظمى من أهل الاستشراق لا يؤمنون بالإسلام، وقراؤهم مثلهم، وما داموا جميعًا كفارًا يديرون الكلام فيما بينهم، فما شأننا بهم وبما يقولون؟ وما دام الإنسان كافرًا بالإسلام منكرًا لحقيقته ففيمَ نلومه؟ وفى أكثر من آية قرآنية يأمر القرآن رسولنا أن يدع الكفار فى غيهم فما هو بمستطيع هداية إنسان واحد إلا أن يريد الله.
يقول مؤنس: ما كان الرسول فى يوم من أيام حياته فقيرًا ولا محتاجًا
يلوم حسين مؤنس المسلمين لأنهم إلى يومنا هذا لم ينتبهوا لفضائل الإسلام، ولم يعرفوا كيف ينتفعون بها، وقد رأى أن القرآن الكريم قد حوى كل أسرار العزة والقوة للمؤمنين به، إذا عرفوا كيف يفيدون منها كما علمهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقد كان الرسول يعرف أن الإسلام إيمان وعلم وعمل، والإيمان الإسلامى لا يكون صحيحًا إلا إذا كان إيجابيًا، أى حافزًا للمؤمن على السير فى الاتجاه السليم والتزام الفضائل وطلب العلم والاجتهاد فى توجيه العلم فى صالح الحياة.
يقول: عندما أقرأ تفاسير القدماء للقرآن الكريم أعجب بما بذلوا من الجهد فى تفصيل شكليات العبادات، ولكنى أتعجب من وقوفهم عند الظواهر وتركيزهم الكلام على الشكليات، وعبادات الإسلام قليلة، والقيام بها على وجهها يتطلب منك خلوص النية والصدق مع نفسك ومع الله، سبحانه وتعالى، وأنا منذ وعيت لم أقصّر فى حق من حقوق الله، سبحانه، ولا أذكر أن ذلك كلفنى وقتًا يذكر لأننى لا أنسى أن الله، سبحانه، أمرنا بأن نقضى صلاتنا وهى أم العبادات، ثم ننتشر فى الأرض فى طلب الرزق، ومن عجب بعد ذلك أن تجد الكثيرين من المسلمين يرجون من الله أن يرزقهم وهم قعود مكافأة لهم على الصلاة والصيام، وقد فاتهم أن العبادات شىء وطلب الرزق شىء آخر. حقًا إن العبادات توجهك إلى طلب الرزق فى الطريق السليم، ولكن الله، سبحانه، يرزق كل إنسان على قدر عمله، حتى لو كان كافرًا، وها أنت ذا ترى الأرزاق الواسعة التى يملكها الكفار فى أيامنا هذه، وإنه لمن العار علينا نحن المسلمين أن نرضى بهذه الأوضاع التى نعيش فيها، ولو رآنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على هذه الحال لما رضى عنا قط، لأن رسول الله كان يرى أن الإيمان والعزة صنوان، والمؤمن يعزه إيمانه وكذلك عمله.

يفسّر «مؤنس» العزة فى الآية بأنها القوة والغنى وارتفاع الشأن، ولو كنا مؤمنين بالإسلام حق الإيمان لكنا أعزة بهذا الإيمان، وقد كان رسول الله يعزّ نفسه وأصحابه بالعمل.
يقول: أخطأ القدامى عندما قصروا العمل على العمل الدينى، أى القيام بالعبادات، مع أن الأعمال الصالحة تشمل العبادات وكل عمل يؤتى الإنسان خيرًا فى هذه الدنيا، وكان رسول الله آية فى الاجتهاد والعمل، وكذلك كان أبوبكر وعمر بن الخطاب، وإن الإنسان لا يصدق أن أبا بكر وأصحابه معه استطاعوا القضاء على المتنبئين والمرتدين وإعادة وحدة الأمة فى أقل من عام، وأنا أعجب بالكثير جدًا فى أبى بكر وعمر، ولكن أكثر ما يستدعى الإعجاب فيهما هو ذلك العمل المتصل لما فيه خير المؤمنين، وكان عمر إلى جانب عباداته لا يكف عن العمل، حتى إنه كان ينفق الساعات فى قراءة كتب القواد الذين يقومون بالفتوح، ويعيد قراءة الكتاب أكثر من مرة، ولكى يستوعب المعلومات التى يفضون بها إليه كان يرسم بعصا صغيرة على الرمل خرائط المعارك لكى يتصور مواقف المسلمين تصورًا صحيحًا، وفى بعض الأحيان تحس أنه مع القادة والجنود فى المعارك، وهذا لا يكون إلا بجهد فکری بالغ.

ويرى «مؤنس» أن من أكبر أسباب انتصارات المسلمين الأوائل هو تمسكهم بالصدق الكامل فى كل ما يقولون، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يتحرى الصدق فى كل شىء، حتى فى معاملته للكفار، وكان الكفار والمنافقون يكذبون عليه، وكان يعرف أنهم کذابون، ولكنه مع ذلك كان لا يعاملهم إلا بالصدق، لأن الصدق قوة كبرى، وأن أصحابه يصدقون معه فى كل شىء، وكان يقدر الناس على قدر صدقهم، والقرآن الكريم امتدح الصدق، وحث المؤمنين عليه، ومن أسف أن أمم الإسلام فى العصور الماضية نسيت الصدق، وتعاملت بالخداع والكذب، ومن منتصف العصر الراشدى دخل الكذب حياة المسلمين، ومع الكذب دخل الفقر والضعف، وقد رزق الله أمة الإسلام فى عصر الفتوح من الأموال ما لم يكن يخطر على بال مسلم، ولو أن أمة الإسلام شكرت الله، سبحانه، بالصدق فى المعاملة لما نزلت بها مذلة أبدًا.
ويأخذ حسين مؤنس من سيرة عمر بن الخطاب أمثلة على معرفته فضل الصدق وحثه الأمة على الالتزام به، وحتى يؤكد ذلك يستعرض خطاباته إلى عماله وقادته، والتى تبين أن عمر ابن الخطاب وجيله من الصحابة قد بلغوا ما بلغوا من النصر والسيادة بفضل ما آتاهم الله من الإيمان العميق بالله وحرصهم على الفضائل، وإن الإيمان العميق والتمسك بفضائل الإسلام كان فى الحقيقة سبب تلك القوة الهائلة التى جعلتهم أقوى من أى عدو لقيهم مهما كان سلاحه.
الرسالة الأولى أرسل بها عمر إلى قادته فى معركة اليرموك، والخطاب وارد فى كتاب «أنساب الأشراف» للبلاذرى، قال: عن سماك قال: سمعنا عياضًا الأشعرى قال: شهدنا اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبوعبيدة بن الجراح ويزيد بن أبى سفيان وشرحبيل بن حسنة وخالد بن الوليد وعياض- وليس عياض هذا بالذى حدث سماكًا- قال: قال عمر: إذا كان قتال فعليكم أبوعبيدة، قال: فكتبنا إليه: إنه قد جاش إلينا الموت «يريد أن الأعداء تجمعوا عليهم وهو يخشى أن يقضوا على المسلمين»، واستمددناه، فكتب إلينا: إنه جاءنى كتابكم تستمدوننى، وإنى أدلكم على من هو أعز نصرًا وأحضر جندًا: الله عز وجل.. فاستنصروه. فإن محمدًا قد نُصر يوم بدر فى أقل من عدتكم، فإذا آتاكم كتابى هذا فقاتلوهم ولا تراجعونى.. قال: فقاتلناهم فهزمناهم.
يعلّق «مؤنس» على هذه الرسالة بقوله: انظر إلى هذا الرجل العظيم، ثقته فى الله وإيمانه الذى لا يتزحزح بأنه سبحانه ناصر من ينصره، وهو يقول لرجاله وهم يواجهون الموت فى معركة دامية: لا تستنصرونى أنا، فإننى لا أملك لكم نصيرًا، ولكن استنصروا الله سبحانه، فهو العزيز ذو القوة، وهو أعز نصرًا وأحضر جندًا، ثم يضرب لهم المثل الخالد: مثل انتصار رسول الله وأصحابه يوم بدر وقد كانوا أقل عدة من المسلمين يوم اليرموك، ولكنهم كانوا أعزة بإيمانهم، وهم عندما آمنوا بالله إيمانًا صادقًا أعطاهم جل جلاله جانبًا من عزته، فإن العزة لله وحده، وهو يهب منها ما يريد للمؤمنين الواثقين، وتصبح العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ثم ينصح رجاله باستنصار الله سبحانه ويقول لهم: إنه لن يرسل إليهم أحدًا فعليهم لقاء العدو دون أن يراجعوا عمر، ففعلوا ونصرهم الله النصر المؤزر، وإنما نصرهم الله بإيمانهم العظيم، وتلك هى الروح التى ينبغى أن يواجه المسلم بها مشاكله، فهى مهما عظُمت لا تثبت للإيمان الصادق، وهذا هو الذى ينقصنا اليوم، فنحن اليوم نقف عاجزين أمام المشاكل، لأن قلوبنا فى الحقيقة خالية من الإيمان الحقيقى.
الرسالة الثانية كانت من عمر إلى سعد بن أبى وقاص، يقول: إنى قد ألقى فى روعى أنكم إذا لقيتم العدو هزمتموه، فاطرحوا الشك وآثروا التقية عليه، فإن لاعب أحد منكم أحدًا من العجم بأمان، أو قرفه بإشارة أو لسان كان لا يدرى الأعجمى ما كلمه به، وكان عندهم أمانًا، فأجروا ذلك مجرى الأمان وإياكم والضحك، الوفاء الوفاء، فإن الخطأ بالوفاء بقية وإن الخطأ بالغدر الهلكة، وفيها وهنكم وقوة عدوكم وذهاب ريحكم وإقبال ريحهم، واعلموا أنى أحذركم أن تكونوا شيئًا على المسلمين وسببًا لتوهينهم.
يقول «مؤنس»: هذا الخطاب القصير من عمر بن الخطاب إلى قائده سعد بن أبى وقاص يضم من جلائل الفضائل الإسلامية التى تميز بها هذا الرجل العظيم وجيله ما هو جدير منّا بأن نفصله تفصيلًا، فإننى لا آتى بهذه الأمثلة رغبة منى فى مجرد التمديح بالماضى كما يفعل الكثيرون منّا، وإنما أنا أريد منك أن نقف منه على جوانب القوة والعزة التى يودعها الإسلام فى قلوب المؤمنين الصادقين به، وإليك تفصيل الحكمة العمرية التى ضمنها هذا الرجل فى خطابه قائلًا لسعد: إنه يحس إحساسًا عميقًا بأنهم إذا لقوا العدو هزموه، ولهذا فهو يوافيهم بنصائحه التى ينبغى أن يسيروا عليها بعد النصر حتى يستمروا منصورين إن شاء الله، فعليهم ألا يشكوا أبدًا فى أن الله ناصرهم، وبدلًا من الشك فإن عليهم أن يملأوا قلوبهم بتقوى الله، والتقوى هنا ليس معناها التقية، أى الخوف من الله، فإن المؤمن الحق يحب الله، وهو عندما يقول إنه يخافه يريد أن يقول إنه يحبه، فكأن عمر يقول لهم: إن خير ما يفعلونه هو أن تمتلئ قلوبهم بمحبة الله فيؤتيهم سبحانه النصر والعزة، وعمر يعلم أن المسلمين بعد أن يكسروا قوة الفرس ويبددوا جيوشهم، تنفتح البلاد أمامهم ويصبح العجم من أهل العراق وفارس وجهًا لوجه مع المسلمين، وهؤلاء الأعاجم خضعوا لطواغيت الفرس سيسارعون بإعلان طاعتهم للمسلمين أملًا فى أن يجدوا العدل عندهم، ولكن أولئك الناس لا يعرفون العربية، ولا العرب يعرفون العجمية، ولهذا فإن تفاهم العرب مع الأعاجم سيكون بالإشارة، وستصدر عن أولئك الناس إشارات باليد، أو ستصدر عنهم كلمات معناها أنهم يريدون الأمان مع العرب، فعلى العرب أن يعتبروا أى إشارة تصدر من أولئك الناس، ومعظمهم فلاحون فى القرى، طلبًا للأمان، وواجب العرب أن يؤمّنوهم فى الحال. ثم يحذّر عمر المسلمين من الضحك والسخرية بالناس، فإن أولئك الناس عانوا من ظلم حكام الفرس الكثير، ولهذا فإن الفزع سيصيب الكثيرين منهم، فتصدر عنهم أعمال فيها بعض ما يضحك، وحذارِ من الضحك فى أمثال هذه المواقف، فإن معناه أن العرب يستخفون بالناس، وهذا الاستخفاف بالضعفاء الخائفين ليس من أخلاق المسلمين، ولهذا فإن عليهم احترام أولئك الناس وإقناعهم بالتصرف الحسن الكريم، إنهم يمثلون الإسلام، وهو جامع فضائل الإنسانية، وفيه عز لكل من دخل فيه. ثم يأمر عمر المسلمين بالوفاء، لأن الوفاء فضيلة إسلامية وإنسانية، والمسلم الصادق لا يمكن إلا أن يكون وفيًا، وحتى لو كان الوفاء خطأ، وتبين بعد ذلك أن أولئك الناس الذين وفّى لهم كانوا مخادعين، فإن وفاء المسلمين بعهودهم فيه بقاؤهم مهما كانت النتائج، وإذا أخطأ المسلمون وغدروا كان فى ذلك هلاكهم، والغدر ضعف غير لائق بالمسلمين، وفيه ضعفهم وقوة عدوهم، وإذا غدر المسلمون بالناس انهزموا بعد ذلك وذهبت ريحهم، وانتصر عليهم الأعداء وأقبلت ريح أولئك الأعداء، ثم يحذّر المسلمين من مغبة الغدر والخيانة، ويرجوهم ألا يكونوا عارًا على أمة الإسلام وسببًا من أسباب ضعفها، فانظر والله إلى هذا العقل العمرى العظيم الذى أعزه الله بالإيمان، وفاض قلبه بالعزة، حتى ليبلغ من روح الجد عند هذا الرجل أن يقول للمسلمين إنهم إذا لم يكونوا صادقين معتزين بدينهم متمسكين بفضائله، ذهب أمرهم وغلبهم غير المسلمين.
ويربط حسين مؤنس بين العزة والعلم، كما ربط بينها وبين الصدق، يقول: إن المسلم الحق لا يصح أبدًا أن يكون جاهلًا، فإن القرآن علم، والإسلام علم، والعلم هو قوة الإسلام الكبرى.
ويأتى «مؤنس» مرة ثالثة برسالة من عمر بن الخطاب يظهر فيها حرصه على العلم، وهو فى هذا الخطاب لا يطلب أى علم، بل يريد العلم الدقيق المفصّل حتى يتصرف على ضوئه.
كتب عمر إلى سعد بن أبى وقاص يقول: أما بعد.. فتعاهد قلبك، وحادث جندك بالموعظة والقوة والحسبة، ومن غفل عنهما فليحدثهما «أى أن المسلم إذا أحس أنه غفل عن الموعظة والقوة واحتساب أعماله كلها فى سبيل الله فليذكر نفسه بذلك وليعد إلى الإيمان السليم»، والصبر الصبر، فإن المعونة تأتى من الله على قدر النية، والأجر على قدر الحسبة، والحذر الحذر.. على ما أنت عليه وما أنت بسبيله، وأسألوا الله العافية وأكثروا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله. واكتب إلى أين بلغ جمعهم؟ ومن رأسهم الذى يلى مصادمتكم؟ فإنه قد منعنى من بعض ما أردت الكتاب به قلة علمى بما هجمتهم عليه، والذى استقر عليه أمر عدوكم، فصِفْ لنا منازل المسلمين والبلد الذى بينكم وبين المدائن صفة كأنى أنظر إليها، واجعلنى من أمركم على الجلية، وخف الله وارجه ولا تدل بشىء، واعلم أن الله وعدكم، وتوكل لهذا الأمر «أى للإسلام» بما لا خلف له، فاحذر أن تصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم.
ويعلّق «مؤنس» على هذه الرسالة بقوله: عمر هنا يعتمد فى تصرفه على خصلتين إسلاميتين أساسيتين: الإيمان الكامل بالله سبحانه، ثم بالعلم، وهو هنا لا يطلب من سعد بن أبى وقاص أى علم، بل العلم الكامل بالجبهة وما فيها، فهو يطلب إلى سعد أن يصف له البلاد التى يحارب فيها وصفًا بالغ الدقة، صفة كأنه ينظر إليها، ويجعله من أمرهم على الجلية، وهو هنا يطلب تقريرًا مفصلًا يتصرف على ضوئه، وعمر هنا يتحدث بلسان رجل من أبناء عصرنا وهو عصر العلم، وهو يعلم أن النجاح فى الحياة لا يكون إلا بالجد البالغ والعلم الدقيق ليكون التصرف على أساس من العلم، وهو يحذّر المسلمين فى آخر خطابه ألا يتخلوا عن الإيمان الصادق الكامل، لأنهم إذا فعلوا ذلك انصرف عنهم الله، سبحانه، ونظر إلى قوم غيرهم.
ويجمع «مؤنس» بين العلم والإيمان، فيقول: نحن اليوم نعيش فى عصر الإيمان والعلم، ولا يقعن فى بالك قط أن الأمم القوية السائدة فى عصرنا غير مؤمنة، إنهم يؤمنون بأنفسهم وبما يعلمون، والروس الذين نقول إنهم لا يؤمنون بالله، يؤمنون بأشياء ثلاث لا شك عندهم فى أنها أساس قوتهم ومصدر عزهم وسبب المكانة الرفيعة التى يتمتعون بها فى عصرنا.
فهم يؤمنون أولًا بروسيا وطنهم إيمانًا لا يصدق، وأمة الروس كلها مستعدة للموت فى سبيل شبر واحد من أرضهم، ومساحة روسيا الشاسعة محاطة فى كل جانب بالجيوش والأسلحة والحصون والجنود الذين يقفون وراء الحدود جادين كل الجد، وفى أى ساعة من ساعات الليل والنهار مررت بحدود روسیا رأيت الجنود من ورائها على الأهبة، وقد حدث من ثلاث سنوات أن طائرة من كوريا أخطأت واجتازت المجال الجوى الروسى، فأسقطت فى الحال دون رحمة.
ويحكى «مؤنس» أنه رأى فى لندن فيلمًا تسجيليًا عن روسيا، صوروا فيه الحدود وما وراءها من الجيوش والجنود والأسلحة، وما يدلك على أن هؤلاء الناس يأخذون الحياة بجد لا نعرفه نحن.
ويقول: وهم يحدثوننا بأن الروس يعيشون فى ضنك فى بلادهم، وهذا غير صحيح، فكل الروس فخورون بالقوة التى وصلت إليها بلادهم، وأنت ترى شبابهم فى ملاعب الرياضة يتهالكون فى الفوز بالمراتب الأولى فى كل لعبة، وهم يصلون إلى الميداليات الذهبية والفضية بصورة تستوقف النظر، بينما العالم العربى كله لا يفوز إلا بأشياء لا تذكر، وقد دعونا فى روسيا إلى نادٍ رياضى يتدرب فيه الشبان، فتعجبنا من الجدية والإخلاص والتفانى، وسألنا إن كان أولئك الشبان- ما بين بنين وبنات- يعفون من شىء من مطالب الدراسة فى مقابل هذه الجهود التى يبذلونها فى التدريبات الرياضية، فعلمنا أن أولئك الرياضيين يقومون بدراستهم قيامًا كاملًا لا يعفون من شىء منها، وأن الذى يدفعهم إلى هذا الاجتهاد هو حبهم لوطنهم الروسى.
والأمر الثانى الذى يؤمنون به هو العلم، فإن المدارس والجامعات والمعاهد الفنية والتكنولوجية فى روسيا تقوم بعملها على الوجه الأكمل، وهم لا يدللون أولادهم أو شبابهم على النحو غير المقبول الذى نعمله نحن، فنحن نفضل أولادنا على أوطاننا، أما هناك فإن الوطن والعلم أفضل من الأولاد وليس عندهم سقوط ولا ملاحق، وإنما يفرغ الولد من المدرسة الابتدائية، ويتجه بعد ذلك إلى المرحلة الوسطى، التى تقابل الإعدادية عندنا، وهناك يوضع تحت الاختبار، فإذا استطاع أن يسير فى سنوات المرحلة الوسطى كان بها وسمحوا له بدخول الثانوية، وإلا فإنهم من تلقاء أنفسهم يحولونه إلى معهد صناعى أو زراعى، وبعضهم ينقل إلى مراكز تدريب فنية، فيتدرب على نوع من الأعمال والدراسات الفنية فى الزراعة أو الصناعة، والمزارع هناك كلها متطورة تعمل بالآلات، والأولاد الذين يعجزون عن السير فى الدراسة الوسطى أو الإعدادية، يتدربون على أعمال الزراعة والرى وتسيير الآلات الزراعية، وذلك التوجيه لا يضايقهم فى شىء، فإنهم هناك يريدون أن يعملوا فى الميدان المناسب لملكاتهم، فهناك يشعرون بالراحة والاطمئنان، ولا فرق عندهم بين عامل وطالب، وكلهم يعرفون ذلك ويعملون على أساسه، بل إن شباب المزارعين فى القرى والمزارع أحسن حالًا من طلاب المدارس، والفروق الاجتماعية موجودة ولكن أهميتها قليلة، والعمال فى المزارع يتدربون ويجدون الطعام بين أيديهم، ثم إنهم لا يجدون صعوبات فى العثور على المساكن، إنهم يعملون فى جد خالص، ولا ينفقون وقتهم فيما لا يغنى، إنهم يعرفون أن الشىء الوحيد الذى ينفع فى هذه الدنيا هو العمل النافع لهم ولغيرهم، من هنا هم يشعرون أنهم أعزة، وأنهم أقوياء.
والأمر الثالث الذى يؤمن به الروس هو العمل النافع لوطنهم.
يقول «مؤنس»: إننى لم أضرب هذا المثل لأقول إنهم أحسن أو أكثر نجاحًا منّا أو من غيرنا، إن الذى أريد أن أقوله إنهم يعرفون كيف يعيشون، وهذا هو الذى أطالب أولادنا به: أن يتعلموا كيف يعيشون بالعمل الشريف، لأن الطريقة التى نعيش بها لا تغنى ولا تنفع ولا تعيننا على الوصول بالإسلام إلى المكان الذى يستحقه.
اعتبر د. حسين مؤنس أن السيرة النبوية ينبغى أن تكون خير معين للأمة على النصر والخروج من الأزمات
يترك حسين مؤنس روسيا وأهلها، ويعود إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم، الذى أرسل الله إلينا بالإسلام لكى نعز به ونغنى ونقوى، فقد أودع الله فيه كل عناصر الخير اللازمة للإنسان، وأجيالنا الأولى وصلت بالإسلام إلى أعز مكان وصل إليه قبلهم بشر.
ويسأل: كيف هبطنا إلى الدرك السحيق الذى نحن فيه اليوم؟
ويجيب: وصلنا إلى هذا الدرك لأننا أهملنا العمل الصالح، والعمل الصالح يتضمن العبادات التى هى الخيط الممدود بيننا وبين الخالق سبحانه، والسعى للرزق الحلال أو التعامل فى المال بالأخلاقيات الإسلامية، لا ربا ولا استغلال ولا إسراف ولا تقتير، وتقديم المال إلى الفقير المحتاج دون نظر إلى جزاء إلا من الله سبحانه، وبعد ذلك كله علينا- نحن المسلمين- أن نتعلم العمل معًا، فإننا فـرديون أنانيون لا يحب الواحد منا إلا نفسه، ولا ينفق إلا على أهله، ونحن لا نعيش فى بيوتنا عيشة فاضلة جماعية، الرجل يحب امرأته ويحترمها ويعاملها بالفضل والعدل والإنصاف والأب يربى أولاده على العزة والكرامة وحب العمل واحترام النفس والغير والتعاون مع الآخرين.
ويضيف: ولأننا فرديون أنانيون فقد استغلنا الأقوياء وسادونا وظلمونا ونهبونا، ولأنهم نهبونا فقد افتقرنا وتعودنا الفقر وعشنا به وعليه، ولم نعد نخجل منه، ولا عيب فى أن يولد الإنسان فقيرًا، ولكن العيب فى أن يموت فقيرًا دون أن يصيبه مرض- مثلًا- يقعد به عن العمل، والله خلق الدنيا للعاملين، وبث فيها الخيرات للمجتهدين، ومن عجب أن أهل الأديان الأخرى كلها عرفوا أن العمل الجيد المتقن هو طريق الخير والفلاح فى هذه الدنيا، فدرسوا علوم الحياة التى أمرنا الله نحن المسلمين بدراستها فلم ندرسها، وخاضوا معارك الحياة غير هيابين.
وينظر حسين مؤنس إلى الخريطة فيرى أن المسلمين لا يسودون إلا جزءًا ضئيلًا من هذه الأرض، لا نسبة إطلاقًا بينهم وبين الأنجلوسكسون- وهم الإنجليز والأمريكيون- أو الروس واليابانيين أو الألمان والفرنسيين، وهذا والله عار، لأن القرآن يقول إن العزة الله جميعًا ولرسوله وللمؤمنين.
ويسأل «مؤنس» مرة أخرى: فأين العزة أيها المسلمون؟
ويجيب: إن الإنسان إذا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، دخل عالمًا واسعًا من الحضارة والرقى، لأن الإسلام يفتح الباب بينك وبين رب العزة، ورب العزة بيده مفاتيح الرزق والخير، فاذكر هذا ولا تنسه أبدًا، فإن الإسلام هو طريقك المنير للخير والكسب وسعادة الدارين، واقرأ سيرة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، تتأكد من ذلك.
الله وضع فى الإسلام كل عناصر الخير اللازمة للإنسان
ما الذى نجده هنا فى هذا التفسير الذى وضعه حسين مؤنس بين يدى هذه الآية؟
إنه ببساطة شديدة ترك نفسه كمؤرخ يقرأ ويتأمل ويأتى من التاريخ ما يؤكد المعنى الذى يريد أن يثبته، لم يركن إلى تفسيرات المفسرين السابقين، قرأ واقع المسلمين الآنى على ضوء عطاءات الآية الكريمة، ووضع خارطة طريق لتحقيق العزة بعيدًا عن الكلام الإنشائى الذى يحلو للبعض أن يرددوه وهم يتحدثون عن عزة المسلمين، فإذا أردنا أن نحقق مراد الله من هذه الآية فليس علينا إلا نهتم بالعلم الحقيقى وبالعمل الجاد.. وبعد ذلك يمكن أن يتحقق كل شىء.
لم تكن هذه هى المرة الوحيدة التى دخل فيها حسين مؤنس عالم تفسير القرآن بمنهج تاريخى محكم، فله دراسة أخرى نشرها فى مجلة مجمع اللغة العربية عدد ١ نوفمبر ١٩٩٠، عنوانها: الإطار التاريخى لسورة «براءة» التى هى سورة «التوبة»، وأعتقد أنها دراسة جديرة بالقراءة والتأمل.
كان يمكن لحسين مؤنس أن يقدم تفسيرًا كاملًا للقرآن، ما قرأته له يؤكد أنه كانت لديه القدرة على ذلك، أما لماذا لم يفعل؟ فعلم ذلك عند ربى وحده.






