الصنم المُدنس.. سيد قطب.. حقيقة الإله المزعوم الذى يعبده الإخوان
- لم يحقق سيد قطب نجاحًا يُذكر فى مرحلته الأدبية التى تفرغ فيها للنقد الأدبى ما جعله غاضبًا وحاقدًا على الجميع
- الأفكار التكفيرية لـ«سيد قطب» كانت أصيلة لديه ولم يكن مدفوعًا إليها بما لاقاه فى السجن
- أفكار سيد قطب كانت تتشابه تمامًا مع أفكار حسن البنا مؤسس الجماعة الأول
- هناك من يزعم أن سيد قطب لم يكن من دعاة التكفير رغمًا أنه فعليًا كان كذلك
منذ أيام، احتفت جماعة الإخوان الإرهابية بمرور ستين عامًا على إعدام سيد قطب «١٩٦٦- ١٩٢٦»، وأخذوا فى الحديث عن مناقبه، وهو أمر طبيعى جدًا، لم أستغربه أو أندهش منه، فإن لم تحتفِ الجماعة القاتلة بإلهها المزعوم الذى علّمهم القتل وشرع له، فبمَن يحتفون؟
قد تكون هذه مناسبة لفضح حقيقة سيد قطب، الذى تلتصق بسيرته الأكاذيب التى نسجها الإخوان من حوله، أكثر من الحقائق التى تصوّر حياته وفكره ومنهجه، وأعتقد أن الأجيال الجديدة لا بد أن تعرف هذا الرجل على حقيقته، ويهمنى هنا أن أتعقب سيرته التى دفعته لأن يكون الأب الروحى لكل جماعات التكفير والقتل، ليس فى مصر وحدها، ولكن فى العالم كله.
فليس صحيحًا أن أفكار سيد قطب، التى كانت رحمًا لكل أفكار التكفير والعنف فى العالم، خرجت من كتابه «معالم فى الطريق»، وهو الكتاب الذى أصدره فى العام ١٩٦٢ عندما كان لا يزال سجينًا على ذمة قضية محاولة اغتيال عبدالناصر فى المنشية.
ولم يكن صحيحًا أن هذا الكتاب كان مأخوذًا من فصول تفسير قطب للقرآن، الذى أطلق عليه «فى ظلال القرآن».
فقد كانت أفكار التكفير لدى قطب سابقة لقضية المنشية، وسابقة لظلال، وسابقة لـ«معالم فى الطريق»، لكن مَن يصرون على تصوير الأمر على أن هذه الكتب هى التى حملت أفكاره التكفيرية، إنما يفعلون ذلك للتدليل على أنها كانت رد فعل على القسوة التى وجدها فى السجن، وأن قطب لو لم يُسجن، ولو لم يتعرض لما تعرض له، ما خرجت هذه الأفكار.
ورغم منطقية هذا الطرح، إلا أنه يبدو ساذجًا جدًا، خاصة إذا عرفنا أن الأفكار التى غزا بها قطب العالم وحوّله إلى جحيم، صاحبت سيد عندما تحول إلى مرحلة الكتابات الإسلامية، وهى مرحلة لم تكن عن قناعة كاملة؛ بقدر ما كانت لغرض فى نفسه لم يكن يخفيه.

لم يحقق سيد قطب نجاحًا يُذكر فى مرحلته الأدبية التى تفرغ فيها للنقد الأدبى، ما جعله غاضبًا وحاقدًا على الجميع.
يظهر لنا ذلك من الخطاب الذى كتبه للمفكر الكبير أحمد أمين، قائلًا فيه: «لقد كنت صديقًا ودودًا مع الآخرين من جيلكم، لقد كتبت عنكم جميعًا بلا استثناء، شرحت آراءكم وعرضت كتبكم وحلّلت أعمالكم بقدر ما كنت أستطيع، ثم جاء دورى فى أن أنشر كتبًا، بعد أن كنت أنشر بحوثًا ومقالات وقصائد، لقد جاء دورى فى نشر الكتب متأخرًا كثيرًا، لأننى آثرت ألا أطلع المئذنة من غير سلم، وأن أتريث فى نشر كتب مسجلة، حتى أحس شيئًا من النضج الحقيقى، يسمح لى أن أظهر فى أسواق الناشرين».
ويبث قطب شجونه أكثر لأحمد أمين: «وكان أول ما نشرته هو ذلك الكتاب الذى نال إعجاب صديقكم الراحل المغفور له عبدالعزيز باشا فهمى، ذلك الإعجاب الذى آثرتم أن تبلغونى نبأه فى رسالة منكم إلىّ، وأنا مريض، لعل ذلك أن يكون له أثر طيب فى صحتى، كما قدرتم ذلك، هو كتاب (التصوير الفنى فى القرآن)، وكان كتابًا موفقًا حقًا، أقولها الآن مطمئنًا بعد أن أصبحت حقيقة أدبية منفصلة عن شخصى».
ويسأل سيد قطب أحمد أمين: فماذا كان موقف أستاذى؟ وماذا كان موقف جيلكم كله؟ ماذا كان موقف جيل الشيوخ، لا من هذا الكتاب وحده ولكن من الكتب العشرة التى نشرتها حتى الآن؟
ويجيب قطب: «أراجع كل ما خطته أقلام هذا الجيل كله عن عشرة كتب، فلا أعثر إلا على حديث فى الإذاعة لفقيد الأدب المرحوم الأستاذ المازنى، وإلا إشارة كريمة للأستاذ توفيق الحكيم فى أخبار اليوم، هذا كل ما خطته أقلام جيل الأساتذة عن عشرة كتب لمريد جيد، درس كل آثارهم واستوعبها، ونوه بها وشرحها وحللها خلال عشرين عامًا، وأنا اليوم أحمد الله على أننى خططت طريقى بنفسى مستقلًا وبجهدى خالصًا، لم يأخذ بيدى عظيم، ولم يقدمنى إلى الناس أستاذ، ولكن كلمة طيبة من جيل الأساتذة، كانت قبل خمس سنوات فقط، تعد فى نفسى شيئًا عظيمًا، وتترك فى روحى أثرًا طيبًا، غير أنها مع الأسف لم تكن».
ولأن سيد قطب كان أسيرًا للأضواء، لا يصبر على أن يبقى فى الظل مهجورًا أو متروكًا، فكر فى أن يسلك طريقًا آخر، وكان هذا الطريق هو الكتابة فى الإسلاميات، التى جذبت مزيدًا من الأضواء لشيوخ الكتابة، العقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل، ولأنه كان يملك حصيلة لا بأس بها من دراسته فى دار العلوم، فقد وظّف معرفته فى الكتابة فى الإسلاميات، وكانت الحصيلة الأولى هى كتابه «العدالة الاجتماعية فى الإسلام».
استقبلت جماعة الإخوان الكتاب استقبالًا حسنًا، وكان أن قررته فى مناهجها التى تدرّسها للجماعة، ليس لأنها فهمت أن الكتاب موجه لها، عندما قرأت الإهداء، الذى أكد قطب نفسه أنه لم يكن يقصدها به، ولكن لأن الأفكار التى جاءت بالكتاب كانت تتفق تمامًا مع ما تذهب إليه الجماعة من تكفير المجتمع وتجهيله.
وقبل أن تتعجب وتسأل: وهل ظهرت أفكار قطب عن تجهيل المجتمع وتكفيره مبكرًا فى كتابه «العدالة الاجتماعية فى الإسلام»؟
سأقول لك ليس عليك إلا أن تقرأ مقدمة الكتاب لتعرف ما الذى أعنيه.

يقول سيد قطب فى مقدمة «العدالة الاجتماعية فى الاسلام»: «إن الناس تنظر فترى واقعًا اجتماعيًا لا يسر، وتبصر فترى أوضاعًا اجتماعية لا تحقق العدالة، عندما تتجه بأبصارها إلى أوروبا وأمريكا وروسيا والصين ويوغوسلافيا وما إليها، تستجلب منها الحلول لمشكلاتها، كما تستورد منها السلع لمعاشها، غير أنها عند استيراد السلع تراجع أرصدتها القديمة، وتحصى موجوداتها فى السوق، وتنظر فى قدرتها على الإنتاج، أما عند استيراد المبادئ والنظم والقوانين فلا تصنع شيئًا من هذا كله، ولا تتحرج أن تلقى بكل تراثها الروحى، وكل مقوماتها الفكرية، وكل الحلول التى يمكن أن يتيحها لها النظر فيما لديها من أسس ومبادئ ونظريات، لتستجلب المبادئ الديمقراطية أو الاشتراكية أو الشيوعية، فتكل إليها حل مشكلاتها الاجتماعية، مهما اختلفت أوضاعها وظروفها وتاريخها ومقومات حياتها المادية والفكرية والروحية، عن ظروف القوم فيما وراء البحار وفيما خلف السهوب».
يدخل سيد قطب إلى ما يقصده مباشرة، فيقول: «وهؤلاء الناس يعلنون أن دينهم هو الإسلام، ويزعمون أحيانًا أنهم حماة الإسلام ودعاته، ولكنهم يقصون هذا الدين من حياتهم العملية، ليبقى فى عزلة وجدانية، لا يحكم الحياة، ولا يصرف شئونها، ولا يعالج مشكلاتها، فالدين كما يقال صلة بين العبد وربه، أما صلات الناس وعلاقات المجتمع ومشكلات الحياة وسياسة الحكم وسياسة المال، فلا دخل للدين بها، هذا ما يقوله الذين لا ينكرون الدين، فأما الآخرون فيقولون: لا تذكروا لنا هذا الدين، فالدين ما هو إلا مخدر يستغله الرأسماليون والحكام المستبدون، لتنويم الطبقات الكادحة، وتخدير الجماهير المحرومة».
ويسأل سيد قطب: من أين جاء هؤلاء الناس بهذه النظريات الغريبة على طبيعة الإسلام، وعلى تاريخ الإسلام؟
ويجيب: «لقد استوردوها هى الأخرى، كما يستوردون كل شىء من خلف السهوب ومن وراء البحار، ذلك أن قصة العزلة بين الدين والدنيا لم تنبت فى العالم الإسلامى، ولم يعرفها الإسلام، وقصة تخدير الدين للمشاعر لم تكن يومًا وليدة هذا الدين، ولم تعرفها طبيعته، ولكنهم يتلقفونها تلقفًا كالببغاء، ويحاكونها محاكاة كالقردة، ولا يحاولون أن يفتشوا عن أصلها ونشأتها، ولا أن يعرفوا مصدرها وموردها، فلننظر من أين جاءت وكيف جاءت هذه القولة الغريبة؟».
ويحكم سيد قطب حكمًا قاطعًا عندما يقول: «لن يستقيم هذا الدين فى عزلة عن المجتمع، ولن يكون أهله مسلمين وهم لا يحكمونه فى نظامهم الاجتماعى والقانونى والمالى، ولن يكون مجتمعهم إسلاميًا وأحكام الإسلام وشرائعه منفية من قوانينه، وليس لهم من الإسلام إلا شعائر وعبادات، فالإسلام هو العبودية لله وحده، وإفراده بخصائص الألوهية، وفى أولاها الحاكمية، فبعض الناس- وفيهم من يزعمون أنهم مسلمون ويتسمون بأسماء المسلمين- يقولون ومن الذى يضمن لنا أن هذا النظام الذى أقامه الإسلام فى عصر تاريخى خاص، لا يزال يحمل عناصر النمو والتجدد الكفيلة بأن تجعله صالحًا للتطبيق فى عصور تاريخية أخرى، قد تختلف مقوماتها كثيرًا أو قليلًا عن مقومات العصر التاريخى الذى نشأ فيه الإسلام؟
ألقى سيد قطب فى مقدمته بحديث مبهم عن تجهيل المجتمع الذى جعل الإسلام فى عزلة، لكنه استخدم مبكرًا تعبير الحاكمية، ما يعنى أن هذه الأفكار كانت لديه مبكرًا.
يظهر لنا ذلك مما قاله لسليمان فياض عندما قابله فى بيته فى حلوان، وهو اللقاء الذى كان فى بداية سنوات الثورة، وكان سيد قد بدأ يكتب حلقات من تفسيره فى «ظلال القرآن».
يقول فياض: «قال لى نحن اليوم فى جاهلية كالجاهلية التى عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية، تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم؛ حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرًا إسلاميًا، هو كذلك صُنع هذه الجاهلية».
وأضاف سيد لفياض: «ولا بد من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلى، والتصورات الجاهلية والتقاليد الجاهلية، مهمتنا الأولى تغيير واقع هذا المجتمع، مهمتنا تغيير هذا الواقع الجاهلى من أساسه، هذا الواقع الذى يصطدم اصطدامًا أساسيًا بالمنهج الإسلامى، وبالتصور الإسلامى، ولكن الذى يحرمنا بالقهر والضغط أن نعيش كما يريد لنا المنهج الإلهى أن نعيش».
علق سليمان فياض على ما قاله قطب بقوله: «لم يحدد سيد قطب بصورة منظمة الإجابة عن سؤال كيف نفعل ذلك، ولم يحدد بدقة الخطوات، وربما كان الاستعجال السبب، ربما كان خوفه من أن ينسب ما قاله إلى المودودى، ربما كان الحماس الشديد كعادته لتلك الأفكار، والذى جعل عبارته تتداخل مع مقترحاته، وربما كان خوفه من أن تعتبر السلطة ما يقوله خطة انقلابية».

أشار سليمان فياض إلى أفكار المودودى، وهنا لا بد أن نشير إلى ما قاله المودودى وأصبح ما نسجه سيد قطب يُنسب إليه.
النقطة المركزية فى منهج أبوالأعلى المودودى، هى النقطة الخاصة بالجهاد، حيث يفرق الإخوانى الباكستانى بين مرحلتين مختلفتين تعيشهما المجتمعات الإسلامية:
مرحلة الاستضعاف، وفيها تكون الجماعة الإسلامية غير قادرة على أن تتولى زمام أمرها بنفسها، وفى هذه الحالة تنسحب لتعد نفسها حتى تصبح قادرة على مواجهة المرحلة الثانية.
والمرحلة الثانية هى مرحلة الجهاد، وتجىء حين تكون الجماعة الإسلامية قد أتمت استعدادها وحان لها أن تخرج من عزلتها لتتولى بنفسها زمام الأمور عن طريق الجهاد.
وكان أبوالأعلى المودودى يعقد المقارنة بين مرحلة الاستضعاف ومرحلة الجهاد من ناحية، وبين كفاح محمد- صلى الله عليه وسلم- فى مكة، ثم فى المدينة بعد ذلك.
كان محمد- صلى الله عليه وسلم- فى مكة فى مرحلة الاستضعاف، واضطر إلى الهجرة إلى المدينة، حيث جمّع الأنصار وحشد قواهم، وهكذا بلغ مرحلة الجهاد، فعاد بالفتح إلى مكة وقاد انتصار الإسلام الأكبر والنهائى.
ويمكننا أن نرصد المعالم الأساسية فى أفكار المودودى على النحو التالى:
فقد توسع أبوالأعلى المودودى فى فكرة الحاكمية، وأصبحت كتاباته فيها مرجعًا لا يمكن الاستغناء عنه فى فهم موجة الأصولية الإسلامية الزاحفة من الشرق، لقد بدأ بكتاب صغير شهير تحت عنوان «المصطلحات الأربعة» وركز فيه كما يبدو من عنوانه على أربع نقاط: حاكمية الله فى مقابل حاكمية البشر، ألوهية الله فى مقابل ألوهية البشر، ربانية الله فى مقابل العبودية لغيره، وحدانية الله فى مقابل الاعتماد على أى مصدر آخر فى تنظيم أمور المجتمع.
وعلى هذا الأساس تصبح للدولة الإسلامية ثلاث خصائص:
الخاصية الأولى، أنه ليس لفرد أو طبقة أو حزب أى نصيب من الحاكمية لأن الحاكم الحقيقى هو الله.
الخاصية الثانية، أنه ليس لأحد من دون الله شىء من أمر التشريع.
والخاصية الثالثة، أن الدولة الإسلامية لا يقوم بناؤها إلا على ذلك القانون الإلهى الذى جاء به النبى من عند الله مهما تغيرت الظروف والأحوال.
ويقول: هذه حاكمية الله، أما حاكمية البشر فتتمثل فى ثلاثة نظم، هى: العلمانية والقومية والديمقراطية.
فالعلمانية تعنى عزل الدين عن الحياة الاجتماعية للأفراد وقصره فقط على العلاقة بين الفرد وربه.
والقومية، تقوم على مصلحة شعب واحد بصرف النظر عن مصالح بقية شعوب أمة الإسلام، ومن ثم تنشأ الحروب بين القوميات.
أما الديمقراطية، فإنها تعنى سيادة الأكثرية على الأقلية، وهو تجسيد لحاكمية البشر.

نعود مرة ثانية إلى مقال سليمان فياض، الذى يقول إن الحل الذى توصل إليه سيد قطب مهتديًا بأفكار المودودى يمكن أن نلخصها بمبادئ عامة، هى:
أولًا: الاعتراف بأن العالم اليوم يعيش فى جاهلية كالتى كان عليها العرب قبل الرسالة المحمدية.
ثانيًا: الإيمان بحاكمية الله لا بحاكمية البشر، أو إعلان ربوبية الله وحده رب العالمين.
ثالثًا: الاستعداد للثورة الشاملة على حاكمية البشر فى كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها والتمرد الكامل على كل وضع فى أرجاء الأرض، الحكم فيه للبشر بصورة من الصور.
رابعًا: رفض كل النظم الوضعية التى توصل إليها البشر، الديمقراطية، الديكتاتورية، الرأسمالية، الاشتراكية، الشيوعية، فالحكم فى كل هذه النظم ليس لله وإنما للبشر.
خامسًا: الإيمان المطلق بأن يعتنق الناس الدعوة- حتى ولو كانوا مسلمين- لوجه الله، أى أنها دعوة عقائدية مطلقة، ليست فى حاجة إلى دعوة أخرى- قومية أو اجتماعية أو اقتصادية- تدعمها، حتى ولو كان فى الدعوة العقائدية الكثير من صفات أو ميزات هذه الدعوات.
سادسًا: لا يمكن التعايش بين حاكمية الله وحاكمية البشر، كما لا يمكن التعايش بين الخير والشر والحق والباطل، ولا بقاء لطرف إلا بالقضاء على الطرف الآخر.
وهذه المبادئ الستة لا يمكن لها أن تتحقق إلا باتباع الخطوات التالية:
أولًا: الاستعلاء على المجتمع الجاهلى وقيمه وتصوراته، أى مقاطعته، أى لا يناقش ولا يتعامل معه ولا يقترب منه بصورة من الصور، أى هجرة كأنه لم يكن.
ثانيًا: قصر النبع الذى يستقى منه على كتاب الله وحده، لتخلص النفوس له وحده، ويستقيم عودها على منهجه وحده، أى مقاطعة كل منابع الثقافة والفكر مهما كانت، بما فى ذلك كتب الفقه الإسلامى.
ثالثًا: عدم التفكير والانشغال بالصورة التى سيكون عليها نظام الحكم، فنظام الحكم لا يأتى إلا بعد استقرار الدعوة، ومن الجاهلية أن يكون هذا النظام قبل نشر العقيدة، وهذه مناورة للإحراج يقوم بها الجاهلون، ولا بد من الاستعلاء عليها.
رابعًا: إزالة الأنظمة والحكومات التى تقوم على أساس حاكمية البشر للبشر وعبودية الإنسان للإنسان، وإعادة مملكة الله لا يكون إلا بالقوة، بالحركة، بالسيف، لا بالبيان وحده.
خامسًا: الجهاد ضرورة للدعوة، وعندما كف المسلمون عن الجهاد لم يعد للمسلمين إسلام.
وحتى يتم ذلك لا بد من المرور بثلاث مراحل رئيسية، هى:
الأولى: مرحلة القناعة بجاهلية البشر وحاكمية الله.
الثانية: مرحلة الاستعلاء على المجتمع الجاهلى.
الثالثة: التمكن لقتال المجتمع الجاهلى وإسقاط نظامه، والجهاد لفرض العقيدة وحاكمية الله.
ويحدد سيد قطب من يقوم بهذه المهمة على النحو التالى:
أولًا: جماعة من الناس لا تدين بالعبودية لغير الله فى الاعتقاد والتصور وفى العبادات والشعائر وفى النظام والشرائع.

ثانيًا: على هذه الجماعة المسلمة أن تطهر كل ما علق بأفرادها من شوائب المجتمع الجاهلى، وعليها أن تنظم حياتها على أساس حاكمية الله، وبغير ذلك لا تكون هذه الجماعة مسلمة.
ثالثا: لا بد أن تتوقع هذه الجماعة أن يحاربها المجتمع الجاهلى حربًا لا هوادة فيها، وأن تقوم فى وجهها عقبات مادية من سلطة الدولة ونظام المجتمع، وأوضاع البيئة، وهذا طبيعى لأن عليها أن تحطم كل هذا بالقوة، كى يخلو للمذهب الإلهى وجه الأفراد من الناس، ولكى يخاطب ضمائرهم وأفكارهم بعد أن يحررها من الأغلال المادية ويترك لهم بعد ذلك حرية الاختيار.
رابعًا: المجتمع المسلم الجديد لا ينشأ، ولا يتقرر وجوده إلا إذا بلغت الجماعة الإسلامية القوة التى تمكنها من التغلب على المجتمع الجاهلى، أو على الأقل الصمود فى وجهه.
خامسًا: يمكن أن تبدأ الجماعة الإسلامية حين يبلغ المؤمنون بهذه العقيدة ثلاثة نفر، فالثلاثة يصبحون عشرة، والعشرة يصبحون مائة، والمائة يصبحون ألفًا، وهكذا حتى يبرز ويتقرر وجود المجتمع الإسلامى.
بعد أن استعرض سليمان فياض أفكار سيد قطب وأدواته فى تنفيذها، انتقدها بشكل واضح.
يقول: «لا شك أن دعوة سيد قطب هذه لا تختلف عن الدعوة الخاصة التى تبناها المودودى لأسبابه الخاصة، ثم تراجع عنها قبل أن يموت، فهو مثل المودودى افترض أن المسلمين يعيشون فى جاهلية ولا بد من إعادة فرض العقيدة عليهم حتى لو أعلنوا الشهادتين، وهو مثله أعطى لأفكاره صفة العمومية، أى أنه تحدث عن العالم كله، والنظم كلها، والأفراد كلهم، ولم يستثن أحدًا، وهو مثله يرى أن البداية فى تكوين الجماعة الإسلامية، وأن على هذه الجماعة أن تقتنع بالعقيدة ثم تستعلى على المجتمع الجاهلى، ثم تتمكن من قوتها ثم تحاربه، نفس الأفكار، نفس المناهج، ونفس التنظيم، ونفس أسلوب الحركة، وإن لم تكن نفس الأسباب، ونفس الظروف ونفس النهاية».
ويضيف فياض: «ولا شك أن دعوتى المودودى وقطب ترفضان ١٤ قرنًا من الإسلام، وتشطبان كل هذا التاريخ بما له وما عليه، لتبدأ من الصفر، من النقطة التى بدأ عندها الرسول- صلى الله عليه وسلم- جماعة صغيرة آمنت به، عقيدة تنتشر سرًا فى مكة ١٣ سنة، اضطهاد لا حد له من المجتمع الجاهلى، هجرة إلى المدينة، تمكن من القوة، العودة لقتال المجتمع الجاهلى وفرض العقيدة بالسيف».
ويجزم فياض بأن هذه النظريات التى تبدو متماسكة تقوم على فرض أساسى، إذا سقط سقطت، وإذا انهار انهارت، هذا الفرض هو أن المسلمين ليسوا مسلمين، وهو فرض غير دقيق، إن لم يكن غير صحيح، إن هذا الفرض الذى لا يبدو مثل النواة التى تسند زيرًا يمتلئ إلى حافته بالمياه، وإنما يبدو مثل قطعة صغيرة من الحصى تسند جبلًا كبيرًا على الأقل مثل جبل المقطم.
ما يلفت الانتباه فيما قاله سليمان فياض أنه ذهب بعيدًا، وراح يبحث عن التشابهات والاختلافات بين أفكار سيد قطب والمودودى، ولا أدرى لماذا غفل عن أن أفكار سيد قطب كانت تتشابه تمامًا مع أفكار حسن البنا مؤسس الجماعة الأول.
قد يكون ذلك لأن حسن البنا أخفى أفكاره بين تهويماته الكثيرة، بينما كان المودودى واضحًا ومباشرًا وحادًا جدًا فى عرض أفكاره، ما جعل المقاربة بين أفكار قطب والمودودى أسهل وأيسر.
المفاجأة أن هناك من يشير إلى أن سيد قطب كتب «فى ظلال القرآن» و«معالم فى الطريق» فى السجن.
وقد يكون الأمر بالنسبة لـ«معالم فى الطريق» صحيحًا، لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لـ«فى ظلال القرآن» لأنه كتبه بالفعل قبل أن يدخل السجن فى المرة الأولى، ما يؤكد ما نذهب إليه من أن أفكار سيد قطب كانت أصيلة لديه، وأنه لم يكن مدفوعًا إليها ما لاقاه فى السجن.

فقد قام سيد قطب بوضع ١٨ جزءًا من تفسيره «فى ظلال القرآن» بين العامين ١٩٥٢ و١٩٥٤، أى قبل أن يذهب إلى السجن، وقد ظهرت أفكاره فى هذا التفسير بوضوح، وهى الأفكار التى يمكننا أن نضعها أمامكم بشكل واضح، وقد وردت فى ثنايا الكتاب بمواضع مختلفة، وقد جمعها الشيخ يوسف القرضاوى فى محاولته لنقد سيد قطب.
يقول قطب: «المهزومون روحيًا وعقليًا ممن يكتبون عن الجهاد فى الإسلام، ليدفعوا عن الإسلام هذا الاتهام، يخلطون بين منهج هذا الدين فى النص على استنكار الإكراه على العقيدة، وبين منهجه فى تحطيم القوى السياسية المادية التى تحول بين الناس وبينه، والتى تعبد الناس للناس، وتمنعهم من العبودية لله، وهما أمران لا علاقة بينهما، ولا مجال للالتباس فيهما، ومن أجل هذا التخليط، وقبل ذلك من أجل تلك الهزيمة، يحاولون أن يحصروا الجهاد فى الإسلام فيما يسمونه اليوم: الحرب الدفاعية، والجهاد فى الإسلام أمر آخر لا علاقة له بحروب الناس اليوم، ولا بواعثها، ولا تكييفها كذلك، إن بواعث الجهاد فى الإسلام ينبغى أن نلمسها فى طبيعة الإسلام ذاته، ودوره فى هذه الأرض، وأهدافه العليا التى قررها الله، وذكر الله أنه أرسل من أجلها هذا الرسول بهذه الرسالة، وجعله خاتم النبيين وجعلها خاتمة الرسالات».
ويقول: «إن هذا الدين إعلان عام لتحرير الإنسان فى الأرض من العبودية للعباد- ومن العبودية لهواه أيضًا وهى من العبودية للعباد- وذلك بإعلان ألوهية الله وحده- سبحانه- وربوبيته للعالمين، إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها: الثورة الشاملة على حاكمية البشر فى كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع فى أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور، أو بتعبير آخر مرادف: الألوهية فيه للبشر فى صورة من الصور، ذلك أن الحكم الذى مرد الأمر فيه إلى البشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر، هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم لبعض أربابًا من دون الله، إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله، وطرد المغتصبين له، الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم فيقومون منهم مقام الأرباب، ويقوم الناس منهم مقام العبيد، إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله فى الأرض».
ويقول: «مملكة الله فى الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية فى الأرض رجال بأعينهم- هم رجال الدين كما كان الأمر فى سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة، كما كان الحال فيما يعرف باسم الثيوقراطية أو الحكم الإلهى المقدس، ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هى الحاكمة، وأن يكون مرد الأمر إلى الله وِفق ما قرره من شريعة مبينة، وقيام مملكة الله فى الأرض، وإزالة مملكة البشر، وانتزاع السلطان من أيدى مغتصبيه من العباد ورده إلى الله وحده، وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية، كل ذلك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان، لأن المتسلطين على رقاب العباد، المغتصبين لسلطان الله فى الأرض، لا يسلمون فى سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان، وإلا فما كان أيسر عمل الرسل فى إقرار دين الله فى الأرض، وهذا عكس ما عرَفه تاريخ الرسل- صلوات الله وسلامه عليهم- وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال».
ويقول: «إن هذا الإعلان العام لتحرير الإنسان فى الأرض من كل سلطان غير سلطان الله، بإعلان ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين، لم يكن إعلانًا نظريًا فلسفيًا سلبيًا، إنما كان إعلانًا حركيًا واقعيًا إيجابيًا.. إعلانًا يراد له التحقيق العملى فى صورة نظام يحكم البشر بشريعة الله، ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده بلا شريعة، ومن ثم لم يكن بد من أن يتخذ شكل الحركة، إلى جانب شكل البيان، ذلك ليواجه الواقع البشرى بكل جوانبه بوسائل مكافئة لكل جوانبه، والواقع الإنسانى، أمس واليوم وغدًا، يواجه هذا الدين- بوصفه إعلانًا عامًا لتحرير الإنسان فى الأرض من كل سلطان غير سلطان الله- بعقبات اعتقادية تصورية، وعقبات مادية واقعية، عقبات سياسية واجتماعية واقتصادية وعنصرية وطبقية، إلى جانب عقبات العقائد المنحرفة والتصورات الباطلة، وتختلط هذه بتلك، وتتفاعل معها بصورة معقدة شديدة التعقيد».
ويقول: «إن هذا الدين ليس إعلانًا لتحرير الإنسان العربى، وليس رسالة خاصة بالعرب، إن موضوعه هو الإنسان، نوع الإنسان، ومجاله هو الأرض كل الأرض، إن الله سبحانه ليس ربًا للعرب وحدهم ولا حتى لمن يعتنقون العقيدة الإسلامية وحدهم، إن الله هو (رب العالمين)، وهذا الدين يريد أن يرد (العالمين) إلى ربهم، وأن ينتزعهم من العبودية لغيره، والعبودية الكبرى- فى نظر الإسلام- هى خضوع البشر لأحكام يشرعها لهم ناس من البشر، وهذه هى العبادة التى يقرر أنها لا تكون إلا لله، وأن من يتوجه بها لغير الله يخرج من دين الله مهما ادعى أنه فى هذا الدين».

ويقول: «إن الجهاد ضرورة للدعوة، إذا كانت أهدافها هى إعلان تحرير الإنسان إعلانًا جادًا يواجه الواقع الفعلى بوسائل مكافئة له فى كل جوانبه، ولا يكتفى بالبيان الفلسفى النظرى السلبى، سواء كان الوطن الإسلامى- وبالتعبير الإسلامى الصحيح: دار الإسلام- آمنًا أم مهددًا من جيرانه، فالإسلام حين يسعى إلى السلم، لا يقصد ذلك السلم الرخيص، وهى مجرد أن يأمن على الرقعة الخاصة التى يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية، إنما هو يريد السلم التى يكون الدين فيها كله لله، أن تكون عبودية الناس كلهم فيها لله، التى لا يتخذ فيها الناس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، والعبرة بنهاية المراحل التى وصلت إليها الحركة الجهادية فى الإسلام- بأمر من الله- لا بأوائل أيام الدعوة ولا بأوسطها».
ويقول أخيرًا: «إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام منهجًا إلهيًا، جاء ليقرر ألوهية الله فى الأرض، وعبودية البشر جميعًا لإله واحد، ويصب هذا التقرير فى قالب واقعى، هو المجتمع الإنسانى الذى يتحرر فيه الناس من العبودية للعباد، بالعبودية لرب العباد، فلا تحكمهم إلا شريعة الله، التى يتمثل فيها سلطان الله، أو بتعبير آخر تتمثل فيها ألوهيته، فمن حقه إذن أن يزيل العقبات كلها من طريقه، ليخاطب وجدان الأفراد وعقولهم دون حواجز ولا موانع مصطنعة من نظام الدولة السياسى أو أوضاع الناس الاجتماعية، إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام على هذا النحو، واعتباره نظامًا محليًا فى وطن بعينه، فمن حقه فقط أن يدفع الهجوم عليه فى داخل حدوده الإقليمية، هذا تصور.. وذاك تصور، ولو أن الإسلام فى كلتا الحالتين سيجاهد، ولكن التصور الكلى لبواعث هذا الجهاد وأهدافه ونتائجه، يختلف اختلافًا بعيدًا، يدخل فى صميم الاعتقاد كما يدخل فى صميم الخُطة والاتجاه».
أخذ كثيرون على يوسف القرضاوى أنه جاء بما لم يقله سيد قطب فى ظلاله، وأنه انتقد شيئًا من خياله، وهنا تأتينا المفاجأة الصاعقة.
فى ٢٢ يوليو ٢٠٢٢، كتب عصام تليمة مساعد القرضاوى مقالًا كشف فيه عن حقيقة لها دلالة.
كان عنوان المقال «قصة ما كتبه القرضاوى عن سيد قطب والتكفير»، وذهب فيه إلى القرضاوى فى الجزء الثالث من مذكراته كتب صفحات عن سيد قطب وتطور مراحله بداية بالمرحلة الأدبية وانتهاء بمرحلة الإخوان وإعدامه، وبين القرضاوى فى ختام كلامه أنه يختلف مع قطب فى تكفير المجتمع لأنه غالى فيه «الخلاف فى المغالاة فقط وليس فى التكفير نفسه، فكل منهما يسير على نفس الطريق».
يقول تليمة: «كان القرضاوى يكتب كل ما يخرج من كتبه ومقالاته بخط يده، فلا يملى، ولا يكتب له أحد، وبعد أن كتب بخط يده هذا الكلام قمت بصفه على الكمبيوتر، حيث لم يكن وقتها معه أحد غيرى فى السكرتارية العلمية، وما إن أرسلت المادة للنشر فى جريدة الوطن القطرية أولًا، ثم إسلام أونلاين ثانيًا، ثم جريدة آفاق عربية المصرية ثالثًا، وقرأ الناس ما كتبه القرضاوى، حتى أحدثت كلمته ضجيجًا، وردودًا كثيرة، منها المؤدب، ومنها المتجاوز، ومنها المتعقل ومنها المتشنج، حتى اتصل بى أحد كبار الإخوان وتكلم بطريقة لا تليق لا بسنه، ولا بمقام الشيخ، فنبهته لذلك، ثم كلمنى شيخ أزهرى يتعصب لسيد قطب، وقال إن الله لن يترك القرضاوى دون عقابه على تجنيه على الشهيد، قلت له: يا مولانا، وهل الرأى العلمى ذنب يستدعى عقوبة من الله؟».
بعد هذه الضجة تعجب القرضاوى؛ إذ كيف وقع ذلك لمجرد أن ذكر رأيًا له عليه أدلة ونقول.

يقول تليمة: «كان القرضاوى قد اكتفى بمجرد رأيه، ولم يرد فتح الموضوع، لكن الكتابات والتعليقات والردود والاستفزازات، سواء ما كان منها بدافع علمى، أو ما كان منها بدافع التعصب لقطب، دفعته إلى نشر كثير من نصوص التكفير الواردة فى كتب سيد قطب، وكنت أوصل إليه التعليقات المؤدبة والعلمية فقط، وأخاطبه بما ائتمننى عليه الناس، بأننا قرأنا كتب سيد ولم نجد فيها تكفيرًا، فمن أين أتى القرضاوى بهذا التكفير؟».
وهنا تأتى المفاجأة.
سأل القرضاوى تليمة: أتريدون نصًا؟ هل تريد نصًا يا عصام؟ عندى عشرات النصوص لسيد كلماته فيها تنضح بالتكفير.
يعلق تليمة: «كانت جملة الشيخ مفاجأة لى، فأغرتنى بأن أدفعه للإتيان بهذه النصوص، حتى لا يظن بعض المتعصبين أن القرضاوى يغار من شعبية سيد، أو من حب الناس له، قلت له: يا مولانا، وأين هى هذه النصوص؟ فلتأتنا بها».
قام الشيخ وجاء بنسخة من «ظلال القرآن» قديمة، ليست النسخة التى ينقل منها دائمًا «طبعة الشروق»، فقد جاء بنسخة من القطع المتوسط، وهى طبعة الحلبى بمصر، مجلدة بجلد لونه عنابى، ثم أخذ يفتح الصفحات ويكتب لى أرقامًا، وقال لى: اذهب وصور هذه الصفحات، وكنت كلما صورت من مجلد ورجعت، أفاجأ به وقد جاءنى بمجلد آخر، ووضع لى ورقة صغيرة برقم الصفحات، ثم جاء بالمعالم، ثم بالعدالة الاجتماعية.
دلالة الواقعة أن «فى ظلال القرآن» الذى يتداوله الناس ليس هو النص الأصلى الذى صدر فى المرة الأولى عن مطبعة الحلبى، وأن النص الأصلى به من نصوص التكفير ما لا يعرفه كثيرون، والمعنى أن هناك من عبث فى كتاب سيد قطب ليخفف من حدة آرائه، وليحتج بعد ذلك بأن سيد قطب لم يكن من دعاة التكفير رغمًا أنه فعليًا كان كذلك.







