الإثنين 10 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

شهر نجيب..

محفوظ ــ الغزالى.. عندما يقتل الشيخ القتيل ويمشى فى جنازته

حرف

- الغزالى بدأ التحريض على نجيب محفوظ عندما أعد تقريرًا عن روايته «أولاد حارتنا» فى العام 1959

- الغزالى قال إن رواية «أولاد حارتنا» إلحاد وعبث بتاريخ الديانات

- من حاولوا قتل نجيب محفوظ أخذوا ما قاله الغزالى واعتبروه أمرًا مسلمًا وحكموا على «صاحب نوبل» بالإعدام

- الذين عرفوا نجيب محفوظ عن قرب يدركون بوضوح أنه مثال للرجل الطيب المتسامح

- الشيخ الغزالى زار نجيب محفوظ واستنكر اغتياله وعده عملًا خارجًا على الإسلام!

- نجيب محفوظ كان يتعامل باحترام وتقدير مع الشيخ رغم ما ألحقه به من أذى

- الغزالى من ناحية صاحب آراء فقهية تقدمية جدًا لكنه من ناحية ثانية أسير تربيته الإخوانية

- الغزالى يغسل يديه من ذنب التحريض على نجيب محفوظ عندما جلس بين يديه فى مستشفى الشرطة

كان طبيعيًا أن يتوافد أصدقاء ومريدو نجيب محفوظ على مستشفى الشرطة لزيارة الأستاذ والاطمئنان عليه بعد محاولة اغتياله فى 14 أكتوبر 1994.

وكان طبيعيًا أن تتواجد الحكومة بقياداتها ورموزها إلى جانب الأستاذ.

وكان طبيعيًا أن يسعى المواطنون البسطاء إليه ليستطلعوا آخر أخبار الرجل الذى أسعدهم ورفع رأسهم عاليًا فى العالم كله.

دخل عليه محمد سلماوى وبعد أن استمع منه إلى تفاصيل ما جرى، سأله عن مشاعره تجاه ما حدث.

قال نجيب: إن شعورى مزدوج، فمن ناحية أشعر بالأسف لتكرار جرائم الرأى، فهناك الشيخ الذهبى والأستاذ مكرم محمد أحمد، والسيد فرج فودة، وأقول إن هذا ليس الطريق للتعامل مع الرأى، إنه لشىء مؤسف جدًا ومسىء جدًا لسمعة الإنسان فى العالم أن يؤخذ أصحاب الرأى، أصحاب القلم، هكذا ظلمًا وبهتانًا، ومن ناحية أخرى، فإنى أشعر بالأسف أيضًا من أن شبابًا من شبابنا يكرس حياته للمطاردات والقتل فيطارد ويقتل، وذلك بدلًا من أن يكون فى خدمة الدين والعلم والوطن.

وأضاف نجيب: إن الشاب الذى رأيته يجرى كان شابًا يافعًا فى ريعان العمر، كان من الممكن أن يكون بطلًا رياضيًا، أو عالمًا، أو واعظًا دينيًا، فلماذا اختار هذا السبيل؟.. لست أفهم.

سأله سلماوى: ما هو شعورك تجاه ذلك الشاب؟

فقال نجيب: إنه ضحية، شعورى نحوه هو شعور الأب تجاه الابن الذى ضل الطريق، إنه شعور أكثر إيلامًا مما يمكن أن تشعر به تجاه أى مجرم عادى.

قال سلماوى: ألا يحدث أن يغضب الأب على ابنه، ولا يستطيع أن يسامحه أو يغفر له خطاياه؟

رد نجيب: أنا سامحته.. سامحته عما يخصنى، أما ما يخص المجتمع فالعدالة يجب أن تأخذ مجراها.

علق سلماوى: هناك حساب الرب لمَن قتل نفسًا بغير حق.

وقال نجيب: الحمد لله.. والشكر لله.

فى نفس اليوم دخل الكاتب الكبير ثروت أباظة إلى غرفة العناية المركزة بمستشفى الشرطة بعد انتهاء العملية التى حاول الأطباء بها إنقاذ حياته، قابله نجيب بابتسامته الهادئة الوديعة وقال له: أنت بتسأل عليا يا ثروت.. وأنا المفروض أسأل عليك.

الشيخ محمد الغزالى يزور نجيب محفوظ فى المستشفى ويظهر فى الصورة محمد عبدالقدوس ويوسف القعيد
الشيخ محمد الغزالى يزور نجيب محفوظ فى المستشفى ويظهر فى الصورة محمد عبدالقدوس ويوسف القعيد

ثم تنهد وقال: شوف بيعملوا فينا إيه فى آخر العمر.

لم يستطع ثروت أباظة الحديث وأجهش بالبكاء، فقال له نجيب محفوظ مداعبًا: انت بتطمن علىّ.. ولا أنا اللى حطمن عليك، الله هو انت جى تعيط هنا.. هو أنت اللى انضربت ولا أنا.

بعد ١٢ يومًا من دخوله إلى المستشفى زاره يوسف القعيد، الذى يقول:

كنت عنده فى التاسعة والنصف صباحًا، فى أول يوم يخلع فيه ملابس المستشفى الخضراء، ويلبس بيجاما مقلمة من الكستور أحضروها له من منزله، وهذا أول يوم أيضًا يحلق فيه ذقنه، بعد أن رفض أن يقوم له أحد بذلك، والشعر الذى يحيط بالجرح كما هو لم يقترب منه موس الحلاقة، وكانت بالقرب من السرير منضدة عليها صحف الصباح.

يبدو ساهمًا يفكر، وتعبير غرفة العناية المركزة أقرب إلى المجاز منه إلى الحقيقة، فهو عنبر كبير فيه أكثر من مريض، والعناية المركزة لا تزيد على توافر ما يطلبه القلب والضغط، أى مواجهة كل ما هو طارئ من الأمور.

همسوا له باسمى، فقال إننى أعتبر من أهل بيته، ويرحب بى فى أى وقت أشاء.

ضحك وهو يسلم علىّ: منذ أن انقطع لقاء الثلاثاء الأسبوعى وأنا لا أعرف من أخبار الدنيا الكثير.

أشرت إلى الصحف الكثيرة، قال لى: أستمع إلى العناوين فقط كل صباح، ولكن من يقول إن هذه العناوين تكفى، إنها تستثير رغبة الإنسان فى أن يعرف المزيد أكثر من أن تروى عطشه للمعرفة.

قلت له: إنها جرائد فقط، ولكن أين المجلات؟

قال: منذ دخولى المستشفى وأول طلب لى من زوجتى كان شراء الصحف والمجلات وتجميعها فى البيت، فى انتظار عودتى لكى أعيش معها الجانب الآخر من الحادث.

سأل نجيب القعيد: أين جمال الغيطانى؟

فرد يوسف: خيانة بسيطة.

فضحك نجيب الذى تعوّد أن يرى القعيد والغيطانى معًا دائمًا ضحكته الصافية، وإن كان المرض قد منع الضحكة من الانطلاق كما تعود عليها أصدقاؤه.

يقول القعيد: سألنى عن عماد، وباقى شلة يوم الثلاثاء حيث كنا نلتقى أسبوعيًا، ثم توقف وسألنى: إن كنا قد ذهبنا إلى توفيق صالح من أجل تقديم العزاء لزوجته فى وفاة شقيقتها؟ قلت له إننا لم نعلم سوى يوم الحادث نفسه، وما جرى سرقنا جميعًا حتى من الواجبات التى لا بد من القيام بها، قال إن زكى سالم زارنى وفتحى هاشم حضر إلىّ، وهذا أسعدنى دون حدود.

حديث بين نجيب محفوظ والغزالى فى المستشفى
حديث بين نجيب محفوظ والغزالى فى المستشفى

يوم الإثنين ١٧ أكتوبر ١٩٩٤ وقف إلى جواره جمال الغيطانى فى غرفة الإنعاش.

اقترب جمال من نجيب وقبّل يده، فنظر إليه الأستاذ قائلًا: إنت رديت فىّ الروح.

يقول جمال: دار بيننا حوار أشبه بالبرقيات، كنت حريصًا على ألا أطيل وجودى أكثر من ثوانٍ معدودة، نقلت إليه مشاعر الناس خاصة البسطاء الذين سعى بينهم وأحبهم وعبّر عنهم، وكان هو حريصًا على نقل تحياته للأصدقاء وتنبيهى إلى أن ما جرى موجه إلى حرية الفكر والإبداع.

ويضيف جمال: قال لى المقصود أن تخافوا وتُخرس أصواتكم، فقلت له إننا لا نخاف الإرهاب، ولتطمئن أنت وليهدأ بالك، وعندما قلت له إننى لن أذهب إلى الجمالية إلا بعد شفائه، قال: لا.. يجب أن تذهب لتدعو لىّ عند سيدنا الحسين، ولأننى أعرف علاقته وحبه لمولانا سيد الشهداء، فقد لبيت طلبه.

كانت الدولة كلها موجودة فى جناح نجيب محفوظ بمستشفى الشرطة.

زاره رئيس الوزراء الدكتور عاطف صدقى، ورحب به نجيب: كتر خيرك دى خطوة عزيزة، فداعبه الدكتور صدقى: اللى عملوا كده يا أستاذ نجيب خفافيش ولا حرافيش، فرد نجيب: لا دول أكيد خفافيش، لأن الحرافيش أصحابى.

وزاره وزير الداخلية اللواء حسن الألفى.

قال له نجيب: أنتم تخوضون معركة للدفاع عن الإسلام، وإننى أدعو الله أن يطهر البلاد من الإرهاب، فرد عليه الوزير: سوف ينال كل إنسان جزاءه الذى يستحقه.

وعندما اقترب منه الدكتور محمد الرزاز وزير المالية ليصافحه، ابتسم له الأستاذ نجيب، وقال له: مسددين الضرايب اللى علينا والله يا دكتور رزاز.

لا يمكن أن نلحظ شيئًا غريبًا فى كل هذه الزيارات، فكل مَن ذهبوا إلى نجيب محفوظ لا يمكننا أن نستغرب زيارتهم له، لكن الغريب كان فى زيارة الشيخ محمد الغزالى لنجيب بعد الاعتداء عليه، خاصة أن الشيخ الغزالى كان طوال الوقت متهمًا بأنه مَن بدأ التحريض على نجيب محفوظ، عندما أعد تقريرًا عن روايته «أولاد حارتنا» فى العام ١٩٥٩، وهو التقرير الذى أخذت الدولة، ممثلة فى جمال عبدالناصر، قرارًا بمنع الرواية فى مصر على أساسه.

لم تكن ضربة البداية ضد رواية أولاد حارتنا من عند محمد الغزالى، لكنه عندما دخل على الخط حرص على تصدير صورة معينة عنها، وهى أنها ضد الدين.

فى أحد حوارات نجيب مع رجاء النقاش، روى الأديب الكبير الحكاية.

قال: بدأت جريدة الأهرام فى نشر «أولاد حارتنا» ابتداء من ٢١ سبتمبر سنة ١٩٥٩، ومرت حلقاتها الأولى من دون أن تظهر أى ملاحظات عليها، فالجزء الأول من الرواية لا يثير أى مشكلات، ولكن الأزمة بدأت بعد أن نشرت الصفحة الأدبية بجريدة الجمهورية كلمة، يلفت فيها كاتبها النظر إلى أن الرواية المسلسلة التى تنشرها جريدة الأهرام فيها تعريض بالأنبياء.

لم يكن نجيب محفوظ دقيقًا فى تقصى بداية الهجوم على «أولاد حارتنا».

فطبقًا لمحمد شعير فى كتابه «أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة»، فإن أول تنبيه للرواية حدث من رسالة أرسل بها القارئ محمد أمين إلى الشاعر صالح جودت محرر باب «أدب وفن» فى مجلة المصور فى ١٨ ديسمبر ١٩٥٩.

قال القارئ فى رسالته: إن نجيب محفوظ يحيد ويجانب كل أصول القصة، فكتابته الأخيرة لا هى رمزية ولا هى واقعية، ولا هى خيال، ولا تنطبق على أى قالب معروف.

ويضيف أمين: جاء محفوظ ليتحدى معتقدات راسخة، ولهذا يتعذر على كائن من كان حتى ولو محفوظ نفسه أن يقدمها بمجرد كتابة قصة، التستر وراء الرموز أضعف قضية نجيب محفوظ فى مجتمع يجل الدين بطبيعته.

رد صالح جودت على رسالة القارئ بقوله: لا أستطيع أن أحكم على القصة الأخيرة لمحفوظ، الذى لا شك أنه يعد قصاص الطليعة عندنا اليوم، فإذا كان قد نحا فى قصته الجديدة نحوًا جديدًا غير ما تعودناه فى روائعه السابقة، فالحكم فى ذلك لمن قرأوا القصة.. والباب مفتوح لمن قرأوا قصة محفوظ.

نجيب يقرأ الأهرام فى المستشفى
نجيب يقرأ الأهرام فى المستشفى

لم يحرض صالح جودت على الرواية إذن، لكن الرسالة التى نشرها نبهت المتربصين بنجيب محفوظ نفسه.

يواصل محفوظ حديثه إلى النقاش، يخبره بما جرى، يقول له: بعد هذا الخبر المثير بدأ بعضهم، ومن بينهم أدباء للأسف، فى إرسال عرائض وشكاوى إلى النيابة العامة وشيوخ الأزهر، بل وإلى رئاسة الجمهورية يطالبون فيها بوقف نشر الرواية وتقديمى إلى المحاكمة، وبدأ هؤلاء يحرضون المؤسسات الرسمية ضدى على أساس أن الرواية تتضمن كفرًا صريحًا، وأن الشخصيات التى تقدمها ترمز إلى الأنبياء، وقد عرفت هذه المعلومات عن طريق صديق لىّ هو الأستاذ مصطفى كامل حبيب الذى كان يعمل سكرتيرًا لشيخ الأزهر، وكان شقيقه يعمل وكيلًا للنيابة، وهو الذى أخبرنى بأن أغلب العرائض التى وصلت إلى النيابة العامة أرسلها أدباء.

لم يكن لرسائل الأدباء أو تقاريرهم قيمة كبيرة فيما يبدو، ولكن القيمة كانت فيما قاله رجال الأزهر، وهو ما دعا نجيب لأن يقول لرجاء: لقد تعرض رجال الأزهر للخداع، لأنهم لم يحسنوا قراءة الرواية أو فهمها، بل إن بعضهم لم يقرأ رواية أدبية واحدة فى حياته، ومن هنا فسروا رواية «أولاد حارتنا» تفسيرًا دينيًا، ورأوا شخصية «الجبلاوى» ترمز إلى الله سبحانه وتعالى، أما بقية الشخصيات فقد فسروها بنفس الطريقة، فأدهم هو آدم، وإدريس هو إبليس، وجبل هو موسى، ورفاعة هو المسيح، أما شخصية قاسم فقد فسروها بأنها شخصية محمد عليه الصلاة والسلام.

كان من بين من وقعوا فى فخ رواية «أولاد حارتنا» الشيخ محمد الغزالى.

وكان أول مَن كشف ما فعله محمد الغزالى هو الكاتب الموسوعى سليمان فياض.

جلس محمد شعير إلى سليمان فياض فى بيته واستمع منه لما جرى.

كان فياض يمت بصلة قرابة للشيخ محمد الغزالى، وعندما كان فياض طالبًا بالأزهر وعده الغزالى بالتعيين فور تخرجه إمامًا لمسجد السيدة زينب، ولكن فياض رفض رغم محاولات الشيخ إقناعه بالدخل الذى سيدخل جيبه من صندوق النذور «٢٣ ألف جنيه وقتها»، فالمكان لا يمكن رفضه بل هو حلم كل الشيوخ القدامى قبل المتخرجين حديثًا، أو كما قال الغزالى: جامع تتقطع دونه الرقاب.

أصر فياض على الرفض، وعمل فور تخرجه صحفيًا مع سعد الدين وهبة فى مجلة «الشهر»، يحرر بابًا ثابتًا بعنوان «شهريات»، وكان مجرد كاتب بالقطعة، كما عمل فى صحيفة «الجمهورية»، ولكنه فُصل منها فى أواخر عام ١٩٥٩، وكان مفلسًا فضاقت به الدنيا، ثم تذكر عرض الشيخ الغزالى فذهب لزيارته، وانتهت الزيارة بأن اقترح الشيخ أن يسعى لتعيين فياض سكرتيرًا فى مكتب وزير الأوقاف.

بحكم عمله كان فياض يحضر اجتماعات لجنة دشنها الغزالى أطلق عليها اسم «الدفاع عن الإسلام».

يقول شعير: هذه اللجنة ابتكرها الشيخان سيد سابق ومحمد الغزالى بهدف رصد افتراءات المستشرقين على الإسلام والرد عليها، وكان كلاهما عضوًا سابقًا فى جماعة الإخوان المسلمين.

فى واحدة من جلسات هذه اللجنة التى تم تخصيصها لمناقشة كيفية التصدى لرواية «أولاد حارتنا» استمع فياض إلى الشيخ الغزالى وهو يهاجم الرواية بقوة.

يقول فياض: كنت كاتب الجلسة عندما بدأ الكلام على «أولاد حارتنا»، هاجم الشيخ الغزالى الرواية هجومًا شديدًا، وقال إنها إلحاد وعبث بتاريخ الديانات، فارتعش القلم فى يدى، فنظر إلىّ الغزالى، وكان يعرف أننى أكتب القصة، وأمرنى ألا أكتب شيئًا من مناقشات اللجنة، بل هو مَن سيقوم بالكتابة.

تكتمل فصول رواية فياض عن الغزالى ومحفوظ، فقد حصل فياض على نسختين من التقرير النهائى الذى تضمن نقدًا حادًا لمحفوظ وإدانة له، وفى يوم ندوة محفوظ الأسبوعية أعطاه نسخة من التقرير.

يقول: عندما قرأ محفوظ الورقة تغيّر لونه، أصبح أصفر مثل الليمونة.

ويسأل شعير فياض: هل كان عمل هذه اللجنة بأوامر حكومية؟

فيجيب فياض: لا أظن.. فهؤلاء كانوا خلايا نائمة لجماعة الإخوان، كانوا يعملون فى السر على نشر الأخونة بين الأئمة فى المساجد، والغزالى وسابق كانا من تيار الإخوان داخل الأزهر، وهو تيار كان يكره سيد قطب ووافق على العمل مع الدولة بعد أن خدع جهاز الأمن، هم لم يتخلوا عن أفكار تنظيم الإخوان على الإطلاق.

كتب الغزالى إذن تقريرًا كاملًا عن رأيه فى «أولاد حارتنا» ورفعه إلى الجهات العليا، وتوالت الأحداث بعد ذلك عاصفة على رأس نجيب محفوظ ورأس روايته.

بعد الاعتداء على نجيب محفوظ كتب رجاء النقاش مقالًا غاضبًا وحزينًا، كان عنوانه: تكلم يا شيخنا الغزالى.. تكلم يا شيخ كشك.

بدأ رجاء مقاله بقوله: من الصعب أن نسيطر على مشاعرنا ونحن نتحدث عن محاولة اغتيال نجيب محفوظ، وأصعب من ذلك أن يستطيع شخص مثلى عرف نجيب محفوظ عن قرب واتصل به اتصالًا دائمًا منذ عام ١٩٥١، أن يسيطر على مشاعره وهو يرى مع الملايين ذلك الرجل العظيم على شاشة التليفزيون راقدًا على سريره يتكلم ويتألم.

ويضيف رجاء: تألمت وأنا أرى هذا المشهد وبكيت، ورغم ذلك فقد قمت بتسجيل هذا المشهد على شريط فيديو، لعلى أستطيع أن أعود إليه مرة أخرى، وأنا أحاول أن أفهم فى هدوء حقيقة هذا الحادث الغريب.

ويتحدث رجاء بعيدًا عن الفن.

يقول: إن الذين عرفوا نجيب محفوظ عن قرب، يدركون بوضوح أنه مثال للرجل الطيب المتسامح الذى لم يفكر يومًا فى إيذاء أحد، ولم يخطر الشر يومًا واحدًا على باله، وهو رجل مجامل شديد الحرص على مشاعر الآخرين، لا يعرف الغضب ولا التوتر، وينظر باحترام إلى أبسط الناس وأقلهم شأنًا، وهو رجل شعبى إلى أبعد الحدود، يحب المقاهى ويمشى فى الشوارع، ويشعر بالأمان المطلق فى وطنه وبين أهله، فكيف يثير مثل هذا الإنسان حقدًا مريرًا فى قلب شخص من الأشخاص، حتى يقوم هذا الشخص بطعنه فى رقبته، قاصدًا بذلك أن يقتله ويقضى على حياته.

بعد أن فرغ النقاش من مشاعره وألمه، بدأ يناقش ما جرى، وهنا بدأت تتجه السهام إلى الشيخ محمد الغزالى.

قطع النقاش بأن الشاب الذى حاول قتل نجيب محفوظ لم يقرأ رواية «أولاد حارتنا»، وبالتالى فإنه لم يدرسها ولم يفهمها، ولكن الذى حدث أن هذا الشاب قرأ تفسيرًا للرواية على لسان علماء أفاضل ومحترمين ولهم مكانتهم، ومن هؤلاء العلماء الشيخ محمد الغزالى الذى كتب كثيرًا من الكتابات المضيئة عن الإسلام ومبادئه، ولكنه وقف عند «أولاد حارتنا» فقدم لها هذا التفسير الخاطئ، وهو أنها ضد الدين وأنها رواية تدل على الكفر والإلحاد.

ويؤكد رجاء: يدهشنى أن يصدر ذلك عن ذهن عظيم مستنير واسع الأفق مثل ذهن الشيخ محمد الغزالى، مما نتج عنه أن هؤلاء الشباب المتطرفين أخذوا عنه الفكرة وعدوها أمرًا مسلمًا به، وحكموا على نجيب بالإعدام وحاولوا اغتياله.

وفى أدب ربما لا يتناسب مع الموقف، يقول رجاء: أنا لا أُحمّل الغزالى مسئولية هذه الجريمة، ولكننى أحاول أن أنبه إلى خطورة ما يقوله علماء الدين الأجلاء الذين ندعوهم إلى أن يتقوا الله فينا، وأن يحذروا من خطورة ما يقولونه وينشرونه بين الناس.

وينتقل النقاش من الغزالى إلى الشيخ كشك.

يقول: ومن بين الذين حملوا حملة شعواء على «أولاد حارتنا» فخطب ضدها فى المساجد وأصدر عنها كتابًا مطبوعًا يكفّرها ويكفر معها كاتبها نجيب محفوظ كان الشيخ كشك، ثم هناك فتوى الشيخ عمر عبدالرحمن الخطيرة بتكفير نجيب محفوظ وإباحة دمه بسبب هذا التفسير الخاطئ لرواية «أولاد حارتنا».

وفى أسف شديد يقول رجاء: هل هذا كلام يا أهل الدين والعلم، ويا من تخافون الله وتحسبون ألف حساب ليوم الحساب؟.. إن آراء علماء الدين فى الأدب على هذه الصورة هى باب مفتوح لنا جميعًا إلى الفتنة وإسالة الدماء، وهى تهدد بالقضاء على كل من حمل قلمًا، واجتهد فى التفكير والبحث حتى لو أخطأ، ولا أظن أن علماءنا قد حسبوا حسابًا لهذه النتيجة المأساوية.

ويمسك رجاء بلحظة مهمة جدًا وهى زيارة الشيخ محمد الغزالى لنجيب محفوظ فى ١٦ أكتوبر ١٩٩٤، أى بعد محاولة قتله بيومين فقط.

المفارقة التى يرصدها النقاش أن الشيخ الغزالى زار نجيب محفوظ واستنكر اغتياله، وعده عملًا خارجًا على الإسلام، فى حين أن تفسير العلماء لرواية «أولاد حارتنا» هو الذى شاع بين المتطرفين من الشباب، فأخذوا به وحكموا على نجيب محفوظ من خلاله، دون أن يقرأوا له شيئًا، بل ودون أن يكون لديهم أى استعداد لقراءة الأدب وفهمه بأدواته الصحيحة.

ويختم النقاش مقاله بقوله: لقد وقعت جريمة تهدد كل صاحب قلم وصاحب فكر، فماذا نحن فاعلون الآن؟ تكلم يا شيخنا محمد الغزالى، وتكلم يا شيخ عبدالحميد كشك، قولا لنا: ماذا نفعل؟ وكيف نتصرف فى هذه المصيبة وهذا البلاء؟

تعجبت من منطق رجاء النقاش، واندهشت من فرط أدبه وهو يتحدث مع محمد الغزالى، فالمشكلة ليست فى التقرير الذى قدمه عن الرواية فى العام ١٩٥٩، ولكن كانت فيما فعله فى يونيو من العام ١٩٩١.

كان الشيخ محمد الغزالى ضيفًا على صالون «إحسان عبدالقدوس» الذى تنظمه مؤسسة روزاليوسف، وخلال النقاش طرح عليه مصطفى عبدالله المحرر بصفحة «أخبار الأدب» بجريدة الأخبار سؤالًا حول موقفه من رواية «أولاد حارتنا»؟

قال الغزالى: إن الأستاذ نجيب محفوظ كاتب ثرى، ولديه أعمال أخرى كثيرة رفيعة القيمة غير «أولاد حارتنا» التى غلّب فيها الحضارة المادية على الدين، ورسخ فيها أن الحضارة المادية محت الدين، وكنت أحد الذين طالبوا بمصادرة الرواية.

فى ندوته الأسبوعية قابل مصطفى عبدالله نجيب محفوظ، عرض عليه ما قاله الغزالى.

فرد نجيب: إن الإنسان لا يستطيع أن يتراجع عن عمل كتبه.. وهذه التهمة ستظل معلقة حتى يناقشنى فيها صاحبها ويصدر فيها حكم.

قال له مصطفى: إذن عندك استعداد يا أستاذ نجيب لمناقشة معارضيك فى «أولاد حارتنا»؟

قال نجيب: آه طبعًا.. كان الأستاذ صبرى الخولى الذى يشغل مدير عام النشر أيام عبدالناصر أبلغنى بأن الأزهر منع «أولاد حارتنا» بعد أن نشرت منها حلقات ولم تكتمل بعد، ولم تظهر فى كتاب، وقال لى بأنه لا مانع عنده من أن تُطبع خارج مصر، ثم قال لى هل عندك استعداد أن يناقشوك فى الرواية فى مكتبى؟ فأبديت استعدادى، لكن مرت ٣٠ سنة ولم يحضر أحد.

فى ندوة نجيب محفوظ كان مصطفى عبدالله قد حمل معه الترجمة الروسية لرواية «أولاد حارتنا»، التى أرسلتها المستعربة الروسية «فاليريا كربتشينكو» إلى جريدة الأخبار لتسليمها إلى نجيب، وعندما أمسك بها الأستاذ وجد أحد الحاضرين يعلق بقوله: عقبال ما تصدر الترجمة العربية لها يا أستاذ نجيب.

كان محمد الغزالى قد أحيا الحديث عن «أولاد حارتنا»، وهو ما يعنى أنه أعادها إلى الأضواء مرة أخرى، ومعها ما قاله عن إلحاد صاحبها وعدائه للدين.

ما رأيكم أن نذهب الآن معًا إلى لقاء محمد الغزالى ونجيب محفوظ؟

أمامى تغطية مجلة «المصور» للقاء الذى اعتبره الكثيرون لقاء تاريخيًا، وكانت عناوينه دالة:

لقاء نجيب محفوظ والشيخ الغزالى.. مصافحة أم مصالحة؟

نجيب محفوظ: لن أنشر «أولاد حارتنا» دون موافقة الأزهر.

الشيخ الغزالى: أدنتُ محاولة الاغتيال والشيخ كشك جاهل وعمر عبدالرحمن مريض.

كان يوسف القعيد قد أنهى زيارته إلى نجيب محفوظ، وقبل أن يودّعه قال له: على فكرة الشيخ الغزالى سيزورنى هنا.

سأله القعيد: من أبلغك بذلك؟

فرد نجيب: محمد عبدالقدوس، ابن المرحوم إحسان، لقد زارنى هنا فى المستشفى أكثر من مرة.

خرج القعيد من المستشفى وهو يسأل نفسه: الشيخ الغزالى يزور نجيب محفوظ فى المستشفى؟ كيف.. ولماذا؟

يوم اللقاء ٢٩ نوفمبر ١٩٩٤، وفى الساعة السادسة تمامًا، وفى الغرفة ٩٣٠ دخل يوسف القعيد ليجد عند نجيب، جمال الغيطانى والقاص يحيى مختار، وبعد قليل وصلت زوجته السيدة عطية الله ومعها ابنتاها.

فى الساعة السابعة إلا عشر دقائق كان باب الغرفة يفتح ليدخل منه الشيخ محمد الغزالى ومعه أحمد بهجت ومحمد عبدالقدوس ونجل الشيخ الغزالى المهندس ضياء.

وبدأ الحوار فى غرفة نجيب محفوظ بعد كلمات المجاملة والترحيب المعتادة على النحو التالى:

محفوظ: أنا أعرفك منذ نصف قرن من الزمان.. دون أن نلتقى، وذلك من خلال الشيخ سيد زهران.

الغزالى: هو الذى قام بتعيينى بعد التخرج.

محفوظ: كنت أعمل فى مكتبه، لقد عملت فى وزارة الأوقاف منذ سنة ١٩٣٨ وحتى ١٩٤٢، وعملت أيضًا مع الشيخ مصطفى عبدالرازق.

الغزالى: كامل كيلانى- يرحمه الله- كان يعمل أيضًا فى وزارة الأوقاف، وهو من الأدباء النابهين، وأذكر أن الشيخ على عبدالرازق كان يصلى معى فى أحد المساجد بعد ثورة يوليو، وقد قال لى مرة إننى أطيل فى خطبة الجمعة، فقلت له معك حق، وقصرت الخطبة بعد ذلك.

الغيطانى: كان يعانى من مرض فى البواسير يجعله لا يقدر على الجلوس طويلًا.

الغزالى: كان للشيخ على عبدالرازق كتاب «الإسلام وأصول الحكم» فيه تجاوز من وجهة نظرى، وقد كتبت عنه عندما كنت أكتب عن كتاب لخالد محمد خالد، وقد رفض أن يطبعه فى حياته، ولم يطبع الكتاب إلا بعد رحيله عن عالمنا، وكان لخالد محمد خالد موقف من الإسلام، كتب «من هنا نبدأ» وكتبت أنا «من هنا نعلم»، وكانت لديه الشجاعة بأن يعترف بأنه تجاوز وأن يعود إلى الصواب، وإن كانت صداقتى معه لم تتأثر أبدًا طوال فترة الخلاف الفكرى، وقد كتب بعد ذلك «الإسلام دين ودولة» يعدل فيه عن آرائه السابقة.

محمد عبدالقدوس: كان لك موقف رافض لنشر رواية «أولاد حارتنا» يا مولانا؟

الغزالى: هذا موقف قديم جدًا.. يعود إلى ٣٥ سنة مضت.

محفوظ: كان هناك موقف من قسم النشر فى الأزهر الشريف من الرواية، وكان من المفروض أن تتم مناقشة الأمر، ولكن هذه المناقشة لم تتم، ومن يومها وأنا أقول إن نشر هذه الرواية لا بد أن يكون بموافقة مسبقة من الأزهر.

عطية الله إبراهيم: قرار نشر الرواية صاحب الحق فيه نجيب محفوظ، وهى الآن منشورة بالفعل والناس تقرؤها.

الغزالى: السموم أيضًا تنشر خلسة والناس تقبل عليها.

القعيد: إذن ما رأيك فى الذين أهدروا دم نجيب محفوظ بسبب رواية «أولاد حارتنا»؟

الغزالى: من هؤلاء؟

القعيد: الشيخ عبدالحميد كشك له كتاب هو «كلمتنا فى الرد على أولاد حارتنا»، والرسم الذى على غلافه يكاد يكون بروفة أولى لعملية الاغتيال.

الغزالى: الذى يفتى فى الناس لا بد أن يكون من العلماء الذين يعلمون أصول الدين، والشيخ كشك رجل جاهل وقد كتبت عنه، ووقف ضدى.

القعيد: وعمر عبدالرحمن؟

الغزالى: هل أفتى بشىء؟

القعيد: أحلّ دم نجيب محفوظ باعتباره مرتدًا عن الإسلام، وعندما ظهر سلمان رشدى عاد وقال: إننا لو ردعنا نجيب محفوظ فى حينه لما ظهر لنا سلمان رشدى.

الغزالى: عمر عبدالرحمن إنسان مريض.

الغيطانى: وما موقفك من محاولة اغتيال نجيب محفوظ؟

الغزالى: لقد أدنتُ محاولة الاغتيال فى اليوم التالى لوقوعها، أنا ضدها على طول الخط، والمحاولة لا يقرها شرع ولا دين، والإسلام دين السماحة والعقل والتفكير.

القعيد: هل ما زلت عند موقفك القديم نفسه من «أولاد حارتنا»؟

الغزالى: نعم أنا ضدها، أنا أرى أنها رواية تؤرخ للبشرية والأنبياء الذين أرسلوا إلى البشر كافة، ولكن هذا الموقف من الرواية لم يمنعنى من زيارة صاحبها، وها أنذا أفعل.

كان الشيخ الغزالى يتحدث ببرود شديد، وأدرك نجيب محفوظ أنه لا فى فائدة من الحوار معه، ولذلك قرر أن ينهيه، أشار إلى جمال والقعيد وزكى سالم بأن يتوقفوا عن الحوار، وقال بأدب مبررًا ذلك بقوله:

أولًا: أنا مريض ومتعب.

وثانيًا: الشيخ فى زيارة لى.

ثالثًا: لا أحب أن يتحول الأمر إلى استجواب له، وأنا أعرف، وهذا هو الأهم، موقف الشيخ الغزالى من الرواية، وأحترمه، لكن المشكلة فى هؤلاء الذين يقتلون.

الغزالى: الذين يقتلون هم الخوارج.

محفوظ: الخوارج كانوا أفضل.

الغزالى: إنهم يشتركون معهم فى القتل، الخوارج قتلوا عليًا على بن أبى طالب، كرّم الله وجهه، وهل يقتل على؟ والخوارج قتلوا عثمان الذى كانت تستحى منه الملائكة، لقد تزوج عثمان من امرأة كانت مسيحية يقال لها «نائلة»، بعد مقتله طُلبت للزواج أكثر من مرة، فسألوا من يطلبونها عن الحكاية، فقيل: بسبب جمال ثغرها، فكسرت أسنانها حتى لا تتزوج فظلت هكذا حتى ماتت، فهل يقتل عثمان؟ وعمومًا الدنيا الآن قسمان أساسيان، الذين يؤمنون بالله سبحانه وتعالى، وقسم آخر ينكر وجود الله، تلك هى التقسيمة الأساسية بعد أن انهارت كل التقسيمات، والغلبة والنصر لمن يقول لا إله إلا الله، حتى الذين يقولون إن الدين نوع من الغيب لا بد أن يراجعوا أنفسهم، فعندما أنام ما الذى يجعل القلب يعمل ويضخ الدماء فى الجسم كله؟ إنه الله.. والله أكبر.

محفوظ: المقصود بالمدرك من الأمور هو كل ما تدركه الحواس الخمس، وكل ما لا تدركه الحواس هو الغيب.

توجه نجيب بعد ذلك بالحديث إلى محمد عبدالقدوس.

محفوظ: كنت أنا ووالدك إحسان عبدالقدوس- يرحمه الله رحمة واسعة- من منطقة واحدة فى العباسية ومن شارع واحد، وإن كان التعارف بيننا لم يتم إلا بعد أن أصبحنا كاتبين، إحسان من أقرب الناس إلى قلبى، وهو الوحيد الذى كان يقيم لى حفلات جميلة كلما حصلت على جائزة من الجوائز، وكان يفعل ذلك بدرجة عالية من الصفاء النفسى قلما نجدها عند آخرين.

القعيد: أثناء أزمة «أنف وثلاثة عيون» يا أستاذ نجيب كان هناك موقف من إحسان على المستويين الرسمى والدينى، كنت ضيف برنامج «شريط تسجيل» التليفزيونى الذى كان شهيرًا فى ذلك الوقت، وعندما سُئلت إلى من تهدى الشريط كله، قلت: إحسان عبدالقدوس، وكان هذا موقفًا جيدًا منك فى ذلك الوقت.

سأل الغيطانى الشيخ الغزالى: لماذا تتحامل على ابن عربى مع أنك ترحب بغيره من المتصوفة؟

الغزالى: ليس ابن عربى وحده، ولكن الحلاج أيضًا، لست ضد التصوف، ولكن ضد هذين الاثنين، ابن عربى يبدأ فى النصوص العدد من الرقم ثلاثة، فأين واحد واثنان، أما الحلاج فحدث ولا حرج.

استمر اللقاء لخمس وأربعين دقيقة، لم يتحدث خلالها الكاتب الكبير أحمد بهجت بكلمة واحدة، وهو ما جعل يوسف القعيد يسأله: هل لك نفس موقف الشيخ الغزالى من ابن عربى؟

فرد بهجت: نعم أؤيده.

فسأله: وهل تؤيده أيضًا فى موقفه من رواية «أولاد حارتنا»؟

فقال بحسم: لا.. لست معه.

كان هذا هو كل ما حدث فى اللقاء على وجه التقريب، ظل محمد الغزالى على رأيه، ولا أدرى من أين أتى المخرج الكبير توفيق صالح- أحد أعضاء مجموعة الحرافيش- بما قاله عن اعتذار محمد الغزالى لنجيب محفوظ فى هذه الجلسة.

كان توفيق صالح يشارك فى ندوة بمعرض الكويت للكتاب فى نوفمبر ٢٠٠٦، وقال نصًا: الشيخ محمد الغزالى، الذى كان أول من هيج الدنيا على رواية «أولاد حارتنا»، اعتذر لنجيب محفوظ عندما عاده فى المستشفى، وقال له: لقد قرأت الرواية خطأ.

على هامش هذه الزيارة بحثت عما يربط بين الشيخ الغزالى ونجيب محفوظ.

الغريب أننى وجدت الكاتب الكبير يتعامل باحترام وتقدير مع الشيخ رغم ما ألحقه به من أذى.

فى حوار أجرته الكاتبة الصحفية سهام ذهنى مع نجيب محفوظ فى يوليو ١٩٩٨، وأعادت نشره فى كتابها «أحب رائحة الليمون.. حوارات مع نجيب محفوظ»، جاء الكلام على ذكر محمد الغزالى، وتدفق على النحو التالى:

سهام: عندما نشرت رواية «أولاد حارتنا» فى الستينيات قام الشيخ محمد الغزالى بالهجوم عليك، لكن عندما تعرضت لمحاولة الاغتيال قام بزيارتك فى المستشفى.

نجيب: كما قام بزيارتى فى البيت أيضًا، لقد كانت علاقتى به طيبة جدًا، وأذكر أننى فى الأيام التى كنت فيها ما زلت قادرًا على القراءة أن الشيخ الغزالى كان يكتب فى جريدة «الشعب»، وقد كتب كلمة طيبة جدًا فى حقى عندما تعرضت للهجوم.

فى كلمته بجريدة «الشعب» كتب الغزالى كلامًا بروتوكوليًا، كان هذا نصه بعد أن استنكر محاولة القتل: المجرم فى نظرى إما مخبول، وإما مدفوع من جهة تريد الإساءة إلى الإسلام، ومعروف أن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل، وما أكثر الجرائم المادية والأدبية التى تُرتكب باسم الإسلام، إننا نبرأ إلى الله منها ونسأله أن يقى المسلمين شرها.

سهام: هل علاقتك به مقصورة على فترة المرض؟

نجيب: علاقتى به من بعيد، فأنا معجب به، وقرأت معظم كتبه، وهو من مفكرى الإسلام العظام.

سهام: هل تذكر أعمالًا معينة للشيخ الغزالى لفتت نظرك؟

نجيب: كتابه «مائة سؤال عن الإسلام»، لأننى أرى أنه ثقافة دينية وتعليمية هائلة، ومن كتبه الأخيرة «التفسير الموضوعى للقرآن الكريم»، وهذا الكتاب تم تصويرى معه، حيث طلب منى قسم النشر بالجامعة الأمريكية التقاط صورة كبيرة مع هذا الكتاب للدعاية له، وللشيخ الغزالى كتاب مهم أيضًا هو «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث».. وقد تعرض لهجوم شديد بسببه.

الأسئلة كانت سريعة والإجابات أيضًا، ومنها وفيها رجل متسامح غاية التسامح، بل إنه ورغم معرفته بما أحدثه الغزالى وتسبب فيه وألحق به الضرر وبروايته الأذى، إلا أن إنصافه لم يمنعه من أن يتحدث عن إعجابه به، بل والمساهمة فى الدعاية لأحد كتبه.

لكن هل بادل محمد الغزالى نجيب محفوظ مثل هذه المشاعر، هل كان سمحًا أو متسامحًا معه؟

لم يحدث شىء من هذا.

ويمكننى أن أتوقف بكم عند بعض مقالات نشرها الشيخ محمد الغزالى فى زاويته بجريدة «الشعب»، التى كان يقرأها نجيب محفوظ كما أشار، وهى المقالات التى لم يكن الغزالى يجد فرصة إلا وينتهزها للإساءة إلى محفوظ والتحريض عليه، بل إنه فى بعضها كان يبارك ما جرى له على يد من حاول اغتياله.. رغم أنه أكد أنه أدان الحادث ورفضه.. لكن ماذا نفعل وهذا هو الشيخ الغزالى دائمًا.

المقالات التى أشير إليها يمكن أن تعثروا عليها فى موسوعته التى أطلق عليها «الحق المر»، وهى مجموعة كتب تضم مقالاته التى نشرها فى جريدة «الشعب» وغيرها من الصحف.

فى مقال بعنوان «من تمام التوبة النصوح» يقول الغزالى: من فضل الله علينا وعلى الدكتور مصطفى محمود أنه أصبح من معالم الفكر المؤمن، وأنه ببصيرته الثاقبة يعرض من آيات الله فى الأنفس والآفاق ما يدعم الحق وما يدفع الباطل، لقد أمحى ماضيه الذى كان مشوبًا بالشك، وحل مكانه حاضر مديد ملىء باليقين.

ويسأل الغزالى: لماذا قلت هذا الكلام؟

ويجيب: لأنى قرأت فى صحيفة «الأخبار» هذا العنوان السار: «نجيب محفوظ.. بعد فترة شك قاسية ورحلة عقلية شاقة يفخر بإيمانه وانتمائه إلى الإسلام»، لقد دعوت للرجل، وقلت: زاده الله هدى.

يبدأ الغزالى ينقل بعضًا مما قاله نجيب فى جريدة «الأخبار».

يقول: لقد أخذت الإسلام أولًا من البيئة التى نشأت فيها، كان إسلامًا مختلطًا بكثير من الخرافات والسلبيات، وعندما شببت عن الطوق، وعرضت ما تلقيته على عقلى، كان لا بد أن أرفضه، بيد أنى وقعت فى خطأ عقلى كبير، إذ ظننت أن الخرافات التى أنكرتها جزء من الدين، وأنى بالابتعاد عنها أبتعد عن صميم الدين.. ثم استبانت لى الأمور، فعرفت ما هو من حقائق الوحى الإلهى، وما هو من إضافات الوهم البشرى.

ويقول: أنا الآن فخور بإيمانى وانتسابى للإسلام، لقد دخلته بعد مرحلة شك، وتعرفت عليه باقتناع، وبعد دراسة واسعة لمختلف المذاهب والأفكار والعقائد.

ويقول: الإسلام فيه كل المقومات التى تنجح بها النهضات وتعلو الأمم، إنه دين العمل والأمانة والطهارة، وباعث الحريات التى تعترض الطغاة والمنافقين والمفسدين، وآسف للتدين المهتم بالشكليات، الغافل عن اللباب، فالمتدينون من هذا الصنف لا يقلون خطرًا عمن يدعون إلى ترك الدين.

ورغم أن نجيب لم يقل شيئًا جديدًا، ولم يعلن توبته عن شىء ارتكبه، إلا أن محمد الغزالى هلل وكبّر واعتبر ما فعله محفوظ انتصارًا كبيرًا للإسلام.

يعلّق على ذلك بقوله: إننى طبت نفسًا بهذا البيان، ودعوت للكاتب الآيب، ولكن لى تعليق أذكره بعد سوق هذه الحكاية السريعة، فقد عرفت الشيخ على عبدالرازق فى أواخر أيامه، كان يصلى الجمعة معى فى الأزهر الشريف، ويبكر لسماع الخطبة، ويعاتبنى أحيانًا عندما أطيل- لمرض أصابه- ونشأ بيننا ما يشبه الود، كنت أكرهه أولًا لكتابه «الإسلام وأصول الحكم»، فقد خلط فيه خلطًا منكورًا بين آيات نشر الدعوة وآيات إقامة الدولة، ووقع الخلط فى حين أسود، سقطت فيه دولة الخلافة وأطبق الاستعمار العالمى علينا من كل جانب، فكان الكتاب خطأ عقليًا وخطيئة خلقية، وها هو ذا الرجل قد رجع إلى الله، وعرفت أنه أبى طبع الكتاب، وأهال التراب على هذه الذكرى، إنها توبة سلبية، كان الأستاذ خالد محمد خالد أشجع منه وأتقى لله عندما وقع فى مثل خطئه ثم ألّف كتابًا آخر أثبت فيه أن الإسلام دين ودولة، ونتج عن سلبية الشيخ على عبدالرازق أن الكتاب الذى رجع عنه ينشره الآن نفر من أعداء الإسلام وكارهى دولته.

عندما تقف أمام تعليق محمد الغزالى، تجد أنه وقع فى أكثر من خطأ:

أولًا: لا يستحى الرجل من أن يعلن كراهيته الصريحة لعلى عبدالرازق، وأعتقد أن هذا ليس من أخلاق الإسلام أبدًا، فحتى الذين نختلف معهم لا يجب أن نكرههم.

ثانيًا: يفتئت على الله، فيصنف الناس، فعندما يقول إن خالد محمد خالد كان أتقى لله من على عبدالرازق، فإنه يمنح نفسه بذلك سلطة دينية ليس له أن يحكم بها على الناس.

ثالثًا: يخبرنا برواية لا دليل عليها؛ بأن على عبدالرازق تراجع عما فى كتابه «الإسلام وأصول الحكم»، وأنه تاب وأناب، ويتهمه بالسلبية لأنه لم يطالب بعدم نشر كتابه مرة أخرى، أو يكتب كتابًا يتراجع فيه، وهو ما يؤكد أن عبدالرازق لم يتراجع، ولكنها أكذوبة اخترعها الشيخ الغزالى وروّج لها، فعلى عبدالرازق لم يكن يرى أنه اقترف إثمًا حتى يتوب عنه.

كعادته استغل الغزالى هذا الكلام وحاول تلبيس نجيب محفوظ ما يدّعى أنه توبة، فكتب يقول فى نهاية مقاله: من أجل ذلك أتوجه- مع جمهور المؤمنين- بهذا الرجاء إلى كاتبنا الكبير نجيب محفوظ، أن يضيف إلى كل طبعة جديدة من كتبه التى تحتاج إلى استدراك صفحة واحدة يؤكد فيها أن العلم والإيمان قرينان، بل شىء واحد فى الحقيقة، وأنه ليس هناك يقين دينى يناقض يقينًا علميًا، وأن كلمات الله فى وحيه ترديد لكلماته فى صحائف الكون والحياة، وفى قيام السماوات والأرض.

وتوقف مرة ثانية عند قوله «مع جمهور المؤمنين»، فقد كان يعتبر نفسه وأتباعه هم المؤمنين، أما من غيرهم أو يخالفهم فهم ليسوا كذلك.

وفى مقاله «كيف تمنح هذه الجائزة؟»، الذى خصصه للحديث عمن يحصلون على جائزة نوبل، قال: نال الجائزة أخيرًا الأستاذ نجيب محفوظ، وهو قصاص وروائى متمكن، والرجل ليس دون من نالوها من قبل، وقد يكون خيرًا منهم، ولكن لفت نظرى أن من بين الأعمال التى رشحته لنيلها رواية «أولاد حارتنا» التى نشرت فى الخمسينيات بصحيفة «الأهرام».

يعيد الغزالى طعناته للرواية تلك التى سبق وسجلها فى تقرير رسمى فى العام ١٩٥٩، يقول: إن هذه الرواية هجوم على عقيدة الألوهية، ورفض للوحى كله، وإنكار ساخر لنبوات موسى وعيسى ومحمد، ونزعة علمانية تجعل الدين أوهامًا ومهازل، وأذكر أن الأستاذ الشيخ محمد أبوزهرة كتب تقريرًا إضافيًا عنها، وأن الدكتور أحمد الشرباصى قام بالعمل نفسه، كما أننى كتبت تقريرًا عن الرواية، والتقت هذه التقارير عند الأستاذ حسن صبرى الخولى، الرقيب العام يومئذٍ، وقد رجع إلى الرئيس عبدالناصر ثم صادر الرواية ومنع تداولها تسكينًا لثورة المؤمنين.

يفاخر الغزالى بجهده فى منع نشر الرواية فى مصر، ويعتز بأنه هو من قال إنها معادية للدين، وبعد سنوات طويلة يعود ليجدد التحريض على الرواية، يقول: واليوم يتحدث البعض عن إبطال المصادرة وإعادة النشر، وقد كنت أظن المؤلف- وهو فى العقد الثامن من عمره- وفى رحلة العودة إلى الله يحب ترك الرواية فى مرقدها، طارحًا ما فيها من أفكار، فهل أخطأت الظن؟ ولا أدرى، على أى حال نحن نقبل التحدى، وستكون نتائجه مرة المذاق فى أفواه كثيرة، إن الملاحدة فى بلادنا لا تنتهى لهم جراءة على الله ورسوله، ولهم الويل مما يصفون.

هذه الفقرة تحديدًا يمكن أن تكون حيثيات لاتهام محمد الغزالى بالتحريض الواضح والصريح والمباشر على قتل نجيب محفوظ.

لقد كتب هذا المقال بعد حصول أديب نوبل على الجائزة، وبدلًا من التهنئة فإنه يهدد بأنه فى حال إعادة نشر الرواية فإن مذاق النتائج سيكون مُرًا فى أفواه كثيرة، وهو ما حدث بالفعل، الفارق الوحيد أن مذاق النتائج لم يكن مُرًا، بل كان قاتلًا.

مرة ثالثة يغمز ويلمز محمد الغزالى فى حق رواية نجيب محفوظ، فى مقال بعنوان «سماسرة الكفر»، يقول: لقد قرأت ما كتبه نجيب محفوظ فى السنوات الأخيرة، كانت كتابات واعية لعقل مجرّب يبغى الخير لأمته، فإذا نفر من سماسرة الكفر يعلنون بأنهم سينشرون الرواية التى صدرت من خمس وثلاثين سنة «أولاد حارتنا» وقال لهم مؤلفها: إن الجو غير ملائم.

وقالوا هم «نريد نشرها»، يظنون بذلك أنهم يكيدون للإسلام وينالون من سلطانه الروحى على الجماهير، والعيب الأكبر ليس فى هؤلاء المارقين، إنه فيمن مكّن لهم وأكره الناس على قراءتهم وأعطاهم صدور الصحف السيارة يملأونها بالغثاء وينفسون عن ضغائنهم ضد الإسلام وأمته.

وتحت عنوان «مفسدو الأوضاع»، يقول الغزالى: لقد رأيت شيوعيى العصر الماضى يختارون العلمانية عنوانًا جديدًا لهم، ثم يهاجمون الإسلام بكل ما يقع فى أيديهم من أسلحة، وقد استغربت عندما قرأت لأحد هؤلاء: لقد خذلنا نجيب محفوظ، منع نفسه من التداول وحبس «أولاد حارتنا» عن النشر ووضع ضميره فى سجن الخوف، ثم يقول: نجيب محفوظ الذى خرج على القانون مبدعًا يعود إليه موظفًا.

ويسأل الغزالى قارئه: أرأيت ما هو الإبداع عند هؤلاء الشيوعيين القدامى؟

ويجيب: اكفر بالله تكن مبدعًا، حارب التعاليم والحدود الشرعية تكن مبدعًا، اجمع القمامات الفكرية من مواطن الزبالة فى العالم أجمع وارم بها المجتمع الإسلامى تكن مبدعًا.

هذه الفقرة تحديدًا لا يمكن أن يحتج أحد بعدها علينا عندما نقول إن الشيخ محمد الغزالى كان يكفّر الناس.. فهو قولًا وفعلًا كان لا يتورع عن ذلك.

لقد حاول كثيرون تجميل صورة الشيخ محمد الغزالى، وهو بالنسبة لى رجل ملتبس تمامًا، فهو من ناحية صاحب آراء فقهية تقدمية جدًا، لكنه من ناحية ثانية أسير تربيته الإخوانية، حيث كان دائمًا ضد حرية الفكر والإبداع، ولدىّ انحياز واضح ضده فيما يتعلق بما جرى لنجيب محفوظ، فقد كان الشيخ الغزالى واحدًا ممن حرّضوا على الكاتب الكبير، ولم يكن الخنجر الذى تم غرسه فى رقبة محفوظ إلا بعضًا من نتائج أفكاره وآرائه وفتاويه.

الغريب أن الشيخ الغزالى كان يمكن له أن يتطهر، أن يغسل يديه من ذنب التحريض على نجيب محفوظ عندما جلس بين يديه فى مستشفى الشرطة، إلا أنه لم يفعل ذلك، بل ظل متمسكًا بالرأى الذى كان سببًا واضحًا ومباشرًا فى محاولة ذبح رجل ظل يتعامل معه باحترام وتقدير.

لقد ذهب الشيخ الغزالى ليحصل على براءة من دم نجيب محفوظ الذى سال، أن يغسل يديه من ذنب التحريض عليه، لكن شيئًا من هذا لم يحدث.. فهو لا يزال متهمًا عندى بأنه كان واحدًا من القتلة، وإذا سألتنى عن خلاصة ما أراه بين الرجلين الغزالى ومحفوظ، سأقول لك إن الشيخ كان مثل من يقتل القتيل ثم يسارع ليسير فى جنازته.