الأحد 09 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

شهر نجيب

الغرفة 612.. أحاديث نجيب محفوظ الأخيرة من العناية المركزة

حرف

- ظل محتفظًا بعاداته القديمة حتى وهو على سرير المرض

- ماركيز أول من سأل عن محفوظ فى مرضه

- استقبل النهاية بالسكينة نفسها التى استقبل بها كل تحولات حياته

فى الثلاثين من أغسطس من كل عام، لا تستعيد الثقافة العربية ذكرى رحيل كاتب كبير فحسب، وإنما تستعيد لحظة انتقال نجيب محفوظ من مقام الروائى العظيم إلى مقام الرمز الإنسانى. وإذا كان فوزه بجائزة نوبل عام 1988 قد جعله اسمًا عالميًا، فإن أيامه الأخيرة كشفت عن وجه آخر للرجل: وجه الإنسان البسيط، الصبور، المتسامح، الذى ظل حتى أنفاسه الأخيرة يمارس حياته بالوقار والتفانى الذى كتب به رواياته.

ولعل أكثر الشهادات صدقًا ودفئًا عن تلك الأيام الأخيرة فى حياة محفوظ هو كتاب «المحطة الأخيرة» للكاتب الكبير محمد سلماوى، الذى أعيد إصداره أخيرًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بمناسبة الذكرى العشرين لرحيل أديب نوبل الكبير. فى هذه السردية التوثيقية لم يكتب سلماوى مذكرات عن صديق، بل سجل شهادة أدبية وإنسانية عن آخر خمسة وأربعين يومًا فى حياة رجل رافقه عن قرب أكثر من ثلاثين عامًا، بدءًا من دخوله مستشفى الشرطة يوم 16 يوليو 2006 وحتى رحيله يوم 30 أغسطس. 

كتاب «المحطة الأخيرة» لمحمد سلماوى يعد واحدًا من أعمق الكتابات التى تناولت حياة الأديب العالمى نجيب محفوظ، حيث يقدم مزيجًا فنيًا بين اليوميات الحميمة والسيرة الغيرية، مستندًا إلى صداقة دامت ثلاثين عامًا مع أديب نوبل، وتوطدت بشكل خاص خلال العقد الأخير من حياة محفوظ.

يمتد الكتاب على مدار ستة وعشرين فصلًا، مرقمة دون عناوين، وهو اختيار يتناسب مع طبيعة السرد المتصل الذى لا يحتمل الانقطاع. يبدأ سلماوى روايته من منتصف يوليو ٢٠٠٦، وتحديدًا من آخر زيارة أسبوعية قام بها لمحفوظ مساء السبت ١٥ يوليو، حيث دار الحديث بينهما حول موضوعين: العدوان الإسرائيلى على جنوب لبنان الذى كان يؤرق محفوظ، وآخر أعماله «أحلام فترة النقاهة» الذى كان على وشك الصدور.

يمتاز الكتاب بقدرته على استعراض جوانب من شخصية محفوظ من خلال تفاصيل حميمة، منها:

- موقفه من الاحتفالات: يكشف سلماوى عن كره محفوظ لاحتفالات أعياد الميلاد التقليدية، حيث كان يقول: «إننى لم أتعود إطفاء هذه الشموع وأنا طفل، فهل أطفئها الآن وقد صرت شيخًا»؟ واكتفى بحفلات بسيطة تجمع أحبابه وأصدقاءه.

- اهتمامه بالشأن العام: رغم تقدمه فى السن، ظل محفوظ متابعًا للأحداث السياسية، خاصة ما كان يجرى وقتها فى جنوب لبنان بعد الغزو الإسرائيلى والذى كان سلماوى يتحاشى الحديث عنه حرصًا على حالة محفوظ النفسية.

ويستعرض الكتاب حوارًا مؤثرًا دار بين سلماوى ومحفوظ عندما بلغ الأخير التسعين، سأله فيه: «بماذا تشعر فى هذه السن»؟ فأجابه محفوظ بعبارة تحمل دلالة رمزية عميقة: «أشعر أننى فى محطة سيدى جابر»، فى إشارة إلى المحطة قبل الأخيرة فى رحلة القطار من القاهرة إلى الإسكندرية، حيث يبدأ المسافر بتجهيز حقائبه استعدادًا للنزول فى المحطة النهائية. وقد كان لهذه العبارة وقع خاص، إذ تحولت إلى عنوان رمزى للكتاب الذى يرصد مرحلة ما قبل الرحيل.

جنازة نجيب
جنازة نجيب

وعلى مدى هذه السردية الأدبية الفريدة تبرز بعض العناوين المهمة. منها:

- اتصال ماركيز: يكشف سلماوى عن اتصال هاتفى تلقاه من الروائى الكولومبى جابرييل جارسيا ماركيز للاطمئنان على صحة محفوظ، رغم أن الأديبين لم يتقابلا قط، لكنهما كانا يتبادلان الاحترام. ويشير محفوظ فى هذا السياق إلى ما أسماه «لعنة نوبل» التى توقف الكتابة، فى إشارة إلى توقف ماركيز عن الكتابة فى سنواته الأخيرة.

- اختفاء الميدالية الذهبية: يكشف سلماوى عن مفاجأة عند تجهيز الجنازة العسكرية لمحفوظ، حيث طلبوا أوسمته ونياشينه ليسير بها الجنود خلف نعشه، فتبين أن بعضها اختفى، ومنها ميدالية نوبل الذهبية، ويستعرض الكتاب السبب المحتمل لهذا الاختفاء.

يتسم الكتاب بأسلوب «السهل الممتنع»؛ إذ رغم بساطة السرد لفظًا وحوارًا ووصفًا، إلا أنه قوى البنيان، منطقى التصاعد، عميق الدلالة. وقد وصفه النقاد بأنه كتاب حساس يعبر عن كرم محفوظ وطيبة قلبه وروح الدعابة التى تميز بها، والأهم من ذلك تواضعه الجم. كما يصور الكتاب بإنسانية عميقة مشاهد الوداع، بدءًا من التدهور التدريجى لصحة محفوظ إثر سقوطه وإصابته بجرح فى مؤخرة رأسه، وصولًا إلى دخوله العناية المركزة، ثم وفاته يوم ٣٠ أغسطس ٢٠٠٦.

والحقيقة أن هذا الكتاب الفريد من نوعه ليس مجرد يوميات مريض بالمستشفى، إنه رواية واقعية عن انتصار الروح على الجسد، وعن رجل ظل، وهو يقترب من النهاية، يحتفظ بابتسامته، وبهدوئه، وبإيمانه العميق بالحياة، وقد صاغه الأديب الكبير محمد سلماوى بأسلوب روائى جعله يصنف باعتباره سردية توثيقية، فحقق ذلك التزاوج النادر بين روائية السرد ودقة التوثيق.

كانت البداية تبدو عادية: جرح صغير فى الرأس نتيجة لتعثر محفوظ فى بيته، استدعى تدخلًا جراحيًا بسيطًا. لم يتوقع أحد أن يكون ذلك هو باب الرحلة الأخيرة. لكن جسد الرجل الذى اقترب من إكمال عامه الخامس والتسعين كان قد أنهكته السنون، ولم يعد قادرًا على مقاومة المضاعفات. شيئًا فشيئًا تحول المستشفى إلى عالمه الأخير، وتحولت الغرفة رقم ٦١٢ بالمستشفى إلى مقصد لزواره من الأصدقاء المقربين والمسئولين والمثقفين والكتاب، وجاء كتاب سلماوى شاهدًا على واحدة من أكثر الصفحات تأثيرًا فى تاريخ الأدب العربى الحديث. 

ومن أجمل ما يقدمه محمد سلماوى فى هذا الكتاب أنه لا يرسم صورة «الأديب الحائز نوبل»، بل صورة الإنسان الذى وراء الأديب، فمحفوظ لم يكن يتحدث فى أيامه الأخيرة عن المجد الأدبى الذى حققه ولا عن الجوائز التى نالها، وإنما كان يسأل عن الناس، ويتابع أخبار أصدقائه، ويطمئن على أسرته، ويمازح زواره. وعندما كان الألم يشتد، كان يصمت حرصًا على ألا يثقل على أحد بشكواه.

ذلك الهدوء لم يكن وليد الشيخوخة، بل كان خلاصة فلسفة حياة كاملة، فمن يقرأ أعمال محفوظ يدرك أن الموت لم يكن عنده بمثابة نهاية مأساوية، وإنما كان محطة طبيعية فى دورة الوجود. وربما لهذا بدا وكأنه يستقبل النهاية بالسكينة نفسها التى استقبل بها كل تحولات حياته، كبيرها وصغيرها.

ويكشف الكتاب عن جانب آخر بالغ الدلالة: المكانة التى احتلها محفوظ فى وجدان المصريين. لم يكن المرض شأنًا عائليًا خاصًا، بل أصبح قضية رأى عام. كانت الصحف تنشر بيانات طبية يومية، وكانت الفضائيات تتابع أخباره ساعة بساعة، فيما ظل محبوه ينتظرون أى بارقة أمل. لقد بدا وكأن مصر كلها تقف أمام باب الغرفة ٦١٢ بمستشفى الشرطة بالعجوزة.. فى انتظار معجزة للأسف لم تتحقق. 

ويصف سلماوى تلك الزيارات بحس روائى بالغ الرهافة. يدخل الزائر وهو يتهيأ لمواجهة رجل يحتضر، ثم يخرج مندهشًا من قدرة محفوظ على بث الطمأنينة فيمن جاء ليطمئن عليه. كان المريض يخفف عن زواره، لا العكس. وكانت ابتسامته الصغيرة، وفى بعض الأحيان ضحكته المجلجلة، تكفى لتبدد رهبة الموقف ووحشة المكان.

ومن التفاصيل المؤثرة أن محفوظ ظل محتفظًا بعاداته القديمة حتى وهو على سرير المرض. النظام، الدقة، الاقتصاد فى الكلام، والإنصات أكثر من الحديث. وكأن الشخصية التى عرفها الناس فى مقاهى القاهرة وعلى موائد الأصدقاء لم تتغير، رغم أن الجسد كان يخوض معركته الأخيرة.

ولأن محمد سلماوى كان من أقرب الناس إلى محفوظ، وهو الذى عهد إليه محفوظ بأن يمثله فى احتفالات نوبل ويلقى كلمته بهذه المناسبة، فقد استطاع أن يلتقط ما لا تلتقطه الكاميرات. فهو لا يكتفى بتسجيل الوقائع، بل ينقل المناخ النفسى والإنسانى المحيط بها. لذلك يتحول الكتاب إلى ما يشبه السيرة الوجدانية، أكثر منه سجلًا تاريخيًا، ويقدم لنا خلجات النفس لهذا الأديب العملاق وتحولاتها من يوم إلى يوم. 

سلماوى مع نجيب
سلماوى مع نجيب

وفى الصفحات الأخيرة تبلغ السردية ذروتها. تتراجع المؤشرات الطبية، ويصبح واضحًا أن النهاية تقترب. لكن الكاتب يتجنب الميلودراما تمامًا. فلا صرخات، ولا انفعالات مفتعلة. كل شىء يجرى بالهدوء الذى عاش به محفوظ حياته. حتى الرحيل نفسه جاء أقرب إلى إغلاق صفحة أخيرة فى رواية عظيمة.

وعندما خرجت الجنازة من مسجد آل رشدان بمدينة نصر، لم يكن المشهد مجرد وداع لكاتب، بل كان وداع عصر كامل من الثقافة المصرية. سار خلف النعش أكبر رجال الدولة وتلاميذه وأصدقاؤه ومحبوه، بينما كانت أعماله قد بدأت بالفعل رحلتها نحو الخلود.

ويخلص سلماوى إلى فكرة بالغة العمق: أن المحطة الأخيرة لم تكن نهاية نجيب محفوظ، بل بداية تحوله إلى أسطورة أدبية. فهناك كتاب كبار يرحلون آخذين معهم جزءًا من حضورهم، وهناك قلة نادرة يبدأ حضورهم الحقيقى بعد الرحيل. ومحفوظ كان من هؤلاء. 

وبعد عشرين عامًا على غيابه، تبدو هذه الفكرة أكثر صدقًا من أى وقت مضى. فلا تزال رواياته تُترجم إلى لغات جديدة، وتُقرأ فى الجامعات العالمية، وتلهم أجيالًا من الروائيين. ولا تزال شخصياته، من السيد أحمد عبدالجواد إلى سعيد مهران، ومن كمال عبدالجواد إلى عاشور الناجى، تعيش فى الذاكرة العربية كأنها أشخاص حقيقيون.

لقد كتب نجيب محفوظ القاهرة بحواريها وأزقتها، لكنه فى الحقيقة كتب الإنسان قبل أى شىء آخر. كتب الخوف والأمل، السلطة والحرية، الحب والموت، الإيمان والشك، ولذلك تجاوز حدود المكان والزمان.

ولهذا فإن قراءة «المحطة الأخيرة» اليوم ليست مجرد استعادة لذكريات الأيام الأخيرة من حياة أديب كبير، وإنما هى درس فى الكرامة الإنسانية، وفى كيفية مواجهة النهاية دون ضجيج، وفى معنى أن يظل الإنسان وفيًا لنفسه حتى اللحظة الأخيرة، كما أنها فى الحقيقة تأريخ لحياة محفوظ برمتها وأهم المواقف التى مرت به.

ربما انتهت حياة نجيب محفوظ فى مساء الثلاثين من أغسطس ٢٠٠٦، لكن رحلته الأدبية لم تتوقف. فالكبار لا يقاس عمرهم بعدد السنوات التى عاشوها، وإنما بعدد الأجيال التى يواصلون إلهامها. ونجيب محفوظ، بعد عشرين عامًا على رحيله، ما زال يكتب لنا، وما زالت القاهرة التى جسدها فى رواياته أكثر حيوية من كثير من المدن الواقعية.