الإثنين 28 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

الوحيد فى متاهة المعانى.. من قصائد محمد عيد إبراهيم

حرف

أنسى الحاج يحرقُ مخطوطةً

امرأة تخاف من السرطان، تخاف وتبكى،

من ليلها لنهارها تبكى، لأن حمامة ًعند وعد،

وجفت مياهٌ وهى تضحك تبكى، كأن شجيرة سيقت 

إلى معذبها، تبكى وجنب بحيرة تحلم 

بحفنة مطر، تحت أنقاض السماء.

مات أبوها من وجع فى خصيتيه،

كمن يتفق مع نفسه، ليحرر السرطانُ 

حريرَ رغبته هينًا، كمرور الخيل فى موكب،

فوقه هودج من كراكيب

لكل روح دم ٌ، وأفاض إلى الباب الذى 

لم تحمه راعية: حلَّ الأمانُ وزلّ فى نشوة.

قطعت أمها ثديها، وقد ساح نملٌ بطىءٌ عليه،

فندت صرخة : لا شىء يخنقنى اليوم، خيط من الجرح

وأمسُّ القيحَ كل حين كشعرة بالصدر الذى

فاق الطبيعة. أملٌ باطل ٌ فى الحب. إلى 

نقطة الذوبان، أمام كسر بنافذة كمصيرى

الزمن طويلٌ، الزمن على درجات سلم

الزمن صنيعى الجميل، الزمن قابيل بعدما

يستأنف الجلوس، الزمن هو الرعب

مثقل الخطى كالمجرم الكاذب، يغنى وأنا 

أتوتر، وبلا حقد، يجىء ابن المنزل

كملاكة التاريخ وحياتى، هديرٌ كمن يُفطم

امرأة قبلما تحتضر، رشت النار فوق

رقائق الساقين، وعلى مهل، لتسحبَ من 

لحمها فى شرائط، كزينة الكرنفال: رأونى؟

أفضل أن أصمت، وأنا أمد حبل حياتى من

الكعبين كالشال إلى الوراء، كأنى أتلاعب

لا، لا توقفونى. بندقةٌ ورديةٌ تنفجر

كان أنسى الحاج فى رحلة، قد هزه المنظر

من منخل كونى، بطرفيه ثقبان: لا تنسنى

سيدى، فارتطم رأسه فى السور. وكالجندى

برصاصة، جندل قوائمها. والحزن بالمقلوب:

أين رابط فمها المفتوح، كى أُجمّل شقه؟

أُلَمّعُ خيالى كحذاءٍ قديم

كلّ فراغٍ يحملُ فى طياتهِ مَلئًا

كلّ فراغٍ صوفُ غَيمٍ، ضِمنهُ كلامٌ

كلّ فراغٍ كتَصوّرِ مَثّالٍ وهو يفكّرُ فى بنيلوبى،

أو مُنَجِّمٌ بلاغىٌّ يطيرُ كزرقاءِ اليمامةِ

كلّ فراغٍ نشمّ فيهِ ككلبِ الصيدِ لحمَ الفريسةِ…

لو كانَ لى أن أسطّرَ الفراغَ

لكتبتُ ألفاظًا لها رنينٌ فى دماغى

ألفاظًا مجهولةً، تسبحُ فى غيرِ سياقٍ،

ألفاظًا بيضاءَ مِن غيرِ سوءٍ

أُحوِّرُها لتحمِلَ آثامنا، كما فعلَ قابيلُ بأخيهِ..

الفراغُ كَونٌ لا سِباحةَ فيهِ

مع أنى أتصوّرُ السّديمَ امرأةً عاريةً

وعلىّ أن أُغطّيها بكلامٍ، كلامٍ شفّافٍ، لا يعى

أنهُ غطاءٌ، ولا يعى أنها امرأةٌ، كما لا يعى

أنهُ كلامٌ أصلًا، حيث تختفى البلاغةُ فى العُرى…

فى الفراغِ حياةٌ، كسِلكِ هاتفٍ مجنونٍ

فى الفراغِ موتٌ، علينا بإيقاظهِ من مَكمَنهِ

فى الفراغِ ظِلٌّ، كنَسرٍ مُجَنَّحٍ قربَ ذيلكَ

فى الفراغِ سَراحٌ، قد يُناظِرُ الضّجَر

فى الفراغِ فَناءٌ، تُذِيبهُ الكلماتُ كفِئرانٍ بالقمر..

علىّ أن أتلبّسَ الفراغَ ـ

كراويةٍ مترهّلٍ فى الضوءِ

كنخلةٍ وحيدةٍ فوقَ تلٍّ وقد شاخَت

كمَن يسافرُ فى الجانبِ الآخرِ من الزجاجِ

بصاريةٍ مِن مَراجلِ الفِعلِ..

لن تقبضَ على الفراغِ وأنتَ تغنّى 

فالغناءُ مانعُ صدماتِ الكلامِ،

والكلامُ فى الريحِ كزَهَرٍ يرجُفُ تحتَ المطرِ،

كمَن يلعبُ أدوارًا فى مسرحٍ صامتٍ

بأزياءَ خاطفةٍ، جنبَ ساحرةٍ كالشبحِ..

المزيدُ من الفراغِ يأكلُ روحكَ، فانتظرْ:

أن تبيعَ الفراغَ لقاءَ كِلمتَين عاطِلتَين

ببطءٍ حديدىٍّ، كقطارٍ يدخلُ فى نفقٍ ولا

عودةَ منهُ، إلا كنَقّارٍ يضىءُ نافذةَ الشجرةِ

نحوَ مجهولِ البريدِ فى آخرِ العالمِ..

عندَ رؤيةِ الفراغِ، أضحكُ مِلءَ عمرى

عمرى الذى ضاعَ من حِرمانِ ما يُمليهِ الفراغُ

علىّ، فى شهوةِ أن يرانى الناسُ

سِحليةً فى الشمسِ تبحثُ عن عَقربٍ باردٍ

لا لتأكلَه، بل تُناورَ مِخيالَه بهزيمةٍ ومقتلَةٍ..

كَسولٌ هو الفراغُ ـ

كطفلٍ مُعاقٍ يتمنّى لِحياتهِ التوفيقَ

كحَلبةِ صراعٍ على سُطوحِ العدمِ

كلسانٍ ذى عُجْمةٍ أمامَ شُرَطةِ النسيانِ

أو قردٍ حائضٍ فى حِبرهِ وهو يكتبُ..

أن تديرَ الفراغَ بينَ يديكَ كبرقيةٍ

معناهُ ضدّ معناهُ، لو اقتربتَ وهو مُعلّقٌ؛

لن تَغتَنى قبلَما تَسلُبهُ حَلواهُ

كالقَشّةِ التى تُوقِعُ البَعِيرَ فى الفلاةِ

فتمدَحَ خائِنةَ الأعينِ وما فى الصدور..

كما قالَ الفراغُ: أنا بومةٌ،

سيقولُ الفراغُ: أنا بروتسَ عندَ قيصرَ

أو الضِلِّيلَ وقد عادَ بالقُروحِ من القسطنطينيةِ

أو بورخيسَ وهو ينحدرُ فى الظلامِ إلى المكتبةِ

أو كحديثِ النبىّ عن الجِنّىّ الفَحلِ وقد مُسِخَ امرأةً..

أومِنُ بالفراغِ ـ

كوَطءِ امرأةٍ وهى فى شُغُلٍ عن اللّهوِ

كمَن زرعَ فَسِيلةً يبتغى الضُّرَ من بعدهِ

كطائرٍ يتأخّرُ طيلةَ الوقتِ على أُمهِ فيُصادُ

كإيزيسَ وقد جَمعَت أشلاءَ عاشقِها، إلا قَضِيبَه..

يُعجبنى الفراغُ، وهو يعَضُّ شَفتَه السُّفلَى

يُعجبنى الفراغُ، برُقعةٍ تنمو كالإهانةِ

يُعجبنى الفراغُ، كقَوسِ قُزَحٍ بلَونَين فقط

يُعجبنى الفراغُ، كجارةٍ تحتَ السريرِ وقد نامَت

يُعجبنى الفراغُ، كحِمارٍ على رأسِ كَوكَبٍ..

أنا الفراغُ ـ

أنا الجنينُ الوَزَغُ وقد تَسَمّمَ بدمهِ

أنا الضّحكُ المنهمرُ بُعَيدَ القبضِ عليكُم

أنا الفتنةُ البيضاءُ قربَ الفجرِ تصرخُ

بصوتِ رسولٍ كذوبٍ: كونوا معى!

محمد عيد إبراهيم
محمد عيد إبراهيم

توتوناديكا «توتوناديكا: إلهٌ إفريقىّ مجهول، بهيئة طوطم من خشب»

فى رأسهِ بومةٌ شاخصة،

وعلى كِتفَيهِ حَيّتان مَوصولتان بكَعكةِ

شَعرهِ، فى فجوتَين بشكلِ شَمسَين غائبتَين

على مَدىً كانَ يرتادهُ من قرونٍ،

معَ شعبهِ المجهولِ..

حاجباهُ مرفوعان، مع أنهُ لا يَرى، نحو

نائبةٍ لا تُرى، أو نائمٌ كالميّتِ الحَنونِ،

بينما أَنفهُ كالكوسَةِ المضروبةِ، شاربهُ

حليقٌ، ولا يبدو أنهُ شاربٌ أصلًا، من

غِلظةِ الشفتَين..

لكأنهُ قالَ: «لا يبقَى طائرٌ فى عُشّهِ

لو قَصَصنا الجَناحَ»، وهو بلا أُذنَين،

كمَن هُتِكَت أسرارهُ، أو قَضَى دَينًا

بأن باعَ قُرطَ حياتهِ

لِقاءَ حِملَيْ طَحين..

على رغمِ ذلكَ، «توتوناديكا» بثديَين

منتَصبَين، بينهما قلبٌ

كزهرةِ لوتسَ مَشلوحَةٍ، 

وهو يميلُ ناحيةَ اليسارِ، فى حَدَبةٍ

مصنوعةٍ، كالخطأ، بالقناعِ..

ربما كانَ، مِن قَبلُ، آدمَ، المُهمَل،

فى براءةِ فِردَوسهِ، مثلَ صَبّارٍ، عليهِ

عناقيدُ أولادهِ، وحَواءُ من ماءٍ، بعدُ،

ولا جلاّدَ يلوى فمَه، بالحَنينِ، أَيَصعدُ

فى الجبلِ، كمُنجِزٍ وَعدًا، بحَربتهِ:

«إلىّ، أخطائى.. لأتعافى!»