الموظفون فـى الحــرب.. قراءة فى دفاتر «طايل وشوقى وشفيق» داخل حكايات الغريب
- كاميرا إنعام المرهفة أبرزت تحولات الأستاذ طايل الوجدانية فى نظرته للأمور من ملامح وجهه
- مارست الصحافة عملية «تجريس» المستغلين أثناء الحرب مثلما فعل عبدالرحمن مع موظف الجمعية
مع بداية التسعينيات، كانت مخرجة التليفزيون إنعام محمد على لا تزال تعيش حالة نشوة شديدة بنجاح أسطورى لمسلسلها الجديد الذى نفذت به خطة مُحكمة لاختطاف فاتن حمامة من وطنها الأم داخل شاشة السينما، إلى شاشة أصغر حجمًا لكنها أكثر رحابة، وهى شاشة التليفزيون، بعد أن ظلت فاتن سنوات طويلة تتخوف من مجرد الاقتراب منها، حتى أطلت إنعام برأسها الصعيدية العنيدة وأقنعتها بأهمية التجربة.. لتخرج لنا فى النهاية أيقونة درامية عكاشية اسمها «ضمير أبلة حكمت».
فى تلك الأثناء وضعت الأقدار إنعام محمد على فى غمار مصادفة قومية سنظل نشكرها عليها إلى الأبد، حين أمسكت فى يديها بغرض القراءة أحد كتب الأستاذ جمال الغيطانى التى أرخ فيها بأسلوب أدبى رفيع تجربته الفريدة والعظيمة أثناء حرب أكتوبر على جبهات المعركة باعتباره مراسلًا عسكريًا لمؤسسة الأخبار.
وقعت عين المخرجة المثقفة داخل الكتاب على قصة قصيرة عن شخص غائب فى دروب السويس الصامدة أيام الحصار الطويلة، وفى رحلة البحث عنه تلتصق به حكايات بطولات أسطورية على لسان الناس لا يمكن أن تجتمع فى شخص واحد، التهمت إنعام القصة على الفور، وملكت عليها جوارحها، ثم شعرت بأنها قصتها المنشودة، عقلها سارع برسم مشاهد حية لفيلم فريد واستثنائى عن نصر أكتوبر من أحداث قصة الغيطانى المكثفة بالغة الثراء، أيقنت أن واجبها الآن أن تستجيب لنداهتها الداخلية بإخراج هذا الفيلم إلى النور، بأى شكل، لنصل إلى أول يناير 1992، اليوم التاريخى الذى يشاهد فيه المصريون لأول مرة فيلمًا تليفزيونيًا فقير الإنتاج.. لكنه عظيم الأثر اسمه على نفس اسم قصة الغيطانى «حكايات الغريب».
المفارقة أن الفيلم ربما لم يوضع فى مكانه الصحيح فى السنوات الأولى لعرضه، ولم ينتبه له الكثيرون، لأن تعبير «فيلم تليفزيونى» لم يكن بالتعبير الجذاب جماهيريًا، فبريق السينما يغشى العيون ويبهرها، خاصة فى تلك النوعية من الأفلام التى تتناول أحداثًا ساخنة أو حروبًا، تحتاج إلى مشاهد قتال وعبور وانفعالات موقدة، عكس فيلم حكايات الغريب الذى ركز على المشاعر والعيون والسرد الإنسانى الهادئ، غير أن الزمن أكسب هذا الفيلم رونقًا يزداد طلاوة كلما مرت السنون، وقيمة مضافة تتراكم عبر الأيام والأجيال، فلا أظن أن هناك فيلمًا تناول حرب أكتوبر ونفذ إلى عمق الوجدان الجمعى بقدر ما فعل ويفعل هذا الفيلم كل يوم، حيث يكسب أرضًا جديدًا طول الوقت، وتشهد بذلك آلاف التعليقات على لقطاته على السوشيال ميديا التى تتجدد كل عام، دائمًا ستجد أحدهم يهيم إعجابًا بالفيلم ويندهش من نفسه كيف لم يشاهده بهذا الشكل الشائق من قبل؟.
أهمية فيلم «حكايات الغريب» من وجهة نظرى أنه مُحمّل بكم هائل من المعانى، فلا يمكن أن تشاهده مرة ولا تكتشف معنى جديدًا كامنًا خلف مشهد أو جملة حوارية أو تجميعة مشاهد، معنى لم تدركه من قبل خلال مشاهدتك السابقة.. معنى يدفعك دفعًا للتأمل فى شخوصه وردود أفعالهم وتصرفاتهم.
وبمراجعة مخزون معارفك عن السويس والناس ستدرك قيمة ما أنتجه الغيطانى من قصة وما حاكه محمد حلمى هلال فى مشاهد إنسانية غاية فى الدقة والنفاذ، وما ترجمته إنعام فى النهاية إلى كادرات بديعة تنساب إلى وجدانك وتجرى دموعك تأثرًا على موسيقى خيالية آتية من عالم سحرى خفى لا يعرف مكانه غير شخص واحد اسمه ياسر عبدالرحمن، وتظل مشدوهًا بالفيلم حتى تصل إلى جملة النهاية التى كتبها «طايل المصرى» بعد أن انكشفت عن عينيه غمامة البيروقراطية التى منعته من رؤية معانٍ أهم وأبقى من العُهدة، الخمسة آلاف جنيه والسيارة الفورد، التى كان يظن أنه يبحث عنها، وهو فى واقع الأمر كان يبحث عن نفسه هو.
«طايل» هذا هو طرف الخيط الذى نتأمله فى هذا الملف بعمق أكثر لشخصية «الموظف» خلال الحرب، وهو خيط طويل سيمتد إلى نموذجين آخرين للموظفين داخل أحداث هذا الفيلم العبقرى، الثانى هو الأستاذ «شوقى يوسف الشاذلى» رفيق طايل فى رحلته.. وهو الرجل الغارق فى بيروقراطيته حتى النخاع والقابض على ملف خدمة عبدالرحمن.. لم يتركه لحظة واحدة داخل مشاهد الفيلم.
والنموذج الأخير كان «شفيق» الموظف فى التموين الذى مثّل جانبًا مظلمًا أيام الحرب، لمن اقتات على معاناة الناس ولم يغير فيه النصر أى شىء كما لم تغيره الهزيمة القومية قبل سنوات، بل بالعكس زادته شراسة فى نهش أبناء وطنه المجروح ملتحفًا بستار وظيفته الحكومية.
عن هؤلاء الثلاثة نتحدث ونتأمل.. الأستاذ طايل المصرى، والأستاذ شوقى والأستاذ شفيق
هيا بنا.

طايل.. البيروقراطى.. الباحث عن ذاته الضائعة بين دروب السويس وبطولات الغريب
«بخصوص واقعة اختفاء السائق عبدالرحمن محمود عبدالرحمن، المتغيب منذ ٢٣ أكتوبر ١٩٧٣ وحتى تاريخه.. أنا طايل أحمد المصرى، مدير الشئون الإدارية المكلفة بمأمورية البحث والتحرى، أعتذر عن عدم تقديم أى بيانات أو تفاصيل عن الواقعة المذكورة.. وأقرر على مسئوليتى أن السائق عبدالرحمن أو أيًا كان اسمه، قد منحنا شرفًا أرجو أن نستحقه».
إمضاء طايل المصرى
بهذه الديباجة الوظيفية المحكمة أنهت إنعام محمد على رائعة «حكايات الغريب» وبنفس الديباجة أنهى طايل مهمته بصفته مدير الشئون الإدارية المكلفة بالبحث والتحرى عن عُهدة السائق عبدالرحمن، المقدرة بـ٥ آلاف جنيه مع سيارة فورد موديل ٥٦. دخل طايل هذه المهمة رجلًا وخرج منها رجلًا آخر، خرج بأهم اكتشاف فى حياته، اكتشف ذاته الغائبة وسط أكوام الأوراق المكدسة وآلاف الأوامر الصادرة، منه وإليه، على مدار سنوات عمره الوظيفى.
بدا أن طايل كان مثالًا للموظف البيروقراطى الناجح فى أداء مهامه الروتينية بكفاءة كبيرة أهّلته للترقى الوظيفى الطبيعى دون أى معوقات، ومن أول وهلة أرادت إنعام أن تخبرنا عن مدى التزام وانضباط طايل ، فهو لا يفوت أى هفوة، ولا يترك وراءه ثغرات قد تؤثر على صورته كموظف يعرف القواعد واللوائح مثل كف يديه، فتجده فى مشهده الأول يقلب فى «دوسيه» المذكور عبدالرحمن محمود عبدالرحمن.. ورقة ورقة.. ويقرأها على مسمع من مرءوسه ومرافقه فى الرحلة الموظف فى ذات الإدارة «شوقى».. فنعرف من تقليبه فى الأوراق اسم عبدالرحمن كاملًا واسم أمه «نجية» ونعرف أنه مُعافى من الجيش لأنه عائل لأسرته، ثم نعرف أن سجله خالٍ تمامًا من أى عقوبات أو تحقيقات سابقة، نحيط بكل تلك المعلومات عن بطلنا مبكرًا بفضل التزام وانضباط الأستاذ طايل الوظيفى الذى يجعله يراجع كل ورقة من ملف عبدالرحمن قبل أن يتخذ أى قرار.. وقبل أن يتحرك من مكتبه لأداء مهمته المكلف بها.
ثم فى مشهد آخر داخل القطار المتجه إلى السويس يُصر الأستاذ طايل على أن يسجل مشاهداته فى بيت عبدالرحمن ومقابلته لأمه وصديقيه حسن وسيد اللذين يرافقانه على نفس القطار، ويُملى على شوقى تلك المشاهدات حتى لا ينساها، ليكتبها الأخير فى ورقة، ولا يهتم بتملله ولا ضيقه من إصرار رئيسه على تسجيل تلك الملاحظات أثناء سير القطار، وهو ما يعوق عملية كتابته، فيرد الأستاذ طايل عليه بشكل أقرب للتعنيف «اكتب مسودة وبعدين نبقى نكتبه على الماكينة يا شوقى».
يحط طايل قدمه على أرض السويس مُحملًا بهذا الميراث الثقيل من البيروقراطية المصرية، لكنه يفاجأ بمجتمع آخر وأناس آخرين لا يهتمون بالورق مثله ولا يشغلهم تدوين أى شىء، كل همهم تراب أرضهم التى دفع أبناؤها منذ أشهر حياتهم فداءها، هاله ما رآه من دمار فى شوارع البلدة القوية، وانسحبت روحه رويدًا رويدًا إلى عالم أهل السويس، لمست أغانيهم شيئًا ما داخل قلبه الذى جففته الوظيفة، أنغام السمسمية أحيت داخله أرضًا بوّرتها الأوراق المكدسة والأوامر الروتينية المجمدة.. شاهد الرجل ذاته فى لحظة مفصلية غيّرت تكوينه النفسى تمامًا، انهارت داخله جبال الملفات الإدارية التى حفظها أمام القيمة الإنسانية الكبرى للتضحية والفداء للمواطن البسيط الذى لا يهمه ورق ولا أوامر، وكل ما يهمه هو حقيقة الوطن المجروح الذى يحتاج إليه، يكتشف طايل أن السير وراء عبدالرحمن وعهدته كان فى الحقيقة رحلته الشخصية للبحث عن ذاته الغائبة، البحث عن مكانه الحقيقى فى مجتمع ذاق مرارة نكسة جارفة للأحلام، ثم استعاد شرفه وكرامته فى لحظة نادرة فى ٦ أكتوبر، لكنها لم تكن كل شىء إنما مثلت بداية حقيقية لرحلة طويلة لا بد أن يخوضها المجتمع لإزالة آثار النكسة تمامًا، وبما أنه جزء من هذا المجتمع فكان لا بد أن ينضوى تحت لوائه، مصطفًا بجوار هؤلاء الذى يضعون الوطن نصب أعينهم، دون أى حسابات لورق أو دفاتر.. فتكون النتيجة هى المشهد الختامى حيث يجلس الأستاذ طايل فى السيارة التى هى رمز للوطن ويقف عليها الباحثون عن الغريب رافعين صورته وهاتفين: عمره ما هيبقى فص ملح وداب.. اللى عاوز يساعدنا ييجى معانا».

وتستمر الرمزية السحرية بمسارعة المواطنين للركوب على السفينة أو السيارة التى حجز فيها الأستاذ طايل مكانًا فى المقدمة.
تستطيع بسهولة أثناء مشاهدة الفيلم أن ترصد لحظات التحولات الكبرى التى تهز الأستاذ طايل وجدانيًا وتسحبه رويدًا رويدًا لمعسكر الغريب بدلًا من معسكر العُهدة وتستيف الأوراق، فمنذ لقائه الأول بأم عبدالرحمن الست نجية التى استعمر الحزن ملامحها، يبدأ الشعور بآلامها الرهيبة نتيجة غياب الابن الباقى لها بعدما فقدت الأول فى حروب الاستنزاف، ثم فقدت الحفيدة الوحيدة تحت نيران الفانتوم الأمريكى الصهيونى على مدرسة بحر البقر، يرق قلب طايل على المرأة العجوز، ويوقف زميله شوقى الذى يواجه الأم بالوضع القانونى الصعب الذى ينتظر ابنها الغائب حال عودته: ابنك يا حاجة معاه عهدة تودى فى حديد، يهذب طايل الأمر ويسألها أسئلة ودودة عن عبدالرحمن وعما إذا كانوا لهم أقارب فى السويس من الوارد أن يكون قاطنًا عندهم الآن، لكن بالطبع خرج الجميع من بيت الأم المكلومة، دون أن يصلوا إلى شىء، لكنّ شعورًا خفيًا انتاب طايل أن ابن هذه الأم يستحق أن يبحثوا عنه كإنسان أولًا قبل أن يبحثوا عما بحوزته من عُهدة، وعلى هذا الأساس ذهب إلى السويس هو وزميله رفقة الصديقين المخلصين لعبدالرحمن، سيد وحسن، وهناك بدأ الأستاذ طايل الانجذاب إلى هذا العالم الجديد الذى كانت تخفيه أكوام الأوراق والبيروقراطية عنه.
لحظات التحول فى مشاعر الأستاذ طايل كثيرة داخل السويس لكن كان النقطة التى حسم فيها الرجل أمره ومعسكره عندما قابل «الأستاذ شاكر» الرجل المثقف الذى أغلق على نفسه باب بيته بعد انتهاء الحصار ليسجل تاريخ المدينة الباسلة على حد قول الكابتن غزالى، لكنه خرج من صومعته ليساعدهم فى البحث عن صاحب الصورة، وهنا تغزل إنعام محمد على مشهدًا محملًا بالدلالات، المشهد الذى بدأ فعليًا عندما رأى الأستاذ شاكر صورة عبدالرحمن فى يد صديقه حسن ولم ينتظره لتكمله سؤاله عن صاحب الصورة حتى اختطفها من يده وقال متعجبًا:
«ده الغريب.. حد ميعرفش الغريب يا غزالى»
ثم يبدأ المؤرخ الشعبى يعدد مشاهداته عن بطولات عبدالرحمن أو الغريب:
ده من أبطال معركة الأربعين والشهدا وكوبرى الزراير، ولد مجابتوش ولاّدة.. الله يرحمه الحاج حسن السودانى لو كان عايش كان حكالكم عنه العجب.
فى هذا المشهد يتغير كل شىء ليس لطايل فقط بل حتى لأصدقاء الغريب وحبيبته، حيث ستسقط الصورة القديمة لعبدالرحمن السلبى الطيب الذى لا يستطيع الدفاع عن أبسط حقوقه، ولا يتحمل قسوة الدنيا حوله ويغرق فى اكتئاب حاد لشهور طويلة لا يتحرك من سريره، كل هذا ينهار تمامًا، ويصير عبدالرحمن بطل الحكاية برمتها، الرمز الذى تتحاكى عنه السويس كلها أثناء الحصار، الشاب الذى أنار وجه كل من رأى صورته قبل أن يبدأ فى الحكى عنه الأستاذ شاكر ومن بعده «الحاجة أم الأبطال» وعسكرى نقطة التفتيش وضابط الصاعقة الذى قاد المقاومة الشعبية فى السويس أثناء الحرب، كل واحد من هؤلاء تعرف على الصورة باسم مختلف عن الآخر، لكن ما جمعهم الملامح المتهللة التى أبرزتها إنعام عندما يقع نظر أحدهم على صورة الغريب.
وبالعودة إلى مشهد الأستاذ شاكر الذى غيّر كل تصور داخل الجميع، فقد كان التغيير الأهم الذى رصدته إنعام بصريًا فى المشهد، خاصًا بالأستاذ طايل نفسه، حيث رصدت انتقالًا مكانيًا رمزيًا له من معسكر الوظيفة الجامد عديم القلب، حيث كان يجلس بجوار زميله، قبل أن ينفعل بحكاية البطل الغائب، فنشهد انتقاله للناحية الأخرى التى يجلس فيها حسن وسيد وجميلة والأستاذ طايل والكابتن غزالى، صورة مباشرة أرادت إنعام أن تثبت فيها لحظة انضمام الأستاذ طايل الكامل إلى معسكر الوجدان الوطنى.
وفى النهاية يتحول طايل من موظف يبحث عن إدانة لشخص أو إثبات غيابه على الأقل، إلى مواطن مرهف القلب يملؤه الفخر بذات الشخص، شعر حينها بضآلة اللوائح الإدارية والأوراق والمستندات أمام عظمة الموقف الوطنى، ويعيد طايل تقدير موقعه كإنسان ينتمى لبلد صنع أبناؤه- العاديون تمامًا- معجزات الصمود دون حتى أن ينتظروا تسجيل بطولاتهم فى السجلات والأوراق الرسمية، يقول طايل لرفيقه شوقى:
المسألة بالنسبة لى مبقتش حكايات ورق ومستندات، ثم يضيف تصوره أن المؤسسة لا بد أن يكون لها قلب بجوار الورق والمستندات.
هنا وكأن طايل يعيد تقييم نفسه ويعيد النظر لسنوات جموده الوظيفى الروتينى الذى جعله سلبيًا تمامًا ومحايدًا تجاه قضايا مجتمعه المأزوم، شعر بضآلة مكانته التى تمنحه إياها الوظيفة الحكومية مضبغة عليه صفة رسمية، فى مقابل البسطاء الذين رافقوه طوال رحلة بحثه، سواء حسن وسيد أصدقاء عبدالرحمن من القاهرة، أو أبناء السويس الشهود على بطولات الغريب الأسطورية.

شفيق: تاجر الأقوات والأوجاع
تحت عنوان «المستغلون والحرب» نشرت جريدة الجمهورية كلمتها فى عدد ٣ أكتوبر قبل الحرب بساعات، طالبت فيه بالضرب بيد من حديد على موظفى التموين ومديرى المجمعات الاستهلاكية الذين يستغلون ظروف الحرب ويتاجرون بأقوات الناس، ويخبئون السلع التموينية لبيعها فى السوق السوداء، ويقول المحرر إن الإقدام على مثل هذه الأعمال هى خيانة لنضال هذا الشعب وتضحياته، وطالب الناس بعدم السكوت على هؤلاء المتخفين خلف وظيفتهم، وهو نفس المطلب الذى صرخ به «عبدالرحمن» فى مواجهته مع شفيق موظف الجمعية، حيث قال للناس «المتفرجين» من البلكونات:
«اللى يسرق أكلكم زى اللى بيسرق بلدكم.. واللى يسكت على سرقة بلده يبقى خاين وجبان»

كان شفيق هو النموذج المقابل تمامًا لنموذج عبدالرحمن الشاب المسالم الذى ينتظر الفرصة ليصير رمزًا قوميًا عندما تتاح له مواجهة نفسه واكتشافها فى ذات اليوم، لكن موظف الجمعية اختار طوعًا الانزلاق إلى دناءة المكسب الفردى والتكسب من المحنة الوطنية، والأكثر من ذلك الهروب من القتال تحت راية الوطن بتزوير أوراق تثبت أنه وحيد أمه وأبيه.. مع العلم أن لديه إخوة كبارًا، طبقًا لما كشفه عبدالرحمن نفسه فى رحلة فضحه أمام الجميع.
ولم يكتفِ عبدالرحمن بفضح تزويره فقط بل اتخذ سلوكًا مواجهًا صريحًا خلال مشهد «التجريس» الشهير لشفيق داخل أحداث الفيلم عبر أغنية مشتركة غناها رفقة صديقه سيد وحملتهما الجماهير المتشفية فى فضيحة الرجل وهم يرددون خلف الاثنين كلمات الأغنية:
من بره هلا هلا ومن جوه يعلم الله
وحد الله ما بينا وبينه يفتح الله
مهلباتى فى شاى وفى عيش
ومقلباتى صابون وياميش
وتاكسجى وعجله ما يمشيش
غير فى الضلال ابن الضالة
تاجر فى أقواتنا الفاجر
.. من دمنا عبى أناجر
شربها وبدمعنا حلى
ومن مطالعة الأرشيف الصحفى لتلك الأيام سنكتشف أن فضح هؤلاء المستغلين أمثال شفيق كان سلوكًا عامًا مارسته الصحافة مثلما قام به عبدالرحمن وسيد ضمن أحداث الفيلم.
ففى الصفحة الأخيرة للأهرام يوم ٢٢ أكتوبر ١٩٧٣ تقرير صحفى منشور تحت عنوان «إحالة ١٠ تجار للمدعى الاشتراكى» ومثله فى الجمهورية فى نفس اليوم، وداخل التقريرين الأسماء كاملة للمستغلين مع وصف كامل لما فعلوه.
وعلى ما يبدو أن وزارة التموين والتجارة الداخلية كانت حريصه على إبراز تلك الأفعال صحفيًا حتى يكونوا عبرة لمن يعتبر ولتوعية المواطنين الذين طالبتهم بشكل صريح بالإبلاغ عن هؤلاء المستغلين، وبجانب كل ذلك حرصت إدارة العلاقات العامة بوزارة الداخلية على نشر تنويه ثابت تحت عنوان أخى المواطن.. تؤكد فيه أن السلع التموينية متوافرة والمخزون يكفى أشهرًا طويلة.. فلا تأخذوا منها إلا حاجاتكم الضرورية حتى لا نعطى فرصة للفاسدين باستغلال الأمر.
إذن كان شفيق نموذجًا من لحم ودم انتشر فى المجتمع المصرى خلال سنوات الحرب والحصار، لم تحركه عاطفة الوطن ولم تؤثر فيه انكسارة الهزيمة وكان مبدأه الاستغلال ودينه الانتهازية، وقد رأينا فى شفيق نموذجًا للشخص الانتهازى كما يجب أن يكون، فهو الذى يتخذ من القرش سيدًا وخليلًا، كل شىء أمامه قابل للشراء حتى «جميلة» بنت أحد سائقى التاكسى الذين يستغل أيضا عرقهم وكدهم بالعمل على تاكسى ضمن أسطوله الذى يملكه، فيساوم الرجل المحتاج على شراء بنته المخطوبة لجارها الطيب عبدالرحمن، على أن يملكه فى المقابل التاكسى للأبد بدلًا من العمل عليه نظير يومية ويقول له بمنتهى التبجح حتى يحاصره:
«أنا خلاص اعتبرت جميلة من حظى ومن نصيبى»
وعندما ينتفض سيد ضد شفيق تعصبًا لصديقه الطيب قائلًا له: اشمعنى جميلة اللى مخطوبة لإبن حتتك.. يكون رده إمعانا فى الكلاحة والإستحقاقية وإنعدام المبدأ ويقول : عجبانى
وعلى الرغم من أن الفيلم ينتهى دون أن ترى شفيق ينال عقابه القانونى، لكنك مع ذلك ستستشعر هزيمته الساحقة أمام عبدالرحمن رغم غيابه الجسدى، وتكون جملة الأستاذ طايع فى نهاية تقريره الوظيفى هى التتويج الذى يستحقه عبدالرحمن فى معركته ضد شفيق بكل ما يحمله الأمر من رمزية:
أقرر على مسئوليتى أن السائق عبدالرحمن أو أى كان اسمه، قد منحنا شرفًا أرجو أن نستحق.

شوقى: حامل الملف.. القابض على جمر الوظيفة
إذا تأملت شوقى الموظف الثانى فى حكايات الغريب، فسيصدمك رداءة الصفات الشخصية البازرة على السطح فى شكل جمل حادة منزوعة الإنسانية أو بالتعبير الشعبى «دبش» خارج من فمه طول الوقت، إلا أنك لا يمكن أن تكرهه، بالعكس ستشعر تجاهه بالتعاطف، لأن شخصية الرجل مطموسة أسفل أطنان من الأوراق الروتينية التى عاش جل عمره ينظمها ويضعها فى ملفات، لذلك فقد عمدت إنعام منذ اللحظة الأولى إظهار تقديسه لفكرة «الملف»، فيظهر فى كل مشاهده وهو قابض على الملف الوظيفى للسائق عبدالرحمن محمود عبدالرحمن الذى سلمه له رئيسه الأستاذ طايل قبل خروجهما من المؤسسة.
شوقى رجل مصرى يحب بلده أيضًا، ويعرف قيمته جيدًا، وأغلب الظن أنه كان واحدًا من الملايين أثناء الحرب الذين تبرعوا من مرتباتهم الضعيفة للمجهود الحربى، مثلما نشرت كل جرائد الفترة حيث كان هذا تصرفًا قومًيا قامت به أغلب المصالح الحكومية تقريبًا، وقد يكون من المشترين لسندات الجهاد التى طرحتها مصر ليساعد الشعب جيشه فى خوض حرب الكرامة، إذن وطنية شوقى الموظف البيروقراطى لا أظن أن فيها شكًا، لكن كل ما فى الأمر أن تماهيه مع الوظيفة حوله لما يشبه «الروبوت» أو الإنسان الآلى، الذى يتصرف بميكانيكية شديدة دون أى عواطف، فالمطلوب منه مهمة محددة لمدة أسبوع ولها بدل سفر محدد أيضًا بالمليم، والهدف هو البحث عن عُهدة قانونية تقدر بخمسة آلاف جنيه وسيارة ماركة فورد موديل ١٩٥٦، إما أن يعثروا على العُهدة خلال نفس الأسبوع ويعيدوها إلى خزانة المؤسسة، أو أن يعودوا بخبر بات قاطع عن موت السائق ودمار ما بحوزته فيغلق الملف نهائيًا: «ونرتاح بقى من المأمورية الغريبة دى».. وما بين القوسين جملة جاءت على لسان شوقى أكثر من مرة خلال رحلة البحث التى فشلت فى تحقيق هدفها من وجهة نظره.
فى المشهد الأخير لشوقى نرى ما يشبه المواجهة بين الموظفين طايل الذى تغير بالكلية وصار شخصًا آخر، وشوقى المتجمد فى حدود وظيفته غير مهتم إلا بكون أن «المأمورية انتهت وهنرجع إيد ورا وإيد قدام» حيث لم يجدا حلًا لمشكلة العُهدة ولا العربية ولا حتى استطاعا إثبات موت السائق عبدالرحمن ليغلقا الملف وينالا المكافأة، حتى عندما يعارضه طايل ممتعضًا أن الأمر بالنسبة له مختلف.. فقد أثبتت الرحلة له أشياء كثيرة لن تشعر بها المؤسسة لأنها بلا قلب، فيكون رد شوقى الطبيعى المكافئ لشخصيته: المؤسسة لها فلوسها وقانونيتها ولوائحها.
ويُصدم شوقى عندما يسمع قرار طايل بالبقاء فى السويس فيكون مبرر معارضته ورده عن قراره أن بدل الإقامة التى صرفته المؤسسة قد نفذ، فيكمل طايل عليه أنه سيمكث من جيبه الخاص وليس بدل الحكومة، ويتركه طايل خارجًا من الكادر وكأنه ينسحب من عالمه الميكانيكى متبلد المشاعر.. لتسلمنا إنعام برهافة إلى المشهد الأخير حيث يلتحق طايل بسفينة الوطن أو سيارة البحث عن الغريب.
بقى أن نقول إن الفنان طارق مندور قد أدى هذه الشخصية بكفاءة نادرة، كل سكناته ونظراته وإمساكه بالملف كان موزونًا بميزان الذهب، والمفارقة أن دور الموظف هذا لم يكن جديدًا فقد أداه قبل هذا العام بـ٧ سنوات فى رائعة محمد خان «خرج ولم يعد» حيث جسد دور الموظف المستفز زميل عطية بطل الفيلم الذى كان إرهاصة مبكرة لدوره الجميل داخل «حكايات الغريب».







