أوراق «صحفية آخر ساعة» التى خضع الكبار أمام قلمها.. وخلعوا رداء النجومية بلا خجل
حارسة الذكريات إيريس نظمى.. المجد لسيدة الصحافة الذهبية
- امتلكت إيريس روحًا مقاتلة منذ كانت تلميذة فى المدرسة.. رافقتها فى مشوار الصحافة لتصير عنوانًا لشخصيتها
- حققت سبقًا صحفيًا لـ«آخر ساعة» بالتسلل داخل كواليس بروفات «إنت عمرى» وعبدالوهاب باعها أمام
أم كلثوم بعد أن أمسكت بها
- نشرت إيريس مذكرات عماد حمدى بـ«البيجاما» فى «آخر ساعة».. فأنقذته من النكران والجحود فى آخر أيامه
- «ناس تحت الأضواء» تحول إلى نافذة ضوء لجيل حمل راية الفن منذ السبعينيات مثل عادل إمام ومحمود عبدالعزيز
- الوجه الجديد محمود ياسين قرأ مقالها عنه وبكى فى الشارع.. ثم قرأه رمسيس نجيب وأعطاه البطولة الأولى أمام شادية
صباح يوم خمسيناتى حار، كان سامى شرف مدير مكتب جمال عبدالناصر منغمسًا فى تنظيم أوراق اليوم الدسم، وبينما هو يسجل ملاحظاته ويرتب تفاصيله، رفع رأسه ليجد مجموعة بنات بزى المدرسة يقفن أمامه، دون سابق إنذار أو ميعاد، ولاحظ أن زعيمتهن تتقدم بخطوة، وقبل حتى أن تخفت علامات الاندهاش عن ملامحه، سارعت تلك الزعيمة الصغيرة بعرض مطلبهن فى جملة واحدة:
عايزين نقابل الرئيس
رد سامى شرف بابتسامة مخلوطة بالإشفاق والإعجاب من جرأة المطلب:
عاوزين «الريس» جمال.. ليه؟
ردت الزعيمة بنفس النبرة الواثقة التى لم يعهدها سامى فى وزراء كُثر وقفوا أمامه طالبين مقابلة الرئيس:
عاوزين نشتكيله من الناظرة بتاعتنا.
كان من الوارد والمنطقى حينها أن يقوم سامى شرف بنهرهن ومعاقبة من سمح لهن بالمروق إلى مكتبه فى غفلة من الحراس، لكنه وجد نفسه يستمع باهتمام إلى سبب الشكوى من الزعيمة المفوهة، وتلخصت الشكوى فى تصرف أحمق من مديرة المدرسة الخاصة، حيث طردت البنات اللاتى تأخرن فى سداد المصروفات بعد إعلان أسمائهن على أسماع زميلاتهن فى الطابور.. فما كان من تلك الزعيمة إلا أنها أقسمت أن تثأر لكرامتها وكرامة زميلاتها المهدرة على أعتاب المدرسة التى من المفترض أن تصون الكرامة لا أن تهدرها، وأعلنت عن أنها ستذهب حالًا إلى الرئيس جمال عبدالناصر وأقنعت زميلاتها بالذهاب معها إلى الرجل الذى اعتدن سماع نبرته الحماسية فى الراديوهات وهو يتحدث عن الكرامة والعزة والكبرياء.
مدير مكتب الرجل الأول فى مصر، تفهم المبرر على الرغم من انشغاله الشديد وسألهن عن اسم المدرسة، وفورًا رفع سماعة التليفون لسويتش الرئاسة وطلب مكتب الناظرة المذكورة، وفى دقائق كانت السيدة ترتعش على الطرف الآخر من السماعة وتستمع إلى فاصل من التقريع شديد اللهجة من أحد رجالات دولة يوليو الحديثة القائمة على شعارات كثيرة أهمها الكرامة، وهى نفسها التى أهدرتها تلك السيدة الفظة.
ثم أغلق الرجل الخط وطمأن البنات الثائرات وزعيمتهن، وطلب منهن العودة إلى المدرسة فورًًا وسيجدن الأمور على ما يرام، وهو ما حدث بالفعل فقد وجدن المديرة الشرسة وقد تحولت إلى حمل وديع مطبطب ومهدهد ومشجع للبنات وزعيمتهن اللاتى رفضن أن يبتلعن الإهانة.
سريعًا استغلت زعيمة البنات الثائرات تلك الروح الجديدة لناظرة المدرسة، وأصدرت أول مجلة حائط وسمتها «المرأة» وكتبت فى عددها الأول نقدًا عن «الناظرة» تقبلته الأخيرة بصدر رحب بالطبع، وقربتها منها، بعد أن تغيرت نظرتها إليها، وصارت من معجبيها خاصة بعد أن أسست «جمعية ثقافية» للمدرسة وأقامت حفلات دعت إليها كبار الكتاب والمثقفين إليها مثل إحسان عبدالقدوس.. لتتأسس مبكرًا علاقة قدرية بين تلك الفتاة الزعيمة وبين مهنة البحث عن المتاعب.
لاحقًا فى قادم السنوات ستصير نفس تلك الفتاة الجريئة صاحبة القلب الحديدى، واحدة من أهم الصحفيات اللاتى حفظن للصحافة جلالها وبهاءها، وسيصير اسمها مقرونًا بالبضاعة الصحفية الجيدة مضمونة المصدر ومنزوعة الغرض، كما سيتحول سن قلمها الذهبى إلى ختم جودة تمنحه لمن يستحق من المواهب الصاعدة مثل عادل إمام ونور الشريف ومحمود ياسين ومحمود عبدالعزيز، الذين سينطلقون فور إشارتها عليهم فى بابها الخالد داخل آخر ساعة «ناس تحت الأضواء».
الآن عرفتوها.. إنها إيريس نظمى سيدة الصحافة الذهبية والأمينة على ذكريات كثير من النجوم الذين فتحوا قلوبهم لها وحدها، وقرروا أمام سطوة قلمها الصادق وشخصيتها الآثرة أن يتحللوا من عباءة النجومية ويتركوها تصنع منهم أناسًا عاديين من لحم ودم لهم مشاعرهم وأحاسيسهم ولديهم إنجازاتهم الكبيرة.. وخطاياهم أيضًا.. الكل يُكتب ويُسجل للتاريخ، دون أى تزييف للتجربة الإنسانية، أو محاولة تجميلها، فقد سجلت مذكرات ١٤ فنانًا ما كانوا ليجتمعوا على الثقة فى أحد مثلما وثقوا فى إيريس التى امتلكت قلمًا جلى الرؤية حاد البصيرة واضح الهدف. استحقت صاحبته أن تكون علامة جودة فى عالم الصحافة يعرفها ويقر بها كل من قلّب فى أوراق مجلة عظيمة اسمها «آخر ساعة» منذ عقد الستينيات.
هيا بنا إلى عالم إيريس نظمى..

لم يكن هناك أدق ولا أروع من توصيف «القلب الشجاع» الذى اختارته الأستاذة منى ثابت عنوانًا لكتابها الرائع عن إيريس نظمى، الصادر عن صندوق التنمية الثقافية قبل ١٩ عامًا بمناسبة المهرجان القومى الرابع عشر للسينما المصرية، وأهم ما يميز الكتاب من وجهة نظرى هو أن إيريس نظمى لأول مرة تبدل مكانها، وتجلس هى فى نفس المقعد الذى أجلست عليه عشرات النجوم، فقد اعتادت خلال عقود أن ترهف السمع والانتباه والضمير لمن يحكى وتسجل هى مذكراته للتاريخ، فعلت ذلك مع محمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وفريد شوقى ومارى كوينى وعبدالمنعم مدبولى وشادية وصباح وسناء جميل وعمر الشريف ونور الشريف ودريد لحام وأحمد زكى وليلى علوى، هذا بخلاف مئات الحوارات والخبطات الصحفية التى كان من أبسطها الانفراد بتصوير كواليس لقاء السحاب بين أم كلثوم وعبدالوهاب والتى صارت وثيقة بصرية حتى الآن، نرجع إليها كلما تحدثنا عن هذا اللقاء الإعجازى.
الأكيد أن إيريس نظمى قد صنعت تاريخًا كبيرًا وضخمًا فى الصحافة الفنية والنقدية لا يمكن لأى راصد أو باحث أن يتجاهله أو يغض الطرف عنه، وعن نفسى تقاطعت كثيرًا مع كتابات الأستاذة إيريس نظمى أثناء عملى على أى موضوع فنى مستعينًا بالأرشيف الصحفى، وكنت دائم الامتنان لمرور تلك الصحفية القدرية على طريق الصحافة عمومًا والفنية خصوصًا، دائمًا تجد عندها الجديد الذى تقوله، ولم تقع يومًا فى فخ وقع فيه الكثير من صحفيى الفن عبر تاريخ الصحافة الفنية حين تحول بعضهم لأبواق فى يد النجوم وليسوا مجرد أنداد وأصدقاء وصاروا أسرى لهالة النجومية التى تزيغ العيون وتقلب القلوب، ولنا فى معركة طحن العظام بين فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ أسوة، فقد أفرزت تلك المعركة حينها حزبين داخل أروقة الصحف والمجلات فهذا يعرف بأنه صحفى عبدالحليم وذلك صحفى فريد الأطرش، وكل منهم يحاول أن يسترضى صديقه الفنان بالإيغال فى تعرية الآخر، وظنى ويقينى أن إيريس لم تقع فى هذا المأزق أبدًا، فقد تعاملت بنفس الروح الشجاعة المفعمة بالأنفة والكبرياء الذى جعلها وهى تلميذة ترفض إهانة الناظرة لها وتذهب مباشرة إلى مكتب رئيس الجمهورية تشتكيها، وتلك الروح والشخصية القوية قد أكسبتها احترامًا يليق بها بين كبار النجوم الذين تعاملوا معها وأدهشهم مثابرتها وحبها لمهنتها واعتزازها بها.

كانت روح إيريس الشجاعة ملفتة لكبار الصحفيين منذ دخولها وهى طالبة مجال الصحافة، فتحكى لمنى ثابت عن أول معرفتها بأحمد بهاء الدين عندما زار الكاتب الكبير قسم الصحافة بكلية آداب القاهرة الذى تنتمى إليه إيريس بعد أن حولت إليه من قسم اللغة الإنجليزية، وكان حينها بهاء يدشن تجربته الرائعة مجلة «صباح الخير» التجربة التى ستصير بعد ذلك علامة كبيرة وبصمة ضخمة على جدار الصحافة فى مصر، المهم أن بهاء وقف يحاضر للطلبة وإيريس واحدة منهم، وأعلن أن كل من يجد فى نفسه القدرة على الكتابة الجيدة أن يتقدم للعمل فى «صباح الخير» التى كانت بالكاد تصدر أعدادها الأولى، هنا لمعت الفكرة فى عقل البنت التى عشقت الصحافة ومتاعبها وصارت تمشى فى دمها، وذاقت حلاوتها عبر مجلات الحائط التى كانت تصنعها فى مدرستها، وانبهرت الفتاة بشعار المجلة الذى وضعه أحمد بهاء الدين وشعرت بأنه يخصها، وكان الشعار «للقلوب الشابة والعقول المتحررة» أدركت للوهلة الأولى أن هذا الشعار الملهم يمثلها ويعبر عن أفكارها التقدمية التى ترفض ظلم المرأة ووضعها فى قالب الكائن الهش الذى لا يستطيع الإنجاز دون أن يكون الرجل هو أساس هذا الإنجاز، فتقول إيريس:

أعجبتنى شخصية المجلة، وخصوصًا شعارها للقلوب الشابة والعقول المتحررة.. لأن أيامها كانت المرأة مش واخدة حقها.. كنت لازم أرجع البيت قبل الدنيا ما تضلم.. ماما هى اللى كانت بتحاربنى لأنها خايفة على سمعتى بالرغم من أنها مثقفة جدًا.. وقارئة ممتازة.. وتجيد حفظ الشعر، لكن بابا كان متفهم وبيشجعنى.
المهم ذهبت إيريس إلى صباح الخير وقابلت أحد أفراد إدارة التحرير عرفت أن اسمه «لويس جريس» وطلبت منه مقابلة الأستاذ بهاء.. لكن لويس كان شديد العملية فقال لها الأستاذ بهاء مشغول، وكلفها بالعمل مباشرة دون انتظاره فقد كان يعرف، وترك لها اختيار الموضوع الذى تبدأ به مشوارها الصحفى، فلم تُضع طالبة الجامعة وقتها وقررت عمل تحقيق عن الرهبنة، فذهبت إلى دير وقالت لهم إنها تريد أن تصير راهبة وتريد أن تعرف الخطوات التى تقوم بها لهذا الأمر، فقابلتها الراهبات مقابلة سيئة لكنها استخرجت منهن حكاياتهن وأسباب دخولهن الدير، وكتبت كل ذلك فى موضوع صحفى جميل تحت عنوان «سر الراهبات» أفردته المجلة على ٥ صفحات مع رسمة للفنان هبة عنايت ونزل اسمها فى آخر الموضوع، وكان هذا الأمر بالطبع جللًا للفتاة الصغيرة التى ما زالت تحبو، ولكنها مع ذلك وفى غمرة انتشائها بتلك النقلة النوعية، كتبت موضوعًا آخر عن «سجن النساء» عن المسجونات السياسيات، ونُشر الموضوع فى العدد التالى، وكل ذلك وهى لم ترَ أحمد بهاء الدين بعد، أى أنه كان ينشر الموضوعات دون حتى أن يرى صاحبتها لمجرد جودة المنتج الصحفى، وهو سر صنعة بهاء الذى كان بمثابة ضمير صحفى يمشى على قدمين، فالمهنة عنده أولًا وأخيرًا، لكنه على أى حال بعد نشر الموضوع الثانى طلبها وتعرف عليها وأثنى عليها ثناءً كبيرًا، وفى نفس اللحظة طلب منها حضور اجتماع مجلس التحرير يوم الأربعاء التالى، وقال لها بالنص: «إنت هتبقى معانا خلاص».

تعتز إيريس بتلك المرحلة فى حياتها الصحفية وتقول هنا:
«قبضت ٢ جنيه عن موضوع الراهبات، فرحت بها جدًا لأنى ما كنتش منتظرة فلوس.. صحيح ضاعت فى المواصلات وقتها.. لكن تشجعت جدًا.. بهاء كان إنسانًا محترمًا جدًا واستفدت منه كتير.. بعدها بدأت أكتب عن كل ما هو مرفوض وممنوع على البنات».

لكن مع حبها لتجربة صباح الخير، شعرت إيريس بأن طموحها أكبر من مؤسسة روزاليوسف والتى كانت محدودة الإمكانات والتأثير مقارنة بآخر ساعة وأخبار اليوم، وانبهرت إيريس الطالبة فى الجامعة بسفر صحفيى آخر ساعة بلاد العالم والكتابة عن تجاربهم، وكان السفر حلمًا عندها حيث تقول:
«طموحاتى كانت كبيرة فى الصحافة، لا تحتملها روزاليوسف ولا صباح الخير فى بدايتها، أنا كان نفسى أسافر وأشوف مجتمعات وشعوب تانية.. السفر كان حلمًا جميلًا جدًا.. قدمت موضوعاتى فى صباح الخير لمصطفى أمين لأقدم له نفسى، وكانت مصطفى أحلامه كبيرة لأخبار اليوم.. كان دائمًا يتكلم عن ضرورة سفر الصحفى».
ولمصطفى أمين فى الحقيقة رصيد كبير من حكايات إيريس نظمى داخل أروقة أخبار اليوم، فتقول:
«أول تجربة سخيفة ليا فى الصحافة كانت لما طلبت من مصطفى أمين أشتغل فى آخر ساعة، وبعتنى لصلاح هلال وقابلنى وحش.. واضطريت أشتغل فى الأخبار فى الحوادث.. صحيح تجربة الحوادث والتحقيقات أفادتنى جدًا.. لكن كان حلمى أكتب فى آخر ساعة بالتحديد.. وبعد رحيل صلاح وفتحية من آخر ساعة بدأت أكتب فيها وأنا فى الأخبار.. لأن مصطفى أمين كان متمسكًا بيا فى الأخبار وقالى خليكى معايا حماية ليكى.. وكلفنى أكون مندوبة لوزارة الشئون الاجتماعية.. أيام الوزير توفيق عبدالفتاح.. كان عامل حملة على التسول.. أنا صورت المتسولين أمام مبنى الوزراة وكتبت أن المفروض أن يبدأ الوزير بنفسه.. الوزير زعل جدًا وطلب من مصطفى أمين إبعادى عن تغطية أخبار الوزارة.. مصطفى أمين رفض.. وقال يا إما هى يا إما مفيش مندوب للوزارة.. وتبدلت علاقتى بالوزارة إلى صداقة مع الوزير».
وتكمل إيريس ذكرياتها المهنية الحلوة مع مصطفى أمين عندما أرسلها لمدة شهر إلى سوريا وقت الوحدة.. لترصد أحوال الناس تحت ظلال الوحدة وهناك عاشت إيريس وسط أهلها.. وأنتجت سلسلة موضوعات عن الحياة، وعن المرأة السورية.. وقالت:
«ناس غلابة ومنكسرين.. شعب طيب وبيحبنا جدًا.. كان معى المصور رجاء العادلى، مدير تصوير مكتب المشير عبدالحكيم عامر.. كان اسمه المكتب الثانى أيام جمال عبدالناصر.. وموضوعاتى نشرت فى آخر ساعة بالألوان».
كانت هذه أولى رحلات إيريس التى قررت بعدها أنها لن تكون مندوبة لوزارة مرة أخرى.. بعد أن شعرت بأن مكانها حرة فى الميادين ثم بعدها بدأت تبنى أسطورتها فى الصحافة الفنية.


لم يكن توجه إيريس إلى الصحافة الفنية من فراغ فقد أحبت وتعلقت بها منذ الطفولة وكان جليل البندراى مدخلها الرئيسى لهذا العالم الذى سيصبح عالمها فتقول:
«أنا كنت باحب السينما جدًا.. زمان وإحنا اطفال كان بابا ياخدنا لسينما الجندول فى شبرا.. كان مين الجمهور أيامها!.. الأجانب الساكنين فى شارع البعثة.. عشان كده سموه شارع البعثة.. كان الوسط محترمًا جدًا.. شفت أغلب الأفلام اللى أصبحت كلاسيكيات السينما العالمية.. كنت مبهورة بفن السينما ونجومها، وبحبها جدًا.. ولما اشتغلت صحفية حوادث وتحقيقات، صحيح اكتسبت صلابة أكثر، لكن اتخنقت.. حبيت أرجع لجو السينما المبهج.. وكان جليل البندارى بيكتب جزء فنى فى آخر ساعة فبدأت أكتب معه وأنا فى الأخبار».
ثم تكمل إيريس كلامها عن دور جليل البندارى النبيل والملهم فى فتح المساحات أمام الأجيال الجديدة دون خوف من تأثير ذلك على مكانته فتحكى بمنتهى العرفان:
«جليل له فضل عليا لأنه هو اللى أخدنى وعرفنى بالوسط الفنى.. وجدتهم ظُراف جدًا.. وأنا كنت مراهقة وعاوزة أتعرف على النجوم عن قرب.. وابتديت من فوق.. عملت حوارات مع عمالقة الفن أيامها شادية.. صباح.. فايزة أحمد.. ونجحت موضوعاتى.. ولما انسحب جليل البندارى من الكتابة فى الفن، بعد دخول جيل جديد فى الصحافة الفنية.. بدأ يكتب برواز فى الأخبار بعنوان «أنا والنجوم»، سألت البندارى ليه بطلت تكتب فى آخر ساعة.. قاللى خلاص، أومال أنا بعلمكم ليه!.. احترمته جدًا.. وتوسعت فى الكتابة فى الفن».
ثم تكمل امتنانها لدور البندارى فى حياتها المهنية قائلة:
«جليل البندارى كان كريم معايا جدًا.. هو كان لسانه طويل، لكن كان دمه خفيف.. يجمعنا حوله وهو يؤلف المسرحية.. ويمثل المشاهد التى يكتبها بظرف شديد.. ويهتم برد فعلنا كاختبار لتأثير المشهد على المتفرج.. والحقيقة هذا الرجل لم يأخذ حقه من التكريم».
ثم جاءت النقلة المهنية لإيريس داخل آخر ساعة، عندما قرروا عمل أقسام للمجلة يتولى كل قسم صحفى.. وكان تقليدًا جديدًا.. فوجدت إيريس نفسها على رأس القسم الثقافى، وهنا ظهرت مهارة إيريس وأفكارها فقد وضعت تبويبًا داخليًا للقسم يشمل «مسرح وأدب وأوبرا وسينما».. كل فرع مسئول عنه صحفى، حيث كان القسم يضم أسماء مثل نبيل بدران، ومأمون غريب، وسامية عثمان، وثروت فهمى.. تتذكر إيريس تلك الفترة بحنين بالغ وتقول:
«كانت أيام عمل جميلة.. كنا بناخد صفحات كتير لأن آخر ساعة صحيح كانت مجلة سياسية، لكنها كانت بتوزع بالفن.. كان البياعين زى مكتبة مدبولى يفتحوها على الفن ويشبكوها بمشابك عشان تتباع».
وهكذا دارت عجلة الإنجازات المهنية للصحفية الشابة إيريس نظمى فى الصحافة الفنية ولم تتوقف حتى آخر العمر، واستطاعت خلال قادم السنوات أن يجعل اسمها رقمًا صعبًا، وامتلكت منطقتها الخاصة، أو قل شديدة الخصوصية والتى أهلتها لتكون على مقربة من كبار فنانى مصر فى العهد الذهبى للفن والموسيقى والذى لم يتكرر ولن يتكرر، والجميل فى أمر هذه السيدة أنها لم تُطأطئ رأسها كى تصل إلى درجة القرب المطلوب من هذا النجم أو تلك النجمة، بل إن علاقتها بكوكب الشرق بجلالة قدرها- التى وصلت لدرجة كبيرة من الوثاقة والثقة من ناحية الست تجاه صحفية آخر ساعة الشابة- لم تبدأ بفعل مهادن أو متملق للست كى تقترب منها، بالعكس كان الأمر مهنيًا بحتًا، أو قل مغامرة صحفية غير محسوبة المخاطر.. كيف؟ سنرى.


دائمًا ما تكون أم كلثوم هى أهم إنجاز يضعه أى صحفى فى سيرته الذاتية، سواء أجرى حوارًا معها أو تقاطع معها فى ظرف تاريخى أو صور لها صورة مهمة، كلها أشياء يظل صاحبها يذكرها بمنتهى الفخر طيلة حياته، وإيريس كانت من هؤلاء المحظوظين الذين اقتربوا من مملكة الست على الرغم من أنها كانت عالية الأسوار على أمثالها من الصحفيين الشباب، وتحكى إيريس قائلة: «كانت أمنية حياتى الصحفية أن ألتقى أم كلثوم وأقتحم عالمها الخاص الملىء بالغموض والأسرار.. فقد خرجنا إلى الدنيا ونحن نسمعها ونقرأ عنها ونحس بأنها جزء من مصر مثل الأهرام وأبوالهول».

كانت أم كلثوم لا تعترف بصغار الصحفيين مثل إيريس المتخرجة حديثًا فى الجامعة فى بداية الستينيات، فقد كانت الست صديقة الكبار مصطفى وعلى أمين وأنيس منصور ومحمد التابعى وكمال الملاخ وأحمد بهاء الدين، وكانت تثق فيهم بالطبع وتختصهم بنشر أشياء عنها، ثم جاء الكلام عن اللقاء الذى انتظره الملايين «لقاء السحاب» بين أم كلثوم وعبدالوهاب، ومن أطلق عليه هذا الاسم كان أستاذها جليل البندارى. إذن كيف تخترق الصحفية الشابة هذا الحصار الحديدى الذى فرضته أم كلثوم على بروفات تلك الأغنية التى ينتظرها الملايين من المحيط إلى الخليج؟
الذى حدث، طبقًا لرواية إيريس نفسها، أنها اتفقت مع محمد عبدالوهاب على إدخالها سرًا لحضور البروفة، وكان يثق فيها، لكنه لا يجرؤ على تحمل عقبات غضب الست لو عرفت أنه هو الذى أدخلها، لذلك وضع شرطًا مهمًا: «إذا اكتشفتك.. أنا ماليش دعوة».
تقول إيريس إنها فى ذلك اليوم اكتشفت أن أم كلثوم تستطيع أن تغنى ثمانى ساعات متواصلة وهى واقفة، تعيد وتزيد ولا تمل أبدًا حتى تصل إلى الكمال الذى تريده فى الأغنية، كما لاحظت مدى حساسية أم كلثوم لأى نشاز فى الفرقة الموسيقية تستخرجه من بين النغمات بسلاسة وسهولة.
كانت إيريس تراقب كل ذلك وتسجل ملاحظاتها وهى كامنة فى مكان خفى من الاستديو داخل حجرة مهندس الصوت هى وزميلها المصور محمد لطفى؛ حتى جاء موعد الإفطار الذى أحضرته الست من فيلتها فى الزمالك حتى لا تتعطل البروفات، وهنا طلبت إيريس من المصور أن يرفع كاميرته ليصور الست خلسة وهى تتناول إفطارها، وحدث الإافراد وصورها وهى تحتسى الشوربة بـ«الكسرولة» التى صارت بعد ذلك واحدة من الصور الأيقونية للست، ومؤخرًا صارت أيضًا موضوعًا للتندر، والكوميكسات فى فضاء الـ«فيسبوك»، لكن أم كلثوم فى تلك اللحظة انتبهت لإيريس وزميلها المصور، فانطلقت من مكانها كالسهم وأخذت الكاميرا من المصور، ونزعت فيلم الفوتوغرافيا، ونظرت باشمئزاز للصحفية الشابة وهى تقول لعبدالوهاب: مين دى؟ لكن عبدالوهاب نفذ شرطه، وقال لها: لا أعرف.

وهنا أصاب الصحفية الشابة إحباط لا مثيل له بعد أن رأت بعينيها الفيلم الذى يعد انفرادًا تاريخيًا وهو فى يد الست بعد أن انتزعته من الكاميرا ومزقته.
لكن كانت المفاجأة السعيدة للصحفية المجتهدة أن جهدها واختباءها بالساعات لم يضع هدرًا، فقد أخذ المصور الذكى حذره عندما شاهد أم كلثوم مندفعة بالغضب تجاههما، فبدّل الفيلم سريعًا بفيلم آخر، دون أن تنتبه الست.
فأخذت إيريس انفرادها الكبير إلى أستاذها مصطفى أمين صديق أم كلثوم، وقالت له مخاوفها من غضب الست حال نشر الموضوع والصور، وقالت له بالنص: أخشى أن ترفدنى أم كلثوم. لأنها كانت تعرف مدى سطوة الست عند كبار الصحافة، فمن ذا الذى يستطيع رفض طلبها بالتنكيل بصحفية صغيرة حديثة التخرج، إن هى طلبت ذلك بعد أن تجرأت واقتحمت مملكتها دون إذن منها.
وهنا أعطاها الأستاذ مصطفى أمين درسًا صحفيًا مهمًا، غيّر كثير من مفاهيمها وطمأنها على نفسها من غضبة الست المتوقعة، حيث قال لها: إذا لم ترفدك أم كلثوم سأرفدك أنا إن لم أنشر هذا الانفراد.
فأدركت الصحفية الشابة حينها قيمة إنجازها الصحفى الذى ظل حديث الأوساط كلها، والغريب هنا أن نشر الموضوع كان سببًا لتوطيد علاقة أم كلثوم بتلك الصحفية الشابة المجتهدة، فالست تحب المقاتلات، وعلى ما يبدو أن بنت طماى الزهايرة التى حاربت الدنيا لتجد لنفسها موطئ قدم بين الرجال فى المدينة الصاخبة خلال العقود الأولى من القرن العشرين، أحبت جرأة تلك البنت الصغيرة التى غامرت بمستقبلها المهنى فى سبيل تحقيق هذا الانفراد ولم تخشَ غضبها، خاصة أن مجلة «آخر ساعة» أفردت الموضوع بشكل جميل زاد من الصفة الأسطورية على هذا لقاء السحاب.. وحتى الصورة التى خافت منها الست وأقدمت إتلاف فيلم الفوتوغرافيا بسببها ظهرت بشكل إيجابى جدًا، ونالت إعجاب الجميع وأثنى عليها أصدقاؤها الصحفيون، حيث ظهرت أم كلثوم الإنسانة البسيطة التى تأكل وسط أعضاء فرقتها بمنتهى البساطة حتى لا تضيع وقت البروفات، ومن لحظتها صارت إيريس من المقربين إليها واصطحبتها بعد ذلك فى بعض رحلاتها التاريخية لصالح المجهود الحربى بعد النكسة.

سأصدقكم القول، إننى أواجه الآن مأزقًا فى استكمال الكتابة عن إيريس نظمى، فشخص مثلها يمتلك مثل تلك الحياة الثرية مهنيًا وإنسانيًا، يجعل من الصعب الإلمام بمنجزها الصحفى فى تلك المساحة المحدودة، وأخاف أن يصير الموضوع الذى أكتبه عنها مبتسرًا لا يسمن ولا يغنى من جوع، فإيريس لم تكن مجرد صحفية كبيرة تكتب فى الفن، فدورها التأسيسى فى المهرجانات السينمائية يشار له بالبنان بجوار عمالقة مثل كمال الملاخ فى مهرجان القاهرة السينمائى، أو مهرجان الإسكندرية السينمائى الدولى، الذى تولت رئاسته ثلاث دورات متتالية: ٢٠٠٦، و٢٠٠٧ و٢٠٠٨، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.
لكن دعونا نخرج من هذا المأزق ونقول إن الإنجاز الصحفى الأهم فى حياة إيريس نظمى، من وجهة نظرى، هو قدرتها الاستثنائية على كسب ثقة النجوم لتكون حافظة ذكرياتهم والأمينة على حكاياتهم الخاصة.
امتلكت إيريس بالتأكيد سرًا خاصًا جعل هؤلاء الكبار يوافقون على أن يحكوا عن تجربتهم الحياتية أمامها بتلك الأريحية والثقة، لأنهم عندما يفتحون مجلة آخر ساعة ليقرأوا ما أسروا به إلى إيريس، شعروا بالأمان فقد كانت أمينة فى نقل مشاعرهم وبوحهم دون تدخل منها يفسد الحالة الشعورية، حتى إن منى ثابت فى حوارها مع إيريس سألتها سؤالًا مباشرًا قائلة: المميز فى المذكرات أننا نستطيع بسهولة، رؤية وكشف شخصية صاحب المذكرات، وسماع صوته ونحن نقرأ.. كأنه يكتب سيرته الذاتية.. أين كنتِ كصحفية؟
ردت إيريس بسر خلطتها فى كتابة المذكرات الشخصية لمشاهير الفن، حيث قالت: «كنت متعمدة أتركهم على سجيتهم.. لذلك استراحوا ورحبوا بتسجيل مذكراتهم.. مثل عبدالحليم حافظ، كان رافض، لكن بعد ما قرا مذكرات عبدالوهاب معايا، أحس بصدق الراوى وأننى لا أتدخل بالتعليق أو الإضافة.. لما طلبته لأكتب مذكراته قال لى أهلًا وسهلًا وحدد موعد تانى يوم لمدة ساعتين يوميًا.. كان عايز يسجل مذكراته بسرعة.. وكان آخر لقاء ليلة سفره الأخير إلى لندن.. واتكلم من قلبه عن مرارة مشاعر اليتم.. فأثّر فى الناس جدًا.. ونفدت مطبوعات كتابه فى أسبوع واحد».
سأترك هنا إيريس تفصح عن باقى أسرار خلطتها لتسجيل مذكرات الكبار وبعض الكواليس عنهم، كما أسرت بها لمنى ثابت.. تقول إيريس: «أنا لم أسجل مع أى نجم إلا إذا كنت بحبه.. لذلك أركز على الناحية الإنسانية، وأتجنب السلبيات.. لكن هما اللى بيقولوها، وأنا باحس إذا كان المتكلم صادق ولا لأ.. أنا كنت سعيدة وأنا باسجل مذكرات عبدالوهاب.. لكن هو بعيد عن الأضواء شخصية متحفظة، لكن ما يدخلش القلب.. لا تحبيه ولا تكرهيه.. غير ودود.. وبخيل.. يعنى كان يقعد يتعشى فى حضور أى ضيف، ومايحاولش يعزم عليه.. رغم إنى سجلت مذكراته فى الشيراتون الذى أقام فيه هو ونهلة زوجته ستة أشهر لحين انتهاء ديكورات بيته.. هو شخصية محترمة، وتشعرى إنه اتربى فى جو أمراء، واتجوز واحدة غنية جدًا، أغدقت عليه، وهى سبب شياكته ثم تزوج إقبال نصار أم أولاده.. يعنى لم يعان فى حياته.. زى ما قالت عنه أم كلثوم لبيرم التونسى، أنت عملت أغنية لعبدالوهاب يا بيرم بتقول محلاها عيشة الفلاح.. وهو ما يعرفهاش ولا جربهاش.. أنا اللى أعرفها.. الفلاح ٣ بيناموا على الأرض و٣ بيناموا فوق الفرن.. هو ده الفلاح».
ومن عبدالوهاب إلى عبدالحليم، الذى تأثرت إيريس جدًا بمشاعره الإنسانية التى أفضى بها إليها فى مذكراته، وشعرت بالإشفاق الشديد عليه، فتقول عنه: «هو إنسان بسيط جدًا، لكنه هرب من نقطة إنه اتربى فى ملجأ.. قال إن ذهابه للملجأ كان للتمرين على الغناء مع الأستاذ ندا مدرس الموسيقى فقط، لكن بعد نشر الكتاب واحد من القراء أرسل لى صورته أيام ما عاش فى الملجأ.. ونشرتها.. مع إنه بالعكس، شىء مشرف إنه اتربى فى ملجأ لكن أصبح نجمًا، والمطرب الأول فى مصر.. وأيضًا هو حكى لى سبب عدم زواجه من سعاد.. ما كنتش أحب إنه يتكلم وحش عنها.. رغم إنه تراجع وندم بعد سفره الأخير.. لكن كان فات الوقت لحذف كلامه.. بصراحة الناس- وأنا منهم- ظلموا حليم، وقالوا بيحب يشتكى، لكنه كان فعلًا تعبان.. عبدالحليم أثّر فينا، وسيظل عبدالحليم مهما طلع حد تانى، لأنه شخصية فريدة، واتعذب كتير من لحظة ميلاده، وغنى من قلبه».

ثم نأتى لواحدة من أهم المذكرات التى كتبتها إيريس نظمى للنجوم، وهى المذكرات التى أثارت جدلًا فى الثمانينيات عند نشر حلقاتها فى مجلة «آخر ساعة»، نقصد بها مذكرات عماد حمدى، حيث بدا عماد غير مهندم يرتدى بيجامة بسيطة دون أن يهتم بمظهره، ما أثار استياء كثير من محبيه، وأُلقى اللوم على المجلة والصحفية التى سمحت أن يظهر بهذا المظهر المسىء فى آخر أيامه، لكن عندما تنظر إلى الأمر من منظور إيريس نظمى، ستكتشف أنها أسدت إلى عماد خدمة جليلة بنشر هذه المذكرات فى هذا الوقت تحديدًا، والذى حدث أن إيريس كانت قد بدأت تسجيل مذكرات عماد حمدى وهو فى عنفوانه وقوته ويعمل فى الأفلام وما زال مطلوبًا، لكن توقف تسجيل المذكرات سنوات لأسباب انشغال الطرفين، ثم عادت إليه لاستكمال المذكرات فى آخر أيامه، فلم تجد غير حطام إنسان، رجل قد أكله الجفاء والنسيان ونكران الجميل، ينتظر الموت بفارغ الصبر، خاصة بعد وفاة أخيه التوأم، فعندما زارته إيريس لإكمال المذكرات وافق، لكنه رفض التجمل وأصر على أن يظهر على حالته تلك، وصوّرته المجلة على هذه الحالة؛ لتُحدث الصور صدمة قوية للقراء، من جمهوره العريض أو زملائه الذين شعروا بتقصيرهم، فسارع الجميع إلى بيت عماد حمدى وجرت فى نهره الجاف المتشقق شلالات من الحب والتقدير، وعاد التليفون الصامت فى بيت عماد للرنين مرة أخرى، وتسابق الزملاء والتلاميذ للسؤال عنه، مثل شادية زوجة الماضى التى كانت إيريس شاهدة على نبلها ووفائها، حيث وقفت بجواره فى آخر أيامه مع مديحة يسرى، وقفة كان يحتاج إليها رجل يقف على حافة القبر، ولم يتوقف رد فعل ما نشرته إيريس على الزملاء والجمهور، بل إن كثيرًا من الشخصيات العامة أصر على زيارته والشد من أزره، مثل الشيخ الشعرواى والدكتور عبدالعزيز حجازى، الأمر الذى ظلت تذكره إيريس نظمى ممتنة للظروف التى قادتها إلى بيت عماد حمدى فى تلك اللحظات الحرجة لتذكّر الناس به.

وقالت إيريس عنه: «بكيت على عماد حمدى فى آخر أيامه، ماكنش لاقى تمن الدوا.. وطلبت منى فتحية شاهين- زوجته الأولى- مساعدة من ليلة القدر.. بلغت مصطفى أمين برغبتها، فرفض فى بداية الأمر، لكن موسى صبرى أمر بصرف مبلغ ٢٠٠٠ جنيه فورًا.. والحقيقة أن شادية كانت بتسأل عنه باستمرار وتساعده فى أيامه الأخيرة، وتكلمت عنه باحترام فى مذكراتها.. عماد كان ساكن فى الزمالك فى شقة فاخرة وقت زواجه من نادية الجندى، لكن فى نهاية علاقتهما ترك لها كل شىء، وقال إنه قرر إما الانتحار، أو الهروب بالبيجامة من البيت.. وهرب فعلًا ومات فقير، لكنه تكلم باحترام عن شادية، وعن كل زملاء مهنته.. مذكراته ثرية وأظهرت معدنه الأصيل كإنسان وفنان مثقف ومحترم».
وعلى ذكر شادية، فقد تحدثت إيريس أيضًا عن ظروف نشر مذكراتها وكواليسها المفعمة أيضًا بالإنسانية، حيث تقول: «استمتعت بتسجيل مذكرات شادية، خصوصًا لما اتكلمت بصدق عن أمنيتها فى الأمومة، وتجربة حملها وفقدانها الجنين بعد ملازمة السرير ستة أشهر لتثبيت الحمل.. هى حكت لى أسرارًا لا يعرفها أحد حتى اليوم.. تكلمت عن عماد حمدى، وصلاح ذو الفقار.. وعن طفولتها وشبابها.. وفريد الأطرش.. أنا سجلت معها قبل الاعتزال، وحاولت استكمال التسجيل بعد الحجاب عن طريق صديقها أحمد رجب.. فرفضت، وأنا احترمت رغبتها فى الاعتزال والتحجب.. لأنها إنسانة محترمة لم تتاجر بقرارها، ورفضت أى حديث أو علاقة بالإعلام.. بالعكس تبرعت بشقة تملكها لمصطفى محمود ليضمها للعيادة الخيرية، وعوضت حرمانها من الأمومة بتبنى ابن أخيها.. كان لها أخوان ماتا بالسرطان- منير وطاهر- لم تترك المسرح، لأنها فنانة ملتزمة.. كانت ضحكات الناس تجلجل فى المسرح من أدائها وهى حزينة على أخيها.. ست عظيمة.. أنا أتأثرت بها جدًا لأنى أم ومجربة الخوف من الحرمان من الأمومة، ومشاعر الحزن على الأشقاء».


فى شهر أكتوبر من العام ١٩٦٨، كتبت إيريس نظمى هذه الفقرة فى صدر مقالها الأهم «ناس تحت الأضواء»، من المفيد أن نقرأها أولًا كما هى؛ حتى نعرف ماذا فعلت إيريس.. ونص الفقرة كالتالى:
«هل يمكن أن نتصور الحياة دون وجوه جديدة.. دون مواهب جديدة؟.. بالطبع ستصبح حياة غير مريحة! فمهما كانت القوة القديمة جذابة ومتألقة.. ومهما كانت المواهب القديمة رائعة.. إلا أنه سيأتى الوقت الذى تتسلل فيه التجاعيد إلى وجوه الجميلات.. وتنتشر الشعرات البيضاء فى الرءوس.. وقد تنجح المساحيق وأحدث مستحضرات التجميل فى إخفاء الحقيقة لبعض الوقت.. لكنها ستعجز تمامًا عن مواجهة خصم قوى عنيد اسمه الشيخوخة».
انتهت الفقرة المقصودة، وبقى أن تعرف أن المقدمة كانت لمقال بعنوان «محاولة لاكتشاف وجه جديد للسينما»، والوجه المقصود كان لفنان شاب شاهدته بالصدفة إيريس- كما تحكى فى مقالها- على شاشة التليفزيون، الذى كان عمره ثمانى سنوات فقط حينها، وكان يقوم بدور صغير فى مسلسل اسمه «الرحيل»، لم يكن محمود ياسين حتى تلك اللحظة وجهًا مألوفًا، لكن إيريس بنظرتها الثاقبة قالت عنه فى المقال: «صاحب وجه مصرى صميم لا تنساه بسهولة وميزته الأساسية فى صوته، فصوته قوى واضح ينطق الكلمات بثقة، وهو خريج حقوق والتحق بالمسرح القومى منذ عدة سنوات، لكنه يعيش فى الظل بعيدًا عن الأضواء، يمثل الأدوار الثانوية وينتظر فرصة العمل والدور المناسب الذى يؤكد موهبته».
ثم أنهت مقالها الملهم برجاء سيصير بعد قليل بمثابة النبوءة لنجومية فتى السبعينيات الأول محمود ياسين حيث قالت: «أتمنى أن ينتبه مخرجو السينما لهذه الموهبة الشابة محمود ياسين، وأن يتيحوا له الفرص الأفضل فى أدوار أكبر.. لأنهم سيضعون الممثل المناسب فى المكان المناسب، بدلًا من استهلاك الطاقات الشابة فى أدوار «السنيدة» لأبطال الأفلام.
انتهى المقال ونُشر فى «آخر ساعة» عدد ٢٣ أكتوبر ١٩٦٨، وكان مفاجأة جميلة مدهشة لهذا الوجه الجديد الموهوب، الذى اشترى العدد وظل يقرأه ويبكى من الفرحة فى الشارع، كما حكى لإيريس بعد ذلك، وظل يعتبره جميلًا يطوق رقبته لهذه الصحفية العظيمة يشكره عليها كلما تقابلا فى أى مهرجان أو مناسبة فنية، وليست الدهشة هنا فقط، إنما فيما حدث بعد نشر المقال بأيام، حيث قرأه رمسيس نجيب مكتشف النجوم، فتنبه لهذا الوجه الجديد وأصعده إلى القمة مباشرة بناء على نصيحة إيريس، حيث منحه بطولة فيلم «نحن لا نزرع الشوك» أمام شادية نجمة المرحلة وإخراج حسين كامل؛ لتكون الانطلاقة الكبرى لهذا الفتى بعد أن أدى دورًا صغيرًا للغاية فى فيلمها السابق «شىء من الخوف»، عبارة عن مشهدين بالعدد.
ما فعلته إيريس نظمى مع محمود ياسين لم يكن جديدًا، فقد كان بابها «ناس تحت الأضواء» نافذة ضوء حقيقية لكل المواهب التى كوّنت واحدًا من أهم أجيال السينما المصرية فى العقود التالية منذ السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، فلك أن تتخيل أن نفس الباب وفى نفس العام ١٩٦٨، كتبت إيريس عن ثلاثة وجوه جديدة تحاول أن تلفت الأنظار إليهم، وتضىء الطريق نحو اكتشاف هذا الجيل الجديد الذى يطرق الباب على استحياء ليتخذ مكانه الطبيعى بعد أن دخل نجوم الشاشة فى الخمسينيات والستينيات إلى منطقة عمرية أخرى لا تسمح لهم أن يظلوا على القمة، بقى أن تعرف أسماء الثلاثة وجوه الجديدة التى كتبت عنهم فى نفس الباب وبنفس قوة الدفع نحو النجومية المستحقة، وأسماؤهم ببساطة هى: عادل إمام ونور الشريف ومحمود عبدالعزيز.
تلك هى إيريس نظمى، وهذا هو دورها.







