المحرر العام
محمد الباز

كده برضه ياقمر؟!.. قراءة فى الخطوات الأولى لـ«فتى السبعينيات» هانى شاكر

حرف

- هل كسب الفنان الشاب معركة «طحن العظام» مع العندليب بـ«جدعنة» شادية؟

- الموجى رأى فى هانى شاكر فرصة لتكرار تجربة النجاح الأسطورى لعفاف راضى مع بليغ سنة 70

«احفظ هذا الاسم جيدًا.. هانى شاكر.. إنه الصوت الجديد العذب المرشح بالإجماع للمجد.. هو حدث عام ١٩٧٣ الغنائى».. بهذه الكلمات المفخمة قدّمت مجلة الشبكة لقرائها المطرب الشاب الذى لم تكن أمارات الطفولة قد زالت عن ملامحه بعد، لكنه مع ذلك بدت عليه ثقة النجوم المخضرمين فى الصور المرافقة للحوار وفى رده على أسئلة المجلة، لأنه قبلها بقليل كان يقف أمام الجمهور ليغنى أول أغنية رسمية احترافية فى حفل أضواء المدينة آخر عام ١٩٧٢، وهى أغنية «حلوة الدنيا» التى لاقت نجاحًا منقطع النظير أرّق نوم العندليب حينها، كما بدا، لأن الأغنية عندما أذيعت فى الراديو ظن البعض أنها أغنية جديدة لعبدالحليم حافظ إلى أن أدرك الجميع أنها لمطرب شاب له نصيب كبير من عذوبة صوت العندليب لم يصل إلى العشرين من عمره، وتزايد الهمس الصحفى الذى ينفخ فى تلك الشظية الصغيرة، مستغلًا أن الأمور بين الصديقين اللدودين عبدالحليم والموجى لم تكن على ما يرام فى السنوات الأخيرة، وبدأت السردية تتشكل وتصير واقعًا فى أذهان الناس أن عبدالحليم حافظ يحارب موهبة الموجى الجديدة «هانى شاكر»، لكن الحرب المزعومة لم تقف حجر عثرة فى وجه هانى، الذى انطلق بسرعة صاروخية فى مشهد غنائى دسم لكنه اتسم بالضبابية، حيث بدا أن الكبار تثاقلت عليهم وطأة المرض ويتأهبون للرحيل واحدًا تلو الآخر، وهو ما حدث فعلًا فى العام التالى مباشرة برحيل فريد الأطرش، تلته بعد أيام كوكب الشرق، قبل أن يتبعهما العندليب نفسه فى العام ٧٧.

والقصد أن الأجواء كانت مهيأة لإدخال مواهب جديدة تجلس على المقاعد الشاغرة التى تنتظر مَن يجلس عليها بثقة ودعم، وتذليل ظروف من شركاء الكبار، كما فعل بليغ حمدى فى تجربة عفاف راضى بداية السبعينيات التى لُقبت حينها بخليفة أم كلثوم، وها هو الموجى يفعلها مجددًا مع هانى شاكر فى طلته الأولى، التى نتذكرها الآن بعد أكثر من نصف القرن، ونحن ندعو لصاحب الطلة المبهجة بالشفاء والخروج منتصرًا من معركته الشرسة هناك بين جدران غرفة العناية المركزة، فى باريس، علّ الله يستجيب لدعوات المحبين كى ينجو هذا الرجل الذى لن تستطيع- حتى لو لم تكن من مريديه- أن تنكر أنه واحد من أعذب الأصوات التى مرت على الطرب المصرى، آملين أن يفتح عينيه لنقول له معاتبين: 

كده برضه يا قمر.. تقلقنا عليك يا جدع .. كدهو؟!

ابن الطبقة المتوسطة

هانى المولود فى حى باب اللوق مع بزوغ ثورة يوليو ٥٢ لم يكن غريبًا على الأضواء، فقد اعتاد الوقوف على المسرح والغناء وحتى أمام كاميرات السينما، فعلها كثيرًا على مسارح التليفزيون والأوبرا من خلال فرقة كورال الأطفال التى كونتها الدكتورة رتيبة الحفنى، وتميز هانى حينها بالغناء صولو لسيد درويش، الذى وقف قبل سنوات أمام كاميرا أحمد بدرخان ليؤدى دوره طفلًا فى الفيلم الذى تناول سيرته من بطولة كرم مطاوع وعرض سنة ١٩٦٦، كما أنه وقف طفلًا أيضًا أمام إسماعيل ياسين فى واحد من أواخر أفلامه أيضًا، إذا لم تكن الأضواء بعيدة عن هانى الطفل، فما بالك وهو فى بداية السبعينيات قد شارف على العشرين ربيعًا، لكن هانى يحكى للشبكة عن تلك الليلة التى تعرّف فيها الجمهور الحقيقى عليه فيقول: كانت المرة الأولى التى أواجه فيها الجمهور.. لم أعد صبيًا وغنيت برعشة رغم سابق وقفتى على المسارح، وسمعت التصفيق فأخذنى فى غيبوبة لست أدرى متى أفقت منها.. إن الستارة أسدلت وأنا فيها، ولا أذكر عبارة واحدة مما قاله لى الناس مديحًا وراء الكواليس. 

ظل هانى فى سكرة هذا اليوم إلى أن كلمه مأمون الشناوى، الذى أراد للشاب انطلاقة جديدة من البوابة الأم للموسيقى العربية بوابة عبدالوهاب، فكانت المحاولة التى خاضها مأمون بأن اصطحب هانى إلى بيت موسيقار الأجيال لكى يسمعه علّه يظفر منه بلحن جديد بما قد يعنى ذلك أن الفتى قد قفز كل الحواجز حينها، بما فيهم الحاجز الأكبر عبدالحليم، وبالفعل دخل مأمون ببشاشته المعهودة على عبدالوهاب وفى يده هانى شاكر وغنّى هانى وأحاطه الموسيقار بآهات الإعجاب وتبعها بكلمة رصينة: لك مستقبل يا هانى.

تثلجت أطراف هانى الذى يسمع لتوه عبدالوهاب بجلالة قدره يثنى عليه، لكن مرافقه الكبير مأمون الشناوى أراد أن يستغل الفرصة ويقتنص لحنًا من رجل الموسيقى الأول للفتى، فتكون فتحة خير على الجميع، لكن الموسيقار بنبرته الهادئة قال: قدام شوية.

حول مأمون الجملة إلى قفشة كعادته فنظر إلى هانى وقال له: ابسط.. الأستاذ عبدالوهاب هيحطك فى الخطة الخمسية.

الموجى مع تلميذه هانى شاكر

وانتهت المقابلة الأولى للفتى الموهوب الجديد هانى شاكر مع موسيقار الأجيال فى بيته، وبدأ هانى بمساعدة مأمون فى طرح صوته الجميل على ملحنين آخرين غير الموجى حتى ينتشر بسرعة، فسمعه فريد الأطرش ووعده بلحن، لكن الموسيقار الحزين بالطبع كان يمر بشهوره الأخيرة يعانى تثاقل المرض عليه فلم يسعفه الزمن، لكن محمد سلطان ومنير مراد وعداه، وأوفى الأول بأغنية «ياريتك معايا» والثانى بأغنية «تصادف الأيام».. لكن شادية كانت لها الدفعة الكبيرة للفنان الشاب بـ«حركة جدعنة» فى حفل التليفزيون عام ٧٣ عندما كان من المفترض أن يشارك المطرب الشاب الجديد شادية فى هذا الحفل الكبير، لكنه وجد نفسه لا يمتلك غير ثلاث أغنيات وسيكون من الصعب عليه الحصول على لحن جاهز وحفظه، فاتصل بشادية من باب الذوق ليعتذر لها عن الاشتراك فى الحفل بصفتها بطلته الأولى، كما أنه شاركها طفلًا فى أغنية للأطفال عندما كان فى فرق «كورال الأطفال»، وعندما عرفت سبب اعتذاره قالت له: اسمع اذهب حالًا للملحن خالد الأمير وأنا سأكلمه ليعطيك لحنًا عرضه علىّ قبل ذلك، أرى أنه سيكون مناسبًا جدًا ويمنحك روحًا جديدًا، وخرجت إلى النور الأغنية التى ستصير أنجح أغانى الفتى الشاب، وهى عنوان هذا الموضوع «كده برضه يا قمر»، وصارت عنوان أول ألبوم له أيضًا، ليكسب الفنان الشاب أرضًا شاسعة فى معركة العندليب المفروضه عليه فرضًا.

وأكملت شادية دورها بأن اشترطت على متعهدى حفلاتها أن يغنى هانى شاكر فى أى حفل لها حتى توافق وفقًا لمجلة «المصور يونيو ١٩٧٣». 

عقدة العندليب

بالتأكيد تشبيه صوت شاب ما زال فى العشرين من عمره بأهم مطرب فى الوطن العربى كان يسعد هانى نظريًا، لكنه فرض عليه معركة خفية مع العندليب لم يكن يومًا شريكًا فيها، وفى حديث له مؤخرًا قال هانى إنه كان متأذيًا جدًا، ما يصله أن العندليب غاضب منه، وكان يلتمس له العذر من الصورة المغلوطة المستفزة التى أوصلتها له الصحافة والوشاة.

وكانت الصحافة الفنية فعلًا تنفخ فى نار تلك الحكاية كثيرًا، وفى حوار آخر لهانى مع مجلة الموعد بعدها بسنتين فى يونيو ١٩٧٥ كان عنوان الحوار الرئيسى عبارة عن تساؤل هو لب المعضلة وإجابته حل لها.. يقول العنوان: 

ماذا يفعل هانى شاكر كى لا يكون نسخة من عبدالحليم حافظ؟

وقد بدأ هانى طبقًا لصحفى الموعد الإجابة عن هذا السؤال بثورة غضب، رافضًا أن يتهم بتقليد العندليب أو أنه يشبهه ليس لأنه لا يحبه بل على العكس هو من كبار معجبيه منذ كان طفلًا، لكن لأنه لا يريد تلك الصورة النمطية التى يحاولون حبسه فيها «عبدالحليم الثانى»، فهو يرى أن التقليد ثمة الفاشلين وحدهم- طبقًا لتعبيره- وهو لا يقلد أحدًا، بل يغنى بطريقته، لكن هانى فى نفس الحوار يلتمس أيضًا للعندليب العذر فى غضبه منه ويقول للصحفى: الحق مش عليه.. الحق على الملحنين، حيث إن مدرسة الخمسينيات ما زالت تفرض نفسها وأسلوبها- يقصد الموجى وكمال الطويل- وهى نفس المدرسة التى تخرج فيها عبدالحليم فى بدايته، فبالتالى يشعر الناس بأن الأنغام واحدة.

ظلت العلاقة على هذا النحو غير المبرر من التوتر بين المطرب الأكبر والمغنى الشاب الذى يكسب أرضية كل يوم عن اليوم السابق، وفتحت ستديوهات السينما أبوابها لها حتى المسرح شارك نيللى بطولة مسرحية وانتشر هانى على نحو أكثر توسعًا من عماد عبدالحليم الذى اكتشفه العندليب ومنحه اسمه وفتح له المسارح، لتتبلور أكثر فكرة «الكره الحليمى» لتجربة هانى شاكر، وبدا أن تبنيه صوت عماد جزءًا من مفردات حربه على هانى، وظلت الوتيرة تتصاعد على هذا النحو على غير رغبة هانى شاكر بالطبع، حتى بالمنطق النفعى فليس من مصلحته أن يكتسب عداوة المطرب الأهم، إلى أن جاءت سنة ٧٦ براحة إجبارية الإثنين بدخول المطرب الشاب إلى الجيش المصرى.

شادية كانت صمام الأمان للفنان الشاب

حاورته مجلة الشبكة فور ارتدائه البدلة العسكرية ووضعت عنوانًا كبيرًا للحوار الخفيف «هانى شاكر جندى فى الجيش»، ولم يأت ذكر عبدالحليم، على غير العادة، فى أى سؤال من أسئلة المجلة التى وجهتها للجندى الجديد، وتركز الأمر على أسئلة خفيفة من نوعية ماذا غيرت فيك الحياة العسكرية، وكيف تمارس فنك داخل الثكنات العسكرية وهكذا.

وبعد أن سلّم هانى عهدته ورجع للحياة المدنية والفنية أجرت معه نفس المجلة فى فبراير ١٩٧٧ لتعلن عبر عنوانها أن العلاقة بين هانى والعندليب قد زالت شوائبها ويعيشون فى شهر عسل على حد قول محرر المجلة الذى سأله سؤالا صريحا ما سر شهر العسل بينك وبين العندليب؟

هانى تحول إلى عنصر جذب للصحافة الفنية

أجاب هانى: سمعنى أغنى وشجعنى، ولا غرابة فى ذلك فهو أخ وصديق، أما الذين يستغربون ذلك فهم الذين يتصورون أن الفنان يتعامل دائمًا بأظفاره وأنيابه، وهو ما لم يحدث بينى وبين عبدالحليم بالعكس فوجئت به يستمع لى ويشجعنى ويصفق لى بحماس عندما كان يسهر فى الشيراتون وأنا أغنى فقرتى.

وتلك القصة بالذات التى حكاها هانى سنة ٧٧ عن انقشاع الغمة بينه وبين عبدالحليم، حكاها مرة أخرى بعد عقود طويلة فى برنامج تليفزيونى شهير مؤخرًا وزادها وضوحًا، حيث إنه كان يتأهب للدخول إلى مسرح الشيراتون الذى يؤدى فيه فقرته اليومية حينذاك، لكنه عرف أن عبدالحليم فى الصالة، هنا أصر أن يقابله أولًا فى الكواليس ليفهمه أنه لم يكن يومًا يريد أن يكون ندًا له، وبالفعل قابله عبدالحليم بود بالغ، وقبل هانى رأسه قائلًا له إنه أخوه الأكبر ولم يصدر عنه أى تصريح أو تلميح يسىء له ولا تاريخه، فصار عبدالحليم بعدها واحدًا من جمهور هانى فى سهراته المعدودة فى الشيراتون قبل أن يرحل فى العام نفسه.