الثلاثاء 10 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

وانصرفت العفريتة .. فك لغز «كيتى».. مندوبة الماضى التى ماتت مرتين

حرف

- تعاملت الصحافة مع كيتى بخفة تناسب روحها على عكس تحية كاريوكا التى صدّرت صورة الفنانة صاحبة الرسالة أو سامية جمال راقصة مصر الرسمية

- اقتصرت الأشكال الصحفية عن كيتى على القصص الخفيفة المصورة التى لا تحمل أى رأى

- تحقيق صحفى استقصائى يبعثها من جديد بعد 40 عامًا من وفاتها المزعومة

عندما شاع وتأكد خبر موت «كيتى»، قبل أيام، كان الأمر بالنسبة لى أشبه بغلق آخر نافذة على دنيا الفن فى الخمسينيات، تلك الحقبة بالغة الثراء سياسيًا وفنيًا واجتماعيًا، فنجوم ذلك العقد انتهوا تمامًا تقريبًا وذهبوا واحدًا تلو الآخر، وكانت الراقصة الحسناء وهى تزحف نحو المائة من عمرها، هى المتبقية فقط، حتى وإن كانت قد قررت الانزواء بعيدًا فى بلاد اليونان قبل ٤٦ عامًا، هذا الاختفاء الطويل عزز فكرة التسليم بوفاتها بداية الثمانينيات كما ذكر الكاتب محمود قاسم فى موسوعة «الممثل فى السينما المصرية»، لكن تحقيقًا صحفيًا تاريخيًا استقصائيًا بالغ الدقة والجمال نُشر قبل ٦ سنوات، قد بعثها من ظلمة الموت الكاذب وألقى فى جعبتنا الحقيقة بأن كيتى الراقصة الحسناء «اللهلوبة» حية ترزق وتعيش فى هدوء أسرى فى أثينا وعينيها على مصر، البلد الذى أحبته وشبت تحت ظلاله حتى خرجت منه منتصف الستينيات مع كثير من اليونانيين والأجانب، الذين اضطروا إلى ترك مصر تحت ضغط ظروف جديدة فرضتها السياسة.

كان الزميلان محمد الشماع وعبدالمجيد عبدالعزيز قد نشرا تحقيقهما الاستقصائى عن تلك المرأة التى امتلأت دروب حياتها بالغموض والإثارة تحت عنوان «رحلة البحث عن كيتى- التاريخ المجهول لعفريتة السينما»، وفى ثناياه عرفنا الكثير عن تلك الفراشة الجميلة التى مرت بخفة على الفن المصرى عبر السينما والمسرح حتى التليفزيون فى بدايته، ثم غادرت سماء القاهرة وهاجرت، لكنها لم تهجر الفن وظلت تمارسه على مسارح واستديوهات اليونان؛ حتى أنهت حياتها الفنية وهى على مشارف الخمسين؛ لتخفت سيرتها تمامًا ويطويها النسيان ويكتفى الجميع بما علق فى ذاكرتهم من مشاهدها القديمة أمام نجوم الفن والسينما فى عقود قديمة.

قبل أن أقرأ تحقيق الشماع وعبدالمجيد بحثت فى أوراق المجلات القديمة علّنى أعثر على حوار قديم لها يكشف عن أى جانب عن شخصيتها فى فترة توهجها الفنى فى الخمسينيات وبداية الستينيات، لكننى لم أجد شيئًا يُذكر، ولاحظت أن تعامل الصحافة الفنية مع كيتى اقتصر على ما يناسب صورتها الذهنية المترسخة، فهى تلك الفتاة خفيفة الظل التى تجيد الرقص، وهى ليست تحية كاريوكا التى تظهر فى ندوات الكواكب تناقش قضايا فنية كبيرة بعد قيام ثورة يوليو، وتناطح كبار الصناع بآرائها، ولا هى سامية جمال راقصة مصر الرسمية التى تجرى وراءها الصحافة لتلاحق حكاياتها الكثيرة والمثيرة مع فريد الأطرش والملك فاروق والزوج الأمريكى الذى أخذ أموالها، أما كيتى فكانت حياتها أبسط وخالية من أى تعقيد ولم تدع لنفسها أى مكانة توعوية تذكر، فلن تجدها مثلًا ضمن قطار الرحمة الذى كان يتسابق فنانو مصر للحاق به بداية عهد الثورة؛ إمعانًا فى إظهار الولاء لها وتعميقًا للدور الاجتماعى المطلوب للفن والفنانين.. لذلك فإن أغلب المنشور عنها لم يخرج عن تلك الحالة الخفيفة عبر موضوعات مصورة لها تمارس الرياضة أو تحيك ملابسها أو تقرأ الفنجان، مثل صفحة بعنوان «تلميذة فى مدرسة كيتى»، أو موضوع بعنوان «لغة الصاجات» تستعرض فيه كيتى مهاراتها فى استخدام الصاجات.

موضوع صحفى واحد رأيته أخذ كيتى بجدية كان بعنوان «كيتى تعارض سلامة موسى» وفيه ترد الراقصة عبر مجلة الكواكب على مقال كتبه المفكر الكبير «سلامة موسى» فى أخبار اليوم رأت فيه إهانة للرقص الشرقى لصالح الرقص الغربى، حيث قال إن الراقصة الغربية ترقص وهى تنظر إلى أعلى كناية على السمو والرفعة، أما الراقصة الشرقية فتنظر إلى أسفل، وشرح ذلك أن الرقص الغربى يعبر عن معانٍ سامية بخلاف الرقص الشرقى الذى يقوم على إثارة الرجال فقط، ولأن كيتى حينها كانت ترقص «شرقى وغربى»، فقد رجعت لها المجلة لترد على سلامة موسى وقالت فى معرض دفاعها عن الرقص الشرقى إنه فن عتيد يعبر عن أسمى المعانى.

كيتى بدأت حياتها الفنية مبكرًا وحققت نجاحًا كبيرًا فى الإسكندرية قياسًا على سنها فى ذلك الوقت، الأمر الذى شجّع أسرتها على اتخاذ قرار بالرحيل إلى القاهرة منبت الأضواء والشهرة عام ١٩٤٦، واستقرت الأسرة فى شارع عماد الدين لتكون بالقرب من المسارح والكازينوهات. بدأت كيتى مواصلة دراستها للرقص بمدرسة الباليه الروسية «سونيا إيفانوفا»، وهى نفس المدرسة التى درست بها كل من تحية كاريوكا وسامية جمال، حيث قامت أيضًا بتعلم الفنون الاستعراضية والبهلوانية.

سريعًا وفى عام ١٩٤٨ بدأت العمل فى الأكاديمية الفنية الأولى، وأقصد به الكازينو الشهير الذى كانت تديره الراقصة الأكثر شهرة بديعة مصابنى، والذى أسهم بشكل كبير فى انطلاقتها الفنية الحقيقية، حيث قدمت عروضًا منفردة للرقصات الأوروبية.. وكانت كيتى من بين فريق الرقص الذى يتلقى تدريبًا مكثفًا بشكل يومى على يد بديعة مصابنى نفسها.

حكاية كيتى مع السينما بدأت فى عام ١٩٤٦، بعد أشهر قليلة من وصول كيتى وأسرتها من الإسكندرية، حيث شاهدها المخرج عبدالفتاح حسن فى إحدى مدارس الرقص التى كانت تدرس بها، وأعجب بأدائها وابتسامتها، وقرر منحها فرصة الظهور لأول مرة على شاشة السينما، لأداء رقصة استغرقت بضع دقائق فى فيلم «الغيرة»، الذى شارك فى بطولته كل من عقيلة راتب وبرهان صادق ومحمود المليجى، وكان من تأليف بديع خيرى، حيث لم تكن كيتى قد تجاوزت الخامسة عشرة من عمرها بعد. ومن بعدها بدأت رحلتها مع السينما سواء راقصة فى بعض المشاهد أو بعد ذلك ممثلة مساعدة أو بطلة بعد أن أدركت كيتى أن مستقبلها الفنى يجب ألا يكون محصورًا على الرقص والاستعراض فقط، فأخذت تتلقى فى فترة مبكرة جدًا دروس اللغة العربية حتى يتحسن نطقها لها ولا تبدو كالأجنبية، وهو ما حدث. وفى سنوات قليلة وصلت إلى أن تكون بطلة أمام نجم المرحلة إسماعيل ياسين عندما ظهر اسم كيتى بجوار اسم «سمعة» على أفيش فيلمه الجديد المزمع عرضه فى اليوم الأخير من شهر مايو ١٩٥٤ طبقًا للإعلانات التى نشرت فى كل المجلات المصرية قبلها بأيام، وكان واضحًا أن الخطة التسويقية لهذا الفيلم لم تكن قائمة فقط على اسم إسماعيل يس رجل الخمسينيات الأول «أجرًا ونجومية» على الرغم من كون الفيلم باسمه، كما اعتاد الجمهور حينها، لكن هذه المرة قاسمته «كيتى» الإعلانات جنبًا إلى جنب وبنفس البنط، وحتى على مستوى اسم الفيلم فقد قام على دور الاثنين فصار اسمه «عفريتة إسماعيل ياسين».

وقد طاردتها الشائعات مبكرًا خلال فترة الخمسينيات بعد أن تعاونت كيتى مع المخرج والسيناريست والمنتج حسن الصيفى، وقدمت معه مجموعة من الأعمال الناجحة مثل «ابن ذوات» و«عفريتة إسماعيل ياسين» و«الظلم حرام» و«أبوعيون جريئة»، ما خلق صداقة قوية بين كيتى والصيفى، تسببت فى ظهور شائعة قالت إنهما تزوجا سرًا، وهى الشائعة التى ظلت تطارد كيتى طوال حياتها.

ونعود إلى تحقيق «رحلة البحث عن كيتى»، الذى يرصد بداية تراكم الأكاذيب الأسطورية حول كيتى وربطت بينها وبين رفعت الجمال وشبكات جاسوسية لصالح إسرائيل، وغيرها من الحكايات التى التصقت بها وثبت مع الوقت أنها غير صحيحة. 

تحية كاريوكا وسامية جمال

مسيرة كيتى الناجحة فى مصر توقفت فجأة فى عام ١٩٦٥، بعدما قرر وزير العمل إلغاء تصاريح العمل للفنانين من غير ذوى الأصول المصرية، لدعم الفنانين المحليين، ما كان سببًا فى اضطرارها لمغادرة مصر البلد الذى ولدت فيه وعاشت فيه.

نفس الأمر حدث مع الراقصة اليونانية الإيطالية نادية جمال «اسمها الحقيقى ماريا كاريداس»، التى اضطرت لمغادرة مصر إلى لبنان، وكذلك مع الممثلة والراقصة ومصممة الرقصات الإيطالية اليونانية نيللى مظلوم، التى غادرت مصر بعدما شاركت فى ٢٦ فيلمًا سينمائيًا، لتستقر فى أثينا وتفتتح مدرسة خاصة للرقص بها.

وبينما غادر العديد من الفنانين الأجانب مصر بسبب القرار الوزارى السابق فى صمت، ودون أى اعتراضات من الجمهور على خسارة هؤلاء الفنانين، إلا أن الوضع كان مختلفًا بالنسبة إلى كيتى، وذلك لأن جمهورها المصرى الذى أطلق عليها ألقابًا عديدة مثل «الراقصة ذات الابتسامة الساحرة» و«ملكة الأنوثة والسعادة»، اعتبرها فنانة مصرية خالصة، خاصة أن كثيرًا من العروض الفنية التى شاركت بها كان يتم تقديمها فيها بوصفها الفنانة «اليونانية المصرية كيتى»؛ لذا كان يعتقد الكثيرون أن من حق كيتى أن تبقى فى مصر ولا تغادرها، وأن تواصل مسيرتها المهنية فى البلاد، إلا أن ذلك لم يحدث لأن والديها كانا يونانيين بالفعل، لذا لم يكن لها الحق فى ممارسة أى نشاط فنى داخل مصر، ما اضطرها للمغادرة.

المفارقة الكبيرة التى يكشفها التحقيق أنه على الرغم من أن سبب رحيل كيتى عن مصر كان معلومًا للجميع وقتها، إلا أنه بعد سنوات قليلة بدأ الكثيرون يتناسون هذا السبب، لتظهر الشائعات حول أسباب مغادرتها، وهى شائعات لا تزال تطاردها فى العديد من الصحف والمواقع العربية حتى بعد تأكد وفاتها.

فقد قيل إنها كانت تخفى أصولها اليهودية، وإن اسمها الحقيقى راشيل، وعندما تم اكتشاف حقيقتها اضطرت إلى مغادرة مصر سريعًا، وقيل حينها إنها فرت إلى الأراضى المحتلة فى فلسطين وماتت هناك!

أما أكثر الشائعات انتشارًا على صفحات الإنترنت العربية، التى يحلو للكثيرين استعادتها بشكل سنوى فى ذكرى ميلادها، فهو اتهامها بالتجسس لصالح إسرائيل.

وإمعانًا فى البهارات التصقت بها قضية تجسس مزعومة، مرتبطة برفعت الجمال، أو «رأفت الهجان»، الذى كتب فى مذكراته المنشورة عام ١٩٩٤، أنه فى شبابه كان على علاقة براقصة شابة تدعى «بيتى»، إلا أن البعض اعتبر أن الراقصة المقصودة هى كيتى، وأن رفعت الجمال غير اسمها لإخفاء شخصيتها الحقيقية.

وظلت تلك الشائعة تكبر حتى صارت أشبه بالحقيقة مع أنه بقليل من البحث سنجد أن الراقصة المذكورة فى مذكرات الجمال لا يمكن أن تكون كيتى بأى حال من الأحوال، وهو ما أثبته التحقيق البديع.

كيتى على مسارح اليونان بعد ترك مصر

أهم ما فى التحقيق هو تتبع كيتى فى تلك الفترة العمياء التى عاشت فيها فى اليونان وكانت لا تزال تمارس الفن لمدة ١٥ عامًا من منتصف الستينيات حتى بداية الثمانينيات دون أن نعرف عنها شيئًا، وشاركت كيتى طوال فترة السبعينيات فى العديد من الأعمال المسرحية الغنائية، وشاركت أيضًا فيما يقرب من ٦ أفلام سينمائية يونانية، ولها مشاركة تليفزيونية واحدة قامت فيها بدور خادمة، لكن فى لحظة معينة قررت كيتى أن تترك الفن عندما كانت على مشارف الخمسين؛ لتعيش بعيدًا عن الأضواء ما يقرب من نصف قرن، مكتفية بما اكتنزته من ذكريات بين الإسكندرية والقاهرة وأثينا؛ دون أن تهتم مرة واحدة أن تنفى أى كذبة من تلك التى علقت بها.