الحاج عباس محمود العقاد.. نظرات جديدة فى إسلاميات مفكر مُتفرد
- حسين أحمد أمين ادعى أن العقاد فى جلساته الخاصة كان يبدو صريح الإلحاد صريح الاستخفاف بالعقائد
- أهم كتاب أصدره العقاد هو «التفكير فريضة إسلامية»
- البعض ادعى أنه لم يكن يصلى الجمعة ولكنه كان يفعل ذلك وعينه على الواقع
- الباقورى قال عنه: مجاهد صادق بعيد النظر غيور على الإسلام غيرة عاقلة
- قال عن الحج: هو الفريضة التى تتمثل فيها الأخوة الإنسانية على تباعد الديار
- وصف الحج بأنه رحلة وجدانية إيمانية شعورية
لكاتبنا الكبير عباس محمود العقاد هيبة تميزه عن غيره من كتابنا ومفكرينا.
فخامة الاسم.. غزارة الإنتاج.. قوة الأسلوب.. حدة المعارك.. السجن بسبب آرائه.. رحلة شاقة فى دروب وكواليس عالم الصحافة.. صالون ثقافى كان الأقوى والأهم فى حياتنا الثقافية.. غراميات ملتبسة.. وكتابة فى شتى أشكال المعرفة بعمق.. وقبل كل ذلك وبعده أستاذية ممتدة تتجدد مع الزمن.
مبكرًا استمعت من أحد أساتذتى أن العقاد لو كان موجودًا فى الغرب لأقاموا له تماثيل فى الميادين تكريمًا واحتفاء بعبقريته النادرة.
كانت وجهة نظر أستاذى، كما سمعتها منه أنه فى الغرب تجد الكاتب أو المفكر متخصصًا فى مجال معرفى واحد، يكتب فيه، ولا يعرف شيئًا خارجه، أما العقاد فكان واسع الاطلاع، واسع المعرفة، يكتب فى تخصصات مختلفة بدقة وعمق لا يتوفران لأحد غيره.

لقد اجتهد العقاد فى كتبه العبقريات تلك التى خصصها لتتبع جذور وتجليات العبقرية لدى شخصيات إسلامية، فكتب عن عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم وأبوبكر وعمر وعثمان وعلى وخالد بن الوليد رضى الله عنهم جميعًا.. ثم عبقرية المسيح عليه السلام.. الذى أصبح اسمه بعد جدل كبير «حياة المسيح»، وأتعجب من أن أحدًا لم يجتهد فى أن يكتب عن عبقرية العقاد، فلا يكتب عن العباقرة إلا عبقرى.
لا أتعامل مع العقاد على أنه مفكر منزه عن كل نقص، فهناك جوانب كثيرة يمكن أن تكون مدخلًا لنقده وانتقاده، لكنها تبقى فى النهاية علامة من علامات فكرنا العربى، ملأ الدنيا وشغل الناس ولا يزال، ومن بين ما فعله كان أن أحدث جدلًا بكتاباته فى الإسلاميات.
فإلى جانب كتبه فى العبقريات، أصدر العقاد ما يقرب من ثلاثين كتابًا فى قضايا الفكر الإسلامى، منها على سبيل المثال: أثر العرب فى الحضارة الأوروبية، الفلسفة القرآنية، الديمقراطية فى الإسلام، فاطمة الزهراء والفاطميون، بلال، أبوالأنبياء إبراهيم، الإسلام فى القرن العشرين.. حاضره ومستقبله - مطلع النور وطلائع البعثة المحمدية- حقائق الإسلام وأباطيل خصومه- التفكير فريضة إسلامية- المرأة فى القرآن - الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين - الإنسان فى القرآن - ما يقال عن الإسلام - الإسلام دعوة عالمية، الصديقة بنت الصديق، عبقرى الإصلاح والتعليم الإمام محمد عبده، أبو الشهداء الحسين بن على، عمرو بن العاص، الإنسان فى القرآن.
أثارت كتابات العقاد فى الإسلاميات جدلًا كبيرًا، وصنعت حالة من الخلاف حوله، فلا يزال هناك هجوم كبير يتعرض له وطعن فى مقاصده من هذه الكتابات.
من بين ما يقال مثلًا إن العقاد اجتهد فى إصدار كتبه فى الإسلاميات خلال عقدى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، بعد أن بدأت جماعة الإخوان فى التبلور وإحداث الأثر فى المجتمع المصرى، فجاءت كتاباته بهدف تكسير ما اعتقده البعض من احتكار الجماعة للإسلام، فهم ليسوا وحدهم من يتحدثون فى الإسلام، ولكن هناك آخرين لديهم رؤية كاشفة لفقه هذه الجماعة.
وهناك من يذهب إلى أن العقاد كان فيما كتبه عن الإسلام مجرد تاجر كتب، فقد رأى أن هناك إقبالًا على قراءة الكتب الإسلامية، فأفرد لها من وقته وجهده الكثير، لأنها تشكل مصدر دخل كبيرًا بالنسبة له، وهو ما فعله غيره من الكتاب أمثال طه حسين وأحمد أمين ومحمد حسين هيكل.
لا يمكننى الاستسلام لهذه التفسيرات السطحية المهترئة، ليس لأنها تسيئ إلى هؤلاء الكُتّاب الكبار فقط، ولكنها لأنها تخاصم الواقع.

ولأننا نتحدث عن العقاد، فقد يكون من المناسب أن نرصد بدايات اهتمامه بالإسلاميات والكتابة فيها، والبداية من كتابه «عبقرية محمد» الذى صدرت طبعته الأولى فى العام ١٩٤٢.
تاريخ صدور الكتاب قد يؤكد ما يذهب إليه البعض من أنه كان يكتب لمناهضة أفكار جماعة الإخوان، لكن ما جرى أن فكرة الكتاب وُلدت لدى العقاد قبل صدوره بالفعل بثلاثين عامًا.
فقبل ثلاثين عامًا من صدور «عبقرية محمد» استمع العقاد أول مرة لاقتراح بتأليف كتاب عن محمد، صلى الله عليه وسلم.
يقول عن ذلك: كنت أقيم فى ضاحية العباسية البحرية على مقربة من الساحة التى كانت معدة للاحتفال بالمولد النبوى فى كل عام، ولنا رهط من الأصدقاء المشتغلين بالأدب يشتركون فى قراءة كتبه العربية والإفرنجية، ويترددون معًا على الأحياء الوطنية، وقلما يترددون على غيرها، فلا يزالون متنقلين فترة بعد فترة بين الحى الحسينى والحى الزينبى، أو بين منشية القلعة وضاحية العباسية، أو بين الروضة والخليج على حسب المناسبات، وعلى غير مناسبة فى كثير من الأوقات.
ومن عجائب هذا الرهط - كما يسجل العقاد - أن الذى كان يغريهم بالأحياء الوطنية هو قراءتهم فى الكتب الإفرنجية التى كانت شائعة بينهم، لأن أكثر ما كانوا يقرأونه «ديكنز» و«هازليت» و«لى هامن» و«كارليل»، وهم كُتّاب مولعون بعرض الأخلاق الاجتماعية ودراسة العادات المحلية وتمثيل الريفيين والحضريين فى أوضاعهم المختلفة، ولهم فصول عن الأسواق والدكاكين والباعة، تفيض بحُسن الملاحظة وبراعة الفكاهة ومتعة القراءة، وتعود من يدمن قراءتها أن يتحرى نظائرها حيثما رآها.

الآن نقترب من نقطة النور التى ظهرت للعقاد.
ففى يوم من أيام المولد، والأصدقاء يزورون العقاد ليؤموا الساحة، كان الكاتب الإنجليزى العظيم «توماس كارليل» هو محور الحديث كله بينهم، لأنه صاحب كتاب «الأبطال» الذى وضع فيه فصلًا عن النبى محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله نموذج البطولة بين أبطال العالم الذين اختارهم للوصف والتدليل.
يستكمل العقاد بقية الحكاية، يقول: وإنا لنتذاكر آراء ومواضع ثنائه على النبى، إذ بدرت من أحد الحاضرين الغرباء عن المجموعة كلمة نابية غضبنا لها، واستنكرناها لما فيها من سوء الأدب وسوء الذوق وسوء الطوية، وكان الفتى الذى بدرت منه الكلمة متحذلقًا بالمعرفة، ويحسب أن التطاول على الأنبياء من لوازم الاطلاع على الفلسفة والعلوم الحديثة، فكان مما قاله شىء عن النبى والزواج، وشىء عن البطولة، فحواه أن بطولة محمد إنما هى بطولة سيف ودماء.
أخذ الحوار بين الأصدقاء منحى الجدية وربما العنف.
قال العقاد: ويحك.. ما سوغ أحد السيف كما سوغته أنت بهذه المقولة.
وقال المازنى - الذى كان حاضرًا ومشاركًا: بل السيف أكرم من هذا، وإنما سوغ صاحبنا شيئًا آخر يستحقه.
وأشار إلى قدمه.
ارتفعت لهجة النقاش، ثم هدأت بخروج الفتى صاحب الكلمة النابية، واعتذاره قبل خروجه بتفسير كلامه على معنى مقبول أو خُيل إليه أنه مقبول.
تساءل وقتها العقاد والذين معه: ما بالنا نقنع بتمجيد «كارليل» للنبى، وهو كاتب غربى لا يفهمه كما نفهمه، ولا يعرف الإسلام كما نعرفه؟
وفى لحظة فاصلة وجد العقاد من يسأله صراحة: ما بالك أنت يا فلان لا تضع لقراء العربية كتابًا عن محمد على النمط الحديث؟
فرد عليه: أفعل وأرجو أن يتم ذلك فى وقت قريب.
لم يحدث ما وعد به العقاد، يقول هو عن ذلك: ولكنه لم يتم فى وقت قريب، بل تم بعد ثلاثين سنة، وشاءت المصادفة العجيبة أن تتم فصوله فى مثل الأيام التى سمعت فيها الاقتراح لأول مرة، فكتبت السطر الأخير فيه يوم مولد النبى على حسب الشهور الهجرية، واتفقت المصادفة على غير تدبير منى ولا من أحد، لأنى لم أدبر لنفسى أوقات الفراغ التى هيأت لى إتمام فصوله وتقسيم العمل فيه يومًا بعد يوم.
حسنًا فعل العقاد بالطبع، فلو أنه أخرج كتابه قبل ثلاثين عامًا من مولده الطبيعى لعاد إلى كتابته من جديد، يصف هو حاله، يقول: كنت سأحتاج إلى السنين الثلاثين أضيف خبرتها وقراءتها ورياضتها النفسية والفكرية إلى محصول ذلك العمر الباكر، إذ هو عمر يستطيع المرء أن يمتلئ فيه إعجابًا بمحمد، لأنه عمر الإعجاب والحماسة الروحية، بيد أنه لا يستطيع أن يقيسه بمقياسه، وأن يشعر بشعوره فى مثل تجاربه، وفى مثل السن التى اضطلع فيها بالرسالة، وإن تقارب السن لضرورة لا غنى عنها لتقريب ذلك الشأو البعيد من شتى نواحيه.
ورغم ما يقوله العقاد، إلا أنه يصارح قراءه، فعندما خرج الكتاب من المطبعة للمرة الأولى، قال عنه: لا نقول إننا استوفيناه كما أردناه، ولا إننا فصلنا فيه الغرض الذى توخيناه، ولكننا نقول إننا التزمنا فيه الباعث الذى أوحى الاقتراح بتأليفه لأول مرة، كأننا شرعنا فى كتابته مساء ذلك اليوم قبل ثلاثين سنة، فكتبناه ونحن نستحضر فى الذهن تبرئة المقام المحمدى من تلك الأقاويل التى يلغط بها الأغرار والجهلاء عن حذلقة أو سوء نية، ونظرنا اتفاقًا، فإذا بأطول الفصول فيه الفصلان اللذان شرحنا فيهما موقف محمد من الحرب، ومن الحياة الزوجية، لأنهما كانا مسار اللغط تلك الليلة على مقربة من ساحة المولد، وكانا مثار اللغط فى كل ما ردده سفهاء الشانئين من الأصلاء والمقتدين فى هذا الباب.

يعود اهتمام العقاد إذن إلى الكتابة فى الإسلاميات على وجه التقريب إلى العام ١٩١٢، أى قبل ظهور جماعة الإخوان بما يقرب من ١٦ عامًا، وهو ما يؤكد أنه دخل إلى هذه الساحة برغبة خالصة منه، لا ليواجه الإخوان، أو ليحصد المال من خلال الكتب الرائجة، لأنها تتحدث عن الإسلام.
لقد اندهشت أشد الدهشة من محاولات البعض الطعن فى إسلام عباس محمود العقاد، وأعتقد أنهم ما فعلوا ذلك إلا لهدم كتاباته فى الإسلاميات، وهى الكتابات التى تؤكد أننا كنا أمام مجتهد كبير، فهو لا يكتب فى التاريخ الإسلامى فقط، ولكنه كان يفعل ذلك وعينه على الواقع.
لقد اجتهدوا مثلًا فى التأكيد على أنه لم يكن يصلى الجمعة، بدليل أنه كان يعقد الصالون الخاص به يومها.
أخذ الطاعنون فى العقاد فقرة من كتاب أنيس منصور «فى صالون العقاد كانت لنا أيام» يقول فيها: أما كيف تنتهى الندوة عادة، فكانت بأن ينهض الأكبر سنًا، وبأن ينظر بعضنا إلى بعض بما يؤكد أن الساعة قد اقتربت دون أن ندرى من الثانية، وأن هذا هو موعد تناول غداء الأستاذ، وبعد ذلك نومه، ثم المشى فى شوارع مصر الجديدة، ثم العودة إلى البيت، وبدأوا فى البناء عليها، فطالما أن الندوة تنتهى فى الثانية ظهرًا، فمؤكد أن العقاد كان لا يصلى الجمعة.
ورغم أن هذه التفصيلة لا يمكنها أن تهدم فكر العقاد الإسلامى، فهو لم يقدم نفسه كإمام أو واعظ، ولكنه كان مفكرًا وفيلسوفًا يكتب فى الإسلاميات، فلم يقصد لأن يأخذ الناس دينهم عنه، بقدر ما كان يريد أن يفكروا معه فيما يقوله ويذهب إليه.
ما كتبه أنيس منصور كانت تردده قيادات الجماعات الدينية وبعض رجال الأزهر وأساتذة الجامعة، وهو ما استفز الدكتور عبداللطيف عبدالحليم تلميذ العقاد والملقب بـ«أبى همام» - كما يرصد الكاتب على العميم فى مقاله إسلاميات العقاد وصلاته يوم الجمعة - وهو ما دفعه إلى أن يقول فى أحد حواراته: كنا نذهب إلى ندوة الأستاذ الأسبوعية يوم الجمعة من كل أسبوع فى الساعة التاسعة إلا الربع صباحًا، وفى الساعة الحادية عشرة والربع نخرج جميعًا لنؤدى الصلاة.
عاد عبداللطيف عبدالحليم إلى هذه المسألة بعد ذلك فى كتابه «كتابات فى النقد» الذى صدر فى العام ٢٠٠٥ عن الدار المصرية اللبنانية، ليتصدى لما يتقولونه على العقاد.
فهو يقول مرة: يركن بعض الناس إلى الشائعات وسوء المقالة، ويركب موجة العوام، يقول بعض المنتسبين إلى الإخوان إن العقاد كان يعقد ندوته وقت صلاة الجمعة، ويوشى كلامه ببطولات صنعها مع العقاد هى الزيف بعينه، ويعرف من اتصل بالعقاد أن ندوته تنفض قبل الصلاة بوقت كافٍ، ثم هذا سلوك شخصى بين الإنسان وربه، ولا يؤخذ العقاد إلا بفكره، وعلاقته بالله وفرائضه لا نسأله عنها، وإلا أخذنا دور الخالق.
ويقول مرة ثانية: كتب البعض يقول طالما أنه كان يعقد ندوته أثناء صلاة الجمعة، وهذا غير صحيح على الإطلاق، إذ كانت تنتهى الندوة قبل الصلاة بوقت كافٍ، وكان مسجد عثمان بن عفان قريبًا من داره العقاد، ولا نقول بذلك لنرى العقاد من الدراويش أو من المجاذيب، بل نصف ما نرى.
لا أخفيكم سرًا أننى أشفقت على من اهتموا بهذا الأمر، ودخلوا فى جدال كل منهم يريد أن يثبت وجهة نظره ويؤكدها، فكون العقاد كان يصلى الجمعة من عدمه، فهذا أمر يخصه، ولو كان هؤلاء منصفين لركنوا إلى ما قاله العقاد عن تدينه وفلسفته فى هذا التدين.
فى كتابه «أنا» يتحدث عن أبيه بما يشير إلى بدايات للغرس الدينى فى شخصيته، يقول: وإنى أتمثل أبى الآن فى الصورة التى رأيتها ألفى مرة بل أكثر من ألفى مرة، لأننى كنت أراها كل يوم منذ فتحت عينى على الدنيا، إلى أن فارقت بلدتى بعد اشتغالى بالوظائف الحكومية، وتلك هى صورته على مُصلاه، يؤدى صلاة الصبح، ويجلس على سجادة الصلاة من مطلع الفجر إلى ما قبل الإفطار، ليتلو سورًا خاصة إلى أن فارقت بلدتى بعد اشتغالى بالوظائف الحكومية.
وفى مقدمة كتابه «فاطمة الزهراء والفاطميون» يقول: ولدت لأبوين من أهل السنة، أبى على مذهب الشافعى، وأمى على مذهب أبى حنيفة، وفتحت عينى على الدنيا وأنا أراهما يصليان ويتيقظان قبل الفجر لأداء صلاة الصبح حاضرة، وربما زارنا أحد أخوالى فى تلك الساعات المبكرة ذاهبًا إلى المسجد القريب أو عائدًا منه إلى داره.
وبعفوية شديدة يقول العقاد: فتحت أذنى كما فتحت عينى على عبارات الحب الشديد للنبى عليه السلام وآله، فمولد النبى حفلة سنوية فى البيت نترقبها نحن الصغار ونفرح بها، لأننا القائمون بالخدمة فيها، وأسماء النبى وآله تتردد بين جوانب البيت ليل نهار، لأنها أسماء إخوتى أجمعين: محمد وإبراهيم والمختار ومصطفى وأحمد والطاهر ويس وشقيقتى الوحيدة اسمها فاطمة، واسمى أنا منسوب إلى عم النبى وليس إلى الأمير الأسبق عباس حلمى الثانى، كما كان يتوهم بعض معارفى، لأننى ولدت قبل ولايته، وأبيت فى المدرسة أن ألقب بـ«حلمى» جريًا على ما تعودته المدارس فى تلك الحقبة، وبقيت منسوبًا إلى اسم «محمود» وهو كذلك من أسماء النبى، ولم يكن لأبى إخوة، وإنما كانت أختاه الشقيقتان تسميان باسم نفيسة واسم زينب، وأولادهما ينادون بالأسماء التى تغلب عليها هذه النسبة الشريفة.

لا يكتفى العقاد بما قاله.. بل يزيد عليه.
يقول: ورثت هذا الحب الشديد للنبى محمد وآله عليهم سلام الله ورضوانه، وليس هذا الحب الشديد بالمستغرب عن أهل السنة، لأنهم يدينون بدستور السنة النبوية، ولكنه كان فى بيتنا أشبه بالعاطفة النفسية منه بالآداب المذهبية، فاستفدت منه كثيرًا فى دراسة تاريخ الإسلام.
لكن كيف استفاد العقاد من حالة الحب الشديدة التى كان عليها أهله للنبى، صلى الله عليه وسلم؟
يجيب هو، يقول: استفدت أننى كنت شديد التريث فى سماع كل دعوى من دعاوى السياسة القديمة، التى كانت تقوم على إنكار حق، أو إنكار فضل، أو إنكار نسب، أو إنكار ما من ضروب الإنكار التى تمس تواريخ أهل البيت النبوى من بعيد أو قريب، ولم أستفد منه بحمد الله كراهية أحد ذى حق أو ذى فضل، لأن قداسة العظمة الإنسانية تحجب عندى جميع هذه الصغائر التى تمس تواريخ العظماء أجمعين، وولعى بدراسة تاريخ العظماء من طفولتى الباكرة عصمنى بحمد الله من غوائل هذا الصغار.
ويحدد العقاد مبرراته للإيمان بوضوح لم يتوافر لأحد غيره فيما أعلم، فهو يفرق بين الإيمان بالوراثة والإيمان بالشعور والتفكير.
يقول: أما الوراثة فإننى قد نشأت بين أبوين شديدين فى الدين، لا يتركان فريضة من الفرائض اليومية، وفتحت عينى على الدنيا وأنا أرى أبى يستيقظ قبل الفجر ليؤدى الصلاة ويبتهل إلى الله بالدعاء، ولا يزال على مُصلاه إلى ما بعد طلوع الشمس، فلا يتناول طعام الإفطار حتى يفرغ من أداء الفرض والنافلة وتلاوة الأوراد، ورأيت أمى فى عنفوان شبابها تؤدى الصلوات الخمس، وتصوم وتطعم المساكين، فللوراثة شأن عندى من سليقة الاعتقاد.
أما عن الإيمان بالشعور، فيقول عنه العقاد: ذاك أن مزاج التدين ومزاج الأدب والفن، يلتقيان فى الحس والتصور والشعور بالغيب، وربما كان وعى الكون أو الوعى الكونى الذى يتعلق به كل شعور بعظمة العالم وعظمة خالق العالم، والوعى الحيوى مصدر النفس والوعى الكونى مصدر الدين.
ويضيف العقاد عن الإيمان بالله بعد تفكير، أن خلاصته هى تفسير الخليقة بمشيئة الخالق العالم المريد أوضح من كل تفسير يقول به الماديون، وما من مذهب اطلعت عليه من مذاهب الماديين إلا وهو يوقع العقل فى تناقض لا ينتهى إلى توفيق أو يلجئه إلى زعم لا يقوم عليه دليل.
ويختم العقاد رؤيته بقوله: إيمانى كله فى العقيدة والأخلاق والمعاملة والأدب يوزن بميزان واحد، وهو ميزان المثل الأعلى أو طلب الكمال، لأنه إيمان يغنينا عن طلب الجزاء إلا من الله، ويعزينا عن فقدان الحمد والثناء من الناس.
ويؤكد العقاد هذا المعنى فى مقاله الذى نشره بمجلة الأزهر فى عدد يوليو ١٩٥٩ تحت عنوان «الإيمان بين التفكير والفلسفة».
يقول: العقل يدرك أن الإيمان ضرورة عقلية، لأن سبب الشىء لا يكون مبطله وسبب إلغائه ونقضه، والعقل إذن يستلزم التسليم بالإلهام والهداية الدينية فى الأمور التى تمتنع الإحاطة بها، لأنها بطبيعتها وراء متناول العقول.
ويسأل العقاد: هل معنى ذلك أن العقل لا عمل له فى الإيمان، ولا قدرة له على بلوغ الهداية؟
ويجيب: كلا.. فإن القول بترك المجهود العقلى غير القول ببذل المجهود إلى غاية مداه والانتهاء من هذا المدى إلى ما يليه، وفرق بين أن يقال إن الإيمان ضرورة عقلية، وأن يقال إن الإيمان يناقض العقل أو أن العقل لا يعمل شيئًا فى السعى إلى الإيمان.
ويضيف: حسب العقل أولًا أن يعلم أن الوجود الأبدى ضرورة عقلية، وأن الإيمان به كذلك ضرورة عقلية، وأن هناك مطلبًا يسعى إليه ليدرك منه ما وسعه إدراكه، وينتهى منه إلى الملكة التى تهدى إليه، فإنه يدرك هذه الحقائق عقلًا ولا يتسنى له عقلًا أن يهملها ويدع البحث عنها، ومتى آمن بذلك فقد أسقط الإنكار من حسابه، فليس فى وسعه أن ينكر لسبب معقول، وقد جاء فى الأثر أن كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، وما خطر على البال فهو موجود، وإن لم يكن له مثيل فى الوجود.
بهذا التكوين الإيمانى الفريد دخل العقاد إلى عالم الإسلاميات، وأعتقد أن حسين أحمد أمين لم يكن موفقًا عندما رسم صورة مريبة للعقيدة فيما يخص علاقته بالإسلاميات.
فى كتابه «شخصيات عرفتها» يقول حسين: ما يحيرنى من العقاد هو موقفه من الإسلام، فهو فى مجالسه الخاصة وندواته الأسبوعية التى حرصت على حضور بعضها، كان يبدو صريح الإلحاد، صريح الاستخفاف بالعقائد، وقد تبدر منه فيها من التعابير ما يصدم مشاعر بعض جُلاسه، ومع ذلك فما أكثر ما كتبه من كتب ومقالات فى نصرة الإسلام والطعن على المستشرقين الطاعنين فيه.
تأتى الريبة فى حسين وكلامه، مما قاله بعد ذلك، هو يذهب إلى عبقريات العقاد المشهورة وكتبه فى الإسلاميات دليلًا على عمق انشغال فكر الرجل بالإسلام، وربما على إخلاصه فى الإيمان بما جاء فيه، وامتعاضه من أى مساس به.
لا أنفى أن فى جلسات المثقفين والمفكرين الكبار ما يمكن أن يؤخذ عليهم، لكن يبدو أن حسين أحمد أمين الذى كان يجلس فى هذه الجلسات بحكم أنه ابن المفكر والمؤرخ الكبير أحمد أمين خلط الجد بالهزل، فأخرج هذه الصورة المريبة الشائهة للعقاد، الذى يهمنا من تراثه أنه ترك لنا محاولات اجتهاد كثيرة ليس فى كتاباته فقط ولكن فى سلوكه أيضًا.
يتفق كثيرون على أن أهم كتاب أصدره العقاد هو «التفكير فريضة إسلامية»، وقد يكون ذلك لأن عنوان الكتاب - صدر لأول مرة فى العام ١٩٥٧ - فى حد ذاته يعتبر منهجًا متكاملًا.

يضع العقاد فى كتابه أسس التفكير التى اعتبرها فريضة، وهى الفريضة التى لو التزمنا بها لأصلحنا حال الدين والدنيا معًا.
يبدأ العقاد كتابه بالتأكيد على أنه من مزايا القرآن الكثيرة مزية واضحة، يقل فيها الخلاف بين المسلمين وغير المسلمين، لأنها تثبت من تلاوة الآيات ثبوتًا تؤيده أرقام الحسابات ودلالات اللفظ اليسير، قبل الرجوع فى تأييدها إلى المناقشات والمذاهب التى قد تختلف فيها الآراء، وتلك المزية هى التنويه بالعقل، والتعويل عليه فى أمر العقيدة، وأمر التبعة والتكليف.
ويشير العقاد إلى أن القرآن الكريم لا يذكر العقل إلا فى مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به، والرجوع إليه، ولا تأتى الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة فى سياق الآية، بل تأتى فى كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر فى كل معرض من معارض الأمر والنهى التى يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يُلام فيها المنكر على إهمال عقله، وقبول الحجر عليه.
وبعد أن يعدد العقاد خصائص العقل على النحو التالى:
أولًا: ملكة الإدراك التى يناط بها الفهم والتصور، وهى على كونها لازمة لإدراك الوازع الأخلاقى، وإدراك أسبابه وعواقبه، تستقل أحيانًا بإدراك الأمور فيما ليس له علاقة بالأوامر والنواهى أو بالحسنات والسيئات.
ثانيًا: ملكة التأمل فيما يدركه ويقلبه على وجوهه، ويستخرج منه بواطنه وأسراره، ويبنى عليها نتائجه وأحكامه.
القرآن الكريم لا يذكر العقل إلا فى مقام التعظيم والتنبيه
ثالثًا: ملكة الحكم وتتصل بها ملكة الحكمة التى تتصل بالعقل الوازع إذا انتهت حكمة الحكيم به إلى العلم بما يحسن وما يقبح، وما ينبغى له أن يطلبه، وما ينبغى له أن يأباه.
رابعًا: ملكة الرشد.. ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل الحكيم، لأنها استيفاء لجميع هذه الوظائف، وعليها مزيد من النضج والتمام والتميز بميزة الرشاد، حيث لا نقص ولا اختلال، وقد يؤتى الحكيم من نقص فى الإدراك، وقد يؤتى العقل الوازع من نقص فى الحكمة، ولكن العقل الرشيد ينجو به الرشاد من هذا وذاك.
ويبنى العقاد على ذلك أن فريضة التفكير فى القرآن الكريم تشمل العقل الإنسانى بكل ما احتواه من هذه الوظائف بجميع خصائصها ومدلولاتها، فهو يخاطب العقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل الحكيم، والعقل الرشيد، ولا يذكر العقل عرضًا مقتضبًا، بل يذكره مقصودًا مفصلًا على نحو لا نظير له فى كتاب من كتب الأديان.
ليس التفكير فى الإسلام عوضًا من النص أو ما يشبه النص فى الأحكام بل هو فريضة
تقود آيات القرآن الكثيرة التى يستشهد بها العقاد إلى اعتقاده الجازم بأن الإسلام جعل من التفكير فريضة، وبينت هذه الآيات أن العقل الذى يخاطبه الإسلام هو العقل الذى يعصم الضمير ويدرك الحقائق ويميز بين الأمور، ويوازن بين الأضداد، ويتبصر ويتدبر ويحسن الرؤية.
وخلاصة الأمر بالنسبة لى فى هذا الكتاب هو ما قاله فى الفصل المعنون بـ«الاجتهاد فى الدين».
يقول العقاد: ليس التفكير فى الإسلام عوضًا من النص أو ما يشبه النص فى الأحكام، بل هو فريضة منصوص عليها، مطلوبة لذاتها، ولما يتوقف عليها من فهم الفرائض الأخرى، وكلها محظور على المسلم أن يهمله وهو قادر على النهوض بتكاليفه غير مضطر إلى تركه، فإن تركه لغير ضرورة فهو مقصر مُحاسب على التقصير.
كما فكر الأولون لزمنهم.. يجب أن نفكر نحن أيضًا لزماننا دون أن نتقيد بما كان
ويضيف العقاد: وقد وقع الاجتهاد فى الإسلام نصًا وعرفًا وتقليدًا - إن صح هذا التعبير - ونعنى بالتقليد هنا حسن القدوة بالأولين والتابعين من السلف الصالح، وأول الأولين نبى الإسلام عليه السلام، ثم الخلفاء الراشدون ومن تبعهم فى العصور التى اشتدت فيها حاجة المسلمين إلى الاجتهاد، فإن البعد عن القدوة المشاهدة من الخلف الصالح أحرى أن يلجئ ولاة الأمور وأهل الذكر بين المسلمين إلى التفكير فيما يصلح لأزمنتهم، ولم يكون معهودًا فى أزمنة الأولين.
هذا هو جوهر التجديد الذى نتحدث عنه دائمًا، فكما فكر الأولون لزمنهم، يجب أن نفكر نحن أيضًا لزماننا، دون أن نتقيد بما كان.
إسلاميات العقاد أحدثت أثرًا مهمًا لدى القراء، فقد تعاملوا معه على أنه فقيه ومفسر للقرآن، وهو ما بدا فى أسئلة القراء التى كانت تأتيه ويجيب عليها فى باب يوميات الأخبار التى ظل يكتبه خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين حتى توفى عام ١٩٦٤.
فى جريدة الأخبار وفى ٨ يوليو ١٩٥٩، وتحت عنوان «تلحين القرآن»، ينشر العقاد رسالة من القارئ محمود عبدالعزيز دسوقى بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، يقول فيها: دارت بينى وبين زملائى مناقشة حامية حول موضوع تلحين القرآن الكريم، فبعضنا أيد فكرة التلحين وفريق عارضها، ونتمنى ألا تبخل علينا بالكتابة حول هذا الموضوع فى يومياتكم بالأخبار حتى تطمئن نفوسنا ويزول ما علق بها ونحن فى الانتظار.
ويجيب العقاد: من المفروض والمطلوب أن نرتل القرآن ترتيلًا، ومن المستحب أن نستمع إلى القرآن من صوت جميل، لأن الجمال صفة إلهية ينعم بها الله على عباده، ويزيد فى الخلق ما يشاء، والترتيل فى اللغة هو الترتيب والتنظيم ووضع الكلام وغيره فى موضعه وإيقاعه فى موقعه، وأصله من الثغر المرتل أى مفلج الأسنان لا تتلاصق ولا تتراكب، بل تنتظم كما تنتظم اللآلئ المنسوقة فى أسلاكها.
ويضيف: قراءة القرآن على هذا النظام مستحبة بل واجبة، ولا حرج فيها ما لم يكن فيها عبث بوقع الآيات فى غير مواقعها، وينحرف بها عن الأثر الواجب لها من الخشوع والوقار، وذلك مكروه فى كل شىء فضلًا عن كراهته فى أمر من أمور الذكر الحكيم.
ويشير العقاد إلى أنه عندنا فى الجمهورية العربية المتحدة مجيدون يحسنون الترتيل والتفصيل، نحسبهم مفخرة العالم الإسلامى، لأنهم يعاونون المستمعين على فهم الآيات وحسن الإصغاء إليها والرغبة فى سماعها وحسن التأمل فيها، ولا خفاء بحكم قراءتهم على أحد يسمعهم، فإنه ليدرى موضع تلك القراءة من نفسه، ولا يجهل ما توحى به إليه من أثرها النفسانى، فإذا كانت تزيده فهمًا ورغبة فى الإصغاء واعتبارًا بالمعنى فهى حسنة بل لازمة، وإن أحس منها أثرًا غير ذلك فلا حاجة به إلى فتوى.
ويختم العقاد رأيه بقوله: ولكن ينبغى أن نذكر أن القارئ غير مسئول عن عوج الطباع واختلال الأمزجة، فإذا بلغ من سامعة - مثلًا - أنها لا تصغى إلى صوت جميل إلا اقترن عندها بنزوات النفس، أو بلغ من سامع مثل ذلك، كلما استمع إلى صوت قارئة محسنة فالوزر فى ذلك على الطبع الأعوج لا على الصوت الجميل، ومنع المعوج من منع القراءة التى لا ذنب لها إلا أنها مقرونة بالجمال، ومن الجائز على هذا القياس أن يحفظ الكتاب المبين فى غلاف نفيس وأن يكون حفظه على هذه الصورة مغريًا للسُرّاق والغواة، ولكنه ذنب يحسب عليهم ولا يحسب على من يقتنى الكتاب وينافس فى حفظه زينته، بل يشكر هذا ويُلام أولئك الغواة، والحلال بيّن والحرام بيّن، والدين يسر وليس بعسر، قبل كل شىء وبعد كل شىء.
وفى جريدة الأخبار وفى ٢٩ مايو ١٩٦٣ يكتب العقاد تحت عنوان «الدين والكمال والنعمة والإتمام».
يقول له القارئ محمد عبدالودود محمد كلية العلوم جامعة أسيوط: وقفت طويلًا أمام الآية الكريمة «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى»، وأود أن أسأل لماذا اقترن الدين بالكمال واقترنت النعمة بالتمام؟ ورجائى أن يتكرم الأستاذ مشكورًا بالبيان على صفحات الأخبار.
ويجيب العقاد: نقول للطالب المجتهد إن هذه الوقفة الطويلة قد تقصر إذا ذكرنا الفرق بين عالم الروح والضمير وعالم الحياة الدنيوية وحياة النعمة والمتاع، فعالم الروح قابل للكمال لأنه من أمر الله وهو مطلق الكمال، وعالم النعمة الدنيوية على اختلاف معانيها محدود بالعدد أو بالمقدار أو بالأوقات والأمكنة وتمامه مرتبط بالغاية التى ينتهى إليها حسابه المقدور.
ويضيف العقاد: تذكرنا هذه التفرقة بالملخص المنطقى الذى لجأ إليه فقيدنا لطفى السيد أستاذ الجيل حين أحرجه أنصار السيادة العثمانية، فقالوا إنه يرتكب جريمة الخروج على سيادة الدولة وجريمة الخيانة العظمى، بطلب الاستقلال التام عن الآستانة، فقال رحمه الله ما فحواه: إن الاستقلال التام غير الاستقلال الكامل، ثم ضرب المثل بالطفل الذى يعتبر إنسانًا تام التكوين ولكنه لا يوصف بالكمال الذى لا يبلغه الإنسان كائنًا من كان.
وفيما يشبه المحاضرة المطولة وفى جريدة الأخبار فى ٣٠ أكتوبر ١٩٦٣ وتحت عنوان «الإسلام والتطور»، يلتقط العقاد الخيط من القارئ السيد نجدى صبرة الذى يقول إنه اطلع فى إحدى الصحف يوم ١٩ أكتوبر على كلام بعنوان أفكار سريعة يقول كاتبه إن مقدمة برنامج «عشرون سؤالًا» للسيدة ليلى رستم قالت:
أولًا: إنه ليس للإسلام كنيسة منظمة.
ثانيًا: إن الإسلام لا يتطور بسرعة، ووجهت اللوم إلى رجال الفكر أنهم لا يطورون الإسلام، وهاجمت بعض النظم المنصوص عليها فى القرآن فيما يتعلق بإباحة تعدد الزوجات.
ثم يقول السيد نجدى صبرة إنه يستطلع الرأى فى الرد على هذه الملاحظات إنصافًا للحقيقة والدين.
وهنا تبدأ محاضرة العقاد التى لن نقاطعه فيها، يقول:
جملة الرأى المتفق عليه فى الموضوع كله على ما نعتقد أن ندوة العشرين سؤالًا قد أحسنت فى اختيار مسألة الزواج للبحث فيها، وإسماع جمهرة المستمعين طرفًا من مناقشات الحاضرين حولها، لأن هذه المسألة من أولى المسائل بالمناقشة فى مجالس عامة يشهدها الشباب ويشتركون فى بحوثها.
ولكنها كانت جديرة بالاستعداد لها من جوانبها المتعددة، لأنها تتشعب إلى مذاهب شتى من نواحيها التاريخية الاجتماعية، ونواحيها الأخلاقية العاطفية، ونواحيها الدينية التقليدية.
وإذا بحثنا من ناحيتها التقليدية، فمن الواجب أن يحيط البحث بتفاصيل التطور الإنسانى «الإنثروبولوجى» فى هذه المسألة، وأن يضاف إلى ذلك شىء جوهرى غير النظر فى تفاصيل التطور، لأن التطور كما هو معلوم يتناول المسائل التى تتعلق بالمصالح المتبدلة بين زمن وزمن وبين أمة وأمة، ولكن الدين ينظر إلى مقصد آخر غير هذه المقاصد التى تتبدل على هوى الجماعات والأفراد، كلما خطر لها ذلك بغير وازع غير المنفعة المتبدلة.
وذلك المقصد الآخر الذى يصاحب أدوار التطور «المصلحى» فى عقائد الدين هو مقصد الإيمان بضمير إنسانى يدين بالواجب أمام الله، وأمام المعبود فى العقائد الدينية كيفما كان اسمه ومسماه.
فالمسيحية يوم قام فيها بين آبائها الأولين من يستحسن الزواج من امرأة واحدة لم تفعل غير رعاية لتطور المرأة فى مكانتها الاجتماعية، لأن المرأة بقيت على مكانتها المعهودة قبل المسيحية إلى ما بعد ظهور المسيحية بمئات السنين، ولم يزل أناس من رجال الدين والفكر إلى القرن الخامس عشر يبحثون عن خلاص المرأة، وهل هى ذات روح يتعلق بها الخلاص أو هى جسد محض يهلك بعد مفارقة الحياة كما تهلك جميع الأجساد؟.
وإنما استحسن الرسل والآباء الاكتفاء بالزوجة الواحدة، لأنه شر أهون من شر الزنى وعصمة لمن لا يصبر على شدائد الرهبانية.
وقد قال بولس الرسول فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس إنه: حسن للرجل ألا يمس المرأة، ولكن لسبب الزنى ليكن لكل واحد امرأته ولكل واحدة رجلها.
الإسلام أمر برعاية الحقوق والواجبات فى معاملة النساء «ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف»
ثم قال: ولكننى أقول لغير المتزوجين وللأرامل إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا، ولكن إن لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا لأن التزوج أصلح من التحرق.
ولم يكن حكم التطور الذى قضى بإنصاف الإسلام للمرأة، فقد كان العالم الإنسانى كله وظل بعد الإسلام مئات السنين ينكر على المرأة حقًا من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية ويعاملها معاملة الرقيق، بل معاملة الحيوان الأعجم، يوم أمر الإسلام برعاية الحقوق والواجبات فى معاملة النساء «ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف»، و«أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى».
ولم يكن حكم الإسلام فى تعدد الزوجات خلقًا لهذا النظام فى تاريخ الأمم القديمة أو الحديثة، ولا كان الإسلام موجبًا لتعدد الزوجات يستحسنه ويحض عليه، لأنه نهى عن تعدد الزوجات من لا يستطيع العدل بين النساء، وجاء بحدود لم يكن لها وجود فى دين من الأديان، وإنما كان تعدد الزوجات فوضى بغير حدود وكان من أنبياء بنى إسرائيل من يجمع بين ألف من الزوجات والسرارى والإماء.
والأمر الذى يغفل عنه الكثيرون أن إباحة تعدد الزوجات فى الإسلام إنما هو فى حقيقته رخصة للمرأة التى تريد باختيارها وليس رخصة للرجل إذا أراد.
فمهما يكن من إرادة الرجل فهو لا يستطيع البناء بامرأة واحدة لا تختاره فضلًا عن الجمع بين امرأتين أو ثلاث أو أربع على هواه.
وإذا كان قبول المرأة شرطًا واجبًا لصحة كل زواج، فالرخصة إذن فى مصلحة المرأة التى تختاره وترى من أحوالها فى الأسرة أنها هى الرابحة فى هذا الاختيار.
ولقد عرفنا كما عرف غيرنا أحوالًا غير نادرة كانت المرأة توازن فيها بين جميع الاعتبارات، فتخرج من هذه الموازنة بتفضيل تعدد الزوجات على ما عداه.
رجل كان متزوجًا من ابنة خاله مضت عليه سنوات لم يرزق فيها البنين، وثبت بالتحليل الطبى أن زوجته هى العقيم، وقد علمنا أن الزوجة هى التى كانت تحث ابن عمتها على التزوج من امرأة تنتقيها له بعلمها، وكان ذلك خيرًا عندها من الطلاق، أو بقاء الرجل عقيمًا مدى الحياة محرومًا من الذرية، ولو أنها رأت غير هذا الرأى لكانت مثلًا فى الأنانية البغيضة تهون معه كل أنانية الرجل المزواج.
وامرأة أخرى أصيبت بالشلل ولم يستطع الرجل أن يعينها بخادمة تنقطع لملازمتها ولا بخادم يصلح لمعونتها على ضروراتها، وكان حل المشكلة كلها فى الرضا بتعدد الزوجات، وبالجمع بينها فى البيت وبين قريبة لها تعطف عليها وتنقذها من معيشة المرأة المشلولة المطلقة بعدد خروجها من بيت زوجها.
فإذا قيل إن الزواج لا يتعدد كله لأمثال هذه الأسباب فلا حيلة فى الحقوق التى يساء استعمالها ولا رقابة عليها لغير ضمائر أصحابها، وإذا كان فى هذه الحقوق التى يُساء استعمالها ذنب لأحد من الزوجين، فذنب المرأة أسوأ من ذنب الرجل الذى قبلت أن تعيش فى كنفه مع ضرتها.
أما إذا قيل إنها ضرورة الحاجة، فمن ظلم الشريعة أن تحرم المرأة تدبير حاجتها وأن تفرض عليها حرمانًا أشد عليها من الحرمان الذى ترتضيه.
وللضرورات الاجتماعية والفردية حقها من رعاية الشريعة الحكيمة العادلة، وبعض هذه الضرورات قد يظهر منه أن الحكم على الشرائع ومصالح الاجتماع أعظم جدًا من أن يتسع له رأس صغير يخيل إليه أن قصص الحب هى المطالعة الوحيدة اللازمة لفض المشكلات والإفتاء بلغة حرام فى تطور الأديان وشرائع الأسر والجماعات.
وفى الأخبار فى ١٨ ديسمبر ١٩٦٣ يكتب العقاد تحت عنوان «سؤال عن عقوبة الزنى».

أرسل له العالم الفاضل الأستاذ محمد محمد الدهان وكيل معهد المحلة الكبرى خطابًا يقول فيه: بعد التحية الإسلامية الكريمة: جاء فى كتابكم القيم - الفلسفة القرآنية - عند الكلام على العقوبات صفحة ٩٥ ما يأتى: أما الزنى فعقوبته على المحصنة والمحصن مائة جلدة، ولما كان هذا الحكم مخالفًا لما قرره أهل العلم عامة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فى جميع الأزمنة والأمكنة من أن عقوبة الزانية المحصنة والزانى المحصن الإعدام رميًا بالحجارة، وأن عقوبة الزانى غير المحصن والزانية غير المحصنة مائة جلدة، ولم يشذ عن ذلك سوى الخوارج وبعض المعتزلة، فقد تخيلت أنه سقط من كلامك كلمة غير بين على المحصنة وعليه يكون نظم الكلام.
ويضيف الدهان: إننى أرجو أن يكون ما تخيلته صحيحًا وإلا فأرجو تصحيح الحكم حتى يكون الناس على بصيرة من أمر دينهم.
ويرد العقاد: الأستاذ الفاضل يعلم أننا ألفنا الكتاب فى الفلسفة القرآنية، ووقفنا عند نص الكتاب فيما جاء فى سورة النور «الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر»، وهذه آية من آيات الكتاب لم يرد فيه ما ينسخها، لأن الآية تنسخها آية كما جاء فى سورة البقرة «ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها».
ويضيف العقاد: ولقد نبهنا إلى موضوع الكتاب غير مرة فى أثناء فصوله وأعدنا التنبيه بعد إيراد عقوبة الزنا خاصة، فقلنا فى هامش الطبعة الخاصة صفحة ٨٧: هذا ما ورد فى القرآن الكريم وهو موضوع هذا الكتاب - الفلسفة القرآنية - ويرجع إلى تفصيلات هذا الحكم فى كتب الأحاديث وكتب الفقه، وسبق هذا التنبيه فى الصفحة ١١٩ من الطبعة الشعبية، وإن كان الموضوع غنيًا بذاته عن التنبيه، ولا يخفى على الأستاذ الفاضل أن أحكام الكتاب لا يجوز فيها الخلاف، ولكن روايات الأحاديث وأخبار الرواة من الأفراد وغير الأفراد قد يقع فيها خلاف كثير، وقد جاءت الإشارة إلى حكم الجلد فى آية أخرى من قوله تعالى فى سورة النساء عن الإماء «فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب» ونصف عدد الجلدات مفهوم، وعليه يدور موضوع الكلام فى كتاب الفلسفة القرآنية.
وتحت عنوان تفسير القرآن يكتب محمود بن الشريف المدرس بالإبراهيمية الثانوية خلاصة لمحاضرة ألقاها الدكتور عبدالحليم محمود، أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين تكلم فيها عن تفسير القرآن الكريم، وقال فيها على: إن الدكتور عبدالحليم نفى الكمال والإحاطة عن كل هاتيك التفاسير، ودعا إلى رأى جديد به تتحقق أمثل طريقة للتفسير يتلخص فى وجوب التخصص، بمعنى أن الأطباء والفلكيين وعلماء الاجتماع ورجال القانون والتشريع والإخصائيين النفسيين يتناول كل منهم بالتحليل والتفصيل والتفسير آيات الكتاب التى تتفق مع تخصصه، فتخرج كل هذه الجهود تفسيرًا يكون أدنى إلى الصواب.
كان للعقاد رأى فى هذه القضية، يقول فيه: رأينا فى اقتراح الدكتور عبدالحليم محمود أنه أصلح أن يكون إذا كان المطلوب تأليف موسوعة عن القرآن الكريم، أو تأليف دائرة معارف قرآنية تحيط بجميع المعلومات التى وردت فى الكتاب إشارة إليها، أما التفسير فلا يحتاج إلى كل هذه الإحاطة، لأن المقصود بالتفسير أن يفهم المسلم كتابه على الوجه الأوفق لدينه، ولا يلزم فى كل مسلم - ليكون مسلمًا - أن يحيط بالفلك والطب والرياضة والتاريخ وسائر المعارف البشرية التى يشير إليها كتابه، فإنه إذا طلب الدين فحسبه ما يعلمه المسلم من الكتاب على دراية وهداية، وإذا طلب العلم فإنه يتعلم الفلك والطب والرياضة والتاريخ فى معاهدها ولا يتخصص لها من مطالعة كتب التفسير، وعندنا - مع هذا - أن الأوان قد آن لتأليف الموسوعة القرآنية على أوفاها، لأن الموسوعات التى وضعت لكتب الأديان مستفيضة فى لغات الحضارة، فلا يحسن بنا أن نترك مكانًا خاويًا فى لغة القرآن.
فى هذه المحاورات لا يبدو العقاد مجرد كاتب أو مفكر، من يبعثون إليه برسائلهم أخذوا منه مفتيًا وفقيهًا وعالمًا بأمور الدين، وهو ما لم ينكره عليه حتى علماء الأزهر، الذين يقولون الآن إنه لا يحق لمن لم يتعلم فى الأزهر أن يتحدث فى الدين، بل وجدوا له تخريجة مناسبة.
فقد أشار الشيخ أحمد حسن الباقورى إلى ما يقوم به العقاد بأنه مجاهد صادق بعيد النظر غيور على الإسلام غيرة عاقلة، وهو بتخرجه على ثقافة الأزهرى وإن لم يكن أزهريًا بتخرجه فى الأزهر، فقد كان بهذه الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة إلى جانب ثقافته الأجنبية خير لسان للعروبة والإسلام، بما كتب من مؤلفات، وأذاع من أحاديث تدفع عن العروبة أوهام المبطلين، وعن الإسلام شبهات المغرضين، وقد صدر عن مدرسته فضلاء كثيرون سوف تبرز الأيام لتنتفع بهم أمتنا العربية والأمة الإسلامية أفضل الانتفاع.
وفى مقاله «العقاد والإسلام» يقول رجائى عطية: أعرف بحكم عضويتى فى مجمع البحوث الإسلامية لخمسة عشر عامًا، وإلحاقى ضمن ذوى الخبرة بهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، ومن واقع متابعتى وقراءاتى لمجلة الأزهر وأعدادها القديمة، أن الأستاذ العقاد حظى بتقدير كبير فى الأزهر الشريف، وفتحت له صفحات مجلة الأزهر من أول ستينيات القرن الماضى وحتى لاقى ربه فى مارس ١٩٦٤، لنشر مقالاته الإسلامية على صفحاتها، فضلًا عما ألقاه عن الإمام الغزالى فى قاعة المحاضرات، ونعرف مما قرأناه أنه كان محل تقدير كبير من فضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت، وقد روِى أن فضيلة الإمام الأكبر عاده فى مرض ألم به، فنهض الأستاذ العقاد من رقاده احترامًا لمقام الإمام، إلا أن الشيخ شلتوت سارع إلى تقبيل يده تعبيرًا عن مودته وتقديره له، الأمر الذى أحرج الأستاذ العقاد حرجًا بالغًا وطفق يقول للإمام الأكبر «عفوًا يا مولانا أنت الأحق بذلك»، ولكن الشيخ أجابه فى تواضع وسماح أنه يقبل اليد التى أمسكت بالقلم ونافحت عن الإسلام.
ويضيف عطية: ونحن نعرف أنه فضلًا عن إكبار الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت وغيره من شيوخ الأزهر للأستاذ العقاد، تقديرًا له، على ما ناضل فيه عن الإسلام، وما كتبه فيه وعنه بأستاذية واستنارة، نعرف أن مجلة الأزهر عنيت بنشر العديد من مقالاته وبحوثه ودراساته، وفى اجتماع حضرته بالأزهر عام ٢٠١٥ ضمن مجموعة مختارة من هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية من ناحية، ومن كبار المثقفين من ناحية أخرى، للنظر فى تجديد الخطاب الدينى، شهد الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، بأن الأستاذ عباس محمود العقاد من أكبر من قدموا خدمات جليلة للإسلام، إن لم يكن أكبرهم على الإطلاق.
ورغم أن كثيرين من الكُتّاب والمفكرين أدوا فريضة الحج، فإن العقاد كانت له نظراته الخاصة فى هذه الفريضة، ولدينا هنا مقالان كتبهما فى مجلة الرسالة عن هذه الرحلة.
المقال الأول كان عنوانه «فى الحرم» ونشره فى ٢١ يناير ١٩٤٦، وكان هذا نصه:
ركبنا البحر ونحن لا نعلم على التحقيق أين نلقى صاحب الجلالة الملك عبدالعزيز آل سعود، لأن برنامج الرحلة لا يشير إلى المكان.
فمن الجائز أن يكون فى جدة، لأنه الميناء الذى ينتقل منه جلالته إلى يخت المحروسة، ولجلالته قصر منيف فى أراضيها هو القصر المعروف بقصر خزام.
ومن الجائز أن يكون فى مكة المكرمة، لأن اليخت يصل إلى جدة قبل سفر جلالته بيومين.
فإذا كان استقبال البعثة الملكية فى جدة فلا عمرة ولا إحرام، وإذا كان الاستقبال فى مكة المكرمة، فقد وجبت العمرة ووجب الإحرام.
ولكن كيف السبيل إلى الإحرام؟ وكيف السبيل إلى خلع المخيط فى الشتاء، وإن كان الجو فى مكة أدفأ من جو القاهرة بدرجات؟
إننى ألبس الصوف شتاء وصيفًا منذ خمس وعشرين سنة، وإذا صح أن «الصوفى» منسوب إلى الصوف، فليس على ظهر الأرض رجل أحق منى بهذه الصفة، فكيف السبيل إلى التحلل من هذه الصفة التى لصقت بالموصوف، فلا فكاك منها ولا فرار؟
جاءنا النبأ فى عرض البحر بأن صاحب الجلالة عاهل الجزيرة العربية يستقبلنا فى قصره العامر بمكة المكرمة، فنوينا الفدية، ونوى أصحابنا الإحرام، ولم يبق معى بملابسه غير الأستاذ عوض البحراوى بك وزير مصر المفوض فى المملكة السعودية، لأن الإحرام لا يلزمه، وإنما يلزمه أن يطوف بالكعبة عند مغادرة مكة طواف الوداع.
وقد خصصت الحكومة السعودية قصر «الكندرة» بجدة لتبديل الملابس قبل المسير إلى الحرم الشريف، وتولى الإشراف على راحة البعثة ومن معها صاحب المعالى الشيخ يوسف ياسين وزير الدولة، وصاحب العزة الأستاذ فؤاد شاكر مدير المطبوعات، فلما تهيأ أصحابنا للسفر تحرك الركب بالسيارات، فكان من نصيبى الركوب فى سيارة الوزير المفوض عوض البحراوى بك، وهو رجل فاضل عرف أهل البلاد كما عرفه أهلها، فانعقدت بينه وبينهم صلات المودة والزمالة، وارتفعت بينهم الكلفة كل الارتفاع فيما عدا المراسم التى تقضى بها المعاملات الدولية، وقد عبر الطريق مرات فعلمت منه كل ما احتجت إلى علمه من معالمها وأحوالها، ووصلت إلى مكة بزاد غير قليل من المعرفة العملية بالحجاز.
هذه جبال مكة.. وهذا جبل حراء.. بلغناه بعد ساعة ونصف ساعة من السير المعتدل فى السيارة، ومررنا إليه بمناظر كثيرة نرى أمثالها فى بلادنا، ولا سيما بلدى الذى نشأت فيه، وأعنى به أسوان: جبال وبطاح ومراعٍ يتخللها العشب فى الأودية والسفوح، وبعض الجبال يليح لنا بألوان المعادن التى يحتويها، وبعض البطاح ينم على مجارى الماء فى باطنه القريب.
كل ذلك مألوف نرى أمثاله حيث نشأنا على مقربة من صحراء أسوان، أما الجديد كل الجدة على النظر وعلى النفس فهو غار حراء.
هو قمة مرتفعة فى جبل، كأنما بنيت بناء على شكل القبة المستطيلة إلى الأعلى، ولكنها عسيرة المرتقى لا يبلغها المصعد فيها إلا من شعاب وراء شعاب.
أخبرنى من صعدوه أنهم كانوا يعانون شديد العناء من وعورة مرتقاه، وأن القليل من الناس يصمد فى صعوده إلى نهايته العليا، حيث كان الرسول عليه السلام يتنسك ويبتهل إلى الله.
والحق أن الرؤية غير السماع، والحق أن ما يلمحه الناظر فى نظرة خاطفة قد يعى الكاتب بوصفه فى الصحف والأسفار، والحق أننا قرأنا ما قرأنا عن الجبل وعن الغار، ثم نظرنا إليهما، فعلمنا أن القراءة قد تركت الكثير من فراغ النفس لتملأه هذه النظرة العابرة فى الطريق.
مررنا به عابرين كما كان سكان البلاد يمرون به غادين رائحين فى غفلة عن ذلك الرجل المفرد الذى يأوى إليه ويسكن إلى غاره.
كانوا فى غفلة عن ذلك الرجل المتوحد فى سبيل التوحيد، كما كان العالم كله فى مثل تلك الغفلة وفى مثل تلك الظلمات، ولكنها كانت ساعات يرتبط بها تاريخ أحقاب ودهور، فلما انقضت مدتها لم يبقَ فى الأرض المعمورة غافل عن ضيف ذلك الغار، أو جاهل بآثار تلك الساعات التى كان يقضيها فيه بالليل والنهار.
وحسبك نظرة واحدة إلى الجبل ومرتقاه لتحيط بعض الإحاطة بتلك النوازع المرهوبة التى كانت تنهض بالرسول فى صباه إلى ذروة تلك القمة مرات بعد مرات وأيامًا بعد أيام.
كل مرة من تلك المرات تترجم لنا عن قوة تلك البواعث المحتدمة فى نفسه الشريفة، وترينا كيف بلغت هذه البواعث المحتدمة أن تدفع بالعالم كله فى طريق غير طريقه، وإلى غاية لم تكن له من قبل فى حساب، فلولا لاعج من الشوق الإلهى ينهض بالروح والجسد نهضة لا تصبر عليها طبيعة البشر لما توالت تلك المصاعد ولا تعاقب ذلك العكوف.
إن اللواعج التى حملت الرسول إلى مرتقى الغار هى السر الروحانى الذى استجاش العالم كله بعد ذلك فى حركة دافقة تقتحم السدود وتخترق الأسوار والحدود.
وكل أولئك كان فى نشأته الأولى خاطرًا فى قلب الرجل وحيدًا يتفرد فى سبيل التوحيد.
وكل ذلك السيل الجارف إنما تجمع قطرات قطرات عند هذه القمة العالية.
كل ذلك كان فى هذا المكان.
وعبرنا خاشعين مطرقين، وسكتنا لأن مهبط الوحى هنالك قد ألهمنا السكوت.
مكان آخر عند الكعبة كان له فى قلوبنا مثل هذا الخشوع ومثل هذا الرجوع مع الزمن إلى أيام الرسالة وأيام الجهاد.
ذلك هو موقف الدعاء الذى كان الرسول عليه السلام يختار الوقوف فيه كلما طاف بالكعبة ودعا إلى الله.
أنت هنا لا ريب فى مقام قام فيه ذلك الرسول الكريم، ذلك السر السرمدى الذى تتعلق به مقادير التاريخ ومصائر الأمم وضمائر بنى الإنسان، ذلك الإنسان الذى يقترن اسمه فى صلوات الألوف بعد الألوف باسم خالق الكون العظيم.
أنت هنا تقف حيث وقف وتدعو حيث دعا وتنظر حيث نظر وتحوم بنفسك حيث حام فى اليقظة لا فى المنام.
قيل لنا: هنا يُستجاب الدعاء.
قلنا نعم: هنا أخلق مكان أن يستجاب فيه دعاء، وألهم الله كلًا من الواقفين معنا أن يدعو دعاءه وأن يستجمع فى الدنيا والآخرة رجاءه، وساق إلى لسانى هذه الدعوة فدعوت: اللهم ناولنى ما أريد لى وللناس، واجعل الخير كل الخير فيما أريد لى وللناس وما بى من حاجة فى الحياة إذا استجيب هذا الدعاء منظر ثالث أخذنى بجماله فى جوار البيت الحرام، وهو منظر الحمام الآمن الوادع فى ذلك المقام.
لا يخشى ولا يفزع، بل يظل طوال نهاره فى طواف على الأرض وطواف على الهواء.
وأعجب ما سمعت ورأيت أنه يطوف حول الكعبة ولا يعلو عليها فرادى ولا جماعات.
وقد سمعت بهذه الخاصة فى حمام البيت قبل أن أراه، فلما رأيته فى طواف العمرة وطواف الوداع تحريت أن أتعقبه فى كل مذهب من مذاهب مطاره، فإذا هو كما سمعت يطوف ولا يتعدى المطاف إلى العبور.
أدب الناس فى هذا المقام المهيب نعرف سره ونعرف مصدر الوحى منه إلى القلوب الآدمية.
أما أدب الطير فى هذا المقام فسره عند الله.
وأمن الحمام يذكرنى بأمن السائلين فى جوار الكعبة وجوار المسجد الحرام.
إنهم ليتدفعون حول الزائرين ولا يتجملون كما يتجمل الطير فيقطع بعضهم رزق بعض، ولا يدعون لمن يريد أن يعطى سبيل العطاء.
وهم فى أمان لا يهانون ولا يصيبهم الأذى من الشرطة فى جوار البيت الذى يأمن فيه الخائفون.
حسن أن يأمن المساكين كل سطوة فى حرم الأمان، وأحسن منه أن يجيئهم الوازع من القلوب والعقول لا من العصى والسياط.
فإن كان فى تهافت السائلين على صغائر الدنيا غضاضة، فإن فى هذا الأمان لقداسة البيت العتيق، وإنه لمن القداسة أن يتعلم الإنسان كيف يجيب من يسألونه، وهو يدعو الله ويرجو أن يستجاب.
وتحت عنوان «حمام الحرم» يكتب العقاد فى ١٨ فبراير ١٩٤٦.
أشرت فى مقالى عن الرحلة الحجازية إلى حمام الحرم فقلت عن أعجب ما سمعته ورأيته من شأنه أنه يطوف حول الكعبة ولا يعلو عليها فرادى ولا جماعات، وقد سمعت بهذه الخاصة فى حمام البيت قبل أن أراه، فلما رأيته فى طواف العمرة وطواف الوداع تحريت أن أتعقبه فى كل مذهب من مذاهب مطاره فإذا هو كما سمعت يطوف ولا يتعدى المطاف إلى العبور.
وهذه خاصة لا بد لها من سبب مفهوم، ولا بد من استقصائها فى جميع أحوالها قبل التيقن منها وقبل تعليلها بالخوارق التى لا تقبل التعليل، فإن الذهن لا يقبل الخارقة إلا إذا ضاقت به علل الطبائع التى أودعها الله فى خلقه وتواترت بها المشاهدة فى جميع الأحوال، وبخاصة حين لا يكون هناك مقتضى من حكم الدين ولا حكم العادة لامتناع الطيران فى فضاء الكعبة أو أى فضاء مقدس مصون، ولا معابة على فضاء السماء فى كل مكان أن تحلق فيه الطيور أو تعبر به الطائرات.
وقد شغلنى أن أتيقن أولًا من تطابق الأقوال على اطراد هذه الظاهرة، وأن أجرب حمامًا غير حمام الحرم لأرى كيف يطير إذا أطلق فى جوانب الكعبة وحده، وأن أجرب طيرًا غير الحمام من القمارى أو العصافير أو فصائل اليمام، لأن الجوارح قد يصرفها النظر إلى فرائسها عن تحقيق التجربة بما يفيد الحرية فى اختيار جو الطيران، وخطر لى قول الطائى:
يسقط الطير حيث يلتقط الحب وتغشى منازل الكرماء
ولكن الطير يسقط حيث يلتقط الحب ولا يقصر طيرانه على مواضع التقاطه، فإذا كان حمام البيت قد تعود أن يلتقط غذاءه فى المماشى التى حول الكعبة فليس ثمة ما يمنعه إذا صعد فى الجو أن يتجاوز تلك المماشى إلى ما جاورها، وهو قريب من قريب.
وأوصيت بعض رفاقنا أن يرقبوا هذه الظاهرة فى زياراتهم المتعددة، وهم يزورون البيت متفرقين حسب النوبة التى يفرغون فيها من العمل فى اليخت أو فى الطوافتين، فلما عادوا جميعًا كفيت مؤنة التجربة أو التجارب الكثيرة التى كان لا بد لنا منها قبل التيقن من تلك الظاهرة وتعليلها بما يكشفها على جليتها، لأن ثلاثة منهم اتفقوا على أنهم شاهدوا الحمام يطير أحيانًا فوق الكعبة وإن لم يكن ذلك مطردًا فى جميع الأوقات، وممن شاهدوا ذلك إمام اليخت الملكى المحروسة وهو شاب مهذب أديب حسن المعرفة بالدين حسن التفسير لأحكامه وفروضه، فإنه قال إن الحمام يطير فوق الكعبة ولكنهم يلحظون فيما يطير منه عليها شيئًا من الضعف والانكسار، كأنه مريض يلتمس الشفاء ببركة العبور على ذلك المقام، وهذا وحده يبطل ما ذهبوا إليه من تلك الملاحظة، لأن طالب البركة لا يلتمسها بما يخالف حُرمة المكان فيما جرى عليه عرفه أو عرف بداهته الفطرية، فإن كان طير البيت يتجنب الطيران فوق الكعبة تقديسًا لها كما يتخيلون، فليس من شأنه أن يلتمس البركة بما يخالف التقديس.
وقد أصبحت الظاهرة معقولة بعد ما سمعته من تلك المشاهدات بغير خارقة أو التجاء إلى أغراب.
حتى ندرة الطيران فوق الكعبة لا تستعصى على التفسير الموافق للعادات والمشاهدات، فإن الحمام الأليف يجتمع إلى أسرابه فى ملاقط الحب، ولكنه لا يطير أسرابًا أسرابًا كالفصائل البرية من نوعه حين تهاجر من مكان إلى مكان، فإذا جاوز الحمام الأليف مساقط أسرابه فإنما يطير زوجين زوجين أو فردًا فردًا فى التماس أليفه الذى يغيب عن نظره وسط الأسراب، وهذه العادة خليقة بأن تفسر لنا ندرة الطيران على بُعد من المماشى التى يتجمع فيها الحمام كما تفسر لنا بطء حركة الطائر الذى يخرج على الطريق فى بحثه واستطلاعه، لأنه لا ينوى الطيران إلى بعيد حيث يعبر فضاء الكعبة لينظر حواليها إلى أليفه المفقود.
على أن جمال المعنى الذى يتمثل فى حمام الحرم لا ينقص ذرة بطيرانه هنا أو طيرانه هناك، لأن معناه الجميل هو الأمن فى حماية الإيمان لا فى حماية الحراس أو حماية الأبراج والسدود، فهذا أضعف الطير يراه الجائع والطامع ولا يمسه بسوء، وهو يطمئن إلى هذا الأمن بطبعه وإن لم يفهمه بعقل فيه يفهم أمثال هذه الأمور، فلا يجفل من الإنسان ولا تراه يطير منه إلا طيران الدلال واللعب لا طيران الفزع والاضطراب.
ولم يزل للحمام نصيب من القداسة أو الطهارة منذ آمن الناس بالدين على سنة الوثنية أو سنة التوحيد، وكان هذا النصيب ينفعه حينا ويجنى عليه فى أحايين، فكان قربان الحمام مفضلًا فى شريعة موسى على القرابين من سائر الطيور، وكان الإغريق يتقربون إلى الزهرة ربة الحب عندهم بالحمام الأبيض أو باليمام وما إليه، ولا يزال السحرة فى أيامنا يخدعون السذج بالحمامة البيضاء أو الحمامة السوداء، ويتوسلون بالأولى فى استعطاف الملائكة والأرواح الكريمة، وبالأخرى فى استعطاف الشياطين والأرواح الخبيثة، بل لا يزال أناس من المعاصرين يعتقدون فى الحمام اعتقاد الأقدمين الذين زعموا أنه أقدر الطير على استجابة داعى العشق والغرام، وأنه من ثم طعام صالح للأزواج وهدية صالحة فى الأعراس.
والشعراء يضربون به المثل فى الوفاء والغناء، وبعضهم يسمى هديله بالبكاء لفرط الحنين إلى الألفاء والأحباء، ويجارى الشعراء فى هذا الرأى بعض من كتب عنه من الطبيعيين والمشغولين بتسجيل عادات الطيور.
أما الصواب فهو ما قاله المعرى حيث قال:
أبكت تلكم الحمامة أم غنت على فرع غصنها المياد
وهو أيضًا ما قاله حيث قال:
ظلم الحمامة فى الدنيا وإن حُسبت فى الصالحات كظلم الصقر والبازى
ويؤيد المعرى فى هذه الملاحظة هواة الحمام من العرب، وأشهرهم مثنى بن زهير، حيث يقول فيما رواه عنه الجاحظ فى كتاب الحيوان: لم أر شيئًا قط فى رجل وامرأة إلا وقد رأيت مثله فى الذكر والأنثى من الحمام: رأيت حمامة لا تريد إلا ذكرها كالمرأة لا تريد إلا زوجها وسيدها، ورأيت حمامة لا تمنع شيئًا من الذكورة كالمرأة لا تمنع يد لامس، ورأيت الحمامة لا تزيف إلا بعد طرد شديد وكثرة طلب، ورأيتها تزيف لأول ذكر يريدها ساعة يقصد إليها، ورأيت حمامة لها زوج وهى تمكن ذكرًا آخر لا تعدوه، ورأيتها تزيف لغير ذكرها وذكرها يراها، ورأيت الحمامة تقمط الحمام الذكور ورأيت الحمامة تقمط الحمامة.
إلى آخر ما قال وهو صواب: ولا ندرى هل ذم الحمام أو أثنى عليه حين قال إنه يشبه الناس فى أطواره ذكوره وإناثه، فقد يكون ذلك غاية الذم فى عُرف قوم وغاية الثناء فى عُرف آخرين.
ولسنا نختم هذا المقال قبل أن نستوفى سيرة الحمام كما عرضت خلال الزيارة الحجازية إما بمكة أو خلال الطريق.
فقد كان الحمام ذات عشاء بعض صحاف المائدة على اليخت «المحروسة» أثناء عودته الأولى من جدة إلى السويس، فعلمنا أن جلالة الملك عبدالعزيز لا يأكل منه ولا من السمك على اختلافه إلا فى النادر القليل.
وأراد صاحب السعادة مراد محسن باشا أن يوفق بين رغبة الملك عنه ورأى بعض الفقهاء فى تحريمه، فقال: إن أناسًا من المتشددين يحرمون أكل الحمام الذى يربى فى بروج الحقول والغيطان فصمت جلالة الملك وتردد ثم سأله: ولم يحرمونه؟
قال مراد باشا: لأنهم يتركونه يأكل من مال غيرهم ولا يطعمونه من عندهم، فحرمه أولئك الفقهاء كما يحرمون مال «الغير» المأخوذ بغير علم من أصحابه.
وكنا نحسب أن هذا التشدد مما يرتاح إليه فقهاء نجد لأن الشيخ محمد بن عبدالوهاب منسوب إلى التشدد فيما يترخص فيه عامة الفقهاء.
ولكن جلالة الملك ظل على تردده والتفت إلى أخيه صاحب السمو عبدالله بن عبدالرحمن كمن يستفسر رأيه فى هذا التحريم.
فقال سمو الأمير: لا حرج فى أكله وما أرى وجهًا لتحريمه ولا قولًا يعتد به فى ذلك، وإنما حكمه حكم العصافير التى تؤوى إلى أشجار الناس وتأكل من حيث أصابت الطعام.
فعرفنا شيئًا جديدًا من مذاهب أهل نجد فى التحريم والتحليل، فهم لا يأخذون بكل تشديد ولا يعزفون عن كل ترخيص، وإن كانت لهم أقوال يخالفون بها جمهرة المتشددين والمرخصين.
وأطراف من هذا أن رئيسًا من رؤساء الحكومة السعودية سأل الباشا: أهم يحرمون من الحمام الـ أو الـ لأن الأول يأوى إلى البيوت والثانى قلما يأوى إليها وإن عرفت الأمم القديمة استئناسه فى بعض البلدان.
فكان هذا السؤال مما لم يخطر على البال، قبل الاستدلال على الحرام والحلال.
وعندما عاد العقاد من رحلته من الحج سألوه عنها، فقال: كانت رحلة وجدانية إيمانية شعورية، تمتزج فيها العواطف الجياشة بحلاوة الإيمان، ما يجعل التعبير عنها من الصعوبة بمكان، لذلك فهى تُحَسّ أكثر مما تُوصَف، إن الحج هو الفريضة التى تتمثل فيها الأخوة الإنسانية، على تباعد الديار واختلاف الشعوب والأجناس، وهى بمنزلة صلة الرحم وتبادل الزيارة بين الأسرة الواحدة، يجمعها الملتقى فى المكان الذى صدرت منه الدعوة، وهو أجدر مكان فى كل بقاع الأرض أن يتم فيه هذا اللقاء.







