الأربعاء 27 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

المؤسسات المُخترقة.. كم خالد فهمى إخوانى فى جامعاتنا المصرية؟

حرف

- لماذا لا نبدأ حركة تطهير للجامعات من الأساتذة المنتمين إلى الجماعة الإرهابية؟

- قال عن نفسه: أنا انتمى لفكر الإخوان وأعتنق فكر حسن البنا تحديدًا!

لم أكن فى حاجة لقراءة سيل البكائيات التى نثرتها جماعة الإخوان والمنتسبون لها حول وفاة الدكتور خالد فهمى، أستاذ أصول اللغة بكلية الآداب جامعة المنوفية الخبير بمجمع اللغة العربية، لأعرف أنه إخوانى ينتمى إلى الجماعة الإرهابية قولًا وفعلًا.. جسدًا وفكرًا، فقد كنت أعرفه مبكرًا ومنذ ظهور اسمه فى المجال العام. 

ففى ٤ يونيو ٢٠١٣، أى بعد خروج المصريين ضد محمد مرسى وجماعته فى مظاهرات حاشدة مطالبين بإسقاط حكم المرشد بـ٢٦ يومًا فقط، أصدر وزير الثقافة الإخوانى علاء عبدالعزيز قراره بندب خالد فهمى لتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية. 

خالد فهمى وسليم العوا
خالد فهمى وسليم العوا

بعد ما يقرب من ٧ أيام فقط تحدث خالد فهمى فى أول حوار صحفى له، أجرته معه جريدة الأهرام. 

سأله الزميلان سيد محمود حسن ومحمد سعد بوضوح: هل أنت عضو بجماعة الإخوان المسلمين أو حزب الحرية والعدالة؟ 

أجاب فهمى نصًا: أنا لست كادرًا إخوانيًا، ولست عضوًا بحزب الحرية والعدالة، ولكنى أنتمى لفكر الإخوان، وأتبنى فكرة الإسلام الوسطية الحضارية بمفهوم الإخوان المسلمين، وأعتنق فكر حسن البنا تحديدًا دون توابعه. 

كان خالد فهمى واضحًا فى رسم الصورة التى هو عليها، ويكفينا ما قاله عن نفسه، لكنه كان كعادة الجماعة يخفى كثيرًا عن شخصيته الإخوانية، فلم يفصح عنها، وهى عادة إخوانية أصيلة لم يتخلوا عنها أبدًا. 

لم يستمر خالد فهمى فى مهمته بدار الكتب طويلًا، فبعد الثورة بما يقرب من ٢٢ يومًا، وفى ٢٢ يوليو ٢٠١٣ تقدم باستقالته من منصبه. 

كان خالد فهمى يعرف جيدًا أنه لن يستمر فى منصبه، فما كان لإخوانى اعترف هو بنفسه عن توجهه أن يبقى فى منصب خطير كرئاسة دار الكتب القومية بعد أن قامت ثورة شعبية على جماعته، لكنه قبل أن يخرج قلب المائدة على الجميع معتقدًا أن أحدًا يمكن أن يلتفت له أو إلى ما يقوله.

قال خالد فهمى فى استقالته التى قدمها لوزير الثقافة وقتها محمد صابر عرب الذى تولى الوزارة فى حكومة حازم الببلاوى: إنه وبإزاء ما أصدرتموه من قرارات بإعادة كل من الأستاذ الدكتور محمد صبرى الدالى والدكتور عبدالواحد النبوى إلى سابق أماكنهما فى الإدارة المركزية للمراكز العلمية والإدارة المركزية للوثائق القومية، والتى كان قد أنهى انتدابهما منها نتيجة لمخالفات إدارية وفنية ضخمة، نذكر منها حالة الاحتقان الشديدة التى سبباها بين العاملين فى الدار، والتى تنذر عودتهما لما لا تحمد عقباه، وتعرضهما للخطر مع العاملين، حالة المخازن المتردية فى دار الوثائق بشكل يهدد حياة العاملين بها، ويؤثر سلبًا على ما بها من وثائق، المخالفات الفنية الضخمة فى مشروع الرقمنة بناء على تقارير متوالية لأكثر من مسئول عنها، تقرر جميعها هذه الأخطاء وتثبتها بالدليل وبخطوط العاملين فى هذه المشاريع، إننى لا أقبل، وأرفض تجاوز اختصاصاتى، وأرفض التدخل السلطوى الذى ظهر فى اتخاذ هذه القرارات من دون مناقشة أو مشاورة معى. 

ويضيف فهمى فى استقالته التى أراد لها أن تكون مسببة: لكل ذلك ولما يبدو منه إعادة لأجواء سيئة ورديئة عاشتها مصر فى مؤسساتها قبل ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، ولأن بعضًا مما مر ذكره هنا كان قد أحاله الوزير السابق السيد الدكتور علاء عبدالعزيز إلى النائب العام، ولأن فى إعادتهما خطرًا يهدد إجراءات التحقيق، ويهدد ما يمكن أن يكون أدلة إدانة فى هذه الأمور، ولأن فى إعادتهما ما يمكن أن يشجع على الانفلات فى الدار، ويمكنهما من العبث بما يضر بالتحقيقات، فإننى احترامًا لنفسى ولموقعى الأكاديمى، وتقديرًا للحظة التاريخية الفارقة من عمر هذا الوطن العزيز ومقاومة لأى قرار من شأنه أن يضر الصالح العام للدار، ولما بها وللعاملين، أتقدم باستقالتى المسببة حماية للدار وللعاملين بها، ولما تحتويه من كنوز، وحرصًا على مقدراتها.. والله أكبر وتحيا مصر. 

منتصر الزيات ينعى خالد فهمى
منتصر الزيات ينعى خالد فهمى

لن أقول إن خالد فهمى كان كاذبًا فيما قاله فى استقالته التى أراد لها أن تكون مسببة، ولكن يمكننى أن أقول إنه لم يكن صادقًا بما يكفى. 

فهو لم ينهِ انتداب محمد صبرى الدالى وعبدالواحد النبوى بسبب مخالفاتهما الإدارية والفنية كما ادعى، ولكنه فعل ذلك لأنهما كانا يقفان حجر عثرة أمام مخطط الإخوان فى أخونة الدار والعبث بالمخطوطات والوثائق، ولم تكن إحالتهما إلى النائب العام الإخوانى من قبل وزير الثقافة الإخوانى إلا مجرد كارت إرهاب لهما، فقد حذراه من البداية أن يجعل للإخوان اليد العليا على الدار، وأنهما لا يعملان إلا فى مؤسسة مصرية لها قواعدها وأصولها. 

فقد كان قراره بإنهاء ندب الدكتور عبدالواحد النبوى الذى أصبح وزير ثقافة بعد ذلك غير قانونى. 

فى حواره مع الأهرام، سألوا خالد فهمى: ولكن قرار إنهاء ندب د. عبدالواحد النبوى رئيس دار الوثائق غير قانونى، لأنه انتدب بقرار وزارى، وكان يفترض أنه ينهى انتدابه بقرار وزارى أيضًا. 

قال فهمى: تم تفويضى بصلاحيات وزير حين صدر قرار ندبى رئيسًا للإدارة المركزية لدار الكتب والوثائق القومية، ومن ثم فإن القرار سليم. 

وهو كلام غير دقيق بالمرة، فبعد سنوات من هذه الوقائع كنت أجلس إلى الدكتور عبدالواحد النبوى، لأسجل شهادته على ثورة ٣٠ يونيو ضمن الموسم الثانى من برنامجى الشاهد، وسألته عما حدث فى دار الوثائق. 

حكى لى النبوى ما جرى. 

قال إن الدكتور خالد فهمى صدر قرار تعيينه يوم الثلاثاء ٤ يونيو ٢٠١٣ رئيسًا للإدارة المركزية لدار الكتب، وكنت يومها فى الجامعة أسلم أوراق الامتحانات، كلمونى وقالوا لى إن الدكتور خالد حضر إلى الدار، ويقوم بجولة فيها، والمفاجأة أنه اصطحب معه أفرادًا من خارج الدار يقيمون الآن فى الخارج بعد قيام ثورة ٣٠ يونيو، وكان من بينهم قيادى إخوانى اسمه محمد عزت آمنة، ودخل بهم أماكن حفظ الوثائق الخاصة التى لا يجب أن يدخلها أحد من خارج الدار. 

كان يجب أن تكون البداية مختلفة، فخالد فهمى- طبقًا للنبوى- لم يعمل فى الدار قبل ذلك ولم يدخلها، وكان مفروضًا أن يقرأ قانون تأسيس الدار ولائحة العمل بها، يدخل مكتبه أولًا، ثم يجلس مع العاملين فيها، قبل أن يبدأ العمل، لكنه قرر أن يبدأ عمله بجولة مصطحبًا مجموعة من الإخوان، وهو ما كان مريبًا. 

وصل النبوى دار الكتب وكان معه الدكتور محمد صبرى الدالى رئيس الإدارة المركزية للمعامل الفنية، وقالا له إنهما أساتذة جامعة مثله، وأنهما مستعدان للتعاون معه من أجل تطوير العمل فى الدار، لأنهما يعملان فى دولة، ومؤسسة لها قانونها، أخبرهما أنه سيجلس معهما كل واحد منهما على انفراد. 

قال النبوى لفهمى: لا بد أن نبتعد بالدار عن السياسة، فهى فى مسار مظاهرات تتجه إلى ماسبيرو والتحرير كل يوم، وأخاف أن يعتدى عليها أحد، وهى مؤسسة علمية وفنية لا يجب أن تتورط فى الصراع القائم وحالة الغضب ضد الإخوان. 

ذهب النبوى وصبرى إلى الدار يومى الأربعاء والخميس، ووعدهما خالد فهمى أن يجلس معهما يوم السبت. 

صباح السبت تواصل مدير مكتب عبدالواحد النبوى به وأخبره أن الدكتور خالد فهمى أصدر قرارًا بإنهاء انتدابه، وأنه لا داعى لأن يأتى إلى الدار، وكان قد صدر قرار بإنهاء انتداب الدكتور الدالى أيضًا. 

واقع الحال يشير هنا إلى أن ما قاله خالد فهمى فى استقالته عن حالة الاحتقان فى الدار والمخالفات الإدارية والفنية، لم يكن لهما وجود من الأساس، وأنه اخترع هذا الكلام من عنده ليطيح بالنبوى والدالى، وقد التقيت بهما بعد خروجهما من الدار بأيام قليلة، وأخبرانى بأن الإخوان يريدون وضع أيديهم على وثائق مهمة داخل الدار، وأن قرار انتداب فهمى للدار وإبعادهما عنها من أجل تسهيل هذه المهمة.

خرج خالد فهمى من دار الكتب إلى عمله مرة أخرى فى جامعة المنوفية ليمارس دوره كأستاذ جامعى فى كلية الآداب كأستاذ لأصول اللغة، وأصبح لقاؤه بطلابه فى مدرجات الجامعة أمرًا معادًا ومكررًا يوميًا، وهذه هى القضية الأهم التى شغلتنى بعيدًا عن البيانات التى صدرت فى حقه تنعيه وتأسف عليه كإخوانى خدم الجماعة وقدم لها كل حياته. 

يحتج البعض أن خالد فهمى صمت خلال السنوات الماضية، رغم أن متابعة بسيطة لصفحته على الفيسبوك تؤكد أنه لم يفعل ذلك، بل كان أشبه بالمنصة التى توجه الانتقادات للدولة ولمسئوليها، لكن الأخطر كان يحدث بعيدًا عن صفحته، كان يقع تحديدًا فى عقول طلابه الذين انفرد بهم، ومؤكد أنه كان يحاول صياغتهم طبقًا لمنهجه الإخوانى الذى اعترف هو نفسه به. 

حاول خالد فهمى أن يخفف من انتمائه الإخوانى عندما قال إنه يتبع منهج حسن البنا دون توابعه، وربما كان يقصد بذلك سيد قطب وما يمثله فى تاريخ الجماعة من عنف ودموية، لكنه لم يكن صادقًا فى ذلك أيضًا. 

وهنا يمكننى أن أستند إلى ما كتبه عنه الدكتور أحمد سالم الكاتب والأكاديمى. 

كتب سالم على صفحته: خالد فهمى أستاذ اللغويات بجامعة المنوفية، عين فى عهد محمد مرسى رئيسًا لدار الكتب والوثائق القومية وهو فى مطلع الأربعينيات من عمره، فهو من كوادر الإخوان داخل الجامعات المصرية، هؤلاء الكوادر الذين رحل بعضهم هربًا خارج مصر، وبعضهم فى السجن، وبعضهم يعمل بالجامعة ساكنًا، وقد سمعت خالد فهمى مرتين، الأولى فى كليتى ودخلت معه فى نقاش حاد حول الورقة التى قدمها، والثانية كانت فى جامعة الأزهر فى طنطا، وأستطيع أن أقول إن خالد فهمى قطبى النزعة فى رؤيته للعالم والمعرفة، فحين سمعته يتكلم كانت ورقته كلها مستقاة من كتاب سيد قطب «خصائص التصور الإسلامى ومقوماته»، ومتأثر بالدكتور إسماعيل الفاروقى فى كتابه عن «التوحيد» كما تتراكم رؤيته العلمية وتنتظم داخل النتاج المعرفى للمعهد العالمى للفكر الإسلامى. 

لم يتوقف حضور خالد فهمى على تواجده داخل جامعة المنوفية واحتكاكه بالطلاب والتأثير فيهم، وهو التأثير الذى لا يعلم إلا الله حدوده وخطره، ولكنه كان صاحب تواجد فى مجمع اللغة العربية الذى نعاه هو أيضًا متماهيًا مع نعى الإخوان له.

كما كان حاضرًا وبقوة فى اتحاد الكتاب الذى يرأسه علاء عبدالهادى، وكان يمكننا أن نراه فى ندواته ولقاءاته، والصور لا تكذب، والأهم من ذلك أنه كان صاحب نفوذ داخل الاتحاد للدرجة التى كان يؤثر فيها على قراراته بإلحاق الكتاب به. 

من بين ما قرأت لدى المحامى الشهير منتصر الزيات فى وداع خالد فهمى، قوله: كان الدكتور خالد فهمى دائم التردد على زيارتى بصورة شبه دورية تقريبًا، ثلاث زيارات فى العام، وإذا ما دخل أخرج قلمه ونوت بوك يحمله ويتجهز للكتابة، فيشعرك بأنك الأستاذ وهو التلميذ الذى يتلقى إجابات الأستاذ، يسأل ويستفسر وتنتفخ أوداجى وأشعر فعلًا بالأستاذية، هكذا كان رحمه الله، وآخر زيارة من شهرين تقريبًا حدثته عن امتناع اتحاد الكتاب قيدى ضمن عضويته، فوعدنى خيرًا ومضى حين باغتنى خبر غيابه النهائى. 

كان خالد فهمى إذن صاحب قرار وتأثير داخل اتحاد الكتاب، وهو ما يعنى أنه كان سببًا فى دخول عدد كبير من الإخوان إلى الاتحاد خلال السنوات الماضية، ويمكنك أن تراجع قوائم الاتحاد خلال السنوات الماضية لتعرف على وجه الدقة ما الذى حدث هناك. 

إننى أرصد وبدقة المعركة التى تدور حول خالد فهمى الآن، غضب الإخوان من كشف كادرهم داخل الجماعة، والهجوم على من ينتقدون وجوده فى الجامعة وغيرها من المؤسسات المصرية، وأعرف أنها معركة سرعان ما ستنتهى، لكنها معركة بالنسبة لى كاشفة، ويعنينى منها وضعًا أرى أنه شاذ وخطر وضار بالأمن القومى المصرى. 

من حقى أن أسأل الآن عن كم خالد فهمى إخوانى يعملون داخل الجامعات المصرية ويتحركون داخل المؤسسات المصرية بسهولة ويسر دون أن يعترض طريقهم أحد، يواصلون نشر أفكار الجماعة داخل أوساط الطلاب والشباب، ويمدون فى عمر الجماعة من خلال أجيال جديدة. 

أعتقد أن واقعة خالد فهمى لا بد أن تكون جرس إنذار، يدعونا إلى مراجعة ما يحدث على الأرض، لا أحرض على أمثال خالد فهمى فى الجامعات، فنحن فى النهاية فى بلد يحكمه القانون، لكن على الأقل لا بد من منع هؤلاء من التواصل مع الطلاب والشباب، فوجودهم هو الخطر المقبل، فهل ينتبه أحد لما أقول، وهل يمكن أن نجد حركة تطهير فى الجامعات من الأساتذة الإخوان الذين لا يزالون يعملون وينشرون أفكارهم السامة؟ 

أتمنى أن يحدث ذلك بسرعة وجدية.