محاولة جديدة لاغتيال النبى محمد.. هالة الوردى تشوّه صورة الرسول وتطعن فى علاقته بزوجاته وبمولاه زيد بن حارثة
- كتاب هالة الوردى صدر فى العام 2016 باللغة الفرنسية، و تُرجم إلى اللغة العربية خلال العام الماضى عن دار «منشورات الجمل» بتوقيع نضال حمدان.
- تتهم الصحابة وعلى رأسهم أبوبكر وعمر بمحاولة قتل الرسول مرتين من أجل الخلافة
- ترسم صورة مشوهة للإمام على وتجرده من بطولاته وتصفه بأنه كان دميمًا وتزوج السيدة فاطمة رغمًا عنه
- هالة الوردى ظهرت فى «بودكاست» مع إبراهيم عيسى للحديث عن كتابها
الكتاب ليس جديدًا، صدر فى العام ٢٠١٦ باللغة الفرنسية، وأثار وقتها جدلًا ليس هينًا، لكنه ظل مكتومًا ربما لأنه لم يُترجم إلى اللغة العربية، لكنه فى العام الماضى ٢٠٢٥ صدر مترجمًا عن دار «منشورات الجمل» بتوقيع نضال حمدان.
الكتاب اسمه «آخر أيام محمد.. تحقيق فى الموت الغامض للنبى»، ومؤلفته هى الباحثة التونسية هالة الوردى.
وقد تجدد الحديث عنه وعن كاتبته بعد أن ظهرت ضيفة لتتحدث عنه فى بودكاست يقدمه إبراهيم عيسى اسمه «جدليات»، وهو أحد إصدارات مؤسسة «تكوين».
انتهيت من قراءة الكتاب فى جلسة واحدة رغم كبر حجمه، فهو يقع فى ٤٠٨ صفحات من القطع الكبير، وهالنى ما توصلت إليه الباحثة فى كتابها، الذى حاولت فى مقدمته أن تبدى حُسن نيتها، مدللة على ذلك بأنها تقدم عملًا علميًا بحثيًا تسعى فيه إلى تتبع ما جاء فى كتب التراث السنية والشيعية؛ لترسم صورة كاملة لآخر أيام الرسول محمد «صلى الله عليه وسلم».
تدعى هالة الوردى أن كتابها عبارة عن تحقيق حول الأسابيع الأخيرة من حياة محمد، وفترة احتضاره، وكذلك حول الساعات الأولى التى تلت وفاته، وتؤكد أن ما توصلت إليه سيفتح الباب إلى تساؤلات حول نهاية محمد المليئة بالغموض.
وتضيف هالة: «يسعى هذا الكتاب إلى تقديم صورة بشرية للنبى محمد، من خلال رسم ملامح رجل من دم ولحم مثلنا، وفى هذا الصدد لم نجد أفضل من الانكباب على الحقبة الأخيرة من حياة رجل أصبح سجينًا لجسده المريض، واعيًا ضعفه، لكى نبرز بشكل جلى إنسانيته».
لا يمكننا اعتبار ما تريده هالة الوردى إلا عملًا نبيلًا، فالنبى «صلى الله عليه وسلم» فى النهاية بشر، أكد هو ذلك أكثر من مرة، وعندما تأتينا الباحثة لتؤكد المؤكد، فلا شىء فيه، بل فيه ترسيخ لمعانٍ نبوية بدأها النبى نفسه.

هل كان هذا ما فعلته هالة بالفعل؟
الخلاصة التى توصلت إليها، ويمكن لكم أن تتوصلوا إليها بأنفسكم بعد قراءة الكتاب، فأنا لا أريد فرض وصاية عليكم، هى أنها قامت بأكبر محاولة لاغتيال النبى، وكانت مداخلها إلى ذلك عديدة، وهى مداخل ذكرتها هى بنفسها، ويمكن أن نرصدها على النحو التالى من كلامها هى، فهى تقول:
أولًا: فى سردية آخر أيام محمد نجد كل المكونات التى نجدها عادة فى نهاية كل شخصية تاريخية مؤثرة، سلطان تهاوى إثر هزيمة عسكرية مدوية أمام الجيوش البيزنطية، محاولات اغتيال استهدفته، تدخلية مفرطة لمحيطه العائلى فى شئون الحكم، وصراع حامى الوطيس فى محيطه القريب ساعة احتضاره قصد إرث ملكه وثروته الضخمة.
ثانيًا: فى خضم هذه الدوامة من المطامح بقى محمد رجلًا وحيدًا يواجه طمع صحابته الضارى، وبهذا نصل إلى الاستنتاج الأزلى الذى لا يمسه تغيير، والقائل إن الدين فى غالب الأحيان ليس إلا ستارًا تحتجب وراءه المطامع البشرية.
ثالثًا: يمكننا تحليل موقف الصحابة الأكثر قربًا من النبى المحتضر- ونعنى بهم تحديدًا موقف كل من أبى بكر وعمر، وقد كانا المرشحين الأقرب حظًا لخلافته- المنشغلين بشكل محموم حول مضجعه، بإلقاء الضوء على الظروف الأليمة التى انبثقت دولة الخلافة فى ظلها، ذلك أن بوادر الشقاقات والصراعات الداخلية التى مزقت الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا، كانت مرئية بوضوح أيام احتضار محمد.
رابعًا: نتطلع من خلال سرد الأيام الأخيرة من حياة محمد إلى اقتلاع الرجل من الأسطورة الملحمية الدينية التى طمر تحتها، وإرجاعه إلى التاريخ، أى إلى الزمن البشرى.
خامسًا: لا يقبل الإسلام نفسه كجزء من الزمن البشرى، حيث يبدو وكأنه يتقدم بخطى ثابتة باتجاه الطريق المؤدى إلى الخروج من التاريخ، وهو الخروج عينه الذى جابهه الدين الجديد منذ نحو أربعة عشر قرنًا، يوم مات محمد، فالفصل الأخير من حياته مهم بما يكفى لحضنا على سبر أغواره، لأنه يضعنا أمام اللحظة الحاسمة التى واجه فيها الإسلام حقًا نهاية التاريخ، فبالنسبة إلى أتباعه كان محمد «نبى آخر الزمان»، ولم يكن موته فى نظرهم مؤشرًا على الاقتراب الحتمى لنهاية العالم.
سادسًا: شكّل موت محمد أزمة حقيقية وضعت استمرار الإسلام على المحك، وهو فصل يبدو كأنه تتكثف فيه جذور حالة التعسر التى يعرفها الإسلام فى صلب الحداثة، ومن شأن هذا الأمر أن يمكننا من تحليل تصرفات بعض المسلمين الذين جيشهم الجنون الأخروى الكارثى، وجعلهم يستعجلون الخروج من التاريخ، فراحوا يجرون العالم إلى ملاقاة القيامة، فارضين علينا مشهديتها المروعة فى مسرحة كابوسية، تتقزز لها النفوس وتقشعر لها الأبدان.

حاولت هالة الوردى أن تخبرنا بأنها باحثة متجردة، لديها منهج علمى تعمل من خلاله، فقالت إن سردها المقترح فى هذا الكتاب الهادف إلى تقصى الوقائع المتصلة بآخر أيام محمد يعتمد على القرآن ومجمل المصادر الإسلامية منها والشيعية، التى تحوى كمًا هائلًا من الروايات والمعلومات المتعلقة باحتضار النبى وموته.
وتضيف بتحسب شديد: «وإذ نستند فى هذا البحث إلى مقارنة الروايات المختلفة الموجودة فى كتب الأحاديث والسير، وكذلك فى تفاسير القرآن، وكتب التاريخ والتراجم، نذكر القارئ بأن هذه المصادر المرجعية الوافرة العدد ليست معاصرة للأحداث التى ترويها، وإنما هى متأخرة عليها بقرن ونيف فى أحسن الحالات، وما خلا طابعها المتأخر، تتميز المصادر الإسلامية بخصائص أدبية فريدة نوعًا ما: فهى عندما تتطرق إلى حدث ما، تقدمه فى روايات مختلفة مجزأة وصادرة عن رواة متعددين، وفى هذه الكتب المتعددة الأصوات يكتفى مؤلفوها بإيراد الروايات فى الحدث الواحد، رواية تلو الأخرى، حتى وإن تباينت فيما بينها، بل قل تناقضت وتنافرت، ولعل المثل الأبلغ على هذا النهج هو ما صرحت به عائشة، التى تقول طورًا إن زوجها قُتل بالسم، وطورًا آخر إنه توفى جراء إصابته بذات الجنب.
حاولت هالة ارتداء ثوب الباحثين الجادين، دفعت عن نفسها العمل من أرضية الهوى، فأكدت أنها تعتمد على القرآن وكتب التراث المعتمدة والمرجعية للأمة، وحسبتها عندما أشارت إلى أن هذه كُتبت بعد قرن ونيف من وفاة الرسول، أنها ستنظر بتشكك للروايات الواردة فى هذه الكتب التى وصفتها بأنها متناقضة، لكنها استسلمت لها تمامًا، ورسمت من خلالها صورة منفرة لعصر الرسول، وعمدت إلى تشويهه وتشويه صورة الصحابة بشكل بدا متعمدًا.
وقد تسألنى عن انحيازى لتعمد هالة الوردى لتشويه صورة الرسول وآل بيته وصحابته؟
أقول لك إنها وقعت فى مغالطة منهجية تصل بها إلى الفساد العلمى، فقد دخلت إلى بحثها وهى تضع النتيجة أمامها بشكل مسبق، وطوال دراستها وهى تسعى إلى تأكيد ما ذهبت إليه، وكأنها تقول لنا: ألا ترون.. أنا على حق، ويعرف الباحثون والدارسون وأساتذة مناهج البحث أن ما قامت به الوردى هو الجريمة الكاملة بحق البحث العلمى.
محاولة الاغتيال التى قامت بها الوردى للرسول «صلى الله عليه وسلم»، والتى اعتمدت فيها على الروايات المتناقضة والمتباينة، وبدلًا من أن تقوم بنقدها ورفض ما يتنافى منها مع العقل والمنطق، ساقتها لنا على أنها الحقيقة التى جرت، وبناء على ذلك نسجت قصتها، التى يمكن أن نقول عنها إنها مجرد رواية تاريخية، لعب فيها الخيال لعبه، وهو ما يمكننا أن نقبله، فنحن لسنا أمام عمل بحثى معتبر، بقدر ما نقف أمام عمل روائى خيالى محض.
تبدأ الوردى هجمتها على ما جرى لجسد الرسول «صلى الله عليه وسلم»، باكية وغاضبة، ترسم صورة لما حدث.
تقول: من الإثنين حتى ليل الأربعاء، بدا زمن البشر كأنه توقف، ولكن زمن الطبيعة واصل مساره الحتمى، وبدأ جثمان محمد بالتحلل وانبعثت رائحة كريهة من داخل حجرته المغلقة، سرعان ما ملأت أرجاء المكان، ويا لسخرية الأقدار، كان محمد مولعًا بأرفع أنواع العطور، وها هو التعفن ينال اليوم من جسده المُسجى تحت الرداء، وفى ظل لا مبالاة الجميع.
وفى محاولة للدفاع عن الرسول والهجوم على آل بيته وصحابته، تضيف هالة: كيف لنا أن نفهم هذه الإهانة التى طالت النبى الذى ترك جسده يتعفن فى مشهد منفر، أيعقل أن تكون الدسائس السياسية والهرولة وراء الخلافة قد شغلت الأذهان حد نسيان صحابته أداء أدنى واجب تقتضيه صيانة الكرامة البشرية ومراعاة حرمة الميت؟
لقد حاولت هالة الوردى أن تستعين بالروايات التراثية عن آخر أيام محمد، لكنها أوقعت نفسها فريسة لها، فالتهمتها الروايات التهامًا، فلم تبق منها على شىء، حتى دفعتها إلى رسم صورة مشوهة ومنفرة عن مجتمع النبى فى آخر أيامه، ومجتمع آل بيته وصحابته.
إننى لا أتبنى نظرية أن مجتمع الصحابة كان مجتمعًا ملائكيًا بلا أخطاء، ولكنه فى الوقت نفسه ليس مجتمعًا فاسدًا أو لا إنسانيًا كما صورته بتعمد هالة الوردى، وتطلب منا فى أحاديثها وكتاباتها أن نصدقها ونسير خلفها ونتتبع خطاها، معتقدة أنها بذلك تحرر الإسلام من العبء التاريخى الذى يحمله على ظهره، ويمنعه من الانطلاق إلى الحداثة، وعدم الخروج من التاريخ، ورغم أن هدفها نبيل فيما يبدو، لكن ليس هكذا تورد الإبل يا هالة.
فى سردها سيرة الرسول «صلى الله عليه وسلم» تذهب هالة إلى أن النبى فى أواخر أيامه لم يكن مطاعًا من قبل أصحابه، للدرجة التى فكروا فيها فى اغتياله مرتين.
المرة الأولى كان فيما عُرف بـ«مؤامرة العقبة»، وحدثت بعد عودة النبى من غزوة تبوك.
تقول هالة: كان الرسول على علم بهذه المؤامرة، وطلب من عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان مواكبته فى حراسة مشددة، أمسك عمار بزمام الناقة، وتولى حذيفة سوقها، كان الليل مدلهمًا عندما قام رجال ملثمون فجأة بقذف أخفاف الراحلة بالحجارة، بحيث تفقد توازنها، نجح حذيفة وعمار فى السيطرة على البهيمة واجتناب الأسوأ، وخرج النبى من الحادثة سالمًا معافى، لكنه أضاع متاعًا سقط عن مطيته- السوط والحبل وأشباهمها- وانصرف حذيفة وعمار إلى ملاحقة المعتدين، وجعلا يضربان وجوه رواحلهم بمحجنيهما، غير أن هؤلاء فروا وسارعوا إلى التخالط بما تبقى من السائرين فى ركاب القافلة، وأثناء هروب الركب، سقط بعض المتآمرين عن جيادهم، ومنهم من انكسرت رجله، ومنهم جنبه، واشتدت لذلك أوجاعهم، فلما جبرت واندملت بقيت عليهم آثار الكسر إلى أن ماتوا.
لا شىء فى حديث هالة الوردى عن محاولة لاغتيال الرسول، فقد تعرض «صلى الله عليه وسلم» لمحاولات اغتيال كثيرة، أشهرها وأكبرها ليلة الهجرة، لكنها بدأت فى التشكيك فى الجميع، فى محاولة للبحث عمن حاولوا اغتيال الرسول فى مؤامرة العقبة.
تسأل هالة عمن كان هؤلاء المتآمرون؟
وتجيب: تزودنا المصادر الإسلامية بأجوبة مختلفة، فأعداء محمد كثيرون، وثمة روايات سنية توحى بأن منفذى المؤامرة ليسوا من الأعداء المعلنين للرسول، بل هم منافقون من صحابته، فى وقت تحدثت روايات أخرى عن نفر من أصحاب الرسول.
وتذهب هالة فى يقين إلى أن كل المصادر تتفق على القول إن النبى امتنع عن الانتقام من المعتدين، وتسأل: فما كان السبب يا تُرى؟
وتجيب: مما لا شك فيه أن الضالعين فى محاولة الاغتيال تلك كانوا إما ذوى نفوذ، بحيث لا يمكنه مواجهتهم، وإما مقربين للغاية والكشف عن هويتهم فى تلك الحالة يُلحق بالرسول ضررًا معنويًا كبيرًا، وينتقص من هيبته أمام القبائل العربية، مع ذلك تحملنا كل المعطيات على الاعتقاد بأن منفذى الاعتداء هم صحابته.
ما قالته هالة الوردى عن محاولة اغتيال الرسول بعد غزوة تبوك، عادت لتقوله بعد محاولة اغتياله التى جرت بعد عودته من حجة الوداع.
تقول: تشكّل حجة الوداع فى الأدبيات الشيعية لحظة أساسية اختتمت بحدثين:
الأول: قرار الرسول باستخلاف على.
والثانى: المكيدة التى حاكها صحابته بغرض قتله وإقصاء صهره عن الخلافة، بل إن المتآمرين ذهبوا حد تحرير وثيقة أطلق عليها الشيعة اسم «الصحيفة الملعونة».
ترسم الوردى صورة لما حدث، فيوم وصول محمد لأداء مناسك حجة الوداع، أتاه جبريل فكشف له عن الآيات الأولى من سورة العنكبوت «ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين»، وفى هذه الزيارة أيضًا أعلم جبريل محمد بأن الله يأمره باستخلاف على لأن أجله يقترب.
وتضيف الوردى: قام النبى باستدعاء على وسَر له بخبر تعيينه بقرار إلهى، شغل بال عائشة المستعدة دومًا لتجسس الأخبار، للخلوة الطويلة بين الرجلين، فسألت زوجها عن الأمر، قال: ستعلمين ذلك إذا أنا قمت به فى الناس، لكن أمام إصرارها انتهى الرسول إلى إعلامها طالبًا منها التكتم على السر بانتظار اللحظة المناسبة، غير أن عائشة سارعت إلى إخبار حفصة بما سمعته من النبى، وقامت كل منهما بإطلاع أبيها عليه، أى أبوبكر وعمر.
ترسم الوردى صورة المؤامرة التى قادها الصحابة على الرسول، تقول: اعتزم الاثنان- أبوبكر وعمر- بحزم إقصاء على عن الخلافة وافتكاك السلطة منه، ثم ما لبثا أن اختليا، خلال حجة الوداع بثلاثة من صحابة آخرين كانوا أبوعبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم بن الحبيبة، وقام خمستهم بكتابة الوثيقة الملعونة التى وقعوها على مسلة رخامية حُشرت بين دعامتين فى الكعبة.
تنشر الوردى بعضًا من نص الوثيقة التى جاء فيها: وإن ادعى مدعٍ أنه مستحق للخلافة والإمامة بقربه من رسول الله «صلى الله عليه وسلم»، ثم هى مقصورة عليه وعلى عقبه، يرثها الولد منهم عن والده، ثم هى كذلك فى كل عصر وزمان لا تصلح لغيرهم، ولا ينبغى أن يكون لأحد سواهم إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، فليس له ولا لولده، وإن دنا من النبى نسبه، لأن الله يقول- وقوله القاضى على كل أحد- «إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، ومن كره ذلك من فعالهم فقد خالف الحق والكتاب، وفارق جماعة المسلمين فاقتلوه، فإن فى قتله صلاحًا للأمة، وقد قال رسول الله «صلى الله عليه وسلم» من جاء إلى أمتى وهم جميع ففرقهم فاقتلوه، واقتلوا الفرد كائنًا من كان من الناس».
يمكننا أن نفهم من نص هذه الوثيقة أن المقصود بالقتل هو على، وهو ما ذهبت إليه هالة الوردى التى تقول إنه من الواضح أن الشخص المستهدف بالقتل هو على.
لكنها فى قفزة مجنونة تذهب كما تقول: لكن اللواحق من الأحداث التى عقبت كتابة الصحيفة توحى بإمكان أن يكون الرسول شخصيًا هو المقصود فى حال قرر استخلاف أحد أفراد عائلته.
إن هالة الوردى تقول لنا ببساطة إن أبا بكر وعمر ومعهما أبوعبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم بن الحبيبة اتفقوا فيمن بينهم على قتل النبى إذا ما فكر فى استخلاف على.
تقول هالة فى جزم أحسدها عليه فى الحقيقة: عقب التوقيع على الصحيفة الملعونة راحت الأحداث تتسارع، فإذ علموا باستخلاف على الوشيك، وجب على الصحابة المتآمرين الانتقال سريعًا إلى التنفيذ، محاولين اغتيال الرسول، لكن وفى مسير الرجوع إلى مكة، أصدر الملاك جبريل أمرًا للنبى بإعلان على خليفة إعلانًا رسميًا دون الانتظار الوصول إلى المدينة.
تحدثنا هالة الوردى عن محاولة اغتيال الرسول بعد إعلانه لاستخلاف على مستندة إلى المصادر الشيعية، تقول: اتبع المتآمرون الذين حاولوا اغتيال الرسول وهو فى طريق العودة من الحج، الاستراتيجية نفسها التى اعتمدوها فى طريق العودة من تبوك، إذ اغتنموا فرصة سلوك الرسول ممرًا جبليًا شديد الصعوبة على عقبة هرشى، بين الجحفة والأبواء، فى الطريق الساحلى الذى كان يسلكه الحجيج، وحيث نزول المنحدر شاق بشكل خاص، وراح المتآمرون يدحرجون الحصى من الدباب بين قوائم الناقة، بحيث تفقد توازنها فتسقط، وبعدما اجتاز محمد الشعب خلال الليل، غفا فوق راحلته، فأيقظه جبريل ونبهه إلى الخطر الذى يتربص به، اقترب إذ ذاك النبى من المتآمرين ونادى عليهم واحدًا واحدًا، فلما سمعوا أسماءهم لاذوا بالفرار.
وتواصل هالة الودرى تبنيها وجهة نظر الشيعة، فتقول: بلغ عدد المعتدين أربعة عشر رجلًا، وهم الأشخاص أنفسهم الذين حاولوا اغتيال النبى لدى عودته من تبوك.
وتضيف هى: فى هذه المحاولة الثانية التى أحبطت فى اللحظة الأخيرة، كان شاهدا العيان هما نفسيهما أيضًا عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان اللذين رأيا المتآمرين يفرون، أما بالنسبة للرسول فقد أتى رد فعله هذه المرة مشابهًا لذاك الذى أبداه إثر مكيدة العقبة، إذ امتنع عن معاقبة المعتدين، بل إنه أحجم عن إدانتهم، مكتفيًا بالقول «فإن الله لهم بالمرصاد وسيمهلهم قليلًا ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ».
تورد الوردى ما جاء فى أدبيات الشيعة صراحة من اتهام الصحابة المقربين من الرسول أبا بكر وعمر تحديدًا بمحاولة الاغتيال، لكنها تحاول التخفف من ذلك، فتقول: ومع أنه كان لكل من الخليفتين المستقبليين حوافزه بالتأكيد، إلا أن التشابه الكبير بين المحاولتين يجعل من وجودهما التاريخى عرضة للشك، فى المقابل وعلى صعيد تحليل التمثلات ينطوى هذا التكرار على معانٍ بالغة الأهمية لكونه وكما كل تكرار موصول، يشكل دلالة على الضيق المستشعر به حيال حدث محرج، ما يحمل المستبصر فى هذه وتلك من المحاولتين، على استشفاف آثار جريمة أصلية أو جريمة بدئية كما يمكن أن يصفها علماء النفس التحليلى.
تتبنى هالة الوردى وجهة نظر ترجح أن الصحابة الكبار، وعلى رأسهم أبوبكر وعمر هم مَن حاولوا قتل الرسول، فى محاولة منها للتأكيد على أن الأمر لم يكن دينًا أبدًا، بل كان دنيا وصراعًا واضحًا على السلطة.
لم تفعل هالة الوردى ذلك فى انحياز لروايات الشيعة التى تعلى من قدر علىّ على الصحابة الآخرين، فقد رسمت للإمام على صورة منفرة أعتقد أنها اجتهدت لترسيخها، وذلك لضرب مجتمع الصحابة كله ضربة قاضية، والغريب أنها وهى فى طريقها إلى ذلك شوّهت صورة السيدة فاطمة «رضى الله عنها».
تفتتح هالة الوردى فصل كتابها المعنون «الابنة والصهر» بقولها: تزوجت فاطمة عليًا ابن عم والدها، ويبدو أن النبى فرض هذه الزيجة نوعًا ما لأن ابنته الأقل حُسنًا على الأرجح من أخواتها، لم تكن حسب العديد من المؤشرات مرغوبة بقدرهن، وإن كانت الابنة الأحب إلى قلب الرسول، الذى كان يبدى حيالها فيضًا من الحنان.
وتضيف: لم يكن متحمسًا للاقتران بفاطمة، وبخاصة أن بعض الأحاديث تلمح إلى أن خطيبته أسن منه، لكن على صاحب الطبيعة المستسلمة أذعن للأمر وقبل أخيرًا الزواج بفاطمة، التى عندما علمت بخبر خطبتها بابن عمها أرعدت وانفجرت باكية، وقالت لأبيها النبى: يا رسول الله زوجتنى ضخم البطن أعمش العين؟

وترسم هالة صورة غير معتادة للإمام على، تقول عنه: لم يكن على ليعجب فاطمة، والسبب فى ذلك مفهوم، فهو لم يكن فقيرًا فحسب، بل كان دميمًا أيضًا، إذ كان حمش الساقين، عظيم البدانة، على عكس إخوته وأبناء عمومته الهاشميين الذين كانوا ممشوقى القوام، ذا عينين رمصاوين وأنف أفطس، وبالإضافة إلى ذلك كان على أصلع، ما دفع بعمر بن الخطاب إلى تلقيبه باستهزاء بـ«الأصليع» أو «الأجليح»، ومن هنا كان لبنية على الغريبة أن جعلت منه أضحوكة المسلمين، لدرجة ذهبت معها امرأة رأته مارًا فى الطريق، حد العجب من دمامة جسمه وتشوهه قائلة: «كأنما كسر بعد جبر».
وتنحاز هالة الوردى إلى وجهة نظرها مكذبة روايات كتب التاريخ، ربما للمرة الأولى، فتقول: استسلمت فاطمة فى نهاية الأمر وقبلت على مضض بالزواج من على، ولكى تخفى الطابع الإكراهى لهذا القران وقلة حماسة الزوجين حياله، عمدت المصادر الإسلامية السنية والشيعية إلى وصف العُرس كما لو أنه كان نوعًا من التأليه الروحانى، إذ أُشهد على تزويجهما أربعون ألف ملاك، وأحاطت حور العين بفاطمة ونثرت شجرة طوبى على الزوجين الدر والياقوت.
وفى جرأة شديدة تخالف ما ترسخ فى الذهنية الإسلامية عن على وعلاقته بالرسول «صلى الله عليه وسلم»، تقول هالة الوردى: لم يكن رأى الرسول فى على ليفصح عن الكثير من التقدير لشخصه، بل إنه بدا كأنه يفضل عليه وبأشواط أخويه جعفر المقدام وعقيل المفوه، فنحن نراه فى مشهد نقله الطبرى يأخذ بلحيته ويحركه برجله ليوقظه من غفوته، ولم يكن المسلمون يجهلون قلة الاعتبار التى يكنها محمد لعلى، بل إنهم كانوا يفيضون ثرثرة فى الموضوع، فقد كان الرسول يرى فى على رجلًا كسولًا خوارًا، إذ كان الأخير فى الواقع يقضى معظم وقته نائمًا، ويتحدث بنفسه عن خموله قائلًا: كنت رجلًا نئومًا، وكنت إذا صليت المغرب وعلى ثيابى نمت، بل إن عليًا استأذن الرسول أن يعفيه من أداء صلاة العشاء لأنه يغفو عقب غياب الشمس.
وتطعن هالة الوردى فى الإمام على بوضوح، عندما تقول: غالبًا ما عزت إلى على صفات المحارب، لكن مآثره القتالية تبقى غير مؤكدة بالنظر إلى الخمول الذى كان يميزه، بل إن انكساراته وإخفاقاته يوم أضحى خليفة تشكل تكذيبًا قطعيًا لهذه السردية فى سيرة ابن عم محمد، وعلى العموم فإن الخاتمة الكارثية لمسيرته دليل على عدم نجاعته السياسية والعسكرية.
لم تتوقف هالة الوردى عند هذا الحد، وفى الغالب فهى لم تسع إلى تفكيك الأيام الأخيرة للرسول «صلى الله عليه وسلم»، ولكنها فككت حياته كلها، فطعنت من طرف خفى فى علاقته بزوجاته، وطعنت فى علاقته بمولاه زيد بن حارثة بما لا يليق، وقد فعلت ذلك متبنية الروايات التى وردت فى كتب التراث دون تمحيص أو تدقيق أو نقد.
دعوة لأساتذة التاريخ الإسلامى وعلماء الأزهر للتصدى لما قالته الوردى ومحاولات تلميعها الأخيرة
إننى لا أعرض لهذا الكتاب بهذه الصورة لأطالب بمنعه أو حرقه، فهذا ليس مسلكًا علميًا أبدًا، لكن ولأن هناك مَن يريد أن يبعث فيه الروح، ويستضيف كاتبته لتتحدث عنه، فلا أقل من أن يتصدى علماء التاريخ الإسلامى لنقده وإظهار مواطن الخلل فيه، وعلى رجال الأزهر أن يكتبوا لنا ردًا على هذا الكتاب، فهذه مسئوليتهم التى تجب عليهم، والتى يحدثوننا عنها طوال الوقت.
إننى أرى فسادًا واضحًا فى منهج هالة الوردى، كما أرى ضعفًا فى أدواتها البحثية، وألحظ استسلامًا تامًا منها لرؤية مستشرقين وعلمانيين يتعاملون مع التراث الإسلامى بمادية تاريخية محضة، فهم يشككون فى الروايات التى حملتها كتب التراث، ويرفضون الكثير منها، لكنهم عندما يريدون هدم فكرة معينة تتعلق بهذا التاريخ، فإنهم يستندون إلى هذه الروايات على أنها صحيحة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.. وهنا يقعون فى تناقض هائل، لكنهم لا يعترفون بذلك أبدًا.
المؤرخ التونسى هشام جعيط: ما تكتبه الوردى روايات خيالية لا مكان فيها للعلم.. وما تفعله تزوير فى تزوير
لقد احتفت دوائر كثيرة بكتاب هالة الوردى، وأرى أن هذا الاحتفاء يعود مرة أخرى إلى دوائر الضوء، لكن نقده ونقدها وما تقدمه بدأ مبكرًا أيضًا، وقد قرأت كلامًا مهمًا للمؤرخ التونسى هشام جعيط، وهو بالمناسبة صاحب دراسات مهمة فى التاريخ الإسلامى.
يقول جعيط: قرأت كتاب هالة الوردى المعنون بـ«الخلفاء الملعونين»، كما قرأت كتاب هذه المؤلفة الأول- آخر أيام محمد- الذى استمتعت بقراءته كرواية تاريخية طريفة ومليئة بالخيال، وإنى أرى أن هذا الكتاب «الخلفاء الملعونين» من صنف التاريخ المزور، وتنطبق عليه كلمة «التحايل الفظ».
ويتساءل جعيط: لماذا ذلك؟
والجواب أن المؤلفة تقدم هذا الكتاب على أنه تاريخ يعتمد على قراءة للمصادر والمراجع المعمقة، وهو فى الواقع رواية تاريخية خيالية ذات منحى أيديولوجى، وهذا هو عين التزوير لأنها تتستر وراء العلم لتحكى خرافاتها، فتتبنى حوارات خيالية وتصورها كأنها مأخوذة من أمهات المصادر من كتب التاريخ والسير، وما يلفت الانتباه أنه فى كثير من المواقع فإن الهوامش مغلوطة، وما هو أدهى أن المؤلفة تكثر بصفة مجحفة الرجوع إلى المصادر، وكأنها تريد إظهار تبحرها وسعة علمها بها، وهى فى الواقع تجهلها، وفى هذا مغالطة كبيرة.
ويضيف جعيط: كون المؤلفة تدعى أنها تنتسب إلى المركز الفرنسى للأبحاث فى خلية دراسة الديانات التوحيدية، فهذا أمر فظيع لكونها تقوم بتحايل على علم التاريخ لا يليق أبدًا بهذا المركز المرموق، ولو أنها قالت إنها كتبت رواية تاريخية وهو صنف من الأدب الروائى؛ لما جادلها أحد فى ذلك، أما كونها تتستر بستار التاريخ العلمى والمغلوط فى كثير من الأحيان لتطلق العنان لخيالها فهذا غير مقبول.
وينهى جعيط كلامه بقوله: زد على ذلك أن نظرتها لهذه الفترة التأسيسية للإسلام هى نظرة قائمة على أن هذا ممكن قبوله باسم حرية الرأى والتعبير، ولا يجادلها فيه مجادل من هذا الوجه، إنما هذا موقف أيديولوجى وفيه تحقير لفترة مهمة من تاريخ الإنسانية، حتى الروائى عندما يؤلف إنما يبدع أشخاصًا لهم كثافة إنسانية يدخل فى ذلك التعمق فى نفسيتهم وفى تحليلها، وما أتت به المؤلفة تحت قناع الرواية هو فى الواقع مهاجمة وتحقير لفترة ما من التاريخ أعطتها شكل الرواية، وأعطت من وراء ذلك للرواية شكل التاريخ المدقق والموثق، فهو تزوير فى تزوير على الأدب وعلى التاريخ فى آن.
ويحاول جعيط أن ينأى بنفسه عن هذا المعترك الآسن، يقول: وإنى آسف أن أنزل من مقامى إلى هذا السجال لأننى لم أقم طوال حياة مديدة بالدخول فى جو الخصومات والسجالات ولا أحبذها، لأننى أرى أنها تتنزل فى سجل سخافاتنا وهى كثيرة، لكن هذه الفترة التى نعيشها طفحت بالفساد والتمويه والسرقة ومن وراء ذلك بالغباوة، وهو ما يؤلمنى فى آخر أيامى هذه.
لقد قال مؤرخ وباحث مرموق كلمته فيما قدمته وتقدمه هالة، ويبقى أن نستمع مما يقولون لنا إنهم أصحاب الشأن كلمتهم فى هذا الكتاب، فهل يفعلونها، أم يتأخرون علينا؟







