الآباء المؤسسون لقصيدة النثر المصرية 1
العائشُ فى الجَمال.. بدر الديب.. سيد قصيدة النثر الذى كشف زيف الرومانتيكيين
- التيار القومى انتصر لقصيدة التفعيلة والقصيدة المسيسة فى مصر وتحولت مراكز التجريب إلى بيروت ودمشق وبغداد
- النشر الثانى لكتاب «حرف الـ ح» فى الثمانينيات وجد بيئة أكثر رحابة لتلقى التوجهات الجمالية لبدر الديب
لا أذكر بالضبط، متى كان أول لقاء لى بالأستاذ بدر الديب، لكنى أذكر أنه كان عند الكاتب الكبير الراحل إدوار الخراط، وكان إدوار الخراط قد قدمنى له فى عجالة بطريقته المميزة التى تضغط على الحروف وتقطع الجمل وتنتهى غالبًا بضحكة قصيرة مبهمة: «كريم عبدالسلام من الشعراء المشاغبين، الذين يكتبون قصيدة النثر ولا يعجبهم العجب»، الأستاذ بدر كان يتحدث إلى إدوار الخراط حول روايته «الزمن الآخر»، وواصل حديثه كأنما لم يسمع تقديم إدوار الخراط لى، ثم التفت إلىّ فجأة قائلًا: «أنت اسمك زى أبطال رواياتى»، لم أنطق، ولم أمسك بخيط الحوار معه لأحدثه عن كتابه «حرف الـ ح»، الذى تهرأ غلافه من يدى، فهذه عادتى مع الأحياء الكبار المؤثرين، تجدنى مرتبكًا أمامهم ولا أستطيع الحوار معهم إلا بمشقة، بعدما أعتاد على حضورهم.
ظللت فى تلك الليلة أطابق ملامح الأستاذ بدر الديب على كتاباته الباقية معى، حرف الـ«ح»، «أوراق زمردة أيوب» درة الرباعية الرواية القصيرة «حديث شخصى»، السين والطلسم، «أقسام وعزائم»، «المستحيل والقيمة»، «تلال من غروب»، «حاسب كريم الدين وملكة الحيات»، الكتابات المعمقة فى المسرح والترجمات المختارة المهمومة بأصل المعرفة الإنسانية من خلال الأساطير، كان الرجل دقيق الجسيم أميل إلى القصر، شديد الأناقة، متحدثًا مهيمنًا، له رهبة غير مصطنعة، عندما يتحدث لا تود أن تقاطعه، حتى لو كان لديك استدراك أو تعقيب، حتى يسترسل فى الحديث أكثر، لأن حديثه دائمًا مرصع بالعبارات المضيئة والجمل المفتاحية المكتملة بنفسها، والتى تثير الوعى ولا تغادر الخيال.

مرت تلك الليلة المشحونة، ولم أطلب رقم هاتفه ولم أسع إلى لقائه، رغم إعجابى الشديد بكتاباته وانحيازى إلى النموذج الذى قدمه فى حرف الـ«ح»، باعتباره أساسًا شرعيًا لقصيدة النثر المصرية الحديثة، ورغم وجود الكثير من التعليقات والحواشى والنظرات التى تخصنى تجاه هذا الكتاب المؤسس، إلا أنى دونما سبب سوى طبيعتى الخجولة المنطوية، لم أمسك بطرف خيط الحوار ولم أطرح عليه مفاتيحى ووجهة نظرى فى كتابه المؤسس.

وتصادف أنى بعد تلك الليلة بعام أو أكثر، وتحديدًا فى أبريل ٢٠٠١، كنت أجهز عددًا من مجلة «شعر» المعنية بقصيدة النثر المصرية وروافدها، علمت من الفنان الراحل عدلى رزق أن لدى الأستاذ بدر الديب نصوصًا مسرحية تجريبية يمكن أن تندرج فى مجال قصيدة النثر، وأن هذه النصوص لم تنشر من قبل، فتجرأت وهاتفت الأستاذ بدر، رغم ما سمعته عنه من ميل للعزلة وعدم ترحيب بمن لا يعرف، قلت لنفسى: الموضوع يستحق المحاولة على أى حال، والمفاجأة أنه كان مرحًا ومجاملًا ودعانى إلى فنجان قهوة فى بيته فى المقطم وأعطانى نصًا مسرحيًا جميلًا بعنوان «لعبة الأمير»، وهو معالجة من فصل واحد لهاملت شكسبير، وتحدثنا فى الثقافة المصرية الحديثة وفى الشعر والرواية وانصرفت وأنا سعيد باللقاء وباكتشاف طريق للحوار والتواصل مع هذا المبدع الكبير.
المفاجأة الكبيرة والسعيدة، حدثت فى نفس اليوم، اتصل بى الأستاذ بدر مساء، يسألنى إن كان ممكنًا بالنسبة لى أن أمر عليه مرة فى الأسبوع لأقرأ له، لأنه لا يستطيع القراءة بعينيه وأنظر فى بعض الأوراق التى يكتبها، قبلت على الفور وأنا غير مصدق أنى سأكون وثيق الصلة بكتابات هذا المبدع الكبير فى مراحلها الأولى، وتناولت مؤلفاته المتاحة عندى من مكتبتى، وظللت أنقل ملاحظاتى وتعقيباتى عليها فى أوراق منفصلة، استعدادًا للقاء الغد.
منذ بداية اللقاء وقبل أن أتناول قهوتى، مد الأستاذ بدر يده إلى بدفتر كتب فيه قصائده الأخيرة وتأملاته دون أن ينظر للورق أو يتحكم بالقلم تحكمًا كاملًا، ثم أحضر لى ثلاثة دفاتر أخرى، ومن هذه اللحظة بدأت رحلة مزاملة الكاتب الكبير، وشعرت بأن الرجل منحنى فرصة ذهبية لا تتكرر لأكون قارئه الأول ومحاوره الأول، والمطلع على مسودات أعماله، وأول من يستقبل ما يكتب أو يهجس به من أفكار، كما كان الرجل للأمانة شغوفًا وصبورًا بسماع تجاربى الشعرية ومسودات دواوينى التى لم تطبع بعد، كان اللقاء الأسبوعى بمثابة حوار إبداعى ومناقشة مستفيضة بين الأستاذ بدر وبينى، وكان يستمع إلى أفكارى، ومعظمها راديكالى قاطع عنيف بكثير من الصبر المتأمل، وكأن ما أطرحه عليه يدفعه إلى الخيال والكتابة والتعقيب الإبداعى.
أصبح اللقاء الأسبوعى يوميًا فى فترة قصيرة للغاية، إذ بعد انصرافى من اللقاء الأول الذى استطعنا خلاله تحرير نحو ٢٠ قصيدة وقطعة شعرية، هاتفنى الرجل مجلجلًا بضحكته: هستناك بكرة، وفى الصباح، كنت أقود سيارتى الصغيرة من المعادى باتجاه المقطم، وكنت أسميها: رحلة الحج إلى بدر الديب، ثم كانت اللقاءات الصباحية متتابعة بحكم ارتباطى بالعمل واضطرارى للمغادرة فى الثانية ظهر كل يوم، لتكون العبارة «نكمل غدًا» فاصلًا بين انقطاعين.

هذه اللقاءات اليومية التى استمرت نحو أربعة أعوام كانت أهم تجربة أدبية مررت بها فى حياتى، أمر عليه فى الصباح، هو ينتظرنى من السابعة، وأنا الصباح يبدأ معى من العاشرة أو الحادية عشرة، فيلومنى على التأخير، ثم أجهز قهوتى وأقرأ عليه قصيدتى الجديدة وأسأله عن الجديد عنده، فينكر أولًا بطريقة استعراضية «مفيش حاجة خالص.. ولا كلمة»، ثم يناولنى الدفتر الذى يدون فيه، لأفك خطوط الليل، نقرأ ما كتب مرة واثنتين وثلاثًا، حتى نصل إلى الصياغة التى كانت فى ذهنه، وأنقل ما كتب إلى أوراق جديدة، وأطوى الصفحة فى الدفتر، ليعرف أين توقفنا فى اليوم السابق، حتى لا يكتب على صفحة مكتوب فيها سابقًا.
ما بين ٢٠٠١ و٢٠٠٤، تولت مجلة شعر، التى كنت أقوم على إصدارها، طباعة القصائد الجديدة للشاعر المؤسس الأستاذ بدر الديب، وكنت أنظر فى الأوراق المحررة وما لدى من قصائد، ثم أخصص عدة أيام لا نتداول ولا نقرأ شيئًا سواها، فإذا استقر الأستاذ بدر على السياق والترتيب المقترح، يختار العنوان، ثم ندفع بالقصائد إلى مطبعة رخيصة فى منطقة دار السلام كنت أطبع فيها أعداد المجلة التى أوزعها مجانًا، وبهذه الطريقة صدر للأستاذ بدر عن «مجلة شعر»، دواوين: «قصائد متفرقة»، «عودة حرف الـ ح»، «مقطوعات مرغمة»، «نزهة قمرية»، «معجزة كل يوم».
ولد بدر الديب «بدر الدين حب الله الديب» عام ١٩٢٦ بمنطقة روض الفرج بالقاهرة، وتخرج فى قسم الفلسفة كلية الآداب جامعة القاهرة العام ١٩٤٦، ودرس لمدة عام علم الجمال فى جامعة السوربون على يد المفكر وعالم الجمال إيتيان سوريو عام ١٩٤٨، وحصل على درجة الماجستير فى علوم المكتبات من جامعة كولومبيا ١٩٥٣، ودرجة مهنية للتأهيل للدكتوراه فى علوم المكتبات يناير ١٩٦٠، وتولى العديد من المواقع الثقافية المهمة مصريًا وعربيًا ودوليًا، ورأس تحرير جريدة المساء القاهرية بين عامى ١٩٦٧ و١٩٨٦.
كان بدر الديب يطمح إلى لغة جديدة وبلاغة جديدة وخيال جديد، ومن هنا كان توجهه لإعادة انتخاب لغته تأسيسًا على وحدة الحرف، لا الكلمة، على الأس الأول لمادة الكلمة بعيدًا عن كل العلاقات اللغوية والمجالات الدلالية المرتبطة تاريخيًا بالكلمة المفردة، سواء فى مجالها القاموسى الخام أو تاريخ استعمالاتها التى تحدد تصوراتنا عنها ومسارات تفسيرها وتذوقها، ولكن ما أوقف تجربة بدر الديب الجمالية رغم تقديمه نموذجًا كاشفًا لزيف الرومانتيكيين الذين اختزلوا التجديد فى التخلى عن العروض الخليلى.
هو التيار القومى الساحق الذى انتصر لقصيدة التفعيلة والقصيدة المسيسة فى مصر، وأطفأ الأنوار عن الهوامش المختلفة، فتحولت مراكز التجريب إلى بيروت ودمشق وبغداد، لكن النشر الثانى لكتاب «حرف الـ ح» فى الثمانينيات وجد بيئة أكثر رحابة لتلقى التوجهات الجمالية لبدر الديب.
من هنا كانت تجارب الأحلام وكيانات النوم والعودة إلى لحظات الخلق الأولى واستخدام مفاتيح الحروف والمعرفة الباطنية واستعادة لحظات الخلق الأولى ومعارضتها، بهدف خلق صيغ تعبيرية جديدة، لكن الشاعر الراحل كان يدرك أن كل شكل يقوم أو يوجد يتحول إلى قالب، ولا بد من الثورة عليه مجددًا للبقاء فى مربع الإبداع والخلق وعدم الركون إلى اجترار ما هو بال، الصيد فعل يختلف تمامًا عن أكل الجيف والرميم، والخلق فعل لا يتكرر أبدًا ولا يتحقق مرتين بالصورة نفسها.

كثيرة هى الكتابات التى حاولت أن تقعد لقصيدة النثر المصرية بالذهاب إلى ما قدمه بعض الشعراء الرومانتيكيين من كتابات مرسلة، خالية من العروض، وهم فى ذهابهم إلى هذا النحو من التقعيد إنما يخلطون بين قصيدة النثر العربية وبين الكتابات المرسلة، التى تنتمى إلى حركة الشعر الرومانتيكى، رؤية وخيالًا وصياغة ومعجمًا، ولا تختلف عنه سوى فى التخفف من العروض الخليلى، كما يؤكدون على الفصل بين القصيدة كما يعرفونها كلامًا موزونًا مقفى يزيد عن سبعة أبيات، أو كلامًا موزونًا فى حدود شعر التفعيلة وبين قصيدة النثر العربية.
وفى نظرى أن هذا التقعيد لقصيدة النثر المصرية خاطئ شكلًا وموضوعًا؛ لأن العروض ليس المعيار الذى يميز قصيدة النثر عن قصيدة التفعيلة أو الشعر العمودى، كما أن الكتابات الرومانتيكية السالفة لحسين عفيف وأضرابه من الكتاب والشعراء الرومانتيكيين ليست السلف الحقيقى لقصيدة النثر المعاصرة، والخطأ الذى وقع فيه النقاد الذين قالوا بذلك يأتى أساسًا من عدم قدرتهم على رؤية ما وراء العروض فى الشعر أو عدم إدراكهم ماهية الشعر، وكيف تتبدى، سواء اعتمد الشاعر بحورًا خليلية أو اعتمد إيقاعات غير خليلية، أو اعتمد قانونًا إيقاعيًا من التباديل والتوافيق الإيقاعية اللا نهائية التى يوجدها كل اتساق لغوى حامل لرؤية، لا يمكن حكيها أو وصفها، أو تلخيصها، فهكذا القصيدة أيًا كان إيقاع شاعرها.
بدر الديب هو أبرز المؤسسين لقصيدة النثر فى مصر، وأغزرهم إنتاجًا وأكثرهم قدرة على الإمساك بالشعر، ولعل نظرة إلى أعماله الشعرية المتواصلة توضح لنا ذلك، فقد كتب بدر الديب كتاب «حرف الـ ح» عام ١٩٤٨، لكنه نشر متأخرًا فى الثمانينيات، وبعد نشره، جاءت الأعمال: «السين والطلسم»، «تلال من عروب»، «إعادة حكاية حاسب كريم الدين وملكة الحيات»، التى نعدها تجربة شعرية خاصة للغاية، «المستحيل والقيمة» و«أقسام وعزائم»، «مقطوعات مرغمة»، «نزهة قمرية»، «عودة حرف الـ ح»، أى أن لـ بدر الديب تسعة أعمال شعرية، تواصلت منذ عام ١٩٤٨ حتى ٢٠٠٥ وهو بذلك كان من أوائل المؤسسين العرب لقصيدة النثر، عاصر جميع تحولاتها وأنجز خلال العقود الماضية معماره الشعرى الخاص الذى يجمع بين الفكر والشعر فى إطار واحد.
فى مجمل عمل بدر الديب الشعرى تأسيس وتواصل واندفاع باتجاه الحرية فى الشعر والإضافة فى الشعر والإيمان بالشعر نفسه، ربًا سابقًا على كل ما عداه.

ونلمس أكثر من أى شىء آخر ثلاثة مرتكزات، تمثل الثالوث المقدس الذى يقوم عليه عمل بدر الديب الشعرى: ماهية الشعر والتفكير والمرأة.
يرى بدر الديب الشعر فى موضع الأرباب، يستحق أن يُعبد أولًا فكل شىء مع الشعر موصول، لا توقف فيه ولا خلل، هو الذى يحيى الوجود ويقيمه ويعطيه فى نفسه القيمة وإن حاولوا جميعًا سحبها منه. الشعر لديه، هو المتعدد المتنوع المتجدد، هو النسغ الحى فى النبات، وهو الشوق إلى المجهول لدى الإنسان، هو المستحيل وهو السعى خلف المستحيل، هو القيمة الموضوعة وهو دم الحب الذى يتدفق خلالها فيكسبها القيمة.
الشعر لديه إرادة أعلى من كل إرادة ومحرك أسبق من كل محرك يقيم الوجود ويحييه ويعطيه فى نفسه القيمة، وذلك فى دورة مده، أما فى دورة جزره وغضبه وانسحابه، فتحسب كل قيمة من العالم، بل قد ينسحب العالم نفسه ولا يعود له وجود. إرادة كهذه، إرادة الشعر تستحق أن تعبد وأن تقدس وأن يبشر بها الشاعر فى مجمل عمله وإن كان تجليها يرتبط بمشيئة لم تحل أسرارها إلى الآن.
«التفكير هو سر عظمة الإنسان»، عبارة لبدر الديب، وله أيضًا: «التفكير يجب أن تكون له قداسة كالقداسة التى تسبب للآلهة، فهو أعلى من أى مطلق، وهو فى نفس الوقت، صانع الوهم والخطأ، مسقط الإنسان فى الخطيئة».
وتشيع فى نصوص بدر الديب كلها عبارة «القول الثقيل»، ويعنى بها فى الحقيقة مركب مطلقين إذا جاز التعبير المطلق الأول هو الشعر والثانى هو التفكير، فكل أشعاره، بل كل نصوصه، تتجلى فيها الحكمة المركزة المكثفة التى بحسب قوله كالكريستال أو كالسكر المركز لا تؤكل ولا تشرب، بل تجرح العين واللسان وتفرض الصمت والنظرة الساكنة.
والمرأة لدى بدر الديب باعث للوجود، وأعلى بكثير من الرجل. أليست هى الحاملة للرحم، المستحيل الذى يمتلكه الرجل لحظة ثم يفقده ويظل يسعى خلفه طوال حياته ولا يصل إليه. يظل الرجل فى سعيه الدائم خلف المرأة المتعالية، يخترقها ويستعيدها فتظل بكرًا رغم الاختراق، «فكل امرأة بكر» لا يدانيها إلا المحب وحده المقدر له أن يجاوز قصوره وأن يصل إلى تعاليها، أو ليس المحب هو المنتصر على الموت بالتصالح معه.
والمحب العظيم، هو الشاعر العظيم، والحب دين الشاعر ومنهجه فى الاقتراب من المرأة المتعالية، فمقاربتها هو التعويض الوحيد والبلسم المتاح لعدم العودة إلى الرحم، والوصال طريق الإبقاء على الوجود قريبًا من حضن الإلهة ونعمة رحمها.
إن مجمل عمل بدر الديب الشعرى هو إعلاء للوعى والخلق والحب، إعلاء للوجود من جديد وخلق الصلة مع الوجود، كأنها لم تكن من قبل بكل ما فى طاقة الإنسان من تفان وحب، حتى لا يكون وجوده مزيفًا أو تقليدًا لموجود آخر، وفى ذلك ما صكه هو نفسه عنوانًا لأحد أعماله الشعرية «المستحيل والقيمة».
اقرأ من قصائده:
بدر الديب







