الخميس 30 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

حديث القاهرة.. لماذا ينبش محمد أبوالغار قبر صلاح عيسى؟

أمينة النقاش وصلاح
أمينة النقاش وصلاح عيسى

- قال إن فاروق حسنى أقصى «النقاش» من رئاسة تحرير الجريدة بسبب «العدد زيرو»

- ادعى أن رجاء النقاش هو أول رئيس تحرير لجريدة «القاهرة» وليس صلاح عيسى

- زعم أن الوزير عيّن صلاح عيسى بدل «النقاش» لأنه كان يريد صحيفة تخدم سياساته

شهدت الساحة الثقافية، خلال الأيام الماضية، جدلًا واسعًا عقب مقال نشره الدكتور محمد أبوالغار، تناول فيه قصة تأسيس جريدة «القاهرة»، وما دار خلف الكواليس بين وزير الثقافة الأسبق، فاروق حسنى، والناقد الراحل رجاء النقاش، أول رئيس تحرير للجريدة. 

«أبوالغار» أشار، فى شهادته، إلى أن فاروق حسنى لم يرضَ عن العدد الأول الذى أصدره «النقاش»، وأسند رئاسة التحرير لاحقًا إلى الكاتب صلاح عيسى، معتبرًا أن الأخير قدّم صحيفة جيدة دعمت سياسات الوزير دون ابتذال.

غير أن الكاتبة الكبيرة أمينة النقاش، شقيقة رجاء النقاش، سرعان ما ردّت على هذه الرواية فى منشور مطوّل، فنّدت ما أورده «أبوالغار»، مؤكدة أن صلاح عيسى لم يقبل رئاسة التحرير لتنفيذ رؤية الوزير، بل انطلاقًا من استقلاليته المهنية. 

صلاح عيسى وأمينة النقاش

هذا التباين فى الحكاية فتح الباب أمام نقاش أوسع حول تاريخ الجريدة، وأدوار شخصيات بارزة فى المشهد الثقافى المصرى، وسط روايات متعارضة تعكس اختلاف وجهات النظر حول علاقة المثقف بالسلطة.

وفى هذا السياق، تستعرض «حرف» تفاصيل القضية والجدل المثار، بما يحمله من دلالات على طبيعة العلاقة بين الثقافة والسياسة فى مصر، وكيف تُكتب روايات التاريخ الثقافى من زوايا متعددة.

عبر حسابه الشخصى على موقع التواصل الاجتماعى، نشر الدكتور محمد أبوالغار شهادة عن تأسيس جريدة «القاهرة»، موضحًا أن الناقد رجاء النقاش كان قد عمل على إعداد العدد «زيرو» للجريدة، لكنه لم ينل رضا وزير الثقافة الأسبق، فاروق حسنى، الذى أسند رئاسة التحرير لاحقًا إلى الكاتب صلاح عيسى، الأمر الذى أصاب «النقاش» بالاكتئاب ودفع «أبوالغار» إلى كتابة رسالة مواساة له.

وتحدث «أبوالغار» عن تفاصيل الأزمة، قائلًا: «بعد أن استبعد وزير الثقافة الأسبق، فاروق حسنى، الأستاذ رجاء النقاش من رئاسة تحرير جريدة (القاهرة) المزمع تأسيسها، واختار صلاح عيسى بدلًا منه أصيب النقّاش بأزمة نفسية كبيرة، ورأيت أن أكتب له رسالة أدعمه فيها نفسيًا، ورد علىّ النقّاش برسالة مماثلة».

وتابع: «فى عام ٢٠٠٠ اختار فاروق حسنى، وزير الثقافة، آنذاك، الأستاذ رجاء النقاش ليرأس تحرير صحيفة (القاهرة) وبعد عمل استمر عدة أشهر صدر العدد (زيرو) الذى لم يعجب فاروق حسنى، وقرر تغيير رجاء النقاش واختيار صلاح عيسى رئيسًا للتحرير، أصيب رجاء النقاش باكتئاب شديد بعد صدور القرار واعتبر ذلك طعنة فى مهنيته؛ كونه من أهم النقاد فى مصر، وأنه عمل بالصحافة، وكان رئيسًا سابقًا للتحرير فى دار الهلال».

وأكمل: «من حق فاروق حسنى أن يختار رئيس تحرير يعتقد أنه سوف يُصدِر صحيفة ناجحة، وفى الوقت نفسه ممكن أن تكون لسان حاله، ولكنه وجد أن رجاء النقاش سوف يصدر صحيفة تعنى بالثقافة والمثقفين وترفع مستوى الثقافة فى مصر»، مواصلًا: «فاروق حسنى كان يريد صحيفة سياسية تنشر نشاط وزارته وتكون متنوعة والثقافة جزء، ولكنها ليست الأساس فى الصحيفة، فأقصى النقاش واختار صلاح عيسى».

وأكمل: «مما لا شك فيه، أن عيسى كان من أبرع الصحفيين المصريين وعنده القدرة على إصدار صحيفة تلبى متطلبات فاروق حسنى ولكن دون ابتذال، ولأنه ربما يكون أهم كاتب مصرى للتاريخ الاجتماعى فى المحروسة، لذا أصدر صحيفة جيدة أيدت سياسة الوزير دون ابتذال، وأضافت موضوعات مختلفة مهمة».

ورأى «أبوالغار» أن مشكلة فاروق حسنى أنه لم يقم بتغيير رجاء النقاش بطريقة لائقة، مع تطييب خاطره، ووعده مثلًا بأن يكون مسئولًا عن صفحة للنقد الأدبى، وشرح أسباب التغيير له، خاصة أن صلاح عيسى زوج أخت رجاء.

كما رأى «أن ذلك لم يحدث لأن الوزراء الملتصقين بالرئيس مبارك والسيدة سوزان مبارك كانت لديهم سلطات واسعة تفوق قدرة الوزراء الآخرين، وكانت لديهم السلطة فى إخراس بعض الكُتّاب بالوعيد أو بالمنح.. فالإنسانية فى التعامل لم تكن واردة، فلم يهتم فاروق حسنى بتطييب خاطر رجل شديد الحساسية مثل رجاء النقاش».

وضرب مثالًا بالفارق فى طريقة التعامل، حين عهد صلاح دياب إلى الصحفى مجدى مهنا برئاسة تحرير «المصرى اليوم»، وعند صدور العدد «زيرو» حدث نفس الشىء؛ حيث شعر صلاح دياب والمؤسسون بأن هذه ليست الجريدة التى يريدونها، فقاموا بتغيير رئيس التحرير مع ترضية كاملة وشرح واعتذار لمجدى مهنا، على أن يستمر فى كتابة عمود يومى مهم، كان شديد الشجاعة والتأثير.

وأردف قائلًا: «عندما عرفت باكتئاب النقاش، أرسلت له هذا الخطاب، وأرسل لى ردًا، واجتمعنا فى سهرة لطيفة فى بيته، حضرتها السيدة زوجته، والصحفى محمود سالم، والأديب السودانى الطيب صالح، والمؤلف والمترجم عبدالمنعم سليم، وآخرون لا أذكرهم، وانتهت الأزمة وعادت الابتسامة إلى وجه رجاء النقاش.

ونشر «أبوالغار» رسالته إلى رجاء النقاش وجاء نصها كالتالى: 

«عزيزى الأستاذ رجاء، تحية طيبة، تابعت مع بعض الأصدقاء التطورات التى حدثت فى مجلة (القاهرة) التى تزمع وزارة الثقافة إصدارها، وقد سمعت هذه الأخبار من عدة مصادر، ولا أدّعى أنها تشكل الحقيقة كلها أو حتى بعضها، ولكننى أود أن أتوجه إليك ببعض الكلمات التى تعبر عما أشعر به فى هذه القضية.

أولًا: عندى إحساس قوى تؤيده مظاهر كثيرة أن الغرض الوحيد من إصدار هذه المجلة هو الدفاع عن سياسة الوزير ومهاجمة أعدائه، ومما لا شك فيه أن أى مطبوعة يكون هذا سبب إنشائها فإنها تحمل من أول يوم أسباب فشلها. ثم إن مجلة كهذه يكون كل من يعمل بها مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالسياسة التى أُنشئت بسببها، التى تعنى فى كثير من الأحيان أن يكتب الكاتب ما لا يعتقد ويؤمن بصدقه، وفى هذه الحالات، وبسبب البقاء مدة طويلة فى السلطة، لا يرضى الوزير أو الأمير أن نصمت أحيانًا، وإنما يُصر على التأييد المستمر حتى لو كان الأمر فجًّا وقبيحًا.

عزيزى رجاء، أنت كاتب محترم وكبير، وبحق تقف فى أعلى مرتبة من النقاد المصريين فى هذا القرن، وطوال عمرك، ومن كتاباتك تعلمنا الكثير، وكنت دائمًا الرجل الأمين الصادق عفيف اللسان. إن مجموعة كتبك العظيمة ومقالاتك الجميلة تضعك فى مرتبة أعلى بكثير جدًا من الوزير هذا أو رئيس التحرير ذاك، وفوق عملك الغزير، فخلقك القويم وإحساسك المرهف يجعلان منك إنسانًا ساميًا جميلًا.

إننى لا أرى أنك فقدت شيئًا له أى أهمية، وأنك بالتأكيد لم تكن الشخص المناسب لتولى هذا المنصب. فأنا واثق أنك حاولت ووصلت إلى أقصى ما يمكنك حتى تصنع مجلة محترمة تؤيد الوزارة، ولكن فى الحق، ولا تهاجم الآخرين بسبب المزاجات الشخصية. ولكننا، عزيزى رجاء، نعيش الآن فى عالم غريب تحكمه الأهواء الشخصية، وتتحكم فيه نفوس مريضة، ولن أتكلم عن الفساد الذى يفوق أى خيال أو تصور.

عزيزى رجاء، لا أعتقد أن هناك خيانة أو خطة أو ما شابه ذلك. كل ما هناك أنك رجل محترم، ورفضت بطريقة مؤدبة أن تبتذل، وحاولت قدر ما أمكنك أن تقوم بالعمل مع الحفاظ على الكرامة والحق والتاريخ، ولكننا، يا أستاذ رجاء، فى عالم تحكمه عصابة وقحة، وهم لا يمكن أن يتعاونوا مع إنسان حقيقى مثلك. أعلم أن الوزير له سلطات واسعة ويعطى ويمنع ويمنح، ولكنك أنظف وأكبر وأجمل من كل هؤلاء، وسوف يبقى دائمًا رجاء النقاش وجهًا ناصعًا فى تاريخ مصر، وسوف يختفى الآخرون».

عقب ما نشره د. محمد أبوالغار، كتبت الكاتبة الكبيرة أمينة النقاش عبر حسابها على «فيسبوك» ردًا غاضبًا كذّبت فيه روايته، قائلة: «أصبت بدهشة كبيرة ولم أفهم ما هو الغرض من أن يعيد الصديق الدكتور محمد أبوالغار نشر مقاله المنشور الآن عن جريدة القاهرة وعن صلاح عيسى ورجاء النقاش، اليوم برواية يبدو منها أنها الحقيقة المصفاة ويؤسفنى أنها ناقصة لحقائق غابت عنه».

وأضافت أمينة النقاش: «كنت أتمنى وأنا ما زلت على قيد الحياة أن يراجعنى فى وقائع ما يعيد نشره ليس بصفتى زوجة للأول وأختًا للثانى الذى أعده أبًا ثانيًا لى كما كتبت عنه فى حياته وقبل رحيله، بل كذلك لأننى كنت دون رغبتى طرفًا أصيلًا بها».

وتابعت: «كنت أتمنى ألا يدرج الدكتور أبوالغار اسم صلاح عيسى فى جملة تعتبره يقوم بعمل ثقافى أو غير ثقافى لخدمة وزير أو غفير لأهداف صغيرة سماها خدمة وزير الثقافة وهو يعرف تمامًا منجزه الفكرى والتاريخى».

وأكملت: «لم أعد متأكدة من أن الدكتور أبوالغار قد تعرف بالقدر الكافى على جريدة القاهرة فى عهد صلاح عيسى، التى أظن مع غيرى كثيرين، ستظل نموذجًا صحفيًا جديدًا ومبتكرًا فى تاريخ الصحافة المصرية».

وواصلت: «أما عن الحكاية التى سردها كأنها هى الحقيقة، فالوزير الفنان فاروق حسنى لا يزال على قيد الحياة، أمد الله فى عمره، ويستطيع مَن يرغب فى معرفة الحقيقة أن يطلبها منه وممن عاصروها».

وتابعت أمينة النقاش فى ردها: «أما الحقيقة كما رويت جزءًا منها فى مقالى الذى نشرته فى صحيفة الأهرام بعد أشهر قليلة من رحيل صلاح عيسى، ليس فقط للكشف عنها، ولكن أيضًا كى أتحرر بالكتابة من ندوب غائرة أدمت أعماق روحى من معارك صغيرة أشعلها صغار لأسباب شخصية بحتة وأدارها رئيس تحرير صحيفة (أخبار الأدب) بدأب، ظنًا منه أن القاهرة صدرت لمنافسة جريدته، وهى بالمناسبة صحيفة قومية حكومية تابعة لوزارة الإعلام ومجلس الشورى حينها اللذين أدارهما صفوت الشريف أحد رجال نظام الرئيس مبارك كما كان الوزير فاروق حسنى، التى نشر بها دكتور أبوالغار المقال المشار إليه، ولا أدرى ما هو الفرق إذن بين صحيفة تصدرها وزارة الثقافة وأخرى تصدرها وزارة الإعلام ومؤسسة أخبار اليوم الرسمية».

وأضافت: «ليس خافيًا على أحد المعارك الضارية التى كانت تدور علنًا من الوزير صفوت الشريف تنازعًا على النفوذ مع الوزير فاروق حسنى. وكان هو نفسه رئيس تحرير أخبار الأدب من حرّض بعض الأشخاص لرفع دعوى قضائية على كتاب رجاء النقاش عن أدب وحياة نجيب محفوظ فى سياق منهج المنافسة الشريرة الذى قاده بمهارة، بعدما أعلن نجيب محفوظ بنفسه عن أنه هو من اختار رجاء النقاش لكتابته، ونشرته مؤسسة الأهرام ليصبح واحدًا من أهم الكتب العربية الصادرة عن نجيب محفوظ».

واختتمت أمينة النقاش حديثها قائلة: «باختصار أرجو ألا تلجئنى الظروف لنشر وثائق أحتفظ بها لكشف فضائح تلك المعركة المختلقة التى أجج اشتعالها فى حينه أصحاب مصالح شخصية صغيرة وغير مهنية ولا حدود لعدم أخلاقيتها».

وما إن نشرت الكاتبة أمينة النقاش تكذيبها لرواية «أبوالغار» حتى قام الأخير بحذف مقاله من على صفحته.

 

فى تعليقه على ما نشرته أمينة النقاش، وجه الناقد الكبير د. صبرى حافظ، رسالة إليها قائلًا: «أتفق تمامًا مع سردك للوقائع، وقد عاصرتها جميعًا، وكنت صديقًا لكل منهما، بل إن لى مقالًا منشورًا فى العدد صفر الذى أصدره رجاء وفق تصوره للمجلة، وأعرف جيدًا طبيعة مقترح صلاح عيسى الذى صدر وأصبح علامة على نوع آخر من المجلات الثقافية، أما المعارك الصغيرة التى كان يثيرها المخبرون الصغار فى (أخبار الأدب) وغيرها، فقد عاصرتها وأعرف عنها الكثير، وفى رأيى أن كليهما- رجاء وصلاح- أكبر من كل مؤسسة ومن كل الصغار».

وتفاعل عدد كبير من الكتاب والمثقفين مع تعقيب أمينة النقاش؛ إذ قال الروائى سعيد نوح: «وحياة النبى يا ست الكل أستاذة أمينة لتحكى علشان الأصنام بتاعت (أخبار اليوم) وأشياء أخرى تتكشف وهذه شهادة حق لوجه الله وللتاريخ الأدبى».

من جانبه، دعا الكاتب خيرى حسن أمينة النقاش إلى كتابة شهادتها عن تلك الفترة، مشيرًا إلى أن «التاريخ الذى تعلمناه.. ومازلنا- من الأستاذ صلاح عيسى يحتم على حضرتك كشف كل ما يجب كشفه من تلك الحروب الصغيرة التى تضع الحقائق أمام التاريخ الصحفى والثقافى والإنسانى قبل ذلك.. أظن ذلك يا أستاذة.. تحياتى.. وسعيد بهذا التوضيح الذى هو توضيح التوضيح لمن يريد أن يعرف».

بدوره، اعتبر الشاعر عماد غزالى أن ما نشره «أبوالغار» لا يرقى لأن يكون شهادة تاريخية، قائلًا: «ما بقى من الراحلين العظيمين أكبر كثيرًا من هذه النمائم، بقى نتاجهما الثقافى والفكرى والتاريخى، وتلاميذ تسد عين الشمس، هذا ما ينفع الناس ويمكث فى الأرض، أما حكاوى القهاوى فزبد يذهب جفاء».