الخميس 26 مارس 2026
المحرر العام
محمد الباز

سيرة مرحاض.. كوثر دوزى: لماذا نقبل الحديث عن الحرب ونتردد أمام فعل يومى بسيط؟

حرف

- الشاعرة التونسية كوثر دوزى: الكتاب رحلة لفهم المدينة من أسفلها

- أهديتُ الكتاب لـ«القذارة» لأننى أردتُ مواجهة المفهوم لا تجنّبه

- ما تحت الأبراج والواجهات والمؤسسات الرسمية الجسد فى لحظته الأكثر هشاشة

- حظر الحديث عن التبول والتبرز لارتباطهما بجزء الجسد الذى نسعى لإخفائه

- استخدام كلمات بديلة لـ«مرحاض» محاولة لتلطيف الفعل 

- استعمال عبارات ملتفّة «دورة المياه» هدفه إخفاء الجسد من المجال العام

- حين كنت ألتقى أشخاصًا للكتاب كانوا يسألوننى: «ماذا يمكن أن يُقال عن المرحاض؟»

- المرحاض نقطة تلتقى فيها الثقافة والاقتصاد والسياسة

قد يبدو عنوان كتاب «سيرة مرحاض» صادمًا للوهلة الأولى، خاصة حين يكون توقيعه لشاعرة وباحثة، لكن هذا الانطباع الأولى سرعان ما يتبدد أمام تجربة فكرية جريئة خاضتها الباحثة التونسية كوثر دوزى.

فالكتاب، الصادر حديثًا عن منشورات الجمل، يفتح نافذة غير مألوفة على قاع المدينة، حيث يتحول المرحاض من مجرد فضاء وظيفى إلى نقطة تقاطع لطبقات متعددة من المعنى، ترتبط بتاريخ المدن وساكنيها، وتكشف عن تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية عميقة.

العمل، الذى أهدته «دوزى» إلى الروائى المغربى محمد شكرى، يتناول محمولات لفظة «مرحاض» وما تحمله من دلالات ثقافية مسكوت عنها، ويطرح أسئلة حول أسباب حظر الحديث عن أفعال يومية مثل التبول والتبرز، وكيف انعكست هذه المحظورات على الوعى الجمعى. 

وفى حوارها مع «حرف»، تكشف كوثر دوزى عن خلفيات هذا المشروع الفكرى، وعن رؤيتها لتطور المراحيض فى سياق التحولات الكبرى التى شهدتها المدن، لتضع القارئ أمام قراءة جديدة لعلاقة الإنسان بمكانه الأكثر خصوصية.

 

لنبدأ من عنوان الكتاب لماذا «سيرة مرحاض»؟

- اخترت كلمة «سيرة» لأننى لا أكتب عن مرافق معمارية متفرقة، بل عن مسار تشكُّل ثقافى واجتماعى واقتصادى وسياسى. صيغة المفرد لا تعنى مرحاضًا واحدًا، بل تحيل إلى فكرة تتكرر بأشكال مختلفة داخل المدينة. كما نقول «سيرة مدينة» رغم تعدد أحيائها، فإن «المرحاض» هنا يمثل مسارًا يتغير ويتحول عبر الزمان والمكان: من الخلاء إلى المكان المحدد، من ممارسة «طبيعية» إلى فعل مؤطّر بالآداب وضوابط السلوك بمختلف مرجعياتها، من الطهارة كمرجعية دينية إلى الصحة كمرجعية إدارية، ومن حق بيولوجى بديهى إلى إمكانية مشروطة بالموقع الاجتماعى والاقتصادى.

ولأننى أتعامل معه بوصفه مسارًا لا مرفقًا، اقتربتُ منه عبر مداخل متعددة ومتشابكة: مدخل أنثروبولوجى يستعيد جذوره وتحولاته فى المدينة العربية والإسلامية، مدخل تاريخى يتتبع آثاره المادية وطرق تنظيمه داخل العمران، مدخل لغوى يحلل تسميته وكيف تُلطّف أو تُستبدل الكلمة ذاتها، مدخل سيميائى يقرأ ما يُكتب على أبوابه وجدرانه من لافتات ورسوم وعبارات، مدخل معمارى يدرس شكله وتوزيعه داخل النسيج الحضرى، مدخل ميدانى يراقب الاستخدامات اليومية والتفاوت فى الوصول، ومدخل ثقافى يتتبع حضوره فى الأدب والسينما والمخيال العام. هذا التعدد لا يشتت الموضوع، بل يكشف عن أن المرحاض ليس فضاءً واحدًا، بل نقطة تقاطع لطبقات عديدة من المعنى. لذلك لم يكن العنوان تعدادًا لمراحيض، بل محاولة لكتابة سيرة هذا الفضاء داخل مجتمع يتغير، ولإظهار أن ما يبدو هامشيًا قد يكون مدخلًا مركزيًا لفهم تحولات أوسع فى الثقافة والمجتمع والاقتصاد والسياسة.

كيف يكون المرحاض مدخلًا إلى قاع المدينة؟

- حين أقول إن المرحاض مدخل إلى «قاع المدينة»، فأنا أتبنّى زاوية نظر تقترح أن نفهم المدينة من أسفلها لا من أعلاها. بدل أن ننظر إلى الأبراج والواجهات والمؤسسات الرسمية، ننظر إلى ما يوجد تحتها: إلى الجسد فى لحظته الأكثر هشاشة، وإلى الفضاءات التى تُخفى أو لا يُفخر بها. هذه الطريقة فى التفكير تقول إن ما نعتبره هامشيًا أو غير مهم قد يكون فى الحقيقة مفتاحًا لفهم النظام كله.

المدينة الحديثة تقوم على نوع من التقسيم الواضح: هناك ما هو «عالٍ»- العقل، النظام، النظافة، الصورة الرسمية- وهناك ما هو «سفلى»- الفضلات، الروائح، ما يجب إخفاؤه أو التحكم فيه. هذا التقسيم لا يخص الجسد فقط، بل ينعكس فى تخطيط المدينة نفسها: الواجهات فى الأعلى، والبنية التحتية تحت الأرض، المكاتب فى الطوابق العليا، والمرافق الخدمية فى الأقبية أو الأطراف. 

وغالبًا ما ترتبط المناطق السفلى أو المهمّشة بفئات اجتماعية أقل حظًا. عندما ننظر إلى المرحاض، فإننا ننظر إلى هذه المنطقة «السفلى» من المدينة، بالمعنى المادى والاجتماعى. هناك تتقاطع البنية التحتية، والعمل غير المرئى، والفئات التى لا تتحرك بسهولة فى الفضاء العام. من خلال هذا المكان الصغير يمكن فهم كيف تُدار المدينة، وكيف تُخفى بعض جوانبها لتبقى صورتها متماسكة. لذلك يصبح المرحاض مدخلًا إلى قاع المدينة: لأنه يكشف ما تعتمد عليه المدينة لكى تبدو منظمة من الأعلى.

ماذا عن الإهداء: «إلى القذارة»؟

- أهديتُ الكتاب «إلى القذارة» لأننى أردتُ أن أواجه المفهوم بدل أن أتجنّبه، لكن أيضًا لأننى لا أتعامل معه كمفهوم واضح أو ثابت. فى ظاهرها تبدو القذارة شيئًا ماديًا يجب إزالته، لكن فى العمق هى كلمة تُستخدم للفرز: نصف بها أماكن وأشخاصًا، ونُعيد من خلالها ترتيب المواقع داخل المجتمع. ما يبدو توصيفًا بسيطًا يخفى حكمًا، وما يبدو مسألة نظافة يخفى علاقة قوة.

الكتاب كله يقوم على مساءلة ما نعنيه حين نقول «قذر» أو «نظيف». لا أقدّم تعريفًا للقذارة، بل أطرح سؤالًا حولها: كيف تتكوّن؟ من يحددها؟ ولماذا تُلصق غالبًا بفئات وأحياء بعينها؟ نحن نتعامل مع هذه الكلمات وكأن معناها محسوم، بينما هى فى الواقع محمّلة بأبعاد اجتماعية وأخلاقية، لكنها أيضًا اقتصادية وسياسية. القذارة قد تكون نتيجة غياب الخدمات، أو سوء توزيع الموارد، أو قرارات تخطيطية تدفع بأحياء كاملة إلى الهامش. ثم يُعاد تفسير هذا الواقع على أنه صفة فى السكان أنفسهم.

حين نفكك المفهوم، نكتشف أن القذارة لا ترتبط بالمادة فقط، بل ترتبط بكيفية إدارة المدينة، وبمن يحصل على الصيانة والبنية التحتية، ومن يُترك فى الإهمال. لذلك فالإهداء ليس احتفاءً بالوسخ، ولا محاولة لإعادة تعريف القذارة بتعريف بديل، بل زعزعة لبداهتها. هو دعوة لفتح المفهوم على الشك، والنظر إلى ما نُقصيه سريعًا لا لتبريره، بل لفهم ما يكشفه عن نظام اجتماعى واقتصادى وسياسى كامل.

لماذا صدّرتِ الكتاب بكلمات محمد شكرى؟

- نعم، اخترت أن أضع التصدير نفسه الذى افتتح به محمد شكرى كتابه «الخبز الحافى»، لأننى شعرت بأن جملته تختصر زاوية النظر التى أنطلق منها. شكرى لم يكن أنثروبولوجيًا بالمعنى الأكاديمى، لكنه كتب بوعى عميق تجاه الهامش، تجاه الجسد، تجاه ما يُعتبر سفليًا أو منحطًا. 

حين يقول: «يخرج الحى من النتن ومن المتحلل»، فهو يقلب ترتيب القيم، يجعل الحياة تخرج منها نحتقره، لا مما نمجّده. هذا التصور قريب جدًا من الطريقة التى أنظر بها إلى المدينة. الفضاء السفلى، ما يُدفع إلى القاع، ما يُعتبر غير لائق بالعرض، هو فى الحقيقة ما تقوم عليه الحياة. البنية التحتية، الأجساد الجائعة، الأماكن المهملة- ليست خارج النظام، بل هى شرط استمراره. لذلك كان استحضار شكرى إعلانًا عن زاوية نظر: النظر من الأسفل، من حيث تُنتَج الحياة رغم الإقصاء. شكرى أعطى فكرة يمكن اعتبارها أنثروبولوجية بامتياز: أن ما يُقصى ويُحتقر هو ما يخلق الحىّ. وهذا بالضبط ما يحاول الكتاب تتبّعه داخل المدينة.

كيف ومتى جاءت فكرة الكتاب وكواليسها؟

- أنا أميل عمومًا إلى المواضيع التى تكشف تقاطعات اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية فى آن واحد. ما يجذبنى هو الموضوع الذى يبدو بسيطًا فى ظاهره، لكنه يفتح على شبكة معقدة من العلاقات. فكرة الكتاب بدأت حين قرأت مقالة لباحثة أسترالية تناولت ظاهرة التبول على الجدران فى إحدى المدن هناك. لفتنى كيف يمكن لفعل يومى ومهمَّش أن يتحول إلى مدخل لفهم المدينة، وتنظيمها، ونظرتها إلى الجسد. 

من هناك بدأ السؤال يتشكل: ماذا عن مدننا؟ كيف يُدار هذا الفضاء فى تونس؟ ما موقعه فى المدينة؟ وكيف يُفهم أو يُتجاهل؟ ومع البحث اكتشفت أن الاشتغال الأكاديمى على المرحاض موجود أساسًا فى الدراسات الأنجلوساكسونية، بينما يكاد يغيب فى السياق العربى، رغم أن للمدينة العربية والإسلامية تاريخًا طويلًا فى تنظيم هذا الفضاء. 

هذا الفراغ المعرفى كان دافعًا أساسيًا. الفكرة إذن أتت من اهتمام بتتبّع مسار اجتماعى وثقافى وسياسى عبر فضاء «صغير». أحيانًا يكون الطريق إلى فهم المدينة هو البدء من نقطة تبدو هامشية، لكنها تمس الجميع يوميًا.

من الفكرة إلى الكتاب.. كيف سارت رحلة تأليف «سيرة مرحاض»؟

- رحلة «سيرة مرحاض» لم تبدأ كمشروع كتاب مكتمل، بل كسؤال صغير أخذ يتسع تدريجيًا. كانت الفكرة بسيطة فى ظاهرها: هل يمكن لفضاء نمرّ به يوميًا دون تفكير أن يكون مدخلًا لفهم المدينة؟ من هذا السؤال بدأ المسار، وتحول الفضول إلى بحث، والبحث إلى قراءة ومشى وملاحظة مستمرة. 

كنت آنذاك أدرس فى الماستر، وبدأت أُعدّ تصورًا أوليًا حول الموضوع. كانت تلك تجربتى الأولى فى الاشتغال بشكل مستقل خارج إطار الجامعة، وكان هناك تردد داخلى: هل سيُؤخذ الموضوع بجدية؟ لكن قبول المقترح البحثى منحنى ثقة كبيرة، وفتح أمامى المجال لتحويل الفكرة إلى عمل ميدانى فعلى. بدأتُ بالعودة إلى التاريخ والأنثروبولوجيا: كيف تشكّل هذا الفضاء فى المدينة العربية والإسلامية؟ ماذا تقول الأبحاث؟ كيف تغيّرت التسمية عبر الزمن؟ ثم خرجت إلى المدينة نفسها. صرت أمشى وأسأل: أين المرحاض؟ من يدخل؟ من ينتظر؟ من يملك المفتاح؟ أحيانًا لم أجد إجابات واضحة، وأحيانًا كثيرة كانت الإجابة فى تفصيلة صغيرة: لافتة، قفل، عبارة على الجدار، تعليق عابر. حتى محاولات البحث عن تاريخ بعض المراحيض العمومية التى لم تقُد إلى أرشيف واضح أصبحت جزءًا من التجربة، لأن الغياب نفسه يحمل معنى. 

مع الوقت تجاوز المشروع إطار الدراسة الأولى. دخلت اللغة، والكتابات على جدران المراحيض، والميضأة، والمعمار، وبعض تمثلات المرحاض فى الأدب والسينما. 

كل مدخل كان يضيف طبقة جديدة. كانت رحلة تراكمية تدريجية حول فكرة واحدة تتسع باستمرار. اشتغلتُ بحماس كبير، لكن مسار النشر لم يكن سريعًا، تعطل الكتاب لسنوات قبل أن ينشر مؤخرًا. ما بين الفكرة الأولى ودفتى الكتاب، كان المسار إصرارًا على متابعة سؤال صغير، اكتشفتُ أنه يفتح على تحولات أوسع فى المدينة.

لماذا حظر الحديث عن الأفعال الجسدية المُلِحة مثل التبول والتبرز وأقصيت من الإشارة إليها فصارت مدهشة إذا ما ذكرت؟

- حظر الحديث عن أفعال مثل التبول والتبرز لأنها ترتبط بالجزء من الجسد الذى تسعى الثقافة إلى ضبطه وإخفائه. هذه أفعال يومية وضرورية، لكنها تكشف هشاشة الإنسان وحدوده البيولوجية، ولذلك يُفضَّل إبقاؤها فى نطاق الصمت. المجتمعات تبنى لنفسها صورة قائمة على التحكم والعقل والنظام، بينما هذه الأفعال تُذكّر بما هو خارج السيطرة، بما هو سائل ومؤقت وغير قابل للتجميل. لكن هذا الحظر لم يتكوّن صدفة، بل عبر تصنيفات اجتماعية وثقافية واقتصادية معقّدة. عبر الزمن، ارتبطت بعض الأفعال بما هو محظور، مدنّس، أو غير جميل لِيُعرَض. لم تعد المسألة بيولوجية فقط، بل أصبحت مسألة ذوق وقيمة وصورة عامة.

فى هذا السياق، يمكن القول إن ما يُسمّى بـ«الجمالية الحديثة» لعب دورًا حاسمًا، إذ كرّست تصورًا للجسد بوصفه نظيفًا، متحكمًا، خاليًا من الإفرازات، صالحًا للعرض. كل ما يذكّر بوظائفه الأساسية أُبعد إلى الخلف، إلى ما لا ينبغى ذكره. هناك أيضًا بُعد «أخلاقى» واجتماعى واضح. مع تطور أنظمة «اللياقة» والتهذيب، صار من غير المقبول ذكر هذه الأفعال علنًا، وكأن الحديث عنها يُهدد الفصل بين الخاص والعام. فتمّ نقلها إلى الغرف المغلقة، وإلى اللغة الملتفّة: «دورة المياه»، «المركب الصحى»، بدل تسمية الفعل نفسه. هذا الإقصاء اللغوى يعكس إقصاءً أوسع، إذ لا يُراد للجسد أن يظهر فى المجال العام إلا فى صورته المنضبطة والمقبولة. المفارقة أن ما يُحظر ذكره هو ما يشترك فيه الجميع. وحين يُذكر، يبدو مدهشًا أو صادمًا لا لأنه نادر، بل لأنه كُبت طويلًا. الصمت حول هذه الأفعال لا يعنى أنها هامشية، بل يدل على مركزيتها، فهى تمسّ الحدود التى يرسمها المجتمع بين النظام والفوضى، بين الجميل والقبيح، بين المقبول والمرفوض، بين ما يُعرض وما يُخفى. وربما لهذا السبب يصبح مجرد النطق بها فعلًا يزعزع ما اعتدنا اعتباره «طبيعيًا».

ما خصائص المرحاض التى جعلت منه موضوعًا مثاليًا لدراسة طرق التبادل والتواصل؟

- المرحاض يبدو فى ظاهره فضاءً فرديًا ومنعزلًا، لكنه فى الحقيقة نقطة تقاطع كثيفة بين الأجساد والنظام الاجتماعى. هذه المفارقة هى ما يجعله موضوعًا مثاليًا لدراسة طرق التبادل والتواصل. فهو مكان يُفترض أن يكون خاصًا، لكنه يوجد داخل فضاء عام أو شبه عام، ويخضع لقواعد، ولافتات، ومفاوضات صامتة بين المستخدمين. من يدخل؟ من ينتظر؟ من يملك المفتاح؟ هذه كلها أشكال تواصل غير مباشر. 

هو أيضًا موضوع كاشف لأنه منسى ومحظور وغير مهم فى نظر كثيرين. حين كنت ألتقى أشخاصًا لإجراء مقابلات، كانت ردة الفعل الأولى غالبًا نوعًا من الاستغراب: «وماذا يمكن أن يُقال عن المرحاض؟». كان هناك اعتقاد فعلى بأنه لا يوجد ما يُحكى عنه. لكن ما إن يبدأ الحديث حتى تنفتح طبقات كاملة من التجارب: مواقف إحراج، قصص عن البحث المضنى عن مرحاض، تمييز فى الوصول، ذاكرة مرتبطة بمدرسة أو مستشفى أو مقهى. الصمت الأولى كان يكشف حجم الكبت أكثر مما يدل على غياب الموضوع. 

كما أن المرحاض ينتج «لغة خاصة به»- إذا صح التعبير - هناك العبارات المكتوبة على الأبواب والجدران، التعليمات الرسمية، والإشارات غير المنطوقة: النظرات، الطوابير، طرق الباب، السرعة فى الخروج. إنه فضاء تتجاور فيه السلطة مع السخرية، والرقابة مع الانفلات. حتى الإحراج نفسه شكل من أشكال التواصل، فأن نحرج ونحن نبحث عن مرحاض، أو أن نتظاهر بأننا لا نبحث، هو جزء من اتفاق اجتماعى غير مكتوب.

إضافة إلى ذلك، يكشف المرحاض عن أمور نتعامل معها باعتبارها بديهية: ألا نجد مرحاضًا بسهولة، أن يكون الوصول إليه غير عادل، أن تختلف جودته ونظافته حسب المكان والموقع الاجتماعى، رغم أنه حاجة ضرورية فى أى وقت ولأى شخص.

هذه «البديهيات» هى فى الواقع أشكال من التنظيم الاجتماعى، لذلك يصبح المرحاض مختبرًا مكثفًا لفهم كيف يتبادل الناس الإشارات ويتفاوضون على وجودهم فى المدينة، ليس فقط بالكلام، بل عبر المكان، والإحراج، والانتظار، وما نعتبره طبيعيًا دون أن نسائله.

ما التحولات التى شهدها المرحاض حتى أصبح «مكانًا» فى المدينة الإسلامية؟

- قبل أن يصبح المرحاض «مكانًا» داخل المدينة الإسلامية، مرّ بتحولات متعدّدة ومتراكبة. بدأ كفعل طبيعى فى الخلاء؛ لم يكن مكان قضاء الحاجة إلا فضاءً ذا صفات محددة، مثل الابتعاد عن البيت، والخلوة، والتستّر. لكن مع تطوّر العمران والاستقرار، تطوّر المرحاض أيضًا.

يُرجّح أحد الباحثين أن استخدام تعبير «مرحاض» ارتبط بوجود الماء. كما أن هناك فترات كان فيها المرحاض مشتركًا بين الجيران حتى وصلنا إلى شكله المعروف اليوم. كان هناك دائمًا نوع من تنظيم المكان الذى نقضى فيه حاجتنا، لكن هذا التنظيم كان مرتبطًا ومتشابكًا مع طرق الناس فى تنظيم حياتهم وأدواتهم. 

يتداخل هذا «المكان»، فى فترات تاريخية مختلفة من المدينة العربية، مع إطار أخلاقى ودينى واجتماعى؛ إذ ارتبط بالطهارة والحياء والحدود. لم يكن الأمر مجرد حاجة بيولوجية، بل فعلًا اجتماعيًا منظّمًا، له آداب ومعايير وضوابط، ويعكس تصور المجتمع للجسد وحدوده. المرحاض كغرفة أصبح جزءًا من نظام ثقافى واجتماعى كامل ينظّم العلاقة بين الإنسان وفضلاته، بين الطاهر والنجس، بين المرئى والمستور. 

مرّت المدن بتحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية متعددة، وتغيّرت معها المراحيض أيضًا، فهى كاشفة وتعكس تلك التحولات. فى المدينة العربية الإسلامية كان الاستعمار وعمليات التحديث من أبرز هذه التحولات. 

كيف تفاعلت هذه التحولات فى تشكيل واقع الفضاء اليوم؟

- حين ننتقل من الجانب «الأنثروبولوجى» فى الكتاب إلى الجانب الاجتماعى الراهن، نصل إلى استنتاج أساسى: أن الثقافة والناس أوجدا طرقًا لتنظيم الصرف الصحى والمرحاض كجزء من حياتهم الاجتماعية. هذا التنظيم لم يكن منفصلًا عن البنيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، بل كان منبثقًا منها ومتشكلًا داخلها.

أما اليوم، فهذه التحولات لا تزال فاعلة، ولكن بأدوات مختلفة. ما كان يُضبط سابقًا باسم الطهارة يُدار الآن باسم الصحة العامة والمعايير والنظافة. انتقال «إدارة الميضأة» من الجامع إلى وزارة الصحة، مثلًا، لا يعنى اختفاء البعد القيمى، بل تراجع المرجعية من الدينى والاجتماعى إلى الإدارى والبيروقراطى. ومع ذلك تبقى الوظيفة الأساسية: تنظيم الجسد داخل الفضاء العام. 

لذلك يكشف المرحاض كيف تُدار المدينة، ومن يملك حق الوصول إلى الفضاء، وكيف تُوزَّع الخدمات، وكيف يُنظر إلى جسد المرأة أو الفقير أو الهامشى، وكيف يتحول الشارع إلى مساحة بديلة حين يُغلق المكان المنظَّم. المرحاض ليس تفصيلًا صغيرًا، بل نقطة تلتقى فيها الثقافة والاقتصاد والسياسة، ويظهر من خلالها ما يحدث فى العمق.

ما الأشكال اللغوية التى اتخذها وجود المرحاض فى الفضاء العام للمدينة؟

- اتخذ وجود المرحاض فى الفضاء العام أشكالًا لغوية تعبّر عن علاقتنا بالجسد وبما نريد إخفاءه. كثيرًا ما لا نستخدم كلمة «مرحاض» مباشرة، بل نستعيض عنها بألفاظ مثل «تواليت» أو «WC» أو «دورة مياه» أو «مركّب صحى». هذه التسميات ليست بريئة، فهى محاولات لتلطيف الفعل أو إزاحته لغويًا. اللغة هنا تؤدى وظيفة الحجاب: تُخفى الفعل البيولوجى خلف مفردات تحيل إلى الماء أو الراحة أو النظافة. 

حتى فى الفضاء الدينى، تغيب كلمة «مرحاض» لصالح مفاهيم «الطهارة» و«الوضوء» فيصبح الاسم نفسه جزءًا من ترتيب ما ينبغى إظهاره وما ينبغى ستره. كما تظهر اللغة فى العلامات والصور الجرافيتية التى يضعها المنظّمون لتنظيم المكان، وأبرزها الرموز الدالة على مراحيض الإناث والذكور، إضافة إلى التعليمات المتعلقة بالنظافة والاستعمال. هذه العلامات لا تكتفى بالإرشاد، بل ترسم علاقة معينة بين الشخص والمكان، وتحدد كيف ينبغى أن يتصرف داخله. 

لكن اللغة لا تقتصر على اللافتات الرسمية، بل تمتد إلى الجدران. الكتابات داخل المراحيض، النكات، العبارات السياسية، السباب، وحتى الرسوم، كلها أشكال تعبير تكشف توترًا مكبوتًا. المرحاض يصبح مساحة يُقال فيها ما لا يُقال فى العلن.

هكذا يتخذ وجوده شكلين لغويين متوازيين: لغة رسمية مهذّبة تنظّم وتؤدّب وتخفّف، ولغة شعبية فوضوية تكشف وتفضح وتتمرّد. ومن خلال هذا التوتر بين اللغتين يمكن قراءة المدينة نفسها: كيف تتحدث عن الجسد، وكيف تحاول ضبطه، وكيف يجد الناس دائمًا طريقة للردّ.

كيف شكل المكان نفسه أداء الجسد فى المكان وخارج المكان؟

- المكان لا يستقبل الجسد فقط، بل يُدرّبه. تصميم المرحاض: ضيق المساحة، ارتفاع السقف، نوع المقعد (قرفصاء/ جلوس)، ترتيب الأبواب، موضع المغاسل، وجود المرآة أو غيابها، يفرض إيقاعًا معيّنًا للحركة: كيف نقف، كيف نجلس، أين ننظر، كم نمكث. حتى التفاصيل الصغيرة مثل القفل، الطابور، أو وجود عامل مراقبة، تُنتج سلوكًا: استعجال، خفض للصوت، تجنّب للنظر، حرص زائد على «الأثر» الذى نتركه.

المكان يعلّم أحيانا كثيرة الجسد أن يكون سريعًا، صامتًا، مذلولًا، خجولًا، غير مرئى تقريبًا. إنه يُحوّل الحاجة الطبيعية إلى أداء مضبوط. وخارج المكان، يستمر هذا الأثر. حين يكون الوصول صعبًا أو المساحة غير آمنة، يتدرّب الجسد على التأجيل والكتمان، خاصةً لدى النساء أو فى المدارس، وغيرها. وحين تُغلق الأبواب أو تُقيَّد الإمكانية، يظهر أداء معاكس: تفاوض مع الحارس، تحايل على شرط الاستهلاك، أو حتى التبوّل فى الشارع كفعل غضب أو استعادة مساحة.

هكذا لا يبقى المرحاض داخل جدرانه؛ بل يمتد تأثيره إلى طريقة الوجود فى المدينة كلها. المكان يصوغ الجسد، وحين يضيق المكان، يغيّر الجسد سلوكه، تفاوضًا أو استجابة، داخل الغرفة وخارجها.

أشرت إلى افتقار المكتبة العربية إلى مراجع أكاديمية عن المرحاض كفضاء عام على عكس المراجع الأجنبية. فى رأيك ما الأسباب؟

- افتقار المكتبة العربية إلى دراسات أكاديمية حول المرحاض كفضاء عام لا يعود إلى غياب الموضوع، بل إلى حساسيته. فى السياق العربى، ما يرتبط بالإخراج الجسدى يُحاط غالبًا بالصمت أو يُختزل فى أحكام فقهية أو صحية، لا فى قراءة اجتماعية أو سياسية. هناك نوع من الحرج الثقافى يجعل هذا الفضاء «دون مستوى البحث»، وسمعت هذه الملاحظة مرارًا خلال العمل الميدانى، رغم أنه يكشف بنية المجتمع بوضوح شديد.

فى المقابل، تطورت فى الجامعات الغربية حقول مثل دراسات الجسد والفضاء اليومى والأنثروبولوجيا الحضرية، ما سمح بالتعامل مع المرحاض كمدخل مشروع لفهم السلطة والمدينة والهوية، لا كموضوع هامشى أو طريف.

فى العربية، يكاد يكون العمل الوحيد الذى تناول المرحاض بشكل مباشر هو كتاب لؤى حمزة، وهو محاولة جادة ومهمة لكسر الصمت حول الموضوع، لكنه ليس دراسة أكاديمية بالمعنى البحثى المنهجى، بل معالجة فكرية وأدبية. هذا الفراغ لا يعنى غياب الأهمية، بل يكشف فجوة فى الاهتمام البحثى.

وربما السبب الأعمق هو أن دراسة المرحاض تعنى بالضرورة الاقتراب من مناطق حساسة: الجسد، العار، السلطة، التراتبية الاجتماعية. وهذه كلها ملفات لم تُفتح بما يكفى فى البحث العربى، أو فُتحت بحذر شديد.

وربما كان غياب الاهتمام البحثى مرتبطًا أيضًا بما يمكن تسميته «بداهة التوزيع». كنت ألاحظ أن تقسيم المراحيض داخل المؤسسات والفضاءات العامة يُقدَّم دائمًا كأمر طبيعى لا يحتاج إلى تفسير: مرحاض للتلاميذ وآخر للأساتذة، للمرضى وللأطباء، للموظفين وللعموم. هذا التقسيم يُفهم بوصفه تنظيمًا عمليًا فقط، لا بوصفه تعبيرًا عن تراتبية سلطة. وحين يصبح التفاوت منطقيًا فى نظر الجميع، يتوقف عن أن يكون موضوع مساءلة. هنا تحديدًا يبدأ اهتمامى، لأن ما يبدو بديهيًا غالبًا ما يخفى نظامًا كاملًا من العلاقات غير المرئية.

لماذا اعتمدت على المنهج «الإثنوجرافى» فى بحثك؟

- اخترت المنهج «الإثنوجرافى» لأننى أدركت مبكرًا أن المرحاض لا يمكن فهمه من خلال النصوص أو القوانين فقط. هو فضاء يُعاش قبل أن يُكتب عنه. إذا اكتفيت باللوائح البلدية أو الخطاب الدينى أو المعايير الصحية، سأحصل على صورة رسمية ومنظَّمة، لكننى لن أرى كيف يستخدم الناس المكان فعلًا، كيف يتفاوضون على دخوله، كيف ينتظرون، كيف يخجلون، كيف يكتبون على الجدران، وكيف يصمتون.

«الإثنوجرافيا» سمحت لى بأن أقترب من التفاصيل الصغيرة: الجملة العابرة، الحركة المترددة أمام الباب، الفرق بين مرحاض وآخر داخل المؤسسة نفسها. هذه التفاصيل هى التى تكشف البنية العميقة. كما أننى كنت أبحث عن المسكوت عنه. المرحاض فضاء لا يتحدث عنه الناس بسهولة، لكنه حاضر بقوة فى حياتهم اليومية. لذلك احتجت إلى الملاحظة، إلى الإصغاء، إلى البقاء فى المكان. 

المنهج «الإثنوجرافى» مكّننى من رؤية التوتر بين ما يُقال رسميًا عن النظافة والمساواة، وما يُمارس فعليًا من تمييز أو تفاوت. باختصار، اخترته لأن موضوعى يتطلب الاقتراب من الجسد والفضاء كما يعيشان.

ما أبرز المزايا التى يتيحها المنهج «الإثنوجرافى» مقارنة بالمناهج الأخرى؟

- أبرز ما يتيحه المنهج «الإثنوجرافى»، فى رأيى، هو أنه يسمح برؤية ما لا يظهر فى الإحصاءات أو النصوص الرسمية، وهى نفسها غير موجودة أصلًا حول موضوع المراحيض. المناهج الكمية قد تعطينى أرقامًا عن عدد المراحيض أو توزيعها، والتحليل القانونى قد يشرح اللوائح المنظمة لها، لكن «الإثنوجرافيا» تكشف كيف يُعاش المكان فعليًا: من يتردد قبل الدخول، من يُمنع بصمت، من ينتظر طويلًا، من يشعر بأنه مراقَب، ومن يتصرف بثقة. إنها تنقلنى من مستوى «ما ينبغى أن يكون» إلى مستوى «ما يحدث فعلًا». 

الميزة الثانية أنها تلتقط التفاصيل الصغيرة التى تبدو هامشية لكنها حاسمة: نبرة صوت الحارس، الفرق فى الروائح بين مرحاض وآخر، الكتابات على الجدران، طريقة استعمال الماء، أو حتى الصمت. هذه العناصر تعبّر عن علاقات سلطة وتمييز وتضامن.

كما أن «الإثنوجرافيا» تتيح فهم التناقض بين الخطاب والممارسة، فقد يعلن المكان مساواة كاملة، بينما تكشف الملاحظة اليومية تراتبية واضحة. لذلك أرى أن هذا المنهج لا يكتفى بوصف الفضاء، بل يكشف طبقاته غير المرئية، ويُظهر كيف تُعاد إنتاج السلطة فى أدق التفاصيل.

هل شعرت بغرابة بين موضوع بحثك وكونك شاعرة؟

- لم أشعر بغرابة بقدر ما شعرت بتوترٍ خلّاق. قد يبدو موضوع مثل المرحاض بعيدًا عن الشعر فى ظاهره، لكن بالنسبة لى الشعر هو أيضًا اقتراب من التفاصيل الهامشية، من المسكوت عنه، من الجسد واللغة والصمت. ما بدا غريبًا للبعض، الجمع بين فضاء يومى حميم وكتابة شعرية، لم يكن تناقضًا داخليًا عندى، بل امتدادًا لحساسية واحدة تبحث عمّا يُخفى أو يُهمَل.

أتذكر مرة قبل أن أكون باحثة، قرأت قصيدة أمام لجنة، وكان فيها شاعر معروف. كان تعليقه بسيطًا لكنه كاشف: «فتاة مثلك، لماذا تستخدم كلمة تتبول؟». لم يكن الاعتراض على النص، بل على دخول كلمة تُحيل مباشرة إلى الجسد. فى تلك اللحظة فهمت أن المشكلة ليست فى المفردة، بل فى التوقعات: ماذا يُنتظر من الشعر؟ وماذا يُنتظر من امرأة شاعرة؟ كأن الشعر يجب أن يبقى فى منطقة مرتفعة، منزوعة من الوظائف البيولوجية، وكأن على المرأة أن تحافظ حتى لغويًا على صورة «النقاء».

لكن الشعر، فى جوهره، ليس تنقيةً للواقع بل كشف له. إدخال كلمة مثل «تتبول» كان اختبارًا لحدود اللغة: لماذا نقبل الحديث عن الحب والموت والحرب، ونتردد أمام فعل يومى بسيط؟ هذا السؤال نفسه رافقنى لاحقًا فى البحث.

الاقتراب من المرحاض لم يكن خروجًا عن الشعر، بل استمرارًا لذلك الاختبار: ماذا يحدث حين نُدخل ما نُقصيه عادةً إلى قلب الخطاب؟ كونى شاعرة لم يدفعنى إلى تجميل الموضوع أو تحويله إلى استعارة فقط، بل منحنى قدرة على الإصغاء إلى الإيقاع الخفى فى الكلام، إلى الجملة العابرة، إلى المفردات التى يستخدمها الناس حين يتحدثون عن الحرج أو النظافة أو «الطبيعى». الشعر علّمنى الانتباه، والبحث علّمنى التفكيك. لم يكن هناك صراع بين الاثنين، بل حوار وتشابك وتكامل.

إلى أى مدى يمكن تطابق نتائج دراستك فى تونس بغيرها من المدن العربية؟

- لا أتعامل مع ما توصلتُ إليه بوصفه نموذجًا يُنسخ حرفيًا فى كل المدن العربية، لأن لكل مدينة تاريخها الإدارى، وإرثها الاستعمارى، ومسارها التحديثى الخاص. تونس لها خصوصيتها فى علاقتها بالبلدية، وفى موقع الجامع داخل نسيجها الحضرى، وفى شبكة المقاهى التى تحولت عمليًا إلى بديل غير معلن للمرافق العمومية. 

لذلك لا يمكن الحديث عن تطابق كامل، خاصة أن التجارب الاستعمارية، ثم بناء الدولة الوطنية خلقت فروقات واضحة فى إدارة الفضاء العام والبنية التحتية. لكن فى الوقت نفسه، لا تنطلق الدراسة من تونس فقط بوصفها حالة معزولة. فى كتاب «سيرة مرحاض» هناك فصل «أنثروبولوجى» يتناول المرحاض فى المدينة العربية والإسلامية عمومًا، من حيث تشكّله الثقافى والرمزى. وتونس، بحكم تاريخها وثقافتها، تشترك مع هذا الإرث الحضرى فى عناصر كثيرة. 

كما أننى تناولت المرحاض فى الأدب والسينما، خاصة السينما المصرية، ما يفتح المقارنة خارج الإطار التونسى الميدانى. هذا يعنى أن تونس كانت مثالًا ميدانيًا مكثفًا، لكنها ليست الإطار الوحيد للتحليل.

أعتقد أن ما يمكن أن يتقاطع بين المدن العربية ليس التفاصيل المادية، بل البنية الثقافية التى تنظّم العلاقة بين الجسد والفضاء العام. مسألة ندرة المراحيض العمومية، أو تحويل الوصول إليها إلى تفاوض يومى، أو ربطها بالاستهلاك، أو وجود تراتبية غير معلنة داخل المؤسسات، تظهر بدرجات مختلفة فى أكثر من سياق عربى. 

قد تختلف البنية التحتية تبعًا للتاريخ السياسى والاقتصادى، لكن البنية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، أى التوتر بين الطهارة كقيمة موروثة، والنظافة كخطاب إدارى حديث، وبين الحق والامتياز، تبدو أكثر استمرارية. لذلك أرى تونس عدسة مكبّرة لأسئلة أوسع، لا استثناءً منفصلًا عن محيطه.