خالد زيادة: الذين انتفضوا فى 2011 لم يملكوا القيادات ولا البرامج
- لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب الآن.. وعلى دولنا صياغة أفكارها بنفسها
- «الربيع العربى» أدت إلى تدخلات إقليمية ودولية سافرة فى المنطقة
- الغرب لا يريد عالمًا عربيًا مزدهرًا على حدوده المتوسطية
- العرب أهدروا وقتًا طويلًا ومالًا كثيرًا على التسلح والصراعات دون فائدة
- لم نعرف كيف نخوض الحرب ولا عرفنا كيف نصنع السلام
يتمسك الدكتور خالد زيادة، المفكر اللبنانى، بآرائه التى ساقها فى كتابه المهم والأشهر «لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب»، رغم تداول العنوان والفكرة بالسخرية والانتقاد على مواقع التواصل الاجتماعى مؤخرًا، معتبرًا أنه فى الوقت الراهن لم يعد لأوروبا أفكار كبرى تقدمها للعالم، ما يتطلب من العرب صياغة أفكارهم بعقولهم.
فى حواره التالى مع «حرف»، يشرح السفير اللبنانى الأسبق فى القاهرة هذه الفكرة بالتفصيل، مُفككًا فى الوقت ذاته المشهد اللبنانى والعربى، ودور المنظمات الفلسطينية المسلحة فى إشعال الوضع اللبنانى وتفجيره وصولًا إلى الحرب الأهلية اللبنانية، التى دامت لقرابة عقدين من الزمن، وخلّفت أكثر من 120 ألف قتيل.
كما يتطرق «زيادة» إلى دور المثقف، وكيف ينحسر مع استقرار السلطة فيتحول إلى المعارضة، فضلًا عن رأيه فى «ثورات الربيع العربى»، وكيقف أدت إلى «تدخلات خارجية سافرة» فى المنطقة، وغيرها من القضايا الأخرى فى السطور التالية.

■ فى تقديمك لكتاب «خمسون سنة على حرب لبنان ١٩٧٥» أشرت إلى امتداد هذه الحرب داخل الطائفة الواحدة.. كيف حدث ذلك؟
- الطوائف فى لبنان ليست كيانات ساكنة أو جامدة، إنها جزء من المجتمع اللبنانى تتطور معه وداخله. من جهة أخرى، الطائفة تمثّل مجتمعًا سياسيًا، أى أن له قياداته وزعاماته وعائلاته النافذة.
خلال الستينيات من القرن العشرين، أى قبل عقد على نشوب الحرب، حدث تطور اجتماعى متسارع نتيجة المشاريع التنموية، وحرص الدولة على نشر التعليم الرسمى فى المناطق الأقل نموًا. أدى ذلك- مع جملة عوامل أخرى- إلى تغيير داخل كل طائفة، خاصة بروز قيادات تمثّل الفئات الوسطى والأقل حظًا.
هذه القوى هى التى كانت حاضرة خلال الحرب. كانت الحرب بمثابة الظرف الذى أتاح لهذه القوى أن تطرح الشعارات والمطالب الأكثر «راديكالية»، إلى جانب العمل عن وعى على إزاحة الممثلين التقليديين داخل كل طائفة.
والصراع بين القوى الصاعدة والقوى التقليدية بين الأحزاب ضمن الطائفة الواحدة لم يكن أقل ضراوة من الصراع مع الخصوم. لذا امتدت الحرب داخل الطائفة المارونية والطائفة الشيعية، بسبب الصراع على من يملك تمثيل الطائفة.

■ العقود اللاحقة على «اتفاق الطائف» شهدت تثبيت القوى التى أفرزتها الحرب لنفوذها فى الدولة والمجتمع والاقتصاد.. إلى أى مدى تشكل هذه القوى المشهد اللبنانى الراهن؟
- رغم أن «اتفاق الطائف» ينّص على انسحاب تدريجى للقوات السورية، لكن سوريا بقيت بجيشها ومخابراتها ونفوذها فى إدارة الشئون السياسية، بما فى ذلك التدخل المباشر فى اختيار رئيس الجمهورية والوزراء والنواب. بالتالى أعطت لحلفائها من الميليشيات التى كانت تقاتل خلال الحرب النفوذ السياسى بعد الاتفاق.
■ لماذا لا تزال الحرب حاضرة فى الواقع السياسى والاجتماعى اللبنانى رغم الإعلان الرسمى عن انتهائها.. وإلى أى مدى تجلى ذلك خلال حرب غزة الأخيرة؟
- لا شك أن أحد الأسباب الرئيسية هو العدوان الإسرائيلى المستمر على لبنان. هذا العدوان أعطى ذرائع لتسلح فئة من اللبنانيين، ودخول الدول فى الشأن اللبنانى. حالة الحرب على الحدود الجنوبية مع إسرائيل تنعكس على مواقف الفئات والتيارات والطوائف داخل لبنان.
السبب أو الذريعة الرئيسية لنشوب الحرب عام ١٩٧٥ هو الوجود الفلسطينى المسلّح. انقسم اللبنانيون فى المواقف من ذلك: فئات تؤيد الكفاح المسلّح الفلسطينى، وفئات ترى أن الوجود الفلسطينى يهدد السيادة اللبنانية.
هذا الانقسام سمح لدول بأن تتدخل وتصبح طرفًا فى الحرب، وأغراضها فى ذلك متعددة، منها فرض النفوذ داخل لبنان، الذى يسمح لها بتقوية موقفها التفاوضى مع الدول الأخرى. الحرب الطويلة فى لبنان كانت أيضًا حربًا بين أطراف خارجية تتدخل مباشرة أو بالواسطة والوكالة لمد المقاتلين بالمال والسلاح.

■ تشير إلى أن الحرب بدأت فعليًا قبل ١٣ أبريل ١٩٧٥.. كيف ذلك؟
- الحروب لا تبدأ بشكل مفاجئ، والسنوات السابقة للحرب كانت تشهد صدامات مسلحة بين الجيش اللبنانى والمنظمات الفلسطينية، بالإضافة إلى تصاعد التوتر السياسى والاستقطاب الطائفى أيضًا. كل هذه العوامل كانت تُنذر بالصدام الواسع، أو اندلاع حرب وشيكة فى لبنان.

■ وماذا عن دور الصراع على هوية لبنان بين «العروبة» و«السيادة» فى تفجير الأزمة لاحقًا؟
- عند إعلان دولة لبنان الكبير عام ١٩٢٠، كان موقف العديد من الأطراف، والأغلبية من المسلمين، ضد هذا الإعلان، إذ كانوا يطالبون بالوحدة السورية، وهو الطرف العروبى. وفى عام ١٩٤٣، بعد الاستقلال مباشرة، تم التوافق بين كل القوى والتيارات على أن يكف الذين يطالبون بالوحدة مع سوريا عن مطلبهم، وبالمقابل، لا يطلب الطرف الآخر الحماية من فرنسا أو غيرها.
لكن التيار العروبى الذى يرى أن لبنان جزء من العالم العربى بقى قائمًا وفاعلًا. وفى المقابل، التيار الذى يقول إن لبنان مستقل بذاته كذلك بقى فاعلًا وقويًا. والحرب اللبنانية فى جانب منها كانت بين هذين التيارين العريضين.
لذا، يقول «اتفاق الطائف» فى مقدمته: «إن لبنان ذو وجه عربى»، أى لا ينفى انتماء لبنان إلى العروبة، دون القول إنه جزء من الأمة العربية. من الواضح أن فكرة الوحدة العربية قد تبدلت، ولم تعد كما كانت فى الستينيات من القرن الماضى.

■ ما العوامل التى جعلت الطائفة الشيعية تشهد التحولات الأعمق اجتماعيًا وسياسيًا؟
- لا شك فى أن الطائفة الشيعية كانت الأكثر حرمانًا بين الطوائف اللبنانية. لم تكن كلها محظوظة، كانت بضع عائلات فقط تملك النفوذ داخل الطائفة الشيعية، وهذا ما أدى فى وقت مبكر إلى انتشار الأحزاب الأيديولوجية داخل الطائفة من أحزاب قومية وشيوعية وغيرها.
استفادت الطائفة من برامج التنمية فى الستينيات، وتوسع التعليم إلى نهوض اجتماعى، وازدياد عدد المتعلمين. ترافق ذلك مع وصول الإمام موسى الصدر إلى لبنان، وكان شخصية مؤثرة، عمل على النهوض بالطائفة من خلال المؤسسات الخيرية والمدنية. كما ترافق مع هجرة واسعة من أبناء الطائفة فى الجنوب إلى بيروت.
أصبح للإمام موسى الصدر النفوذ الأبرز فى الطائفة، خاصة بعد تأسيس «المجلس الإسلامى الشرعى الأعلى» وانتخابه رئيسًا له. وأسس «حركة المحرومين» ثم «حركة أمل».. أفواج المقاومة اللبنانية التى كانت جاهزة فى بداية الحرب. وبعد الثورة الإسلامية فى إيران، دخل عامل جديد على الطائفة الشيعية فى لبنان، تُرجم بتأسيس «حزب الله» عام ١٩٨٢.
باختصار، الطائفة الشيعية شهدت عوامل عديدة، اقتصادية واجتماعية وسياسية وأيديولوجية، جعلتها الأكثر تبدلًا وحضورًا فى سنوات الحرب وبعدها.

■ يطرح كتابك الصادر مؤخرًا «مصر الثقافة والهوية» سؤالًا حول دور المثقف ووظيفته، وهل يشكلان كتلة متجانسة أم أنهما قد يتناقضان أحيانًا.. كيف تجيب التجربة المصرية عن هذا السؤال؟
- فى تجربة بناء الدولة فى مصر، أى خلال عهد محمد على باشا، ثم فى عهد الخديو إسماعيل، وفى المرحلة ما بعد ثورة ١٩١٩، نجد أن المثقفين قد لعبوا دورًا رئيسيًا فى بناء الدولة والمؤسسات، وفى بناء الحياة الدستورية والحزبية. وكذلك خلال المرحلة الليبرالية التى تنتهى مع ثورة عام ١٩٥٢.
الكل يعرف دور رفاعة الطهطاوى فى فترة حكم محمد على باشا. و«الطهطاوى» يحمل الاسم الأبرز بين أشخاص آخرين أسسوا التعليم فى مصر، والذى كان عاملًا أساسيًا فى بناء المؤسسات والجيش.
والاسم البارز فى عهد الخديو إسماعيل هو الشيخ على مبارك، الذى كان وزيرًا فى عدة مهام، أسس دار العلوم، وأشرف على تخطيط القاهرة الجديدة، وهو فى نفس الوقت كاتب ومؤلف. فى عهد إسماعيل تحديدًا لعب المثقفون دورًا فى التعليم، وفى الصحافة التى كانت تعبّر عن وجهات نظر سياسية واجتماعية متعددة.
وقبل ثورة ١٩١٩، لعب خريجو مدرسة الحقوق دورًا فى بناء فكرة الوطنية المصرية. نذكر على سبيل المثال: مصطفى كامل، مؤسس «الحزب الوطنى»، وأحمد لطفى السيد، المفكر الذى أسس مع آخرين حزب «الأمة». وبعد ثورة ١٩١٩، كان للمثقفين دور رئيسى فى تأسيس الحياة الدستورية والبرلمانية والحزبية.
المثقفون هم الذين يلعبون دورًا فى بناء الفكرة الوطنية، والأمر لا يقتصر على مصر، إنهم يشكلون كتلة تاريخية، تعمل من أجل بناء نموذج وطنى، وإن اختلفت التوجهات وتناقضت.
لكن دور المثقف فى مراحل البناء الوطنى ينحسر تدريجيًا بعد استقرار السلطة، التى تقوم أجهزتها بالدور الذى كان يقوم به المثقف. من هنا يتحول المثقف إلى مُعارض أو صاحب رأى قد لا يتفق مع رجل السلطة، خاصة إذا انحسرت المرحلة الليبرالية التى تتيح تعدد الأحزاب والاتجاهات والرأى.
لهذا يمكن القول إن دور المثقف يختلف من مرحلة إلى أخرى، ففى كل بلاد العالم لعب المثقفون أدوارًا بارزة فى بناء فكرة الدولة. نجد ذلك فى فرنسا خلال القرن الثامن عشر مع نهوض فلاسفة التنوير الذين صاغوا الأفكار التى صنعت التحولات الثورية فى فرنسا، وكذلك فى بلدان أوروبا.
ويمكن أن نؤكد دور المثقفين فى الثورات فى روسيا والصين وغيرهما. لكن يحدث تحوّل عند استقرار الدولة ومؤسساتها، فيصبح دور المثقف أقرب إلى المُعارض، لأنه يسعى دائمًا إلى الحفاظ على قيم أساسية، خاصة الحريات العامة وحرية الرأى.

■ لماذا لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب؟
- فى مطلع القرن التاسع عشر كنا نأخذ عن أوروبا التقنيات العسكرية والعلوم المتعلقة بالصناعات، ثم بدأ متنورون يأخذون عن أوروبا أفكارها، خاصة مفاهيم «الوطن» و«الحرية». لهذا نجد عند رفاعة الطهطاوى، فى مؤلفاته المتأخرة مثل «المرشد الأمين» و«مناهج الألباب المصرية فى مباهج الآداب العصرية»، هذه الأفكار والمفاهيم المستمدة من عصر التنوير.
ثم تأثرنا بفكرة القومية التى انتشرت فى كل العالم. وهكذا نجد أن العرب وغير العرب قد تأثروا بعد الحرب العالمية الأولى بالأفكار الفاشية القومية والأفكار الشيوعية، أى الأيديولوجيات التى شاعت وانتشرت بين الحربين.
الآن لم يعد لأوروبا أفكار كبرى تقدمها للعالم. ولم يعد زمننا زمن الأيديولوجيات الشمولية. لذا لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب على مستوى الأفكار، وعلينا أن نصيغ أفكارنا بعقولنا ومن خلال تجاربنا.
■ كيف تقيّم مجمل التحولات التى يشهدها العالم العربى منذ عام ٢٠١١؟ ولماذا تعتقد أن هذه الأحداث ما زالت مفتوحة على احتمالات متعددة ولم تصل إلى الاستقرار بعد؟
- أعتقد أن التقييم لدى العديد من الاتجاهات هو تقييم سلبى. فالثورات أدّت إلى تدخلات سافرة، خاصة فى ليبيا وسوريا واليمن، وهى تدخلات إقليمية ودولية، الأمر الذى لم يفسح فى المجال أمام اكتمال التغيير المنشود. ما زالت هذه البلدان تعانى من انقسامات وعجز عن إكمال المسار الديمقراطى. ولا يمكن أن نستبعد القصور الذاتى، أى أن الذين انتفضوا لم تكن لهم القيادات التى تدير التحول التدريجى وفق برامج واضحة.
■ كيف تفسّر ما وصفته بـ«الفوات التاريخى» مقارنة بدول كانت أقل نموًا من بعض الدول العربية؟
- باختصار شديد يمكن القول إن الدول العربية قد أهدرت الوقت الطويل والمال الكثير على التسلّح، دون أن تجنى فائدة أو تحقق الآمال التى كانت الشعوب تنتظرها. كما أهدرنا الكثير من الطاقات فى الصراعات العربية. لم نعرف كيف نخوض الحرب ولا عرفنا كيف نصنع السلام. لكن هناك أمورًا لا نأخذها بالاعتبار كثيرًا. من الضرورى أن نأخذ بالاعتبار الموقع الجغرافى لعالمنا. لم يكن الغرب يريد أن يرى على حدوده المتوسطية عالمًا عربيًا ناهضًا ومزدهرًا.







