الإثنين 12 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

الزيوانى الجزائرى.. الصديق حاج أحمد: مَدين لطه حسين ومحفوظ والعقاد فى جرّى إلى الرواية

الصديق حاج أحمد
الصديق حاج أحمد

- الرواية هى الصوت الداخلى الذى يعكس خواطر فؤادى ورؤى عقلى

- «الطانفا» مصالحة للرواية العربية مع جوارها الإفريقى الذى تنكرت له

- الرواية الجزائرية والعربية تنظر إلى إفريقيا بشىء من الدونية 

بين عمله الأكاديمى أستاذًا للتعليم العالى لمقياس اللسانيات العامة ولسانيات الخطاب بكلية الآداب فى جامعة «أدرار» الجزائرية، ومزرعته فى ذات الولاية، وإبداعه السردى الروائى يعيش الكاتب الجزائرى، الصديق حاج أحمد، الُملقب بـ«الزيوانى».

يركز «الزيوانى» جيدًا على الأدب الإفريقى، وتأهلت روايته الأحدث «الطانفا» إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، فى دورتها 2025 - 2026 فرع الآداب.

و«الزيوانى»، مدير «مخبر سرديات الصحراء» فى جامعة «أدرار»، وسبق أن فاز بالجائزة التقديرية الوطنية من وزارة الثقافة حول الكتابة السردية عن الصحراء. كما وصلت روايته «مَنّا» إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2023.

أصدر أولى رواياته عام 2013 تحت اسم «مملكة الزيوان»، لتتابع أعماله السردية الروائية، حيث صدرت له فى العام 2015، رواية «كامارادْ.. رفيق الحيف والضياع»، وفى العام 2021 أصدر رواية «منا قيامة شتات الصحراء»، ومطلع العام الجارى صدرت روايته «الطانفا»، والتى تأهل عنها إلى القائمة الطويلة لـجائزة الشيخ زايد للكتاب.

فى حواره التالى مع «حرف» يكشف «الزيوانى» أثر المكان على سرده الروائى، وأسباب القطيعة بين الرواية العربية وجوارها الإفريقى. كما يتطرق إلى الخصوصية المكانية التى تتمتع بها بلدته «أدرار»، وما تعنيه له الجوائز، ومشاهد الأفارقة المهاجرين هجرة غير شرعية على مرمى حجر من بلدته.

■ بداية.. بمَ تقدم نفسك للقارئ المصرى؟

- الصدّيق حاج أحمد كما يدعى فى الوسط الثقافى بـ«الزيوانى»، روائى وأكاديمى، اتخذ من فضائه الصحراوى الطينى القصورى منطلقًا ومرجعًا فى مشروعه السردى، الذى ينفتح على الجوار الإفريقى، وتكرّس هذا على مستوى روايتى الأربع التى صدرت تباعًا خلال السنوات الماضية، بداية من الأولى «مملكة الزيوان» ٢٠١٣، مرورًا بـ«كاماراد.. رفيق الحيف والضياع» ٢٠١٦، و«مَنّا.. قيامة شتات الصحراء» ٢٠٢١، التى وصلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية دورة ٢٠٢٣، وصولًا لرواية «الطّانفا» ٢٠٢٥، وما تخلّل هذه الروايات الأربع، من سرديات مفتوحة، كرحلتى لبلاد السافانا «مالى والنيجر والسودان» ٢٠١٨، و«رقوش.. لوحات سردية من عالم الصحراء» ٢٠١٩، وسردية من «نوادر واد بوعلى» ٢٠٢٤، وأنا أستاذ برتبة بروفيسور بكلية الآداب جامعة «أدرار»، ومدير سابق لمختبر سرديات الصحراء بذات الجامعة.

■ وصلت روايتك «الطانفا» للقائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب.. عم تدور؟

- الرواية تتعرّض لموضوع حيوى، ذلك المتعلّق بالهويات الثقافية الإفريقية، وامتداد تلك الهويات الجزائرية العربية مع الجوار الإفريقى، وقد اتخذت من شخصية «بوغرارة» تاجر التمور الحراوية سنة ١٩٥٨ فى رحلة تجارية نحو أسواق إفريقيا تحديدًا مدينة غاو، أين يكتسب أموالًا طائلة، ليتحوّل بعد لأكبر تاجر لقماش الطانفا أو الواكس الإفريقى، ومن ثمّ ينخرط فى إمداد الأسلحة من إفريقيا نحو جبهة التحرير الجزائرية بالجنوب الجزائرى عن طريق شاحنته، وبعدها يتيه فى أدغال إفريقيا ليصبح أكبر مستورد وموزّع لهذا القماش على مستوى إفريقيا وجزر الكاريبى، الرواية وإن حملت صبغة التجارة؛ لكنها حاولت أن تقدّم سرديات عن الهويات الثقافية الإفريقية، وبذلك تقوّض الخطاب الاستعمارى الذى دعا ويدعو حتى بعد خروجه من القارة، فصل شمالها العربى عن جنوبها الزنجى.. باختصار رواية «الطّانفا» هى البوابة الجنوبية للرواية الجزائرية والعربية المفتوحة على إفريقيا.

■ ما الذى تمثله رواية «الطانفا» فى مشوارك الإبداعى؟

- تمثل الرواية لى فى مشوارى الإبداعى،ذلك الصوت الداخلى الذى يُمسرِح خواطر فؤادى ورؤى عقلى فى مخاتلة يتقمص بطولتها اللغة وفى ميدان فسيح يقال له الخيال.. إنها قول الممكن وسؤال الحيرة الذى يكشف عن علاقة ذواتنا بالآخر والوجود. رواية «الطانفا» هى مرافعة ومصالحة الرواية العربية مع جوارها الإفريقى الذى كثيرًا ما تنكرت له.

■ لماذا اعتبرت أن «الطانفا» تصالح الرواية العربية مع جوارها الإفريقى.. ولماذا اعتبرت أن الرواية العربية تغافلت عن الجوار الإفريقى؟

- هذا ليس ادّعاء أو زعمًا.. هذه حقيقة قالها النقاد المتابعون للرواية الجزائرية والعربية، لقد ظلت الرواية الجزائرية والعربية تعطى ظهرها لإفريقيا، وتنظر إليها بشىء من الدونية، على اعتبار أن إفريقيا بؤرة للبؤس والفقر والأوبئة وكل الأعطاب التى يمكن أن تلتصق بأى دولة متخلفة، هذه النظرة الظالمة تشبّعت بخطاب استعمارى جعلنا ننظر للضوء على أنه لا يأتى إلا من الشمال جهة المتوسط، وأن الجنوب معتّم ويثير الشفقة، هذه النظرة تناسلت فى عقول وأقلام الكتاب عبر أجيال، حتى جاءت رواية «كاماراد.. رفيق الحيف والضياع»، لتشرّع الأبواب والنوافذ وتعبّد الطرق نحو الأدغال الإفريقية، وتتبعها رواية «مَنّا.. قيامة شتات الصحراء»، وشقيقتهما الأخيرة «الطّانفا»، التى بها اكتملت تجليات المشروع وأصبحت ظاهرة للعيان وبلا نقاش، وغدت إفريقيا منجمًا مليئًا بالحكايا والأساطير والثقافات.

■ تذهب بعض الآراء النقدية إلى أن لبلدتك «أدرار» الصحراوية جنوب الجزائر حضورًا كثيفًا فى مشروعك. إلى أى مدى أثرت بيئتك على سردك الروائى؟

- أكيد.. الكاتب ابن بيئته وفضائه وثقافته.. فالفضاء الصحراوى المتاخم للجوار الإفريقى كان له عظيم الأثر فى كتاباتى المتواضعة، ومنحنى نقطة ضوء وإلهام، فالعلاقات التجارية والثقافية والحضارية بين منطقتى فى الصحراء الجزائرية ولاية «أدرار» أو كما كان يطلق عليها تاريخيًا «توات»، لها علاقات قديمة مع حواضر وأسواق إفريقيا جنوب الصحراء، بداية من عهد الإمام محمد بن عبدالكريم المغيلى الجزائرى، الذى كان المستشار السياسى لممالك السنغاى والهوسا، فضلًا عن قوافل التجار والحجّاج الأفارقة الذين كانوا يمرون على منطقتنا فى طريقهم للبقاع المقدسة.

■ هل تفرض الخصوصية المكانية طابعًا فنيًا وسرديًا بعينه.. وكيف هذا؟

- نعم. الخصوصية المكانية هى ما يمنح للنص لغته وسرده ووصفه. عبر جميع نصوصى، يمكن- بلا عناء- تلمس تناغم السرد واللغة والوصف وفق البيئة الجغرافية المحروثة والقضية المطروحة، إذ لكل نص وبطل شخصيته التى يفرضها ويتعامل مع منطق خطابها الكاتب وفق الرؤية المقترحة، والسؤال الذى تطرحه الرواية فى النهاية، فما يليق بفضاء القصور الطينية، لا يصلح للبيئة الإفريقية الزنجية، وما يتوافق مع هذه الأخيرة لا يتجاوب مع بيئة وثقافة الطوارق البيضان وهكذا.

■ هل يمكن اعتبار أن بلدتك «أدرار» تمثل خصوصية بذاتها عن بقية الثقافة الجزائرية؟

- جدًا. فالثقافة الصحراوية بجنوبنا تُثرى الثقافة الجزائرية. خصوصية القصور الطينية فى «توات»، و«أدرار» لها ذاكرتها الشعبية، ومخيال إنسانها القديم، الذى تعامل مع الطبيعة القاسية والعزلة، ونسج رؤية لعيشه، لتتشكل ثقافة ذات خصوصية منبثقة من جماعات بشرية مغلقة ومعقّدة يطبعها الجانب القِبَلى.

■ المتفحص لمشروعك السردى يكاد يجزم باتباعك مقولة «اكتب عما تعرفه».. ما مدى اتفاقك مع صحة هذه الرؤية؟

- شخصيًا لا أكتب رواية فى تيمة ما، دون أن أجرى بحثًا معمّقّا عن كل ما يتصل بموضوعها، حتى أجد فى مكتبتى وذاكرتى أرشيفًا متنوعًا عنها، عندها أقرأ كل ذلك، ثم أهدمه وأعيد بناءه وفق متخيلى ورؤيتى الفنية.

■ إذن، هل تتحيز لهذه المقولة/ القاعدة فى الكتابة؟

- بالنسبة للكتابة، الكاتب يكتب ما يعرف طبعًا، لكن هذه المعرفة لا تنحصر فى المشاهدة والمعرفة الواقعية، إنما فى التخييلات والتمثّلات التى تمنحها المخيلة والرؤية الفنية. لذا، كثيرًا ما كتبت عن فضاءات لم أزرها أو شاهدتها، إنما يكفى أن احتفظ بأسماء المكان وإحداثياته، وبعد هذا أطلق العنان للخيال، وتصور ما كان وما يمكن أن يكون.

■ فى روايتك «كاماراد» تناولت كابوس الهجرة غير الشرعية.. هل كانت هناك تجربة أو تجارب مُعَاشة وراء الرواية؟

- لا.. ليست واقعية وإنما مُتخيَّلة؛ لكننى التقيت بمغامرين أفارقة، ورووا لى تجاربهم، واستفدت منها فى المتخيَّل، ومشاهد هؤلاء المهاجرين الأفارقة اليومية فى «أدرار» ترسخت فى وعيى الشخصى.

■ «مشاهد المهاجرين الأفارقة اليومية فى «أدرار» ترسخت فى وعيى الشخصى».. كيف يتحرر الكاتب من هذا الوعى قافزًا نحو المتخيل الروائى للبناء مجددًا؟

- ما يمرّ بنا من مشاهد وأحداث يومية فى حياتنا، يركن بالذاكرة إلى حين، حتى تأتى مشاهد أخرى مشابهة له، تستفزّنا وتدعونا إلى إكراهات الكتابة عنه. وتكرار المشهد وما يحيط به من تداعيات، ينشّط جانب الوعى بالكتابة فيه.

■ ما الموضوع الذى تشعر أنه يطاردك دائمًا وتعود إليه؟

- تداخل ثقافة شمال إفريقيا العربى مع جنوبها الزنجى.

■ ما موقع القصة القصيرة من إبداعك؟

- لا أدرى! ربما القصة تعاكسنى. فكرة تجريب النص القصصى والمسرحى والسيرى وأدب الطفل، من التجنيسات التى أرغب فى حراثة أرض سردها.

■ نِلت العديد من الجوائز الأدبية والثقافية.. ماذا تمثل لك هذه الجوائز؟

- الجائرة بالأساس هى اعتراف بما أبدعه الكاتب، وبالتالى فهى مهمة فى حياة الكاتب، بما تمنحه من ضوء وعدسات والتفات القراء والنقاد لكتاباته، فضلًا عن قيمتها المادية، المهم ألا يضعها الكاتب كهدف، لأنه لو فكر بهذا المنطق سيتوقف عن الكتابة.

■ كيف تختار عناوين أعمالك.. وما الذى يمثّله العنوان بالنسبة لك؟

- العنوان عتبة مهمّة فى العمل الروائى، وقد تحدّث عنه الناقد الفرنسى جيرار جينات، حتى نظّر له فى نظريات وفق مناهج بنيوية وسيميائية، وتجاوز ذلك إلى الخطاب ما بعد الحداثى فى الدراسات الثقافية وما بعد الاستعمار. العنوان لا بد أن يكون قويًا وحمّالًا ومستفزًا ليحرض المتلقى على الفضول فيه أولًا، ومن ثمّ الولوج إلى النص. وفى جميع عناوين نصوصى، أعتمد فى العنونة على الرمز؛ لأنى أراه أكثر تأثيرًا ووقعًا وعمقًا.

■ هل تكتب وفق تخطيط مُسبَق للعمل، أم أنّ النص، بتطوره وشخصياته، يقودك أثناء الكتابة؟

- طبعًا لا بد من وجود تصور مبدئى لمعمار النص وبرنامجه السردى وفق مخطط الأحداث والشخوص الفاعلين فيها بداية بالبطل. لكن قد تتغيّر المعطيات بفعل اللحظة الإبداعية، ويقوم الكاتب بعمليات جراحية على التصور المبدئى الذى انطلق منه، وفق مصائر الأحداث اللحظية.

■ بين مزرعتك الصغيرة وعملك الجامعى الأكاديمى، وإبداعك الأدبى.. أين تجد «الزيوانى» أكثر؟

- أجد ذاتى بينهم، فالجامعة حقلى النظرى الذى أحرث فيه، بينما المزرعة حقلى التطبيقى الذى أغرس فيه. وبين حراثة الجامعة وتكوينها ومناهجها، ومخيال الإبداع وحريته، وغراسة المزرعة، يولد النص بينهم.

■ هل استطاعت الرواية مد الجسور بين المشرق العربى ومغربه؟

- أكيد. استطاعت الرواية فعل ذلك باقتدار، بحكم مرونتها وقابليتها لتعدّد الأجناس والخطابات.

■ لمن تقرا الآن.. ومَن مِن المبدعين المصريين أثر عليك؟

- قراءتى متنوعة بين التخصّص الأكاديمى الأدبى والفلسفة والأدب كإبداع نصى. أما على مستوى تأثرى بالمبدعين المصريين، فإنى مَدين لطه حسين وزكى نجيب محمود ونجيب محفوظ وعباس العقاد وجابر عصفور وصلاح فضل، وغيرهم الكثير، فى رسم ملامح «الزيوانى» الأولية فى الأدب، وجرّه إلى هذه المعمعة اللّذيذة، التى ندعوها فى قاموسنا بالرواية.