الخميس 26 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

ما بعد الأمم.. البحث عن نظام عالمى جديد «لا يحتاج البشر»

حرف

- نتجه عمليًا نحو وضع يعيد إنتاج منطق الإمبراطوريات

فى وقت يبدو فيه العالم فى حالة من الغليان والاضطراب، حيث تتعرض الأنظمة القائمة لتقلبات كبرى، يشعر الكاتب الهندى البريطانى رانا داسجوبتا بأن عصر «الدولة القومية» كما نعرفه قد انتهى، محاججًا بأن النظام العالمى، كما نعرفه فى هذه اللحظة، غير قابل للاستمرار، ويحتاج إلى التغيير، وأن الدولة القومية عاجزة، حتى من الناحية النظرية، عن إدارة الواقع، كما كانت تفعل سابقًا، بعد أن تقوضت قدرتها على تحقيق وعود التقدم والرفاه البشرى.

وعلى الرغم من أن معظم دول العالم فى الوقت الحالى «دول قومية»، لها حدود جغرافية، وحكومات تتألف من مؤسسات عامة، يرى المؤلف أن النظام الحالى ينحاز بشدة لصالح أصحاب الموارد، مما يؤدى إلى تركيز السلطة فى أيدى القلة، كما أنه يعجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية للكثير من الناس، لا سيما أن الأهداف التى تحرك الدول القومية اليوم تتعلق بالقوة والأرباح أكثر من أى شيء آخر، وهو ما يخالف المبادئ التى جعلت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية تبدو عصرًا من التفاؤل والحرية

صناعة وتفكيك الدولة القومية

يمثل كتاب «ما بعد الأمم: صناعة وتفكيك نظام عالمى»، حسب المراجعة المنشورة على موقع Indian express، وجهة نظر داسجوبتا حول كيفية وصولنا إلى هذا الوضع، إذ يغوص فى الماضى ويتفحص أنظمة عالمية وأساليب حكم وإدارة مختلفة. فعلى امتداد ما يقرب من ٥٠٠ صفحة، يدرس المؤلف أنظمة الحكم التى أدت إلى تطور الدولة القومية الحالية، من خلال تقسيم الكتاب إلى أربع فئات تتمحور حول دول أو إمبراطوريات. 

يتناول القسم الأول فرنسا، التى جرى فيها تبرير السلطة تاريخيًا بوصفها تجسيدًا للإرادة الإلهية، بينما يخصص القسم الثانى لبريطانيا، التى أدّت فيها الملكية، عبر التوسع الإمبراطورى والنهب المنهجى، دورًا محوريًا فى تشكيل الدولة والقوة. ثم ينتقل الكتاب إلى الولايات المتحدة، حيث جرى تمهيد الطريق لشرعنة السعى وراء الربح، بما أفضى إلى صعود الشركات الكبرى وهيمنتها المتزايدة. أما القسم الرابع، فيتمحور حول الصين، التى أعادت تشكيل نظامها السياسى والاقتصادى على أساس تحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد التى وفّرتها الطبيعة، وتسعى اليوم إلى توسيع هذا النموذج خارج حدودها الوطنية.

تتداخل فى الكتاب الأنظمة الاقتصادية والظروف الاجتماعية والتاريخ، بينما يأخذنا المؤلف فى رحلة عبر تطور الدولة القومية من خلال هذه المناظير المختلفة. فى كل حالة، يظهر كيف تطور النظام وكيف انهار فى النهاية، مع التعرف فى الوقت نفسه على الأحداث التاريخية والسياسية والثقافية التى أسهمت فى صعوده وسقوطه.

فى قسم إنجلترا، يوضح المؤلف كيف تأسست الرأسمالية الإنجليزية على اقتصاد عالمى من النهب، مستندًا إلى شركات مثل شركة الهند الشرقية، التى جمعت ثروات هائلة لفئة صغيرة تحكم الدولة، بينما جُرد السكان المحليون من الأراضى وواجهوا القمع الاقتصادى والاجتماعى، وغالبًا ما تم تجاهل حقوقهم السياسية.

وفى الولايات المتحدة، قام النظام الإمبراطورى على القانون، أى على تقنين الممارسات المربحة، مثل العبودية واحتلال الأراضى، بإعطاء مظهر قانونى لتبرير الممارسات الاستغلالية، واستخدام فلسفة جون لوك لتبرير الاستيلاء الأوروبى على أراضى الشعوب الأصلية، حيث يتم تصوير السكان الأصليين على أنهم لم يتفاعلوا مع الطبيعة بشكل إنتاجى، لتصبح الأرض ملكًا للمستعمر.

أما الصين، فهى حالة مختلفة، إذ ركز النظام الإمبراطورى على السيطرة على الطبيعة، مثل الأنهار والموارد المائية، لضمان بقاء السكان واستقرار الدولة. تمثل مبادرة الحزام والطريق امتدادًا لهذه السياسات التاريخية، إذ تصدّر الصين سياسات السيطرة على الموارد الطبيعية عالميًا، بطريقة مشابهة لإمبراطورية بريطانيا، لكن وفق نموذج يعتمد على الطبيعة بدلًا من التجارة والملكية الفردية.

يسلط الكتاب الضوء، بشكل خاص، على قدرة الصين على البروز كقوة عظمى حتى فى الوقت الذى كانت فيه قوى مثل الولايات المتحدة تحاول عزلها، وذلك بفضل ما يصفه داسجوبتا بـ«رؤية الطاقة الجديدة» القائمة على «الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتقنيات البطاريات الجديدة، والمركبات الكهربائية». ويشير إلى أن هذا النهج لم يفتح فرصًا تجارية هائلة لعالم تحركه الرأسمالية فقط، وإنما مهد الطريق أيضًا لتقويض الهيمنة الأمريكية القائمة على النفط والغاز. كما يلفت الانتباه إلى استخدام الصين الماهر لمواردها المائية وممراتها الملاحية لبناء التحالفات.

الحاجة إلى نظام عالمى جديد

ينطلق الكتاب من تشخيص نقدى لطبيعة النظام العالمى القائم، إذ يوضح المؤلف أن المشهد الدولى تحكمه، فى جوهره، مصالح أنانية ضيقة، بينما تُهمَّش احتياجات البشر الفعلية بدلًا من أن تُعبَّر عنها أو تُترجم إلى سياسات عامة عادلة. 

وما يزيد هذا الوضع تعقيدًا، كما يشير المؤلف، هو التحول التكنولوجى المتسارع. فمع تقدم التكنولوجيا، لم يعد من الضرورى لمن يمتلكون السلطة الاعتماد على الشعوب بالطريقة التى كان عليها الحال تاريخيًا. إذ تحل الآلات محل اليد العاملة فى مجالات واسعة من الإنتاج، وتُدار الزراعة عبر الآلات والروبوتات، بينما تُخاض الحروب باستخدام الطائرات المسيّرة وأنظمة القتال عن بُعد، دون الحاجة إلى تعبئة جماهيرية أو خسائر بشرية واسعة من جانب الدول المتحكمة فى القوة. 

ويرى المؤلف أن البحث عن بديل للنظام القائم على الدولة القومية ليس أمرًا سهلًا، لأن هذا النظام بات شبه كونى. فاليوم، يعيش نحو ٩٩.٧٥٪ من سكان العالم داخل دول قومية، مقارنة بحوالى ٢٥٪ فقط فى عام ١٩٠٠، حين كانت الإمبراطوريات هى الشكل السائد للحكم، وكانت قلة من القوى الكبرى تسيطر على مساحات شاسعة من العالم وسكانه. غير أن المفارقة التى يلفت إليها الكتاب تكمن فى أننا، رغم هذا الانتشار الواسع للدولة القومية، نتجه عمليًا نحو وضع يعيد إنتاج منطق الإمبراطوريات القديمة، حيث تحدد دول قليلة، ومعها منظمات وشركات كبرى، الأجندة السياسية والاقتصادية لبقية العالم.

ويخلص المؤلف إلى أن نظام الدول القومية يشهد تحوّلًا عميقًا يجعله عاجزًا، بشكل متزايد، عن الوفاء بالوعود التى قام عليها فى الأصل؛ منح البشر الحقوق، والحريات، والأمان الاجتماعى. فلم يعد هذا النظام قادرًا على التعامل بفاعلية مع قضايا كبرى مثل الهجرة، والتفاوت الاقتصادى المتفاقم، والأزمات البيئية، فضلًا عن التحديات التى تفرضها التكنولوجيا الحديثة نفسها. 

يفتح هذا التحول، بحسب الكتاب، المجال لظهور مجتمعات منغلقة على ذاتها، نخبة صغيرة شديدة الثراء والقوة، قادرة على الازدهار والاستمرار بمعزل شبه كامل عن أوضاع عامة السكان، الذين تتآكل قدرتهم على التأثير أو الفعل السياسى.

رانا داسجوبتا: الدولة القومية آلية لنقل الموارد من المناطق الفقيرة إلى الغنية

رانا داسجوبتا

درس الروائى والكاتب البريطانى- الهندى رانا داسجوبتا الفلسفة فى «كلية باليول» بأكسفورد، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة «ويسكونسن ماديسون» قبل أن يتحول إلى الكتابة. نُشرت مجموعته الأولى «إلغاء طوكيو» عام 2005، وهى مجموعة من القصص المترابطة المستوحاة من الحكايات الشعبية الحديثة. تلتها روايته «سولو» عام 2009، وفيها يسرد ذكريات مُسن بلغارى عمره مائة عام وتأملاته فى اضطرابات القرن العشرين ورؤاه المستقبلية، وقد فازت الرواية بجائزة الكومنولث. أما كتابه الصادر عام 2014 بعنوان «العاصمة: انفجار دلهى» فى فئة الأعمال غير الروائية، والذى يدور حول تأثير العولمة على مدينة دلهى التى اتخذها موطنًا له، فقد حصل على جائزة ريشارد كابوسينسكى، ووصل إلى القائمة القصيرة لجائزة أورويل، ورُشح لجائزة أونداتجى.

وفى حوار نُشِر مؤخرًا فى موقع Asia Sentinel، ناقش داسجوبتا، الذى تستكشف كتاباته موضوعات الهجرة وعدم المساواة والأنظمة العالمية، كيف شكّلت نشأته بين ثقافتين حياته فى القراءة والكتابة، وكيف أثر مفكرون وكتاب مثل ماركس وجيمس سى سكوت وتوماس بيكيتى على رؤيته الفكرية والأدبية فى نقده للإمبريالية والرأسمالية وهياكل القوة العالمية.

■ نشأت بين ثقافتين الإنجليزية والهندية.. بما شكّل إدراكك للعالم. ما نوع الكتب التى كنت تقرأها فى طفولتك ومراهقتك.. وكيف أثرت تجارب القراءة المبكرة تلك على الكاتب والقارئ الذى صرت عليه لاحقاً؟

- نعم، لقد أثرت ثقافتى على نظرتى للأمور بشكل كبير. كنت طفلًا بريطانيًا لا ينغمس تمامًا فى السردية البريطانية، لكنه بالتأكيد لا ينتمى للسردية الهندية أيضًا. لذا، كان لدىّ دائمًا عدم رضا تجاه القصص الكبرى التى ترويها الأمم عن نفسها. وفى مرحلة المراهقة، كنت منجذبًا بشكل خاص لقصص الغرباء أو المهمشين، بما فى ذلك رواية «الغريب» لألبير كامو. كما أحببت أيضًا أعمال دوستويفسكى.

■ ما هى بعض الأعمال غير الروائية التى شكّلت رؤيتك الفكرية والأدبية بشكل عميق خاصة تلك التى أثرت فى نقدك للإمبريالية والرأسمالية وهياكل القوة العالمية؟

- عشت مرحلة البلوغ بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، خلال انتصار الليبرالية الغربية والرأسمالية. لكن تلك الحقبة كانت غير مقنعة إلى حد كبير. كان من المفترض أن تجلب السلام والحرية، لكن الواقع كان عكس ذلك. حاولت فهم سبب عدم قدرة الأنظمة المبنية على مبادئ ظاهرها السلم على أن تكون سلمية فعلًا. كان ماركس، بالطبع، نقطة ارتكاز أساسية. لكن أيضًا ثمة مفكرين معاصرين مثل جيمس سى سكوت، الذى قدّم فهمًا أوضح للسلطة، والدولة، الاستعمار، والبيئة، وتوماس بيكيتى، الذى وثّق تراجع المساواة فى الغرب.

■ يتناول كتابك الأحدث «بعد الأمم» كيفية استمرار الإمبراطورية فى إعادة تشكيل آسيا اقتصاديًا وسياسيًا.. خلال بحثك وكتابتك لهذا الكتاب..ما النصوص التى كانت مركزية فى تطوير وصقل حججك؟

- أحد المحاور الرئيسية هو القانون الدولى؛ كيف عمل القانون الدولى على تعزيز علاقات القوة التى أرستها الإمبراطورية الأوروبية، ومنع الدول من الصعود أو الهبوط فى الهرمية الاقتصادية. كانت هناك كتب أساسية فى هذا الصدد مثل كتاب أنطونى آنجى «الإمبريالية والسيادة وصناعة القانون الدولى» (مطبعة جامعة كامبريدج، ٢٠٠٥)، وكتاب كاترينا بيستور «شفرة رأس المال» (مطبعة جامعة برينستون، ٢٠١٩)، وكتاب برانكو ميلانوفيتش «عدم المساواة العالمية» (مطبعة جامعة هارفارد، ٢٠١٦).

ما زالت تداعيات صعود الصين كقوة عالمية غير مفهومة على نحوٍ كاف، ويرجع ذلك فى جزء كبير منه إلى أن نقاشاتنا غالبًا ما تُدار بمنطق قصير المدى، يركّز على الحاضر القريب ويتجاهل الامتدادات التاريخية الطويلة. فى هذا السياق، يفتح كتاب «التباعد الكبير» لكينيث بوميرنز حوارًا بالغ الأهمية استكمله كُتّاب متميزون آخرون مثل بير فريس وروى بين وونج.

■ للقُرّاء الذين يتعاطون مع كتابك الأخير «بعد الأمم».. هل هناك كتب أو نصوص أخرى تنصح بها كقراءات موازية أو مصاحبة يمكن أن تعمّق فهم القضايا التى تستكشفها فى الكتاب؟

- أشعر بقوة أننا اليوم ضحايا حقيقة أن صورتنا للعالم مصطنعة جدًا. نحن مرتبكون أمام العالم لأن قصصنا عنه متحجّرة، ولها قليل من الصلة بالواقع، كما هو فعليًا. بعض الكتب التى يمكن أن تصحح هذا: «الرأسمالية بوصفها حضارة» لـ نتينا تسوفالا، و«فجر كل شىء» لـ ديفيد جريبر وديفيد وينجرو.

■ فى أعمالك غير الروائية لا سيما فى كتاب «العاصمة» كتبتَ عن التحول الحضرى والتجربة المعيشية فى مدن مثل «دلهى».. هل هناك أى كتب أو نصوص وجدتها ملهمة بشكل خاص حول المدن والتغير الحضرى والحداثة التى استكشفتها أيضًا فى هذا الكتاب؟

-قدّم كتاب مايك ديفيس المذهل «المحارق الفيكتورية» منظورًا تمنيتُ لو عرفته عندما كتبت «العاصمة»؛ إذ كان سيوسع إدراكى للتاريخ المأساوى للتخطيط الحضرى الاستعمارى. ولكن بعد كتابة ثلاثة كتب عن المدن، أعتقد أن كتاب «ما بعد الأمم» قد زاد من تقديرى للريف العالمى. إن أحد أخطر الاتهامات الموجهة لنظام الدولة القومية الحديثة هو أنه لم يدمر تراثنا الطبيعى فقط، بل دمر أيضًا الأنظمة والثقافات الزراعية. ويقدم كتاب «القرويون» Peasants، وهو الكتاب المرتقب لشريكتى مريم أصلانى، تصحيحًا حاسمًا للانحياز الحضرى الذى يشكل تقريبًا كل اعتبارات «الحداثة».

■ هل هناك كتاب أقل شهرة أو غير مقروء بشكل كافٍ تشعر أنه يلتقط اللحظة الحالية من كراهية الأجانب، والتفكك، والفوضى العالمية بشكل خاص؟

- أرى نظام الدولة القومية آلية لنقل الموارد من المناطق الفقيرة إلى الغنية، ولتصدير الحروب والفقر والدمار البيئى فى الاتجاه المعاكس. لفهم ما يجرى فى عالمنا من الضرورى النظر إلى إفريقيا، التى تحمل إلى حد بعيد أعمق آثار هذه العملية. اقرأ، على سبيل المثال، أعمال الروائى الكونغولى جان بوفان.