سيد الذباب.. ماذا لو حكم العالم أطفال فى الحادية عشرة؟
- الأحداث عن أطفال يحكمون بمفردهم جزيرة استوائية سقطت فيها طائرتهم
- المسلسل مقتبس من الرواية الشهيرة للكاتب البريطانى وليام جولدينج
لا يزال الأدب نهرًا جاريًا تنهل منه السينما والدراما؛ فتحقق نجاحات كبيرة، من خلال تحويل النصوص الأدبية المكتوبة إلى صوت وصورة، سواء على الشاشة الكبيرة أو الصغيرة.
من بين هذه النجاحات الحديثة: مسلسل «سيد الذباب»، المُقتبَس عن الرواية الشهيرة للأديب وليام جولدينج، التى تحمل نفس الاسم، وتعد أولى روايات الكاتب البريطانى الشهير، ونشرها عام 1954.
«سيد الذباب» تعتبر تحفة أدبية كلاسيكية، تناقش انهيار الحضارة والطبيعة البشرية الوحشية، من خلال قصة مجموعة من الصبية البريطانيين العالقين على جزيرة مهجورة، وهى الأحداث التى يدور حولها المسلسل الجديد، الذى بدأ عرضه فى فبراير الماضى على المنصات الرقمية المختلفة، ومن بينها «نتفليكس».

وخلال أحداث المسلسل المكون من 4 حلقات فقط، تجد مجموعة من الأطفال البريطانيين أنفسهم على جزيرة استوائية مهجورة، بعد تحطم الطائرة التى كانت تقلهم. فى البداية يحاولون فرض نظام بينهم. لكن صرامة الطبيعة القاسية من حولهم تكشف الجانب المظلم فى نفوسهم، ليؤدى ذلك فى النهاية إلى كارثة.
العمل من ﺇﺧﺮاﺝ مارك مندن، وسيناريو وحوار جاك ثورن، كاتب المسلسل الناجح «المراهقة»، الذى يتناول قصة صبى يبلغ من العمر ١٣ عامًا متهم بالقتل، وهو من إنتاج «بى بى سى» و«نتفليكس».

الرواية التى لا تموت
المسلسل الجديد لا يعد العمل الفنى الأول المقتبس من رواية «سيد الذباب»، فالرواية الكلاسيكية الشهيرة حظيت بمسيرة طويلة ومتنوعة من «الاقتباس»، بداية من الفيلم البريطانى الأبيض والأسود «سيد الذباب»، من إخراج بيتر بروك، فى عام ١٩٦٣، ويُعتبر النسخة الكلاسيكية والأقرب لأجواء الرواية الأصلية.
هناك أيضًا النسخة الأمريكية الحديثة نسبيًا، من إخراج هارى هوك، الذى قدم القصة بأسلوب أكثر معاصرة، فى ١٩٩٠، بنفس الاسم، إلى جانب عرض باليه مسرحى من إخراج ماثيو بورن، ومحاكاة ساخرة فى مسلسل «عائلة سيمبسون»، علاوة على تقديم «نسخة نسائية» من الحكاية فى مسلسل «السترات الصفراء» ككل.
وأشار أسطورة كتابات الرعب ستيفن كينج إلى رواية «سيد الذباب» باعتبارها مصدر إلهام رئيسى فى مسيرته الأدبية بأكملها. كما أن الرواية تُدرَّس فى كثير من المدارس البريطانية، ضمن منهج الأدب الإنجليزى لمرحلة «GCSE» (تعادل بداية الثانوية). وتُستخدم الرواية لدراسة موضوعات مثل: الحضارة مقابل الوحشية، والسلطة والقيادة، والخوف والعنف الجماعى، والطبيعة البشرية بصفة عامة.
وحسب «بى بى سى»، تستكشف الرواية فى جوهرها طبيعة الشر، وهو ما لا يتغير فى المسلسل الجديد، مع حرص صناعه على أن تكون الأحداث «معبرة عما يحدث للحكومة أو الوضع العالمى الآن»، وفق ما قاله تيم كيندال، أستاذ الأدب الإنجليزى فى جامعة «إكستر» لـ«بى بى سى».
وأضاف «كيندال»، وهو خبير بارز فى أعمال «جولدينج»، وهو محرر كتاب «ويليام جولدينج: رسائل فابر»، الذى يتضمن مجموعة من المراسلات بين «جولدينج» ومحرره: «على الرغم من طابعها العالمى، كانت الرواية بلا شك نتاجًا لعصرها».
وواصل: «يمكنك أن ترى فى مخطوطة الرواية، فى فكرتها الأولية، أنها فى الواقع رواية عن الحرب العالمية الثالثة. إنها حرب نووية، ويتم إجلاء الأطفال منها».
وأكمل: «فى الصفحات الأولى من المخطوطة، المحذوفة من الكتاب، يُذكر أنه لو كانوا كبارًا بما يكفى لرؤية ما وراء نوافذ الطائرة، لرأى الأطفال سحابة الفطر الضخمة خلفهم. وهذا يؤكد ما يحدث، وهو أن الأطفال لا يفعلون فى النهاية على الجزيرة إلا ما يفعله الكبار على نطاق عالمى»، مشيرًا إلى أن النسخة الأصلية «تُدرك تمامًا العصر النووى والمخاطر التى يحملها».
أما جودى كارفر، ابنة «جولدينج» ومديرة تركته، فتقول: «أعتقد أن الكتاب الجيد ملكٌ لكل جيل على حدة. فى الواقع، قال والدى، فى مقال كتبه عن الكتاب، إنه لم يعد يعتقد أن للمؤلف حقًا أبويًا على الرواية. بل كان يعتقد أنها ملكٌ للقراء، وأن تفسيرهم لها هو الصحيح».
وتضيف: «فى البداية، نظر الناس إلى الرواية من منظور دينى واضح، وجعلوا من سيمون (أحد الأطفال على الجزيرة)، رمزًا للمسيح المُخلص»، إلى جانب ما تتطرق إليه الرواية محول «تجاهل صعود الحكام المستبدين فى جميع أنحاء العالم».

عالم الكراهية
تحدث جاك ثورن، كاتب سيناريو مسلسل «سيد الذباب»، عن «الرمزيات» التى تتضمنها الرواية وبالتبعية العمل الدرامى، مشيرًا فى البداية إلى أنه «لم يفرض أى شىء على الرواية، باستثناء صدى لما يكتبه جولدينج يتناسب مع واقعنا الحالى».
وأضاف لـ«بى بى سى»: «العالم تغير منذ أن كنت مراهقًا فى التسعينيات. كان هناك تفاؤل حقيقى يسود الأجواء، وشعور حقيقى بالانتماء للمجتمع. أما العالم الذى يبدو أنه خارج نافذة ابنى الآن، فهو عالمٌ يسهل فيه الكُره على الحب، ويسهل فيه انتقاد الآخرين بدلًا من مساعدتهم».
ورأى أن التليفزيون هو الوسيلة الأمثل لتقديم الرواية ورسالتها المعاصرة لجمهور جديد، معتبرًا أن حلقات المسلسل قادرة على التعبير عن الرواية، قبل أن يشير إلى أنه «على عكس الرواية، بُنى المسلسل بحيث تركز كل حلقة من الحلقات الأربع على وجهة نظر شخصية مختلفة، وهى طريقة جديدة لإلقاء الضوء على عمل جولدينج».
أضاف «ثورن» خلفيات للأطفال على الجزيرة، وأجرى بعض التعديلات على بعض الحلقات، مع الحفاظ على جوهر حبكة الرواية وشخصياتها كالتالى:
«بيجى» هو الصبى ذو النظارات الذى يتعرض للتنمر، والمعروف بذكائه.
«رالف» هو القائد الفطرى الذى يصر على أن القواعد والنظام سيحافظان على تحضر الجزيرة.
«جاك» هو خصم «رالف» المتعطش للسلطة، ويقود الأطفال الآخرين إلى الفوضى والعنف فيما بينهم.
«سيمون» هو صاحب رؤية، وشخصية تضحية تدرك أن الشر فى الجزيرة ينبع من داخل الأطفال أنفسهم.
نسج «جولدينج» هذه الشخصيات بتوازن دقيق، حتى إن الرواية يُنظر إليها منذ زمن طويل على أنها صورة مصغرة للمجتمع، ما جعلها مناسبة تمامًا للتدريس فى الفصول الدراسية، لأنها تزخر بأسئلة مثيرة للنقاش حول الخير والشر والنظام والفوضى.
وحاول «ثورن» استكشاف الكتاب بحثًا عن دلالات دقيقة غابت عن كثير من القراء، خاصةً فى القراءة الأولى. يقول: «عندما قرأتُ (جاك) وأنا طفل، كرهته بشدة، كنتُ أحتقره. أما عندما قرأتُه وأنا بالغ، وجدتُ فيه صورةً أكثر رقةً مما توقعت».
ويضيف: «الدمار والفوضى، وكل هذه الأمور التى يُسببها (جاك)، ليست بالضرورة نابعةً من قلبٍ أسود ينبض فى داخله. إنها تتعلق بقرارات صغيرة يتخذها على طول الطريق ليُحافظ على سلطته، وليُقاوم الخوف». تُظهر هذه الحلقة، من وجهة نظر «جاك»، أنه فتىً ضعيفٌ وحيد، وسعيه للسلطة، ولو جزئيًا، يأتى لمواجهة ذلك.
تُركز مشاهد «الفلاش باك» المؤثرة والمليئة بالبلاغة، والتى تُعيدنا إلى حياة الصبيين «جاك وسيمون» قبل تحطم الطائرة، بشكل كبير على علاقتهما بآبائهما، ولكن ليس بطريقة مُبسطة تُلقى باللوم على نماذج الذكور السيئة.
يقول «ثورن»: «لم أُرِد أن أُشير إلى أن علاقة (جاك) بوالده فاترة، وبالتالى ينجذب (جاك) إلى الظلام. (سيمون) أيضًا لديه علاقة فاترة بوالده، ومع ذلك ينجذب إلى النور. ما أردتُ فعله هو جعلهما يُناقشان والديهما كطريقة لإظهار المزيد من التعقيد فى تلك العلاقات».
ويشير إلى أن الرواية أصبحت رمزًا للاضطرابات الاجتماعية، موضحًا أن الناس يستخدمونها بطرق شتى عند وقوع أزمة فى العالم ويقولون: «هذه لحظة سيد الذباب».

فرصة ضائعة
رغم أن المسلسل حقق نجاحًا منذ عرضه على «نتفليكس»، واجه انتقادات عديدة، تدور حول أنه أقل من قوة رواية وليام جولدينج.
وكتب مشاهد للمسلسل، على موقع «IMDB»: «كنتُ أتطلع بشوق إلى هذا العمل المُقتبس، خاصةً مع قوة رواية ويليام جولدينج التى لا تزال مؤثرة. إلا أنه على مدار حلقاته الأربع، لم ينجح فى نقل حدة المشاعر أو العمق النفسى الذى جعل الرواية الأصلية آسرة».
ورأى أن المسلسل «يبدو أقرب إلى إعادة تصور مُنمقة تُغفل جوهر القصة منه إلى تفسير أمين»، موضحًا أن الحلقات الأولى تعانى فى ترسيخ أى شعور حقيقى بالخوف أو العزلة، ويفتقر مأزق الصبية إلى الإلحاح.
وشرح أكثر: «غالبًا ما يبدو الأمر أقرب إلى نزهة مُنظمة منه إلى صراع حقيقى من أجل البقاء. ورغم وجود بعض التحسن مع تقدم المسلسل، خاصةً عندما يبدأ التهديد فى التبلور وتتصاعد التوترات، الانزلاق نحو الوحشية لا يُقنع تمامًا»، معتبرًا أن «اللحظات المحورية التى كان من المفترض أن تكون صادمة أو حتمية، تبدو غير مكتملة».
وأشار إلى مشاكل أخرى مثل أسلوب العرض المبالغ فيه، إذ تبدو ديناميكيات الشخصيات جامدة، وتُرسَم الخطوط الأخلاقية مبكرًا وبشكل واضح للغاية، ما لا يترك مجالًا للغموض أو التطور. كما أن الموسيقى التصويرية «مزعجة باستمرار»، و«غالبًا ما تطغى على اللحظات الهادئة».
واختتم «فى النهاية، يبدو الأمر وكأنه فرصة ضائعة. لم ينجح العمل أبدًا فى إيجاد التوازن بين إعادة التفسير الحديثة والبساطة البدائية للقصة الأصلية».
فى المقابل، قال مشاهد آخر: «لقد أعجبنى هذا العمل كثيرًا، بدءًا من الممثلين الشباب المذهلين، خاصة اللذين أديا دورى (بيجى) و(رالف)، مرورًا بالديكورات ومواقع التصوير، وصولًا إلى الموسيقى التصويرية التى تُثير الرعب كما هو متوقع من هذه الحكاية المروعة، لما قد يحدث إذا تُركت مجموعة من الصبية الصغار بمفردهم. كما أن التصوير يُضفى مزيدًا من الرعب على انحدار الحضارة إلى الوحشية. مشاهدته ليست مريحة، ومعرفة القصة تُساعد على فهمها، ولكن أعتقد أنه ليس مُصممًا ليكون مُشاهدة سهلة فى ليلة الأحد».
وأضاف ثالث: «إعادة سرد مؤثرة لرواية ويليام جولدينج الأسطورية، التى تدور حول مجموعة من تلاميذ المدارس الإنجليزية الذين تحطمت طائرتهم على جزيرة استوائية نائية فى أوائل الخمسينيات، ما أسفر عن مقتل جميع البالغين على متنها».
فى غياب أى مرشدين، يضطر الأولاد إلى إدارة شئونهم بأنفسهم، ما يؤدى إلى نتائج مأساوية ومروعة. سرعان ما تتصادم الشخصيات الرئيسية: «بيجى»، العضو المثقف والمؤمن بالمساواة، والذى يُعيقه الربو وبنيته الممتلئة عن القيادة، يرشح «رالف»، الذى يجد صعوبة فى السيطرة على المجموعة التى يرأسها «جاك»، وهو متنمر يشكل مجموعة من «الصيادين» تشبه عصابة شبه عسكرية.
وواصل: «تُصوّر رواية (سيد الذباب) مجتمعًا ينهار تحت وطأة الشمولية، ولا تنتهى نهاية سعيدة. الإنتاج فخم ونابض بالحياة، والأداء التمثيلى مُبهر، على الرغم من وجود مشاهد تتجاوز فيها الشخصيات حدود قدرات صبيان فى الـ١١ من عمرهم».
وأتم «شعرتُ شخصيًا بأن بعض الإضافات إلى خلفيات الشخصيات تتسم بالمبالغة، ما أدى إلى تشتت القصة وفقدانها إيقاعها القوى الذى ميز النسخة الأصلية. كما أننى لم أوافق على اختيار الممثلين من دون مراعاة لون البشرة؛ فمن غير المرجح أن تضمّ صفوف طلاب المدارس الإنجليزية المرموقة فى خمسينيات القرن الماضى عددًا كبيرًا من الأطفال الملونين، إن وُجدوا أصلًا. لكن هذا لا ينتقص من روعة هذا الاقتباس المتقن للرواية الكلاسيكية. أنصح المشاهدين بمشاهدة النسخة الأصلية أيضًا».





