حقـائق أخرى.. براءة على سالم من مهزلة «مدرسة المشاغبين»
- على سالم لم يعجبه ما حدث لنصه المسرحى على الخشبة
بعد مقال «لماذا تنتصر مدرسة المشاغبين دائمًا؟» فى «حرف»، اتصل أستاذنا وعمنا وجيه وهبة لتصحيح «حقائق»، والدفاع عن «على سالم».
قال إن على سالم، رحمه الله، كان كاتبًا شريفًا عفيفًا، وإنه لم يعجبه ما حدث لنصه المسرحى على الخشبة.
اعتبر سالم أنه كتب نصًا آخر، لكن نجوم مدرسة المشاغبين تلاعبوا بالورق والأحداث، وتداولوا ألفاظًا لم يكتبها، وتعبيرات وسلوكيات لم يقصدها.
لما زاد وخز ضمير على سالم، طبع المسرحية ورقيًا، وعلى حسابه عند مدبولى الكبير، تأكيدًا لمسئوليته عن المطبوع، بينما المرئى والمسموع هو برىء منهما.
هل المعنى أن مدرسة المشاغبين «لقيطة» المسئولية؟
إذا كان كاتبها قد نفض آثامها عن نفسه، فمن الذى نوجه له سهام المسئولية؟

مؤكد مسرحية واحدة لا يمكن أن تكون سببًا فى فساد أجيال.. لكن المؤكد أيضًا أن مسرحية واحدة هى بالضرورة عينة على أعمال ظهرت على المسارح والشاشات، تسببت بالتراكم عن لخبطة اجتماعية، بآثام ظاهرة على مجتمع السبعينيات.. وما بعدها.
وإذا كان على سالم قد رفع الراية البيضاء، فلا بد من محاكمة عادل إمام وسعيد صالح ويونس شلبى.
بالأحرى محاكمة عادل إمام...
محاكمته بوضع أفلامه على مقاييس النقد الفنى، الفن وعلم الجمال، نحاكمه طبقًا للتجربة الفرنسية، ونقلب أعماله نقدًا بالمعايير الفنية اليونانية.
لماذا تلك الطريقتان بالذات؟
لأنهما أوضح معايير يمكن أن تقيم بها رسالة الفن.. والمقصود منها.
لماذا عادل إمام وحده؟ أو اشمعنى؟
أولًا: لأن المفترض أن عادل هو صاحب لقب أكبر وأهم فنان فى العالم العربى الآن.
وثانيًا: لأن المفترض أن اسمه تراث ومسلمة فنية لكل من تلاه من أجيال.

وثالثًا وهو الأهم: لأن عادل من القلائل أصحاب أطول الأفلام عمرًا، وأنها ما زالت تؤثر وتفعل فعل الترند، بكل ما فيها من مفاهيم مغلوطة أحيانًا، وبكل ما فى بعض منها من عوار، وبكل ما يتخلل بعضها الآخر من مفردات غير لائقة، وبكل ما فى بعضها من لخبطة مقصودة.. قلبت المعايير.. وزيفت المفاهيم، خصوصًا أفلام بدايات عادل فى أوائل مسيرته.
وعادل بحكم سطوة النجومية ونشوة شهرة منقطعة النظير لم يعترف مرة بأنه قدم فى بداياته ما يجب أن يخجل منه.
وهو أيضًا، أول من رفع شعار «الضحك للضحك».. و«الفن للفن».
كله كلام للتبرير ليس إلا، خصوصًا أن للنقد نظريات، وكذلك لمفهوم «الفن» أنماط ومواصفات لا يمكن أن تغيرها تبريرات النجوم.
الفنون ثقافة.. والثقافة رسالة
تزعّم رأيًا يقول إن هناك ما يسمى فنًا لمجرد الفن شذوذ.
لما هاجمنا أفلام خالد يوسف حيث الدنيا أسوأ ما تكون، وحيث النساء كلهن بغايا والرجال كلهم قوادون، خرج ألوف من مكتب يوسف شاهين يعتدون بوظيفة الفن فى إظهار مكامن الضعف.. لعلاج ما فيها من مساوئ وبلاوى.
رفعوا هم الآخرون شعار «الفن للفن».
لكنه لم يكن علاجًا.. ولا يحزنون.
كثيرًا من الأفلام تحت شعار الفن للفن حرضت على الجرائم بدلًا من تركها، وعرضت على الشاشات أفكارًا مبتكرة لأحدث طرق القتل، وروجت للدعارة، وحرضت على الشذوذ، وتركت كل هذا متاحًا للجماهير أنى شاءوا.. بدعوى الإبداع.. والحرية.
هل هناك فعلًا نظرية تبيح الفن للفن؟
دعك من آراء مرتادى «الجريون»، و«المتثقفين» من مخرجين مزقوا الجينز ولبسوا مجموعات لا متناسقة من سلاسل فى الرقاب، مع كم غير متجانس من الأسوار فى المعاصم بدعوى الحرية والمفهومية.
فى علم النفس.. الأفعال طريق لأهداف.
وفى علوم الجمال والنقد لا بد للظاهرة الفنية من سبب ورسالة.

الفن فى الأول وفى الآخر فعل
لذلك لا يمكن تبرير «الالتقائية» فى السلوك، لأن لكل فعل إنسانى غاية وكل سلوك لا بد أن يستهدف منفعة.
لذلك ففى النظرية الفرنسية عرفوا الفنون بأنها: «كم تراكمى معقد يدعم الفرد فى مجتمع ما للترقى والسمو باستخدام طرق إبداعية جمالية».
وفى اليونان.. يبقى التعريف الأثينى للقصد من الفن والإبداع هو الأقدم.
بدأ المسرح من أثينا القديمة، والغرض تعريف البسطاء والعامة بسير بطولات حربية لمقاتلين أشداء.. فقدوا حياتهم فى ميدان الحرب.
كانت رسائل فنية تحاول الخصم من مساحات خوف انتشرت فى الشارع الأثينى من الالتحاق بالجيش خوفًا من الموت.
وقد اشترطت الإدارة على كل أجير ارتياد المسرح، باعتباره شرطًا أساسيًا للترقى للمناصب التنظيمية والهيكل الإدارى.
ويقال إن تفوق الجيش الأثينى على إسبرطة، وما أبلاه جنود اليونان من بطولات راجع لتشبع الشعب الأثينى بحكايات وبطولات من سبقوهم للميدان من على خشبة المسرح اليونانى.
السؤال: هل كانت الرسالة الفنية حاضرة دائمًا فى كل ما قدمه عادل إمام أو سعيد صالح أو يونس شلبى؟
الإجابة : لأ.
لكن لعادل إما «مريدون» غالبًا ما يدفعون بالصوت العالى مبررين سقطات عدة فى أفلامه باعتبار أن كثيرًا منها كان فنًا للفن.
ليس هذا صحيحًا!
وأغلبية أفلام الزعيم، خصوصًا فى السبعينيات والثمانينيات، لا كان فيها رسالة ولا كان فيها مبدأ.
فى «سلام يا صاحبى» عمل فى أذهان أجيالنا جملته الأثيرة لسعيد صالح، لما قاله: «صاحبى قرشى.. وعمى دراعى».

فى «رمضان فوق البركان» استجلب عادل إمام بصنعة لطافة تعاطف الشارع مع أمين خزنة اختلس رواتب الموظفين بحجة الفقر، ثم طرق هو بنفسه باب الشرطة يطلب العقوبة المقررة السجن ١٠ سنوات.. راحة لضميره!
فى «رمضان فوق البركان» تبرير للسرقة ببساطة، وفى «سلام يا صاحبى» تبرير آخر للقتل وقطع الطريق بأريحية.
فى «بوبوس»، وهو مثال آخر، تعرت أرجل النجمات، أكثر مما عرت تلك النوعية من السينما العقول.
لما كتب وحيد حامد للزعيم اعتدل الميزان.
ولما حرر لينين الرملى ورقًا من ذهب، ختم عادل إمام الممثل بنجومية مستحقة.
أفلام وحيد حامد كانت مقياسًا لما يمكن أن نسميه فنًا، بينما لم تكن أخرى إلا تهويمات ضارة، لفنان يسعى فى بداية حياته للانتشار بأى دور، ومهما كانت القصة.
فى جلسة صفا قال لى أنيس منصور إن عادل إمام ظاهرة يصعب وصفها بالفنية كل الأوقات.
قال إن أحمد زكى كان أكثر موهبة، وإن محمود عبدالعزيز كان أكثر حرفنة، لكن عادل كان الأنجح فى إدارة نفسه.
قال «منصور» إن إدارة الموهبة كإدارة الأعمال، وأول مبدأ فى إدارة الشركات عدم الاعتراف بضعف الميزانية على الملأ فى حالات طلب الشراكة.. أو التجهيز للطرح فى البورصة.
فى حياته، اعترف أحمد زكى بندمه على عدد من أعماله، كذلك فعل محمود عبدالعزيز.
عادل إمام وحده الذى لم ينزل راية «الفن للفن» سيرًا على الأقدام وخلفه مريدوه والذين يحبونه.
لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر.
مثقال ذرة.. مش رطل!







