بيت الأرواح.. معالجة درامية سيئة لعمل أدبى استثنائى
- كيف تحطمت الأعمال الأدبية الكبرى على صخرة التحويل إلى دراما سينمائية أو تليفزيونية؟!
- قليل من كتاب الدراما نجحوا فى امتحان البحث عن سيناريو يجمع بين جماهيرية الفن ونخبوية الأدب
لماذا تفشل الدراما فى امتحان الأعمال الأدبية الكبرى؟! سؤال يلح على رأسى منذ مساء الأربعاء الماضى، وبعد مشاهدة الحلقات الثلاث الأولى من مسلسل «بيت الأرواح» المأخوذ عن رواية بذات الاسم للتشيلية المدهشة إيزابيل الليندى، فالحقيقة أن السينما والتليفزيون لم تفلح فى تقديم كثير من الأعمال الأدبية الكبرى إلا فى مرات قليلة جدًا، ومحدودة جدًا.. وها هى بعد أقل من عامين على إنتاج الجزء الأول من المسلسل المأخوذ عن رواية «مائة عام من العزلة» للكولمبى الأشهر جابرييل جارثيا ماركيز، والذى بدأ بثه فى ديسمبر ٢٠٢٤، تعود منصات الإنتاج الفنى العالمية إلى البحث عن أدب أمريكا اللاتينية، لتقدم رائعة التشيلية إيزابيل الليندى «بيت الأرواح» فى مسلسل تليفزيونى من ثمانى حلقات بدأت منصة «برايم فيديو» بثها الأربعاء الماضى باللغة الإسبانية..

«بيت الأرواح» لمن لا يعرف هى الرواية الأولى لإيزابيل الليندى، والتى فتحت لها أبواب عالم الأدب والشهرة حول العالم كعمل استثنائى غير مسبوق، فتمت ترجمتها إلى جميع لغات العالم، وقيل إن مبيعاتها وصلت إلى نحو ٧٠ مليون نسخة، أما المسلسل فهذه هى المرة الثانية التى يتم فيها تقديم الرواية فى عمل فنى كبير، كانت الأولى عام ١٩٩٣، بفيلم هوليوودى لم تفلح قدرات نجومه فى إنقاذه من الفشل، برغم وجود نجوم كبار من نوعية ميريل ستريب وجيريمى آيرونز وأنطونيو بانديراس ووينونا رايدر، وقيل وقتها إن الفيلم باهت، لم يتمكن صناعه من الوصول إلى جوهر القصة، وكان تعليق الليندى وقتها أن الفيلم «نتاج لعصره»، ومؤخرًا كتبت الناقدة الصحفية المتخصصة فى الأعمال اللاتينية إدجارى رودريجيز فى معرض المقارنة بين الفيلم والمسلسل ما نصه: «من الواضح أن المبدعين والممثلين والمنتجين من أمريكا اللاتينية وتشيلى أكثر قدرة على استكشاف هوية المنطقة وتجسيدها بشكل كامل. لحسن الحظ، أتاح ظهور منصات البث الرقمى ذلك، إذ فتح الباب أمام إنتاجات بلغات أخرى، وأثبت بالأرقام أن المحتوى غير الإنجليزى قادر على النجاح فى السوق»، وبغض النظر عن منطق التجارة ولغة السوق فى عبارات رودريجز، فإن أغلب ظنى أن فشل الفيلم كان هو السبب المباشر فى مشاركة الليندى فى تقديم المسلسل كمنتج منفذ، وإن كانت لم تضمن له النجاح فى القبض على روح النص الذى كتبته، ويبدو لى أنها اكتفت بالملامح الخارجية للأبطال والأجواء والمناظر الطبيعية، إذ نقلت عنها الصحف المحلية أنها عندما شاهدت الحلقات الثمانى كاملةً، تحدثت عن مدى تطابق الممثلين مع الصورة التى تخيلتها لهم، موضحة أن «هذا يتناقض تمامًا مع الفيلم»، ودون أن تلتفت إلى أن إيقاع الحلقات بطىء للغاية، يسود الصمت غير المبرر الكثير من المشاهد، مع تكرار لبعض القصص، فتشعر فى الحلقات الثلاث الأولى أن المسلسل مهووس بشكل أساسى بشخصية الجدة «كلارا»، دون اهتمام بتطوير أى شخصية أخرى، والتخلص من شخصيات ثرية وأساسية فى الرواية مثل شخصية الأب، ما يؤدى إلى شعور بالتشتت بين المشاهد والشخصيات الجديدة، التى تفتقر إلى العمق والتشويق، ودون أن تنتبه إلى أن افتقار المسلسل إلى شخصياتٍ متكاملة وبطء وتيرته يقللان من جاذبيته.
نخبوية الأدب وجماهيرية الدراما
وقائع فشل الدراما فى امتحان الأدب كثيرة ومتباينة، شاهدتها بنفسى مرات عديدة، منها مثلًا عندما حاولت هوليوود تقديم رائعة ميلان كونديرا «كائن لا تحتمل خفته»، ورغم استعانتها بممثلين من النوعية الثقيلة، مثل دانيال دى لويس وجولييت بينوش، لكننى لم أستطع إكمال الفيلم إلا على أمل احتمال أن يحتوى ولو على مشهد أو اثنين يقتربان من الرواية التى لا تنتهى دهشتى فى حضورها.. فى الرواية كان عمق الحوار والوصف والخلفيات الاجتماعية والثقافية أكبر بكثير من مجرد قصة ذات بداية ومنتصف ونهاية كما ظهرت فى الفيلم، وهو ما تكرر مع فيلم «الحب فى زمن الكوليرا» ومسلسل «مائة عام من العزلة» للكولمبى جابرييل جارثيا ماركيز، وقبلها «عشيق الليدى تشاترلى» للبريطانى دى اتش لورانس، و«منزل الجميلات النائمات» لليابانى ياسونارى كواباتا، والكثير من معالجات رائعة ديستويفسكى «الجريمة والعقاب»، وغيرها الكثير والكثير من الأعمال الأدبية التى تحطمت على صخرة السينما والدراما التليفزيونية.

وأغلب ظنى أن المسألة هنا تتعلق باختلاف جوهرى بين نخبوية منطق الأدب والإبداع الأدبى، وبين منطق الفنون الجماهيرية، السينما والمسرح والدراما التليفزيونية، ولعله من المناسب أن أذكر أن المعالجة الوحيدة التى شعرت معها باقتراب عمل سينمائى من أصله الأدبى، كانت فى فيلم «البؤساء» المأخوذ عن رائعة الفرنسى فيكتور هوجو، والذى أنتجته شركة «يونيفرسال» عام ٢٠١٢، وهى النسخة التى أخرجها البريطانى توم هوبر، وقام ببطولتها هيو جاكمان وراسل كرو وآن هاثواى، واعتمدت على تقديم القصة فى عمل غنائى أقرب للاستعراض منه إلى تقديم حكاية ذات حبكة تقليدية كما حدث فى النسخ الكثيرة السابقة عليها، وهو ما تكرر فى ذات العام مع رائعة ليو تولستوى «آنا كارينينا» للمخرج البريطانى جو رايت، وبطولة جود لو وكييرا نايتلى وآرون تايلور جونسون، ما يجعلنى أقرب إلى الاعتقاد بأن الإبداع الأدبى والموسيقى يتطلب مستويات مختلفة من التلقى، نخبوية إن شئنا الدقة والتحديد، فيما تنطلق فنون التمثيل باتجاه جميع الطبقات والشرائح الاجتماعية، ما يعنى تباينًا واختلافًا ليس بالهين فى مستويات التلقى، وما يعنى، فى ظنى، أهمية أن يبحث كاتب السيناريو والحوار عما يناسب روح العمل الأدبى الذى يريد العمل عليه، هل هى الموسيقى أم الصورة والأجواء المحيطة أم الحوار؟!
فى الكتابة الأدبية أو الموسيقية، يترك الكاتب أو المؤلف مساحات واسعة للخيال، ويبنى نصه أحيانًا على وقائع أو افتراضات تخالف الحقيقة الواقعية المرتبطة بقوانين الطبيعة والفيزياء.. الشطحات هنا كبيرة، ومذهلة فى بعض الأحيان، المساحات التى يحصل عليها القارئ أو المتلقى غير محدودة، يمكنه تأويل العمل بصور متباينة، والتفكير فيه من منطلقات شديدة الاختلاف، فيجعله جزءًا من واقعه الشخصى، لا الواقع العام المتشابه والمتكرر والمعتاد.. وهو ما يمكن تمثله وتقديمه فى الفنون الجماهيرية، بشرط الإبداع الموازى، بشرط أن يبذل السيناريو الكثير من الجهد والقراءة المتأنية، وكثيرًا من التفكير والبحث والتأمل، وصولًا إلى منطقة توازن ما بين خيال الكاتب الروائى وخيال الجمهور العام، إلى البحث عن منطقة وسطى تجمع ما بين نخبوية الأدب وبين جماهيرية الفن، أن تسحب الجمهور العام معها إلى حيث يدرك أنه لن يتلقى قصة معتادة، لا يتعامل مع واقع عام مكرر ومعتاد.. هنا منطق نخبوى مختلف، خيال شديد الخصوبة والتطرف، عنيف فى انفصاله عن الحياة اليومية المعتادة، يتطلب استعدادًا ذهنيًا مخالف.

ولعل كثير منا يذكر ما فعله المبدع الكبير مطيع زايد مع رواية «حديث الصباح والمساء» للكبير نجيب محفوظ، والتى تحولت بفضله إلى ملحمة درامية موازية للنص الأصلى، استلهمت روح الرواية لتقديم مسلسل طويل ومشوق وجاذب.. لم تنقله كما هو، ولم تستسلم للنص كما كتبه محفوظ، بل جمع بين منطق الأدب المكتوب، النخبوى الباحث عن يقظة العقل النشط، وبين منطق الفن الجماهيرى الأقرب للإمتاع والترفيه، والاسترخاء الذهنى فى لحظات ما بعد الإفطار الرمضانى الدسم.
ربما يفلح الأمر مع عمل أدبى متوسط القيمة الإبداعية، غير نخبوى الطابع، كما حدث فى فيلم «عمارة يعقوبيان» المنقول عن رواية بنفس العنوان، وكما يحدث حاليًا مع بعض الأعمال الحديثة التى يكتبها مؤلفوها للسينما وينشرونها فى كتب تحت عنوان «رواية»، ومعظمها مما نعرفه بمصلح «الأكثر مبيعًا»، أو «البيست سيلرز»، وتفسير ذلك، فى ظنى، أنها فى الأصل أعمال مكتوبة بمنطق جماهيرى تجارى خالص، يسهل تحويلها ونقلها من وسيط الكتابة إلى وسائط التمثيل، كتابات لا تجهد القارئ ولا تطلب منه أى خيال أو تفكير أو تحفيز ذهنى، فهى تحكى له عما يعرفه أو ما لم يصله به علم، عما يختبره بصورة يومية أو يسمع عنه، بلا حاجة به إلى افتراض، أو خيال أو تفكير.. اختلف الوسيط، واختلفت طبيعة الجمهور المستهدف، بينما ظل الجوهر أقرب إلى الإمتاع والترفيه كما هو، لم يتأثر، لم ينقص منه شىء، فلم يكن بحاجة إلى أى إبداع موازٍ، أو تمهيد للأرض، أو تجهيز لجمهور فى حالة استرخاء.

دراما آسرة لكنها بطيئة
تم تصوير المسلسل المكون من ثمانى حلقات، فى تشيلى عام ٢٠٢٤، وبإشراف إيزابيل الليندى نفسها، وشارك فى إخراجه ثلاثة تشيليين، فرانسيسكا أليجريا وفرناندا أوريجولا وأندريس وود، واعتبرته الصحافة التشيلية محاولة جادة لتصحيح الإخفاق السابق فى فيلم ١٩٩٣، خصوصًا أنه أول اقتباس سينمائى للرواية باللغة الإسبانية، وأول اقتباس تليفزيونى على الإطلاق، ورابع مشروع رئيسى فى الشراكة الإبداعية بين أليجريا وأوريجولا اللتين طالما حلمتا باقتباس أحد أعمال الليندى، وقالت أوريجولا: «كان الأمر أشبه بالواقعية السحرية، لأننا كنا نبحث عن اقتباس بعض روايات إيزابيل الليندى، لكننا لم نتخيل قط رواية بيت الأرواح»، وقالت صحيفة «جازيت لى» التشيلية إن «الاقتباس أمينٌ فى حركاته العامة، مع أن بعض الحذف قد يُزعج قراء الرواية»، مشيرة إلى أن غياب شخصية «الشاعر»، واختفاء أحد أفراد عائلة ترويبا الرئيسيين يُشعران المشاهد بفقدانٍ يتراكم مع مرور الوقت. كما تبقى الأحداث السياسية الأكثر تحديدًا فى تاريخ تشيلى بعيدةً عن الأنظار طوال معظم حلقات المسلسل، لتظهر تدريجيًا. يبدو هذا وكأنه ضبط للنفس، وإن كان أقرب أحيانًا إلى الحذر، وقالت «رغم بعض التحفظات الطفيفة فى تناول المواضيع السياسية، وبعض الإغفالات المُحيرة، إلا أنه عمل تليفزيونى لا غنى عنه».

فيما قالت الناقدة الصحفية إدجارى رودريجيز أنه عام ١٩٨١، عندما كانت إيزابيل تكتب «بيت الأرواح»، كانت تعمل إدارية فى مدرسة ثانوية فى كاراكاس، فنزويلا، حيث كانت تعيش فى المنفى، بعد أن أدرجتها حكومة بينوشيه على القائمة السوداء بعد أن رتبت ممرًا آمنًا للاجئين. كانت تعمل ١٢ ساعة يوميًا، وتمر بتغيرات كثيرة، فقد كان زواجها ينهار، وكانت على وشك أن يصبح منزلها خاليًا من الأبناء، وعلى وشك بلوغ الأربعين من عمرها.. كانت تشعر بالإحباط والغضب والفراغ، ولهذا جاءت القصة محملة بثقل سياسى كبير، كما كان الحال فى حياة إيزابيل نفسها. استلهمتها من دكتاتورية تشيلى المدمرة، التى فرت منها فى سبعينيات القرن الماضى، وبدأت كتابتها فى البداية كرسالة إلى جدها المحتضر، الذى لم تره مرة ثانيةً.
ونقلت عن إيزابيل أنها عندما شاهدت المسلسل، انبهرت بمناظر البلاد الطبيعية، الصحراء الشاسعة، الغابات الخضراء، الأراضى الزراعية، والقمم المغطاة بالثلوج، بأصالتها وجمالها. وقالت خلال الإعلان عن المسلسل فى سانتياجو: «رأيت ما كان ينبغى أن تكون عليه دائمًا»، مضيفة: «كتابة الكتاب، ليلًا وفى عطلات نهاية الأسبوع، منحتنى هدفًا، وأبقتنى منشغلة ومركزة، ومستمتعة، أتذكر.. وأتذكر، أحاول أن أضع كل شيء فيه. وفى النهاية، شعرت أننى قد امتلكته. كان ماضىّ، وعائلتى، وبلدى، وبيتى هناك. كان الأمر أشبه بحجرٍ صلب، وقد امتلكته. لذلك كان هناك شعورٌ بأنه لن يضيع. لدىّ جذور. لدىّ ذكريات، وهى موجودة هنا فى هذه الصفحات».

أما مجلة «فاريتى» الأمريكية فقالت إن المسلسل يبدو ظاهريًا، ملحمة عائلية نمطية ترصد تحولات التقاليد، يركز على صعود استقلالية المرأة، وكيف يؤثر هذا التقدم ليس فقط على ديناميكيات الأسرة، بل أيضًا على بلد يتغير بسرعة ككل، حيث يحاول مواطنوه التحرر من قيود النزعة الذكورية والمحافظة، مع ذلك، فإن هذا المسلسل أكثر من ذلك بكثير، لا سيما بعد الفيلم المقتبس منه عام ١٩٩٣، والذى لم يُوفق فى فكرته، ولا فى طاقم تمثيله الذى كان أغلبه من البيض.
على الجانب الآخر كتب جاك سيل الناقد الفنى البريطانى، فى مقال بصحيفة «الجارديان» تحت عنوان «هذا الاقتباس المبتذل لرواية إيزابيل الليندى ليس جيدًا بما فيه الكفاية»: «من بعض النواحى، يتفوق هذا المسلسل الإسبانى المطول على الملحمة العائلية التشيلية التى تدور حول فتاة تتمتع بقدرات خارقة وانقلاب عسكرى، لكنه فى الغالب يبدو كمسلسل قديم الطراز وساذج».
تدور أحداث المسلسل فى سبعينيات القرن الماضى وسط انقلاب عسكرى عنيف حيث تبكى «ألبا» ويغمرها الحزن، فترشدها روح جدتها الراحلة «كلارا»، إلى صندوق قديم، لتكتشف وهى تتصفح صفحات كتابات جدتها مئات الدفاتر التى تروى حياة «كلارا» على مدى نصف قرن، وتقدم لها القطع المفقودة من أحجية قصتها الأصلية المتشعبة والمبهمة.
وبينما تغوص ألبا فى صفحات كتابات جدتها، تنتقل هى والجمهور إلى عشرينيات القرن الماضى إلى منزل طفولة كلارا ديل فالى أصغر إخوتها، محبوبةٌ من عائلتها التى تُدللها بخيالها الجامح، وقدراتها على التخاطر، ومهاراتها الخارقة، وفضولها الذى لا ينضب. مع ذلك، فإنّ أقرب الناس إليها هى أختها الكبرى، روزا بجمالها الأخاذ، تجذب روزا عددًا لا يُحصى من الخاطبين. لكن لا أحد أكثر تصميمًا على الفوز بقلبها من استيبان ترويبا الذى يسعى وراء الثراء بأى ثمن، وبعد عقد من الزمن، تجد كلارا نفسها متزوجة منه بعد أن تحول إلى شخص يستحوذ عليه الغضب، فيلتهم الجميع، بدءًا من عمال مزرعته، وشقيقته الوديعة فيرولا، وصولًا إلى كلارا، وفى النهاية، ابنتهما بلانكا، والدة ألبا المثالية.







