حكمة العصور الوسطى.. 7 خطايا لا يتوب عنها البشر
- مفكرو العصور الوسطى عانوا من غرائب الطبيعة البشرية نفسها التى نعانى منها اليوم
- الخطايا السبع المميتة فى العصور الوسطى كانت سبيلًا إلى معرفة الذات ومسامحتها
- الحسد هو فن إخفاء الألم تحت ابتسامة جامدة
- الخطايا الثلاث الأسوأ تعتبر خطايا الروح: الكبرياء والحسد والغضب
- كل فكرة مغرية وكل فعل ضار يمكن إرجاعه إلى مزيج من الخطايا السبع
ما الذى يمكن أن يعلمنا إياه راهب من القرن الثانى عشر عن الإرهاق والحسد واليأس؟ أكثر بكثير مما نتصور. وعلى الرغم من ارتباط سمعة العصور الوسطى بالظلام والخرافات، إلا أنها كانت العصر الذهبى لعلم النفس.
وهو ما يتضح من خلال حكمة علماء العصور الوسطى وقديسيها ومتصوفيها، الأمر الذى يمنحنا سبيلًا بديلًا لمواجهة تحديات الحياة المعاصرة. وفى كتابه «المساعدة الذاتية من العصور الوسطى: ما يمكن أن تعلمنا إياه الخطايا السبع المميتة عن الحياة»، يبدى بيتر جونز دهشته قائلًا: «لم يسبق فى التاريخ أن بذلت كل هذه الطاقة والموهبة فى دراسة كيفية عمل العقل كما فى العصور الوسطى».

وعلى الرغم من أننا ننظر اليوم إلى الخطايا السبع المميتة على أنها قائمة بسلوكيات محظورة، إلا أنها فى العصور الوسطى، فى أوج انتشارها، كانت بمثابة سبيل إلى معرفة الذات ومسامحتها.
فقد شكلت الكبرياء والحسد والغضب والكسل والجشع والشراهة والشهوة معًا، خريطة نفسية ترسم سبعة أنماط فكرية أساسية، موضحة كيف يمكن لتفكيرنا أن ينحرف وكيف يمكننا العودة إلى رشدنا.
الكتاب الذى يقع فى ٣٦٨ صفحة، صدر فى ١٤ أبريل الحالى، عن دار نشر «دابلداى» الأمريكية، ويأتى فى المرتبة السابعة للكتب الأكثر مبيعًا فى مجال المساعدة الذاتية لمنتصف العمر.
ويستكشف فيه المؤلف كل خطيئة على حدة، باحثًا فى عوالم هيرونيموس بوش وجيوتو المظلمة، واعترافات دانتى ومارجرى كيمب الحميمة، ومعاناة فرنسيس الأسيزى وكاثرين السيانية الشخصية.
وفى خضم ذلك، يكتشف كنزًا دفينًا من الحقائق المفقودة حول الإغراء والإحباط والإدمان والإكراه والإرهاق والغضب والخوف والقلق والحزن، وهى حقائق لا تزال نابضة بالحياة.
بيتر جونز كاتب وأكاديمى متخصص فى تاريخ القلب البشرى. درس خلال مسيرته المهنية فى جامعة نيويورك، وجامعة تورنتو، وكلية لندن الجامعية، وجامعة كومبلوتنسى بمدريد.
كما أمضى عدة سنوات فى العمل فى مدرسة الدراسات المتقدمة فى تيومين، سيبيريا، حيث يسهم فى وضع التاريخ فى صميم مناهج العلوم الإنسانية.


يبدأ الكاتب بمقدمة تحمل اسم «السبعة»، حيث يشير إلى أنه لا يجد الكلمة المناسبة. فهى ليست «بعيدة» أو «غامضة»، فهذه الكلمات قاسية جدًا. لكنها ليست «غريبة» أيضًا. ما الكلمة التى تصف هذا الشىء، الذى يرعبك ثم يفتح قلبك؟.
يروى: بين يدى كتاب كُتب على جلد خروف قبل سبعمائة عام. إنه طويل، كقائمة طعام ضخمة فى مطعم. صفحاته صفراء، وغلافه ذو ملمس شمعى كجلد ميت، ورائحته كرائحة قفازات البستنة الرطبة.

يزن تقريبًا وزن سمكة سلمون طازجة كبيرة. أجلس معه فى مكتبة الفاتيكان، وتحت ضوء نظارة أمين الأرشيف، أشعر وكأننى الخروف المسلوخ نفسه. عادة ما يحفظ هذا الكتاب فى قبو خرسانى.
عليك إبراز هويتك عند البوابة الرئيسية وتسليم جواز سفرك للحرس السويسرى. بعد ذلك، عليك اجتياز مقابلة قصيرة، والتقاط صورة لك، وتوقيع عدة استمارات، وترك جميع أغراضك فى خزانة إلكترونية.
حينها فقط، بعد أن تتخلى عن هويتك العصرية، يُسمح لك بصعود الدرج والحصول على هذه النسخة الوحيدة فى العالم من تابوت الحكمة.
يتساءل: هل يستحق الأمر عناء السفر إلى مدينة الفاتيكان؟ عند فتح المخطوطة التى يعود عمرها إلى ٦٥٠ عامًا، أجد مزيجًا من القلق والرغبة. ورغم قدم الحبر، إلا أن الأفكار ما زالت نابضة بالحياة وكأنها كتبت هذا الصباح.
على امتداد صفحاتها الـ٣٠٠، تتجلى النشوة والعاطفة، والغضب والأوهام، والمماطلة والغيرة. الكثير من الأفكار التى كنت أظنها تخصنى وحدى- أفكار مبهجة، تافهة، وحيدة أو خائفة- موجودة هنا، مكتوبة بخط قوطى بنى.
هناك دلائل واضحة على النفاق؛ وأنواع العناية الشخصية «الصحيحة» و«الخاطئة»؛ وأفضل علاجات الاكتئاب. ينبض الكتاب بالطاقة، وكأن كل كلمة فيه كتبت بقلم شخص كان يعلم مسبقًا بقدوم عالمنا.


يقول جونز: لا ينبغى أن أستغرب أن تبدو هذه المخطوطة نابضة بالحياة. فقد بنيت على نظام عمره ١٦٠٠ عام ولا يزال فعالًا؛ خريطة لا تزال بمثابة دليل موثوق للدوافع الأساسية للعقل البشرى. لأن تابوت الحكمة هو فى الحقيقة دليل عملى لكيفية التعايش مع الخطايا السبع المميتة.
يضيف: بالنسبة لمعظمنا فى القرن الحادى والعشرين، تعد الخطايا السبع المميتة ضربًا من ضروب السخرية. قبل فترة ليست ببعيدة، ألهمت هذه الخطايا أنواعًا من المثلجات، مثل مثلجات الفراولة الوردية التى تحمل اسم «الشهوة»، ومثلجات زبدة الفول السودانى التى تحمل اسم «الكسل».
حولتها الروايات المصورة إلى أشرار، وجعلتها ألعاب الفيديو زعماء فى نهاية كل مرحلة. ولا يزال بإمكانك مشاهدة فيلم «سيفن» ١٩٩٥، الفيلم الشهير من بطولة مورجان فريمان وبراد بيت، الذى تدور أحداثه حول قاتل متسلسل يعاقب ضحاياه على كل خطيئة على حدة «وإن كان ذلك بترتيب خاطئ».
لكن فى العصور الوسطى، كانت الخطايا المميتة أكثر من مجرد حيلة دعائية. كانت أدوات نفسية، ومفاتيح لفك شفرة الشخصية وفهم الرغبات. كانت بمثابة جدول دورى للعقل.
وكما وصفها رهبان الصحراء مثل يوحنا كاسيان، كانت الخطايا نظامًا لترتيب ومعالجة جميع الأفكار. كل فكرة مغرية وكل فعل ضار، نظريًا، يمكن إرجاعه إلى مزيج من هذه الخطايا السبع.

يلفت الكاتب إلى أن كتاب «تابوت الحكمة» يتناول كلًا من هذه الخطايا السبع بدقة قناص ورحمة متبرع بكلى. كتب فى أواخر القرن الرابع عشر الميلادى، ونادرًا ما تم الاستشهاد به أو نسخه منذ ذلك الحين.
فى الواقع، ظل مجهولًا إلى حد كبير خارج الدير القريب من ميلانو حيث حفظ لأول مرة. لذا، فإن قراءته الآن، فى مكتبة الفاتيكان، تجربة مؤثرة. لكن فى الحقيقة، «تابوت الحكمة» ليس سوى البداية.
ففى أرشيفات أوروبا آلاف الأعمال المشابهة: كتب تستخدم الخطايا السبع المميتة لاستكشاف الإغراء والإحباط والخوف والقلق والحزن والعاطفة؛ أدلة للتعامل مع الغضب والنرجسية، ولتقبل إيجابيات الحياة. لكن عقبات تحول دون وصول هذه الكتب إلينا. فمعظمها غير متاح، مكتوب بلغات غامضة وبخط ردىء. كما أنها تصنف عادة تحت عنوانين- «العصور الوسطى» و«اللاهوت»- لا يثيران دائمًا اهتمام القارئ العادى.
وهذه خسارة فادحة. فإذا كان لهذه الأدلة موطن حقيقى، فهو ليس فى أروقة المكتبة الخرسانية، ولا فى حلقات البحث الجامعية، بل هو بين أيدينا جميعًا، ونحن نخوض غمار هذه المتاهات التى نلقى فيها، متاهات حياتنا المظلمة.
عندما أقول «العصور الوسطى»، فأنا أتحدث تحديدًا عن القرون الأربعة التى عشقتها: الفترة التى نسميها العصور الوسطى العليا والمتأخرة «حوالى من عام ١١٠٠-١٥٠٠ م».


يأخذنا جونز فى الكتاب فى رحلة عبر كل من الخطايا السبع المميتة: الكبرياء، الحسد، والغضب، الكسل، الطمع «الجشع»، الشراهة، والشهوة. وفى كل فصل، يقدم لنا السياق التاريخى لكل خطيئة. يستعين بأعمال فنية ذات صلة من تلك الحقبة، بل ويضمن تجاربه الشخصية المتعلقة بها، بالإضافة إلى بحثه الخاص.
يدعو القراء إلى النظر إليها كما نظر إليها علماء اللاهوت فى العصور الوسطى- بتعاطف وفهم أن هذه المشاعر السبع قد تكون ببساطة إطارًا لتحسين الذات عبر معرفة الذات، لم تكن تعلم أنك بحاجة إليه، فهذه العصور كانت «حضارة موجهة نحو فهم العقل البشرى».
ولكن فى حين أن الأدوات التى نستخدمها اليوم متجذرة فى الأدبيات الواسعة للتحليل النفسى ما بعد فرويد، فإن الإطار التصنيفى الذى اعتمد عليه أسلافنا كان فى إطار الخطايا السبع المميتة.
يقول: «كلما تعمقت فى الموضوع، أدركت أنه فى الواقع مجرد نظام للحديث عن الدماغ، وعن المضايقات الصغيرة والأحزان البسيطة التى نمر بها يوميًا، وعن الإغراءات الصغيرة، وهو فى الحقيقة نظام متسامح للغاية».
يشرح: هو ليس نظامًا يقول: «لا تفعل أيًا من هذه الأشياء». بل هو نظام يقول: «تعلم كيف تتعرف على نفسك باستخدام هذه الأداة المكونة من سبعة أشياء، ومن خلال عملية التعرف هذه، ربما تحسن نفسك قليلًا».
يلفت إلى أن كتاب العصور الوسطى كان لديهم وجهة نظر مختلفة فى هذه الذنوب، حيث يقول: «هذا ما وجدته مؤثرًا حقًا فى العديد من هذه النصوص، إذ كان هناك شعور حقيقى بالتعاطف بأن كوننا بشرًا يعنى أن نشعر بهذه الأشياء، هذه الأشياء السبعة، وأكثر من ذلك بالطبع. أن نكون بشرًا يعنى أن نشعر بهذه الأشياء، وألا نكره أنفسنا على الشعور بها، بل أن نتعامل معها».
يعتقد أن هذا النموذج قد قدم إطارًا نفسيًا دقيقًا لوصف نقاط الضعف والآلام البشرية والتخفيف منها. والأهم من ذلك، أنه «نظام عمره ١٦٠٠ عام ولا يزال فعالًا».

يرجع المؤلف أصول النموذج إلى أعمال إيفاجريوس البنطى، وهو راهب بيزنطى عاش فى القرن الرابع فى الصحراء المصرية. فبعد تأمله فى صراعاته الروحية، حدد ثمانية «أفكار عامة» تعرف الحالة الإنسانية: الشراهة، الشهوة، الطمع، الحزن، الغضب، الكسل، الغرور، والكبرياء.
وسرعان ما أعاد راهب آخر، هو يوحنا كاسيان، تسميتها بالخطايا. ثم، فى نهاية القرن السادس، اختصر البابا غريغوريوس الكبير القائمة إلى سبعة، فدمج الحزن مع الكسل، والغرور مع الكبرياء، وأضاف الحسد.
كانت الخطايا الثلاث الأسوأ تعتبر عادة خطايا الروح: الكبرياء، الحسد، والغضب. أما أقلها خطورة فكانت خطايا الجسد: الطمع، الشراهة، الشهوة. وبينها يقع الكسل، «غياب الحب، شلل الاهتمام، وفراغ الروح»، على حد تعبير الكاتب.
وفى القرن الثالث عشر الميلادى، استخدمت كأدوات علاجية من قبل الكهنة الذين كانوا يقدمون جلسات إرشاد منتظمة للضالين. ثم فى القرن الرابع عشر الميلادى، انتشرت هذه الأفكار انتشارًا واسعًا فى الثقافة الشعبية.
رسمها جوتو على جدران كنيسة أرينا فى بادوا؛ وجعلها تشوسر وجاور أساسًا لأعمال أدبية إنجليزية عظيمة. وكان أبرز من روج لها الشاعر الفلورنسى دانتى «حوالى ١٢٦٥-١٣٢١»، الذى صور فى ملحمته «المطهر» الخطاة وهم يحملون صخورًا ثقيلة على ظهورهم بسبب كبريائهم، ويغمرون بدخان أسود كثيف بسبب غضبهم.
لكن إلى جانب كل هذه العذابات، قدم دانتى رسالة إنسانية، رسالة تكاد تغفل فى أيامنا هذه. قال إن كل خطيئة مميتة هى فى الحقيقة نتاج للحب: حب تجاوز حدوده.
الكبرياء هو عندما يتجاوز حبنا لأنفسنا حدًا يشوه قدراتنا ويتوقف عن إدراك حقيقتنا. الحسد هو حب النجاح، الذى يتحول إلى حب لفشل الآخرين؛ الغضب هو حب محموم للشعور بالصواب؛ الشهوة والطمع هما رغبة جامحة فى الجنس والمال؛ الكسل «وهو الخطيئة الأكثر غموضًا دائمًا» هو عندما ينقلب عجزنا عن الاهتمام بكل ثقل حبنا المنسى ضدنا.


يذكر المؤلف الخطايا السبع بترتيبها المعتاد، من الأكثر إلى الأقل «خطورة»، وهى:
١. الكبرياء: هوس الذات، لدرجة تجاهل حياة الآخرين. ينشأ هذا عادة من التركيز على الذات. حيث نعتبر أنفسنا فوق الآخرين. بل قد يكون أيضًا استقلالًا مفرطًا، إذ نعتقد أننا لسنا بحاجة لأحد. الكبرياء يغلق أعيننا على وجهات النظر الجديدة والآراء القيمة، ويعمى أبصارنا، ويضيق رؤيتنا.
٢. الحسد: الرغبة فى فشل الآخرين، أو تحطيم نجاحاتهم. ينشأ هذا عادة من التركيز على الآخرين. يشكل الحسد نوعًا مختلفًا من العمى، حيث لا نولى اهتمامًا إلا لإخفاقات الآخرين.
٣. الغضب: حالة من الهياج، والغضب الشديد، وفقدان القدرة على التفكير المنطقى. ينشأ هذا عادة من نفاد الصبر تجاه الآخرين، أو تجاه الذات. فى أغلب الأحيان، ينبع من شىء نهتم به لدرجة تدفعنا لحمايته أو الانتقام له. علينا أن ندرك ذلك، لكن دون أن ندعه يسلبنا قدرتنا على التمييز.
٤. الكسل: اليأس، والاكتئاب، أو فقدان حب الحياة. ينشأ هذا عادة من نقص التركيز. وقد يشمل فقدان الشغف بشىء ما، وفقدان الاهتمام بالحياة، والاكتئاب. سيحاول الكسل السيطرة على روتينك وطاقتك. وعندما يحدث ذلك، من المهم أن تجد شيئًا أو شخصًا واحدًا يمنحك الثبات.
٥. الطمع: فى جوهره هو التملك أو السعى وراء المزيد من الممتلكات الأفضل. قد يشمل هذا أيضًا الكرم «المبذر»، أو التعلق بأشياء مختلفة، وقد ينشأ عندما نحاول التعلق بالأشياء المادية لدرجة أنها تصبح جزءًا من شخصيتنا. ينشأ عادة من التركيز على الأمور المادية. وبدلًا من أن يجرفنا الجشع، يقع على عاتقنا تنمية دهشتنا، وأن نعشق دون أن نرغب فى شىء.
٦. الشراهة: الرغبة المفرطة فى الطعام أو الكحول أو غيرهما من المواد الاستهلاكية. وقد تشمل الامتناع التام عن الطعام، أو التذوق المفرط وتدفعنا إلى بذل جهد كبير للحصول على ما نرغب فيه. وعادة ما تنشأ من التركيز على الضرورة.
ومن المهم إيجاد التوازن فى حياتنا.
٧. الشهوة: الانشغال بالجنس، وكذلك بالمتعة الحسية. وعادة ما تنشأ من التركيز على الأجساد. يكمن التحدى فى قدرتنا على توجيه الشهوة نحو المسار الصحيح، وتجاوز حدود الذات والجسد، وفتحها أمام الحب.


من المحاور الرئيسية فى الكتاب خطيئة الكسل، لأن تشخيص الكسل فى العصور الوسطى، هو اختصار لمفهوم أكثر تعقيدًا يعرف باسم «الأكيديا»- «مفهوم لم يعد موجودًا، ومع ذلك فهو حالة أكثر حيوية من أى وقت مضى»- يتطابق إلى حد كبير مع ما نسميه اليوم بالاكتئاب.
حدد الفكر فى العصور الوسطى ثلاثة جوانب رئيسية للأكيديا: القلق، الخمول، والحزن. وهنا نرى بوضوح كيف كانت النفوس المضطربة فى العصور الوسطى تصارع نفس نقاط الضعف البشرية المستعصية التى نصارعها.
ويقدم جونز ثلاثة أمثلة من القرن الثانى عشر وحده. فبالنسبة لكونراد من هيرساو، كانت الأكيديا هى الشعور بأن «كل الأشياء الجيدة تشعرك بالملل الآن». رثى جيلبرت البواتييه حاله قائلًا: «روحى لا تفعل شيئًا يذكر»، بينما كتب رالف باتل عن شخص «تفسد شكوكه الداخلية كل شىء وتدنسه».
عندما قرأ المؤلف هذه الشهادة الأخيرة فى مكتبة مخطوطات، «شعر بيأس تلك الكلمات تتردد فى أعماقه». ووفقًا لويليام بيرالدوس، الذى يعد كتابه «خلاصة الفضائل والحيوية» من القرن الثالث عشر نصًا أساسيًا هنا، فإن أحد علاجات الكسل الروحى هو إيجاد «جبل شامخ». بالنسبة لمارجرى كيمب، كان ذلك الجبل هو رؤية للمسيح نفسه.
يحدد الكاتب جبله الشامخ فى دراسة العصور الوسطى نفسها- «الغوص.. فى بحر حياة العصور الوسطى التى رأيتها».
من أبرز المقاطع تلك التى تصف متعة البحث العلمى العميقة، الفكرية والوجدانية فى آنٍ واحد، لاكتشاف روابط إنسانية غير متوقعة مع الماضى، مصحوبة بشعور عميق بالدهشة، «غرابة الرؤية، حيث تصطدم بشىء ما فتخلق طريقة جديدة لمواجهة العالم».


ينتقل جونز إلى خطيئة الشراهة، فيقول إن حسب الفيلسوف القديس توما الأكوينى «حوالى ١٢٢٥-١٢٧٤»، تتخذ الشراهة خمسة أشكال. بعض هذه الأشكال مألوفة لنا نحن أبناء القرن الحادى والعشرين.
على سبيل المثال، قد نأكل أو نشرب بإفراط، بتسرع، وبشراهة مفرطة. لكن البعدين الآخرين للشراهة قد يكونان أكثر إثارة للدهشة. ففى العصور الوسطى، كان الشراهة تعنى أيضًا الإسراف فى الطعام والشراب، والتركيز على المنتجات الخاصة أو الفاخرة.
أو قد تعنى الذوق الرفيع، كإعداد فطور من الفطائر، أو توستادا الزيتون والأنشوجة، مع مبالغة فى التزيين. إنها، بعبارة أخرى، خطيئة الاهتمام المفرط.
مع ذلك، ما المشكلة فى الترف؟ حسب توما الأكوينى، يكمن الخطر الرئيسى للتعلق المفرط والانشغال الدائم فى أنهما يسحران العقل. تلك الرغبة الأنانية الأساسية التى تستحوذ على العقل وتحجب قدرة المرء على التفكير السليم.
الخلاصة: لا تلوم نفسك على نهمك. إنه أحد أفضل غرائزك البشرية- رغبتك فى الطاقة والراحة والتغذية- وقد تفاقمت، بشكل خطير، إلى أقصى حد.
لكن ما العمل حيال ذلك؟ فى حالة النهم، «ليست المشكلة فى الأكل نفسه»، كما قال البابا غريغوريوس الكبير «حوالى ٥٤٠-٦٠٤»، «بل فى التفكير فيه». توقف عن الهوس بالطعام.
طور ما أسماه كونراد من ميجينبيرج، وهو أستاذ جامعى من القرن الرابع عشر، «الذوق الرصين». لا يتعلق الأمر بتجويع نفسك، ولا بالامتناع عن الأطعمة الفاخرة. بل يتعلق الأمر بتنمية اعتدال طبيعى.


يصف المؤلف خطيئة الحسد بأنها تزدهر فى الخفاء. كما وصفه أحد كتاب العصور الوسطى، فهو فن إخفاء «الألم تحت ابتسامة جامدة»، وتغطية «العداوات الخفية بالتملق».
يتساءل كيف نحول ضغينة الحسد إلى شىء أكثر إلهامًا؟ أولًا، لا ينبغى تجاهل أو التقليل من شأن أول موجة من الحسد- شعور قايين بالظلم، أو طموح يهوذا الجامح، أو حتى الغيرة التى نشعر بها جميعًا فى كثير من الأحيان.
بل يجب إعادة توجيهها وتوظيفها لمساعدتنا على تحقيق شىء عظيم أو مفيد. يشير إلى أن المنافسة قادرة على «تحقيق المعجزات»، طالما أننا نركز فقط على نقاط قوتها: فضولها المتأجج، واهتمامها الشديد بالآخرين، ورغبتها الدءوبة فى تطوير الذات.
يوضح أنه إذا كان الانتباه هو الأداة الرئيسية للحسد، فإنه قد يكون علاجه أيضًا. يكمن التحدى، وفقًا لدليل وعظى من القرن الثالث عشر صادر عن كلية كوربوس كريستى بجامعة كامبريدج، فى تحويل كل هذا الفضول والاهتمام والطموح إلى مكونات لحياة اجتماعية أكثر انفتاحًا وأخلاقية.
عندما نشعر بالحسد- فإن الجانب الإيجابى هو أننا على الأقل نولى اهتمامًا كبيرًا لشخص آخر. كل ما علينا فعله إذن هو تعديل انتباهنا. أن نظهره للعلن، وبدلًا من الانتقاد اللاذع، نحاول أن «نشعر بكل جرح»، وأن «نفرح بكل انتصار» لمنافسنا.
إذا مارسنا هذا لفترة طويلة وبجد كافٍ، فسنجد أن حسدنا يمكن أن يتحول إلى تعاطف. حينها، إذا فعلنا ذلك بشكل صحيح، سنكتشف أننا نفهم أنفسنا والشخص الذى كنا نراقبه بشكل أفضل. سنحبهم ونحب أنفسنا بطرق لم نكن لنحلم بها من قبل.
يضيف أن أحد الحلول، بالنسبة لمفكرى العصور الوسطى، هو تدريب العين على الرؤية بشكل مختلف. اعتقد يوحنا كليماكوس، اللاهوتى الذى توفى فى القرن السابع، أن علاج الحسد هو أن ننظر إلى الآخرين كما ينظر صانع النبيذ إلى كرمة العنب.
عند قطف العنب، يجب أن نختار الجيد فقط. أما العنب الردىء- المتعفن أو المكسور أو غير الناضج- فيجب أن نتجاهله دون إلقاء نظرة. هل يمكننا أن نفعل الشىء نفسه مع كل الصفات الصعبة التى نصادفها فى الآخرين؟ أن نتجاهلها، ونتجه بدلًا من ذلك نحو الصفات الملهمة؟.
ومع ذلك، حتى علماء اللاهوت فى العصور الوسطى أقروا باستحالة العيش دون قليل من الاستياء فى القلب. وكما وصفه أنطونيوس البادوانى، فإن الحسد أشبه بسلالة من البكتيريا.
يشير الكاتب إلى أننا نحتاج جميعًا إلى قدر منه فى ميكروبيومنا لكى نؤدى وظائفنا؛ قليل من المرارة لمساعدتنا على محاربة الظلم، وقليل من التنافس الجاد لاستخراج أفضل ما فى مواهبنا. ولكن عندما يترك الحسد دون رادع، فإنه يتكاثر ويتفاقم، خاصة عندما لا نتعامل مع الجرح بشكل صحيح.
يلفت إلى أن الأهم من ذلك كله، أن علاج الحسد يكمن فى محاولة رؤية ما هو أمامنا. أن نراه حقًا، وأن نتقبله كما هو جميل وهش.







