الجمعة 03 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

الدم والكنز.. اقتصاديات الموت عبر الزمن

حرف

- من الفايكنج إلى أوكرانيا.. الحرب تشكل المؤسسات والنتائج الاقتصادية

- كتاب يستكشف كيف أسهمت الحروب فى دفع عجلة التغيير الاقتصادى والتقدم البشرى عبر التاريخ؟

- كيف أسهمت غنائم الحروب بإيطاليا فى رعاية المعرفة والفنون وصناعة عصر النهضة؟

- الدول الأولى بنيت على يد متخصصين فى العنف والبشر أدركوا أن الزراعة عمل شاق والسرقة أسهل

- الحظ قد يؤثر فى بعض المعارك.. لكن القدرة الإنتاجية على المدى الطويل غالبًا ما تحدد النصر

- مهاجمة سلاسل إمداد العدو قد تكون فعالة.. لكنها نادرًا ما تحسم الحروب بمفردها

الحروب مكلفة، بشريًا وماديًا على حد سواء. ولكن على الرغم من تكلفتها الباهظة، فقد كانت الحرب، فى بعض الأحيان، محركًا مهمًا للتغيير والتقدم الاقتصادى. فعلى مر التاريخ، لم يؤثر شىء فى تشكيل المؤسسات البشرية، وبالتالى فى عملية التنمية الاقتصادية، بقدر ما فعلت الحرب والعنف. 

فالحروب هى التى صنعت الدول، والدول هى التى صنعت الحروب. ومع تزايد تكاليف الحرب، تزايدت معها هياكل الدولة وأنظمة الضرائب والأسواق الوطنية للديون. ومع ازدياد الدمار الذى تسببه الحروب، تغيرت أيضًا دوافع الحكومات للجوء إليها.

يتناول كتاب دانكن ويلدون «الدم والكنز: اقتصاديات الصراع من الفايكنج إلى العصر الحديث»، تاريخ واقتصاديات الحروب من عصر الفايكنج إلى حرب أوكرانيا، باحثًا فى كيفية تغير الحوافز والمؤسسات عبر القرون. 

ويستعرض كيف أسهمت الحروب فى صعود أوروبا إلى مكانة عالمية بارزة، ويشرح كيف استلزمت الحروب الشاملة فى القرن العشرين استراتيجية جديدة، تأخذ الاقتصاد على محمل الجد.

كيف ولماذا تعد الحرب نشاطًا اقتصاديًا؟

يطرح الكتاب، فى سياق حديثه، تساؤلات حول ما إذا كان ينبغى اعتبار جنكيز خان أبًا للعولمة، ويشرح كيف أبقى الذهب والفضة فى العالم الجديد إسبانيا فقيرة، ويتساءل عن سبب اعتبار بعض الاقتصاديين محاكمات الساحرات شكلًا من أشكال «المنافسة غير السعرية».

ويشير إلى كيف كان قادة القراصنة روادًا فى استخدام أساليب فعالة لإدارة الموارد البشرية، ويتساءل عما إذا كان منح الأوسمة قد أضر بسلاح الجو الألمانى فى الحرب العالمية الثانية، ويقيم ما إذا كانت النظريات الاقتصادية قد أسهمت فى خلق مأساة فيتنام.

الكتاب الذى يقع فى ٣٢٠ صفحة، صدر فى ٦ يناير الماضى، عن دار نشر «بيجاسوس بوكس» الأمريكية المستقلة، وتأتى أهميته فى أنه يركز على كيفية ولماذا تغيرت اقتصاديات الصراع والحرب عبر الزمن. 

وهى قصة عن كيف يمكن لعلم الاقتصاد أن يساعد فى تفسير دوافع الحرب، وكيف يمكن لفهم تاريخ الحروب أن يساعد فى تفسير علم الاقتصاد الحديث.

دانكن ويلدون كاتب ومذيع. عمل صحفيًا سابقًا فى تغطية الاقتصادات العالمية فى مجلة الإيكونوميست وهيئة الإذاعة البريطانية، كما قدم برامج وثائقية إذاعية. 

بدأ مسيرته المهنية كخبير اقتصادى فى بنك إنجلترا، قبل أن يعمل فى إدارة الأصول والسياسات العامة. وهو عضو فى المجلس الاستشارى لمركز تحليل الميزة النسبية فى الاقتصاد العالمى بجامعة وارويك. 

كما أنه معلق منتظم على شاشات التليفزيون والإذاعة، ويكتب فى العديد من المطبوعات. صدر كتابه الأول، «مئتا عام من التخبط»، فى بريطانيا، وهو يقيم فى لندن.

تتبع الأموال

يعتقد «ويلدون» أن أفضل طريقة لفهم ما يجرى حقًا فى الحروب ولماذا خاضتها وكيف يتم تمويلها هى، «تتبع الأموال». وأن هناك مفهومين أو خيطين اقتصاديين بالتحديد أساسيين لفهم الصراع والحرب: الحوافز والمؤسسات. 

فالحوافز الاقتصادية التى تحرك وتحدد النتائج فى آنٍ واحد لا تتشكل بمعزل عن السياق، بل تتأثر بالسياق الاجتماعى والثقافى والسياسى الأوسع نطاقًا، وهو ما يطلق عليه الاقتصاديون اسم «المؤسسات».

يقدم المؤلف من خلال ١٧ فصلًا منفصلًا رواية ممتعة لأحداث بارزة فى اقتصاديات الحرب وصولًا إلى يومنا هذا. 

يبدأ روايته بفصل عن الغزاة العقلانيين أو اقتصاديات الفايكنج «شعوب جرمانية نوردية من المناطق الإسكندنافية (النرويج، الدنمارك، السويد) اشتهروا كملاحين ومحاربين وتجار، سيطروا على سواحل وأنهار أوروبا».ويتحدث فى الفصل الثانى عن جنكيز خان- أبو العولمة، ويتساءل فى الفصل الثالث لماذا كان حكام العصور الوسطى على حق فى اختيار أسلحة أقل جودة، ويوضح فى الفصل الرابع كيف أفقر الذهب والفضة إسبانيا.

ويطلق على الفصل الخامس فهم الهستيريا أو اقتصاديات محاكمات الساحرات، ويشرح فى الفصل السادس كيف صنعت الحرب عصر النهضة، وفى الفصل السابع كيف فهم القراصنة الحوافز.

أما الفصل الثامن بعنوان محاسبة الإمبراطورية، فيوضح لماذا كادت بريطانيا أن تستبدل كندا بجزيرة جوادلوب، ويتناول عملية صعود البحرية الملكية إلى العظمة بسبب المحسوبية والفساد فى الفصل التاسع، وأيضًا اقتصاديات التمرد والإمبراطورية فى الهند فى الفصل العاشر.

ويتحدث فى الفصل الحادى عشر عن مساهمة الحرب الأهلية الأمريكية فى نشأة الدولار، وفى الفصل الثانى عشر عن التكاليف المتغيرة للحرب، ثم فى الفصل الثالث عشر عن اقتصاديات الحرب الشاملة.

ويفسر فى الفصل الرابع عشر لماذا كان مكافأة الشجاعة أمرًا مضرًا فى سلاح الجو الألمانى، وفى الفصل الخامس عشر يتناول ستالين والحرب الشاملة، ونهاية النمو السوفيتى.

ويرى فى الفصل السادس عشر أن الاقتصاديين ليسوا دائمًا على صواب عندما يتناول والت روستو وحرب فيتنام، وفى الفصل الأخير يتحدث عن التخطيط للحرب فى أوكرانيا وحوافز التحليل.

دونكان ويلدون

تكتيك ناجح

يؤكد الكاتب أن علم الاقتصاد يفسر السلوك البشرى بما يتجاوز مجرد المال والتجارة. يكتب أن الدول الأولى بنيت على يد «متخصصين فى العنف». بعد الثورة الزراعية، أدرك بعض البشر أن الزراعة عمل شاق، وأن سرقة المزارعين أسهل. هذه هى مقدمة ويلدون للفايكنج، الذين ارتقوا بالسرقة إلى مستوى جديد. 

دافعت الدول الأوروبية عنهم أحيانًا، بينما دفعت لهم دول أخرى الجزية. قد يبدو هذا جبنًا، لكنه أثبت أنه تكتيك ناجح. فبعد أن غمرتهم الثروة، فقد الفايكنج الرغبة فى العودة إلى إسكندنافيا الفقيرة، حيث كان الشراء شحيحًا، وأنفقوا أموالهم فى أماكنهم، واستقروا وحكموا فى نهاية المطاف مناطق عديدة فى أوروبا، بما فيها إنجلترا. 

تفسيرات مفاجئة

يجادل ويلدون بأنه من خلال تتبع الأموال، يمكن للمرء أن يجد تفسيرات مفاجئة لسلوكيات محيرة. كان ملوك فرنسا على دراية بمزايا القوس الطويل مقارنة بالقوس والنشاب بعد هزيمتهم النكراء فى معركة كريسى عام ١٣٤٦. 

ومع ذلك، ثبط القادة الفرنسيون استخدام القوس الطويل فى السنوات اللاحقة، لأن هذه الأسلحة تتطلب تدريبًا مستمرًا، كما أنهم كانوا يخشون أن يهدد وجود عدد كبير من الرماة المهرة قبضتهم على السلطة. 

ونتيجة لذلك، عانوا مرة أخرى على يد الرماة البريطانيين فى معركة أجينكور عام ١٤١٥. بعد بضع مئات من السنين، كان قادة البحرية البريطانية عدوانيين بشكل خاص فى الحروب البحرية، لأنهم كانوا يكافأون بحصص من قيمة السفن التى يتم الاستيلاء عليها. 

فى المقابل، تجنب القادة الفرنسيون القتال، لأنهم كانوا معرضين للإعدام فى حال تسليم سفينة. 

المنافع العامة

يتناول المؤلف فى الفصل الأول اقتصاديات الفايكنج، من خلال رواية قصة بسيطة عن خبراء العنف وشرح لكيفية حكمهم للمجتمع: فالملوك هم مَن يمنحون الذهب والخواتم، ويحتفلون مع حاشيتهم فى قاعات خشبية فخمة. 

والملك الناجح هو قائد حرب ناجح، ويتمنى المحاربون العظماء خدمته. فالمعركة فى جوهرها تدور حول الاستيلاء على الغنائم وتوزيعها على الأنصار.

يشير إلى أن للحفاظ على دعم محاربيه وحاشيته، كان على الملك خوض الحروب باستمرار للحصول على المزيد من الخواتم الذهبية وغيرها من الكنوز، ليوزعها على أتباعه. كان عدم الاستقرار والصراع جزءًا لا يتجزأ من النظام.

يلفت الكاتب إلى أن للفايكنج ميزتين حاسمتين فى غاراتهم: تفوقهم فى التكنولوجيا البحرية، وعدم اعتناقهم المسيحية، على الأقل خلال القرن الأول تقريبًا. وبحلول القرن العاشر، لم يقتصر نشاطهم على القرصنة فحسب، بل امتد ليشمل الاستيطان أيضًا.

يقول إن من المرجح أن ظهور جيوش الفايكنج ودفع الجزية لم يصاحبه تراجع اقتصادى، بل انتعاش فى النشاط. وزع جزء كبير من الثروة على أفراد جيش الفايكنج، الذين استخدموها لشراء السلع والخدمات. 

الجدير بالذكر أن العديد من هذه السلع والخدمات كان يشترى من دافعى الجزية أنفسهم. عادة ما يتبع تحويل الموارد المالية، بدرجة أو بأخرى، تحويل فى الموارد الحقيقية.

بمرور الوقت، بدأت العصابات المستقرة تتشابه إلى حد كبير مع الدول. لم يكن دفع الجزية أو محاولة صد الغزاة الاستراتيجيتين الوحيدتين المتاحتين لحكام العصور الوسطى المبكرة. 

كان هناك نهج ثالث، شاع استخدامه فى شمال أوروبا، وهو أسلوب مألوف لحكام الصين القديمة: «استخدام البرابرة لمحاربة البرابرة». 

بعبارة أخرى، يتم توطين مجموعة من المتخصصين فى العنف الأجنبى فى منطقة ساحلية على أمل أن يردعوا غيرهم من المتخصصين فى العنف الأجنبى من تجربة حظهم. وبدافع رغبتهم فى ازدهار أراضيهم الجديدة، بدأوا فى توفير ما يسميه الاقتصاديون «المنافع العامة» مثل القانون والنظام.

حماية مافيا 

ينتقل ويلدون إلى المغول، فيوضح أنه على غرار الفايكنج من قبلهم، أصبح المغول أنجح وأكثر المتخصصين فى العنف رعبًا فى عصرهم. ومثل الفايكنج أيضًا، انتقلوا من قطاع طرق متجولين إلى قطاع طرق مستقرين، تاركين أثرًا بالغًا على المجتمعات التى تفاعلوا معها. لكنهم فعلوا ذلك على نطاق أوسع وأكثر توحيدًا.

سواء من خلال الغارات أو التجارة، سعى سكان السهوب دائمًا إلى الوصول إلى السلع التى تنتجها المجتمعات المستقرة المحيطة بهم.

أظهر جنكيز خان وخلفاؤه فهمًا عميقًا للحوافز، واستخدموا هذا الفهم لإنشاء مؤسسات راسخة وتشكيلها. كان خان بلا شك موهبة فى الحرب، لكن موهبته فى التنظيم كانت أكثر إثارة للإعجاب.

لم يكن خان وخلفاؤه مهتمين بالدرجة الأولى بالسيطرة على الأراضى، بل يمكن تشبيه إمبراطوريتهم بشبكة حماية مافيا. حيث أظهر الحكام الإمبراطوريون الجدد انفتاحًا غير مسبوق على أفكار شعوبهم الخاضعة، وقدرة على دمجها بطرق عملية.

يرى المؤلف أن ماركو بولو قد يكون أشهر زائر أوروبى للصين فى تلك الحقبة، لكنه لم يكن الوحيد. فقد أسهم مزيج الأمن والبنية التحتية والانفتاح التجارى فى خلق العصر الذهبى الأول للعولمة. 

ثورة الأسعار

يذهب الكاتب إلى الفترة الممتدة من نهاية القرن الخامس عشر إلى منتصف القرن السابع عشر، والتى يطلق عليها المؤرخون الاقتصاديون اسم «ثورة الأسعار الأوروبية»، أو ببساطة «ثورة الأسعار الإسبانية». 

خلال تلك السنوات المئة والخمسين، ارتفع مستوى الأسعار فى جميع أنحاء القارة بنحو ستة أضعاف. وهذا يعادل فى الواقع معدل تضخم سنوى يبلغ حوالى ١.٢٪، وهو ما يبدو منخفضًا جدًا فى عصرنا الحالى، ولكنه كان أمرًا جديدًا. 

يرى أنه لا يمكن لثورة الأسعار وحدها أن تفسر سبب تراكم الديون على إسبانيا. وأنه لفهم سبب اختلاف إسبانيا، لا بد من فهم الاختلافات فى مؤسساتها. كان الغرض الرئيسى من دعوة الملوك للبرلمانات هو جمع الأموال. 

وكانت الضرائب، بشكل عام، تتطلب موافقتهم. لكن وصول الذهب والفضة الأمريكيين منح هؤلاء الحكام فجأة مصادر تمويل جديدة يمكن إنفاقها دون الحاجة إلى موافقة النخب المحلية القائمة.

النقطة الحاسمة هى أنه فى حين أن بعض هذه الحروب ربما فرضت على إسبانيا، إلا أن الكثير منها كان حروبًا اختيارية. كان بإمكان الملك اتخاذ قرار الحرب بسهولة أكبر، لأنه لم يكن بحاجة إلى استدعاء البرلمان لتمويلها.

كان من سوء حظ فيليب أن يحمل رؤى جيوسياسية طموحة فى وقت كانت فيه تكلفة الحرب تتزايد باستمرار. لكن سوء حظه كان مضاعفًا، إذ امتلكت إسبانيا نظامًا مؤسسيًا لا توجد فيه جهة قادرة على كبح جماح طموحاته.

كانت النتيجة النهائية لغزو الأمريكتين قاعدة ضريبية ضعيفة، وديونًا متراكمة، ومالية عامة غير مستدامة، وهيكلًا مؤسسيًا أقل فاعلية على المدى البعيد من تلك التى طورها منافسو إسبانيا.

السوق الدينية

يبرز ويلدون الدور الكبير للمؤسسات والحوافز حتى فى جريمة بشعة كقتل النساء البريئات، حيث يشير إلى أن السياق الاقتصادى والديموغرافى الأوسع للقرن السادس عشر، ومفهوم «المنافسة غير السعرية»، يعد من أفضل التفسيرات للرعب الذى أعقبها.

ولكن حتى لو كان كتاب «مطرقة الساحرات» عاملًا ضروريًا فى جنون السحر الذى تلا ذلك، من خلال توفيره دليلًا عمليًا لكشف الساحرات وأدوات للتعامل معهن، فإن مبيعاته وحدها لم تكن كافية لتفسير هذه الظاهرة.

فى ذروة هوس السحر فى أوروبا، كان الطقس باردًا بشكل استثنائى. عادة ما ترتبط التغيرات المناخية الحادة بفشل المحاصيل، وتفاقم الجوع، وتدهور مستويات المعيشة، وهو نوع من البيئة التى تجعل البحث عن كبش فداء أكثر احتمالًا. 

لم تقتصر الزيادة فى محاكمات الساحرات على تلك السنوات فحسب، بل شملت أيضًا المذابح ضد اليهود.

عادة ما يدفع نقص المال الناس إلى تأجيل الزواج حتى يصبحوا قادرين على تحمل تكاليفه. فى معظم أنحاء شمال أوروبا، ارتفع متوسط سن الزواج الأول للنساء من حوالى عشرين عامًا إلى حوالى خمسة وعشرين عامًا خلال القرن السادس عشر. 

وقد أدى ذلك إلى ارتفاع نسبة النساء غير المتزوجات فى المجتمع. وكثيرًا ما نظر إلى النساء الأكبر سنًا غير المتزوجات على أنهن عبء على مجتمعهن.

وربما لعب عامل آخر دورًا أكبر: الإصلاح الدينى والإصلاح المضاد. قد يبدو الأمر غريبًا، لكن اضطهاد الساحرات كان بمثابة شكل من أشكال الدعاية فى معركة الهيمنة على السوق الدينية. 

واللافت للنظر هو ندرة هذه المحاكمات نسبيًا فى المناطق الموالية للكاثوليكية، مثل إسبانيا وإيطاليا، وشيوعها نسبيًا فى المناطق التى اشتدت فيها المنافسة على السوق الدينية، خاصة فى ألمانيا وسويسرا وأجزاء من فرنسا.

توسيع المعرفة

يوضح المؤلف كيف أسهمت الحروب فى صناعة عصر النهضة، فرغم معاناة إيطاليا من ويلات الصراعات فى العصور الوسطى، لكن المثير للاهتمام أن تلك الحروب لم تكن شرسة بشكل خاص. 

فعلى مدى أكثر من قرن، كانت تدر ثروات طائلة دون إراقة دماء كثيرة. وقد وفر الإطار المؤسسى مجموعة من الحوافز المناسبة لتوجيه غنائم الحرب نحو توسيع المعرفة الإنسانية.

كان أصحاب النفوذ الحقيقيون فى البندقية وميلانو وفلورنسا من التجار الأثرياء، وبشكل متزايد من المصرفيين، بدلًا من النبلاء ملاك الأراضى المنحدرين من عائلات عسكرية ناجحة.

فى إيطاليا، اختلف مفهوم الحرب إلى حد كبير بسبب هوية المحاربين: المحترفين. فعندما كانت تندلع الحرب بين دولتين، كانتا تخسران فى الغالب، لكن قادة جيوش المرتزقة كانوا فى كثير من الأحيان هم المنتصرون الحقيقيون. 

أعادت الحروب توزيع الثروة فى إيطاليا بطريقة لم تحدث فى أى مكان آخر فى أوروبا. واضطرت النخب الثرية حديثًا إلى إنفاق ثرواتها بأبهى صورة ممكنة لإظهار مكانتها أمام أقرانها وجيرانها من خلال رعاية الفنون.

قوانين القراصنة

يعتبر الكاتب أن علم القراصنة المعروف باسم «جولى روجر» مثالًا واضحًا على اقتصاديات الإشارات، فهو من خلال الجمجمة والعظمتين المتقاطعتين، يؤكد ضرورة استسلام السفينة التجارية دون قتال.

فهو الوضع الأمثل، والذى يحقق أقصى ربح من الناحية الاقتصادية، بالنسبة للقرصان. فالالتزام الجاد بسياسة «الاستسلام أو الموت»، كما يسميها الاقتصاديون، يقلل من تكلفة الاستيلاء على الغنائم، بتشجيع الضحايا على عدم المقاومة. كان لدى القراصنة استراتيجية علاقات عامة فعالة، وقد نجحت.

حيث نظموا سفنهم بكفاءة استثنائية، ووفقوا بين حوافز جميع مَن على متنها لضمان سلاسة العمليات. كان القراصنة ينظمون سفنهم باستخدام قوانين القراصنة، والتى لا يزال العديد منها موجودًا، وقد أشار إليها بعض مفكرى الإدارة المعاصرين كأمثلة على الحوكمة المؤسسية الممتازة.

تغيير مؤسسى

يرى ويلدون أن على الصعيد التاريخى، لا تعد الثورة الصناعية قصة اختراعات وابتكارات بقدر ما هى تحول جذرى فى طبيعة النمو الاقتصادى. فقد أصبح من الممكن الآن أن يرتفع كل من عدد السكان ودخل الفرد فى آنٍ واحد.

والأهم من ذلك، أن بريطانيا أصبحت فى وضع أفضل بكثير لتسخير إمكاناتها الاقتصادية لخدمة الحروب. وكان العامل الأساسى هنا هو الإيرادات الضريبية والقدرة المالية. وكانت العلاقة بين التغيير الاقتصادى والسياسى وثيقة الصلة.

وحدث تغيير مؤسسى كبير عام ١٦٩٨ مع إنشاء القائمة المدنية، التى منحت الملك مبلغًا من المال لتمويل البلاط الملكى وفصلت مالية التاج عن مالية الدولة. أما العنصر المؤسسى الحاسم الأخير، فقد أنشئ عام ١٦٩٤: بنك إنجلترا.

وقد قلل النهج البريطانى فى الحرب من أهمية الحاجة إلى جيش كبير، وكان حذرًا من إرسال أعداد كبيرة من القوات البريطانية إلى القارة الأوروبية، وركز بدلًا من ذلك على الدعم المالى للحلفاء، والهيمنة البحرية، والسيطرة على المستعمرات.

نشأة الدولار

يوضح المؤلف أن إنشاء الدولار الأمريكى لم يكن حدثًا عابرًا، بل عملية تراكمية، لم تكتمل إلا بفعل متطلبات الحرب، وتحديدًا الحرب الأهلية الأمريكية التى دارت رحاها بين عامى ١٨٦١ و١٨٦٥.

من الناحية الاقتصادية، مولت حرب الاستقلال فى معظمها عن طريق الديون. 

جادل ألكسندر هاميلتون «أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة ومؤسس النظام المالى للبلاد، والمنظر الرئيسى للسياسات الاقتصادية لإدارة جورج واشنطن بوصفه أول وزير للخزينة» بأن الدين الوطنى، إن لم يكن مفرطًا، يمكن أن يكون نعمة وطنية. 

فقد اعتقد أن الدين الوطنى يمكن أن يكون بمثابة رابطة قوية للاتحاد. ومثل النظام الذى أسهم فى إنشائه مركزية للسلطة المالية فى يد الحكومة الفيدرالية على حساب الولايات.

وبحلول نهاية الحرب، كانت قيمة الدولار الكونفيدرالى تعادل ثلاثة سنتات تقريبًا من الدولار الاتحادى.

القدرة الإنتاجية

يفسر الكاتب كيف أحدثت الحرب الشاملة تحولًا جذريًا فى الاقتصادات المدنية، فخلال أوائل القرن الثامن عشر، تراوحت النفقات العسكرية البريطانية عادة بين ٤ و٨٪ من الدخل القومى. 

وخلال حرب السنوات السبع، ارتفعت هذه النسبة إلى ما يقارب ١٠ إلى ١٢٪. وتطلبت الحروب النابليونية مستويات مماثلة من الجهد.

أما فى القرن العشرين، فقد حشدت الحرب حصة أكبر بكثير من الاقتصادات الوطنية. ففى عام ١٩١٦، خصصت بريطانيا ٤١٪ من الناتج القومى للمجهود الحربى. وبحلول عامى ١٩١٧ و١٩١٨، اقتربت هذه النسبة من ٥٠٪.

وخلال الحرب العالمية الثانية، حدثت مستويات تعبئة مماثلة. فقد خصص الاتحاد السوفيتى أكثر من ٦٠٪ من الناتج المحلى الإجمالى للمجهود الحربى، بينما تجاوزت ألمانيا ٧٠٪ بحلول عام ١٩٤٣.

وقد أدى التطور السريع فى التكنولوجيا العسكرية قبل عام ١٩١٤ إلى زيادة هائلة فى حجم الحرب. ففى الحرب الفرنسية البروسية، أطلقت المدفعية حوالى ٨٠ ألف قذيفة شهريًا. 

فى عام ١٩١٤، أطلق الجيش الألمانى ما يقارب ٩٠٠ ألف قذيفة شهريًا. وبحلول عام ١٩١٨، وصل هذا الرقم إلى ما يقارب ٨ ملايين قذيفة شهريًا.

وهو ما أدى إلى أن أصبحت الحرب الشاملة تحديًا اقتصاديًا فى جوهرها. وأصبحت أسواق الغذاء ساحات معارك حاسمة. وتم توجيه الإنتاج الصناعى نحو تلبية الاحتياجات العسكرية. 

واضطرت الحكومات إلى الموازنة بين متطلبات الإنتاج العسكرى والحفاظ على الاقتصاد المدنى.

يستخلص ويلدون هنا عدة دروس اقتصادية من تجربة الحرب الشاملة، فالوزن الاقتصادى الخام له أهمية بالغة. والإمكانات الصناعية أهم من ذلك.

ويلفت إلى أن الحظ قد يؤثر فى بعض المعارك، لكن القدرة الإنتاجية على المدى الطويل غالبًا ما تحدد النصر. وأن الحرب الاقتصادية، أى مهاجمة سلاسل إمداد العدو، قد تكون فعالة على المدى الطويل، لكنها نادرًا ما تحسم الحروب بمفردها.

نظام مكافآت

يروى ويلدون أن سلاح الجو الألمانى طور نظام مكافآت متقنًا بهدف تشجيع الشجاعة بين الطيارين المقاتلين. ورغم أن هذا النظام أفرز العديد من الطيارين البارعين، إلا أنه ربما يكون قد قلل من الفاعلية العملياتية الإجمالية. 

فقد شجع نظام الحوافز على منافسة شديدة بين الطيارين، لكن هذه الديناميكيات دفعت الطيارين أحيانًا إلى المخاطرة المفرطة.

يصف الاقتصاديون هذا الوضع بمشكلة الوكيل والموكل. فالوكلاء، وهم فى هذه الحالة الطيارون المقاتلون، كانوا يتخذون القرارات نيابة عن الموكل، أى قيادة سلاح الجو الألمانى. ولم تكن الحوافز التى يواجهها الطيارون متوافقة دائمًا مع مصالح المنظمة ككل.

ومن التعقيدات الأخرى عدم تماثل المعلومات: فقد كان الطيارون أنفسهم على دراية أكبر بأفعالهم وأدائهم من القادة الذين يشرفون عليهم. ويتمثل أحد حلول مشكلة الوكيل والموكل فى مواءمة الحوافز بين الوكلاء والموكلين.

أما فى حالة سلاح الجو الألمانى «لوفتفافه»، فقد شجع نظام المكافآت فى كثير من الأحيان سلوكًا كان عقلانيًا بشكل فردى للطيارين، ولكنه كان ضارًا بالفاعلية الإجمالية للقوة.

النموذج السوفيتى

ينتقل المؤلف إلى النظام الاقتصادى الذى بناه الزعيم السوفيتى ستالين فى أواخر عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، والذى صمم فى المقام الأول، لتلبية متطلبات الحرب الشاملة وتجنب المشاكل التى عانت منها الإمبراطورية الروسية خلال الحرب العالمية الأولى.

وبحسب بعض المقاييس، نجح ستالين فى تضييق الفجوة الاقتصادية مع الغرب. إلا أن نقطة الضعف الجوهرية للنظام القيصرى خلال الحرب العالمية الأولى لم تكن القدرة الصناعية، بل فشل نظام توزيع الغذاء.

سعى برنامج التجميع الزراعى، الذى أطلقه ستالين، إلى حل هذه المشكلة بإلغاء السوق تمامًا. فلم يعد تدفق الغذاء من الريف إلى المدينة خاضعًا للتبادل، بل للتخطيط المركزى المدعوم بالإكراه.

وكانت المرحلة الثانية من استعدادات ستالين الاقتصادية للحرب هى التصنيع السريع من خلال الخطط الخمسية. ركزت الخطة الأولى على بناء القدرات الصناعية، بينما أولت الثانية اهتمامًا متزايدًا بالتسليح والإنتاج العسكرى. 

بحلول عام ١٩٤٠، شكل إنتاج الأسلحة نحو ١٧٪ من الناتج المحلى الإجمالى السوفيتى، وهو مستوى مرتفع للغاية بالنسبة لدولة لم تكن قد دخلت الحرب رسميًا بعد.

على المدى البعيد، أصبح النموذج الاقتصادى السوفيتى، الذى أثبت فاعليته فى التعبئة خلال الحرب، عائقًا أمام النمو الاقتصادى المستدام.

القصف الاستراتيجي

يفند الكاتب فاعلية أداة القصف الاستراتيجى فى الحرب الاقتصادية، فيرى أن الاقتصاديين ليسوا دائمًا على صواب، فهذه الحملات تتطلب عادة فترات طويلة من الضغط المتواصل لتحقيق النتائج المرجوة وإضعاف قدرة العدو على القتال.

يضرب مثالًا بارزًا على ذلك من خلال كتاب عالم الاقتصاد والت روستو، «مراحل النمو الاقتصادى: بيان غير شيوعى»، والذى يلفت إلى أنه ذا تأثير بالغ رغم عيوبه. حيث جادل روستو بأن المجتمعات تمر بسلسلة من المراحل التنموية التى تتوج بالانطلاق الاقتصادى. 

ووفقًا لنظريته، فإن شروطًا مؤسسية معينة ضرورية قبل حدوث نمو مستدام، تشمل التعليم والمؤسسات المالية وظهور طبقة من رواد الأعمال.

شغل روستو لاحقًا منصب مستشار الأمن القومى فى عهد الرئيس ليندون جونسون. وأسهمت أفكاره فى صياغة السياسة الأمريكية فى فيتنام. 

اعتقد روستو، إلى جانب العديد من كبار القادة العسكريين، أن القصف المتواصل سيجبر فيتنام الشمالية على تغيير مسارها.

يرى ويلدون أن دور روستو فى حرب فيتنام يجسد درسًا بالغ الأهمية. حيث يمكن أن يكون التفكير الاقتصادى مفيدًا فى فهم الصراع، ولكنه ليس كافيًا بمفرده أبدًا.

الحوافز الداخلية

يلفت المؤلف إلى أن المؤسسات العسكرية فى الدول الديمقراطية تتنافس مع أولويات حكومية أخرى للحصول على التمويل. لذا، يمكن أن يكون تسليط الضوء على التهديدات المحتملة مفيدًا عند السعى للحصول على ميزانيات أكبر. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك ما يسمى بـ«فجوة القاذفات» فى خمسينيات القرن الماضى. وقد تكررت الديناميكية نفسها مع «فجوة الصواريخ» اللاحقة.

يرى أن المفاهيم الاقتصادية، مثل تكلفة الفرصة البديلة، تساعد فى توضيح تبعات هذه القرارات. فالموارد المخصصة لنوع معين من القدرات العسكرية لا يمكن إنفاقها فى مكان آخر. وتواجه جميع المؤسسات حوافز تؤثر فى كيفية تفسيرها للمعلومات.

عندما تتأثر تقييمات الاستخبارات بالحوافز المؤسسية الداخلية، يمكن أن تكون العواقب على التخطيط الاستراتيجى كبيرة.

يلخص الكاتب فكرته الأساسية بأنه على مدار الألفية الماضية، غيرت نقطتا تحول رئيسيتين التاريخ الاقتصادى للحروب.

كانت الأولى هى الثورة العسكرية فى أوائل العصر الحديث، والتى زادت بشكل كبير من التكاليف المالية للحفاظ على الجيوش وخوض الحروب. أما نقطة التحول الثانية فكانت فى القرن التاسع عشر عندما أصبحت الحروب أكثر تدميرًا بشكل ملحوظ.