المحرر العام
محمد الباز

نصوص تصدر قريبًا عن دار «وشمة» بتونس.. يمتطى فرسًا ويرى

حرف

 

الطريق إلى هناك، إلى بيتنا القديم كان سهلًا، بحكم أننا عشنا فيه طفولتنا، كنا نعرف طرق الخروج منه والعودة إليه، كانت بيوتنا مربوطة بشبكة من الساحات والمتاجر توفر لنا قضاء احتياجاتنا؛ سوق تنعقد يوميًا لبيع الخضروات، ومحلات بقالة كانت أقرب منه قليلًا، وكلها مربوطة ببيوت أصدقائنا فى المدرسة. 

سنوات كثيرة قضيناها فى هذه المنطقة، لكننا حين عندنا لم نجد أحدًا من أصدقاء تلك الأيام، كانت فقط بيوتهم التى ترك عليها الزمن آثاره. 

بدت حزينة مهجورة؛ حوائطها، وشرفاتها، وأبوابها لم تطرق بيد زائرٍ منذ زمن طويل. يغطيها التراب، ويخفى ابتسامة انفراجها لاستقبال ضيوفهم. 

حاولنا أن نذكِّرَ كل من التقينا بهم هناك بمن كانوا يسكنون تلك البيوت القديمة، لكن أحدًا لم يكن يعرفهم، حاولوا مساعدتنا، لكن دون جدوى؛ الزمن بعيد ولا ذاكرة تحتفظ بسيرة السابقين، ولا أحد هناك ممن شاهدوا تلك الأيام. 

مرت الساعات بطيئة ورتيبة وكئيبة. لم نحقق أيًا مما جئنا من أجله، أما الذين استقبلونا فلم يكونوا أقل إحباطًا منا، رغم ما كان منهم فى البداية من نذر شر، عرفناه من لغتهم الحادة التى استقبلونا بها. بدونا غرباء، وبدا رد فعلهم وهم يفاجئوننا ويهبطون علينا من كل فج، كأنهم عصابة من أبناء الليل يتربصون بغرباء، أو مجموعة من العسس يؤمنون المكان من خطرين.

ثم كانت دعوتنا فى النهاية للطعام، قادونا لمنزل متواضع. وفوجئنا بموائد كثيرة ومتنوعة وزعوها على جميع الطوابق التى تجاوزناها بصعوبة، وحين صعدنا للطابق الأخير وجدنا أصدقاءً آخرين ينتظرون دورهم، فردوا حصيرة من القش تحتهم، وكانت أمامهم قطعة قماش عليها أطباق تمتلئ بألوان طعام لم يلتفتوا إليه ولم تهفوا نفوسهم له ولم يكونوا به مشغولين.

بين الجد والابن سارت الحفيدة، كانا حريصين على قيادتها وتوجيه خطواتها، بعد أن لاحظا أنها تتحرك بعشوائية وتخبط؛ خطواتها متعثرة وغير منتظمة، يمينًا ويسارًا، وتكاد تصطدم بأقدامهما كلما تقدمت بين الاثنين. 

قال الجد: من خطى الناس تَعرف مصيرهم.

لم يكن الجد، وهم يتوجهون لمتجرهم الصغير يريد أن يدع الفرصة تمر دون درس يظل عالقًا فى ذاكرة الصغيرة. كانوا فى هذه اللحظة يسيرون ثلاثتهم بجوار دكان صغير مغلق، الأرض مكسوة بقطع مستطيلة من البازلت الأسود، والحوانيت جميعها محمية بأبواب حصينة.

أشار بيده ناحية الباب الخشبى الموصد بأقفال طالها الصدأ؛ كان له عملاء يحرصون على التعامل معه، زبائن ظل لسنوات حفيظًا عليهم. حين مات، انسحبوا جميعًا، اختفوا وما عادوا يرتادون السوق فى أى شأن. لم يذهبوا لأى تاجر آخر. وضعوا الجميع أمام موقف لا يحتاج للتفكير لمعرفة أسراره، لكنه يدفعنا للنظر لطريقتنا فى عبور الطريق.

جاء أصدقاؤه القدامى من كل مكان ليشاركوه حفلًا خاصًا دعاهم إليه. كانت لديه رغبة فى أن يراهم، ربما شوقًا إليهم، أو ربما لرغبته فى خلق مناسبة، يستمع فيها لأصواتهم، ويتابعهم بعينين دامعتين وهم يتحركون فى صالة بيته؛ ربما لمرة أخيرة.

امتلأ المكان بهم، منهم من لم يره منذ سنوات طويلة، ومنهم من ظن أنه اختفى تمامًا؛ هاجر أو رحل. 

الجميع وجدوا، وامتلأت بهم الكنبات المفرودة فى مضيفة البيت، وتهيأ هو للترحيب بهم، وكان يجلس بالقرب من أحدهم. استشعر رائحة عرقه الخانقة، وخشى أن يخبر الرجل جميع من استجابوا للدعوة أن مُضيّفَهم تنبعث منه رائحة كريهة. 

لم يكلف نفسه حتى أن يستحم! ويرتدى ملابس جديدة تليق بقامات بعضهم، بل استقبلهم بجلباب قديم بالٍ وقذر. 

نظر له صاحبه نظرة اشمئزاز.

عندما استشعر صعوبة الموقف، قرر أن يجلس بمفرده بعيدًا على كنبة نائية فى مواجهة الجميع. 

الآن يراهم، ويمكنه أن يرحب بهم، ويقيهم- فى الوقت نفسه- شرارة رائحته التى تتطاير فى المكان. بدأ حديث أصحابه فى المضيفة كأنه صادر من منصة تليفزيونية، وراح كل يغنى على ليلاه، وطفحت المعاناة الخاصة وأحاديثها فى الصالة. كان يريد أن يرحب بهم، ويستمع لأصواتهم القديمة حين كانت خالصة بلا هموم أو حسابات خانقة. حاول أن يتحدث. ينطق ببضع كلمات، لكن ضاع صوته فى قرقرة صوت مياه تنزل فى جوف أحدهم؛ كان قد توسط المكان وسيطر عليه.

قبيل منتصف الليل بدأوا ضوابط النظام الجديد. قال مسئولون فى المدينة إنهم سيطبقونها اضطراريًا بسبب ما تتعرض له شوارعُها وسكناتُها من هجمات كائنات غربية، لا تترك مكانًا مفتوحًا مُضاءةً لسكانه المصابيح إلا وتسربت بداخله. تجىء بابن من بين أبنائها يراقبه، ويتسلط عليه، ويفسد أطعمته ومخبوزاته.

جاء التقرير محذرًا مما يمكن أن يكون من أضرار بالغة فى المستقبل، وصدرت الأوامر والتدابير: يجب المواجهة؛ تُغلقُ الشبابيك وتُسَكَّرُ الأبواب!

كل مكان ذى حوائط وجدران فرضوا أن ينغلق فى مواعيد محددة، حتى البيوت، حددوا لأصحابها ساعة إقفالها؛ لا شبابيك تُفتح بعدها ولا أبواب، إنْ تأخرَ أحد سكانها عن موعد عودته لأسرته، عليه أن يبحث عن مكان آخر، أىِّ مكان يقضى فيه ساعات الإغلاق حتى تنفتح البيوت من جديد.

جرى تطبيق ذلك بصرامة، وجهزوا فرقًا؛ سيارات ودراجات نارية، وعصى، وأسواط، وبنادق آلية، وصواعق كهربائية، سبقوها بتدريبات لمطاردة كل من كان حظه عاثر، وتأخر، عن أهله.

لإجبار الأهالى على احترام النظام الجديد جرفوا الشوارع، ومنعوا لعب الأطفال فيها، وحفروا فى أماكن متفرقة منها مجارى مائية، ودفنوا فى ركام طينها مخلفات الورش والمصانع والمحلات التجارية التى كانوا يضبطون أصحابها، ويتهمونهم بمخالفة نظام العمل ومواقيته التى وضعوها. 

تحولت شوارع المدينة لفخاخ يتعثر فيها كل مخالف. أمروا أيضًا بقطع الكهرباء ليسود الظلام، فلا يكون هناك ضوء يأتنس به العائدون لمنازلهم فى ساعات الليل. قالوا فى بيان ذلك: يجب أن يستشعر سكان المدينة خطورة ما يمكن أن يحدث حال التهاون، أمَّأ المخالفون فما لهم من مفر؛ سوف يكونون عبرة.

وكانت هذه وسائلهم ليجبروا الجميع على العودة مبكرًا والالتزام بما تقرر!

فَكَّرَ الرجال أين يقضون ساعات فراغهم بعد انتهاء أعمالهم. معظمهم لا يحبون الجلوس فى منازلهم. يفضلون الجلوس على المقاهى درءًا للخلافات مع زوجاتهم، والبعد عن ضجيج الأطفال والمناقشات العائلية التى تفضى فى النهاية لخلافات تقض مضاجعهم، أما النساء فقد كان خروج أزواجهن للمقاهى يمثل لهن منحة إلهية، كنَّ بمجرد مغادرتهم تسرى فى أرواحهن شحنة من الأوكسجين النقى الخالى من بلادة التسلط على أبدانهن. 

كانت ضوابط النظام الجديد وبالًا على الجميع، ولم يكن هناك من بد سوى البحث عن طريقة يقضى بها هؤلاء المعذبون ساعاتهم بعيدًا عن كل هذا الضجيج، ثم تفتقت أذهانهم عن أفكار مبتكرة، ومخارج لما وجدوا أنفسهم فيه.

استقروا على شراء كراسى صغيرة ذات أحجام يمكن التخفى بها بسهولة حال مرور رجال تطبيق النظام، لكن أين يذهبون بها وأين يفردون طاولاتهم، ويضعون أكواب الشاى والمواقد التى حددها النظام على رأس الممنوعات!

المدينة كلها أصبحت بشوارعها عبارة عن مزارع للحفر والمطبات التى تتكاثر مع مطلع كل فجر جديد. صارت الطرقات أشبه بالمصائد؛ لا مكان منبسطًا فيها، وعلى جانبيها وفى أنحائها تنتشر المجارى. كانت الفكرة وراء حفرها ألَّا يخرج منها كل من يسقط فيها، جعلوا حوافها زلقة ومرتفعة بحيث لا يمكن لأحد النجاة. يظل هكذا حبيسًا حتى يضبطوه ويقتادوه إلى الحبس. 

توصل الرجال بعد تفكير طويل إلى أن المجارى يمكن أن تكون حلًا من حيث هى مشكلة، فيها كل إمكانات الاختفاء والبعد عن الأزمات وأوجاعهم فى منازلهم، ووجدوا أنها مخرج مثالى. 

كانوا كلما اقترب موعد الإغلاق يحملون مقاعدهم وطاولاتهم ونراجيلهم وأكوابهم ومواقدهم ويتحركون صوب المجارى. يختفون فيها. يشربون ويدخنون ويحكون قصصًا من خيالاتهم، وقبل بزوغ أنوار الفجر الأولى يسرعون بدفن أشيائهم فى أماكن جديدة متفرقة، ثم يتسلقون الحواف ويغادرون. ظلوا هكذا لأيام جرت وراءها شهورًا، ثم سنوات، تغير فيها كل شىء، اللوائح والقوانين، ومن يطبقونها، أما الرجال الذين تعودوا على السهر وقضاء أوقاتهم والعيش فى ظلام المجارى، فقد صاروا فئرانًا وصراصير وثعابين زاحفة وعقارب. حين جاء دورهم تولوا مسئولية كل شىء، وأصبح فى أفواههم وبين أرجلهم وبأطراف ألسنتهم وتحت بطونهم تدور المدينة.

قام من أمام ماكينة الخياطة. نزع فردة الحذاء التى كان يعمل عليها من بين أسنانها وألقى بها بعيدًا لتستقر فى الركن. وقال: يطاردون امرأة مسكينة! هذه ليست مروءة! 

خطا عدة خطوات مبتعدًا عن كرسيه الذى كان يجلس عليه، وزاد صوته ارتفاعًا، خشينا أن يسقط مغشيًا عليه، أمراضه كثيرة، ويجب على الجميع أن يسيطروا على ثورته. لم يكن لذلك من بد. اندفع العمال زملاؤه فى الورشة الصغيرة ناحيته. جذبوه من يده التى كان يلوح بها، وأعادوه أمام الماكينة، صبوا كلماتهم صريحة فى أذنيه؛ «مصلحتنا، ولا نرى سواها، أمام هذه الماكينة حين تتشكل الأحذية لامعة بين أيدينا».

كان زميلنا العامل متأثرًا بحالة المرأة التى غادرت الورشة منذ قليل، وقصتها التى روتها عما تتعرض له من مضايقات، ومطاردات اضطرتها للعيش فى الشارع، ولم ينقذها سوى رقة قلب وشهامة أحد زبائننا. رجل أسمر، أصلع، يرتدى قبعة أشبه بقبعات الكاوبوى، فارع الطول، رزقه من الغناء فى الشوارع والساحات. ظهر فى الوقت المناسب إلى جوارها، كان وجهها ضامرًا، وملابسها مغبرة. رآها كالنساء اللواتى يناجينهن، وهو يغنى كل مساء. دعاها لبيته رافضًا عرضًا كنا قدمناه أن تبيت ليلتها لدينا على أن يأتى فى الصباح، ويصطحبها إلى حيث يريد. قلنا له إنها فى أمان... لا داعى لخروجها، ساعة عشاء، وليس أقل من لقمة تسد رمقها، لكنه أصر، ونزلنا على إشارات أغنياته.

لم يكن لديها سوى حقيبتها الصغيرة التى تضم ملابسها وأشياءها البسيطة.

حين اختفيا أصابنا جميعًا الخرس. منذ قليل كانت الورشة تضج بأصوات العمال، لكن رحيلها ألجم ألسنة الجميع. كانوا معبأين بحكايات المرأة؛ الرعب الذى عاشته صار يسكن نفوس الجميع، صاروا يرتعدون من الخوف. اتجهوا جميعًا إلى النوافذ التى كانت تطل على الطريق الذى سلكته بصحبة المغنى صاحب القبعة. صاروا يتأملون مواطئ أقدامها، ويتتبعون روحها حيث اختفت فى الأزقة الضيقة، وغابت فى الضجيج.

منذ رآها لأول مرة بعباءتها السوداء وهى تجوب الشوارع تنبش صناديق القمامة وتجمع علب المياه الغازية. ينظر لها نظرة متعالية، تقترب من حد الاحتقار، يراها امرأة قميئة تفوح من بين ساقيها روائح قصص وحكايات الذين يغادرونها كل ليلة وهى تتبادل معهم الألفاظ البذيئة. 

تخرج فى صباحات أيامها مبكرًا من أى مخبأ باتت فيه، على خدودها تضع مساحيق رخيصة، تبدو كخنزير خرافى ضل طريقة. تحولت بفعل الزمن وعبر سنوات من التحورات لنائحة مستأجرة؛ لا هم لها سوى أن تظهر مثيرة فى أعين أكبر عدد من الشباب العاملين فى ورش الميكانيكا المنتشرة فى الشارع.

عباءة سوداء وأفخاذ متعرقة طول الوقت. تفوح منها رائحة حركة دائبة على المقاهى، ووجه بخدود مسحوبة يغطيها الأحمر بعشوائية لا تنفصل عن حياتها، هى سمة أساسية لروحها البرية، أما عيونها فقوية قوة امرأة لا تشبع، تستطيع دون مساعدة أن تسند سقف ناطحة سحاب بساقيها، وعلى استعداد تام لأن تلعن سلسفيل أجدادك إن أنت قصرت معها؛ ولديها بالوعة مجارٍ تحولها لوحش كاسر فى ظلام الغرف المقبضة!.