الجمعة 08 مايو 2026
المحرر العام
محمد الباز

شهادات جريدة القاهرة.. يوم أن اكتشفت «الوجوه الحقيرة» فى الثقافة المصرية

صلاح عيسى
صلاح عيسى

- عندما ظهرت جريدة «القاهرة» برئاسة الأستاذ صلاح عيسى أفحمت المنحطين

كان الأستاذ رجاء النقاش يعمل على إصدار جديد من «القاهرة» فى شكل صحيفة من القطع المتوسط، نظرًا لأن الوزير الدكتور فاروق حسنى طلب أن تكون «القاهرة» صحيفة وليست مجلة. ومن خلال الاجتماع الأول، تحضيرًا للعدد «صفر»، حيث كنتُ من المشاركين فى هذا الاجتماع تحديدًا فى المجلس الأعلى للثقافة، فهمت أن الأستاذ رجاء النقاش ينوى «إطلاق» صحيفة «ثقافية» من العيار الثقيل، تواكب التحولات والمتغيرات، وتهتم بالثقافة عمومًا بمعناها الواسع والأصيل.

فاروق حسنى

كان الاجتماع طويلًا ومرهقًا وفى غاية الجدية. وكان المشاركون مهتمين بشكل استثنائى بهذا الإصدار الذى سيأتى بعد أن «بَلَغَت» مجلة القاهرة الرشد والرشاد برئاسة الدكتور غالى شكرى، الذى أعاد أمجاد الثقافة المصرية عبر مجلة «القاهرة». وبالتالى، ينبغى أن يكون لدينا إصدار ثقافى أو مطبوعة ثقافية تليق بمكانتها ودورها بعد مجلة «القاهرة- غالى شكرى»، وباعتبار أن رئيس تحريرها ليس مجرد رئيس تحرير عابر، بل ترسانة ثقافية نشطة، وتاريخ ثقافى جاد ومشرِّف.

لا مجال هنا لذكر تفاصيل واحدة من أهم المعارك الثقافية التى دارت فى أجواء وضيعة ومنحطة، حيث يريد فريق تدمير مجلة القاهرة- غالى شكرى، وفريق آخر يريد الحفاظ على ترخيص المجلة «المطبوعة» على أن تصدر بشكل ما وعلى نحو ما وكفى الله المؤمنين شر القتال. وفريق ثالث يريد أن يحافظ على المجلة، أو فى أسوأ الأحوال يُصدِر مطبوعة ثقافية من «الوزن الثقيل»، تليق بمسيرة المطبوعات الثقافية المصرية التى لعبت دورًا ملهمًا فى تربية أجيال متلاحقة. لا أريد الخوض فى تفاصيل هذه الفترة الرديئة التى كشفت عن وجوه سيئة ومنحطة كنا نحترمها ونعتبرها شريفة ومحترمة. لكننا فوجئنا بأن هناك كتائب كاملة تعمل على تدمير مجلة «القاهرة- غالى شكرى»، لدرجة أن البعض ألمح إلى وجود بلاغات ضد المجلة وضد رئيس تحريرها، وتحريض ضدهما، لأن المجلة أصبحت منفلتة، وتتناول موضوعات «تقيلة»، وهو ما لا يناسب المرحلة.

لا أدرى حيثيات وتفاصيل حضورى الاجتماع الأول، لأننى كنتُ أعيش فى الخارج، وفى الوقت نفسه، كنتُ متواجدًا بأشكال مختلفة فى مصر. لكن ما أتذكره جيدًا أننى تلقيت اتصالًا من الأستاذ رجاء النقاش لحضور هذا الاجتماع والمشاركة فيه. ولم يكن هناك أى وعود بأى شىء. وكانت هذه هى المرة الأولى والأخيرة التى أرى فيها الأستاذ رجاء النقاش الذى كنت، وما زلتُ، أعتبره أحد أهم أركان الثقافة والفكر، والصحافة الثقافية فى مصر. فرجاء النقاش كان شخصية من الوزن الثقيل، ويشرفنا أن نكتب اسمه بحروف من نور.

رجاء النقاش

وصدر العدد الصفرى. وبعدها بأيام، عرفنا أن الوزير الدكتور فاروق حسنى لم يرحب لا بشكل الصحيفة، ولا بمحتواها. وتعامل بخفة وعنجهية وسلطوية مع العدد، ومع الأستاذ رجاء النقاش. وعلى الرغم من محبتى وتقديرى للوزير بصفته الفنية والشخصية، لا الرسمية، انزعجت، كما انزعج غيرى، من هذا الاستخفاف والسلطوية فى التعامل.

بعدها بأيام علمنا أن الوزير رشح الأستاذ صلاح عيسى لرئاسة تحرير «جريدة القاهرة» التى ستصدر فى شكل تقليدى مثل كل الصحف والجرائد، وستكون لسان حال وزير الثقافة، أو ربما وزارة الثقافة بقيادة الوزير فاروق حسنى.

وهنا اشتعلت القاهرة- المدينة- بالنميمة والقيل والقال. وانقسم المثقفون والصحفيون والمهتمون، وبعض الساسة فى الأحزاب والتنظيمات، إلى فرق وجيوش وكتائب: البعض يقلل من قيمة رجاء النقاش، والبعض يلعن صلاح عيسى، والبعض الآخر يشتم الوزير، والبعض الرابع يخوض فى أعراض وتفاصيل أسرية وشخصية.. وتحوَّل الأمر إلى «روبة» مصرية أصيلة يمكنها أن تدمر أى شىء نافع.

لم تكن لى أى علاقات خاصة أو شخصية لا مع الوزير ولا مع الأستاذين رجاء النقاش وصلاح عيسى، لكن كانت هناك معرفة بحكم الشغل والكتابة والنشر، ومن هذا المنطلق تحديدًا، لا يمكننى التمييز بين رجاء النقاش وبين صلاح عيسى، فكلاهما قطب من أقطاب الثقافة والبحث والصحافة. وكلاهما قدم لمصر ولأجيال متلاحقة من أبنائها زادًا وزوَّادًا روحيًا وذهنيًا.

مصر بلد ملىء بالنميمة، وجزء من تاريخه قائم على النميمة والفهلوة والمبالغات والصور الذهنية. كما أن جزءًا لا بأس به من ثقافته مبنى على مؤامرات نخبها الثقافية ودسائسها وشرورها وانتهازيتها. وبالتالى، فقد كشفت لى معركة «مجلة القاهرة- غالى شكرى» منذ بداية ضيق صدر السلطة وفاروق حسنى بها، حتى وأدها تمامًا وتحويلها إلى جريدة، عن وجوه حقيرة فى الوسط الثقافى وفى الصحافة الثقافية، وكشفت عن مخبرين دنيئين، وكائنات شريرة هوايتها الهدم، وشخصيات تلعب فى مناطق رمادية ومظلمة.

غالى شكرى

لا أستطيع أن أتحدث عن أشياء لم أرها، ومن ضمنها حالة الأستاذ رجاء النقاش بعد رفض العدد «صفر» من جريدة «القاهرة». ولا أعرف ماذا قال الأستاذ صلاح عيسى. سمعت حكايات كثيرة من مثقفين وصحفيين مختلفين. ولكن لأننى لم أكن أحترم الكثيرين منهم، ولم أكن أصدق الكثيرين منهم، ولم أكن أثق فى كلام الكثيرين منهم، لم آخذهم على محمل الجد. ولم أتعامل بجدية أو ثقة مع ما قالوه من قذارات ووساخات ومؤامرات وغمز ولمز وتفسيرات وضيعة.

كل هؤلاء تحدثوا ليس عن تفاصيل شاهدوها أو شاركوا فيها، وإنما تحدثوا عن تفسيراتهم لما سمعوه من هذا أو ذاك. بينما البعض الآخر، التقى أحدهما أو كليهما، أو تحدث معهما، ثم أكمل الموضوع بتفسيراته وأوهامه وخيالاته هو، واعتبر أن هذا ما حدث على أرض الواقع. هكذا هو العقل المصرى حتى وقتنا هذا.

وظهرت جريدة «القاهرة» برئاسة الأستاذ صلاح عيسى، فخيبت ظنون الكثيرين، وأفحمت المنحطين والمتآمرين، والنمامين الذين وجدوا فرصة للدخول إلى بيوت رجاء النقاش وصلاح عيسى والتفعيص فى حياتهما الشخصية والأسرية.

صدرت جريدة القاهرة عظيمة ورائعة، ومنحتنا أجيالًا من الصحفيين الثقافيين، ولبَّت احتياجاتنا الثقافية المتنوعة بقدر كبير. واستطاع صلاح عيسى أن يقود كتائب متعددة من الصحفيين الثقافيين الذين أصبحوا فيما بعد أساتذة كبار. وأعتقد أنه لو قُدِّر لرجاء النقاش أن ينفذ فكرته، لكانت أيضًا مهمة، ولكانت تجربة متفردة فى مسيرة مصر الثقافية.

يبدو أننا لم نتعود بعد على وجود أشياء مختلفة ومتنوعة.. وعلى الرغم من اختلافها وتنوعها، قد تكون مهمة ومجدية ونافعة.. يبدو أننا لم نتعود بعد على وجود شخصيات مختلفة ومتعارضة، يمكن أن تمنحنا أشياء جيدة رغم اختلاف مناهجها ورؤاها..

إننا ما زلنا حتى الآن أبناء الطريق الواحد والرؤية الواحدة والفكرة الواحدة والطابور الواحد، نستيقظ يوميًا لكى نبدأ باختراع العجلة كل صباح من صباحات الله.. ما زلنا أبناء المفاضلات والمقارنات الأحادية المتربصة، والتلصص والنميمة، نصيغ تاريخنا الثقافى من نميمة المقاهى والعوامات والشقق المفروشة، ومن المعارك الشخصية المرصعة بسيرة الأم والزوجة والابنة والعشيقة.. نختطف جملة أو جزءًا من حادثة لنضفى عليه من شرورنا وخيباتنا وفشلنا، وانحيازاتنا المتربصة والتآمرية، لنصنع تاريخًا أكثر زيفًا وضلالة.. ما زلنا نخنق بعضنا البعض، ونعطل بعضنا البعض، ونتربص ببعضنا البعض، ونقطع أرزاق بعضنا البعض.. ومن هول المهزلة، أو من رداءة الطوية والعقل، نتحدث عن الفن والأدب والثقافة، بل وكثيرًا ما نتحدث عن العدل والأخلاق أيضًا.. ولا مانع لدينا أن نتحدث عن الدين وفى الدين، ونحول الدين إلى عدسة ننظر من خلالها إلى الفن والأدب والأخلاق... وبالمرة نتحدث عن فساد السلطة والنظام والحكومة، بينما نحن أنفسنا نمارس أحط وأقذر المؤامرات، ونلجأ إلى التلصص والنميمة، والرؤى الأحادية، والمعايير المزدوجة.. ونسمى أنفسنا مثقفين ونخبًا، بل وتواتينا الجرأة على تصوير أنفسنا مناضلين ومثقفين ودعاة لإعمال العقل!!!

يبدو أننا نستحق بجدارة ما نحن فيه...