الأربعاء 29 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

اكتئاب على جناح البهجة.. ماذا فعل بنا جاهين وزكى وسعاد؟

صلاح جاهين
صلاح جاهين

- شهد جاهين على عقد زواج أحمد زكى وهالة فؤاد وكتب شعرًا فى ابنهما هيثم وحاول الصلح بينهما

- رفض جاهين هجرة أحمد زكى إلى ألمانيا وقال له: «إنت مستقبلك هنا»

- كيف أنقذ يوسف شاهين فيلم شفيقة ومتولى وأعاد الحياة إلى أحمد زكى؟

- عندما علم أحمد زكى بوفاة جاهين «نزف».. واضطر لإجراء عملية جراحية

- أحب جمال عبدالناصر بصدق وهو ما أكده من خلال قصيدته فى رثاء حبيبه

- على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء أنا مصر عندى أحب وأجمل الأشياء

هل سمعت عن لاعب كرة يجيد المراوغة وإحراز الأهداف بنفس قدرته على حراسة المرمى والتصدى للكرات الخطرة؟!

لا أظن أنك سمعت بهذا من قبل، ولا أنا، فهناك مواهب يصعب- وربما يستحيل- الجمع بينها، لكن هذا المستحيل يصير ممكنًا بل وواقعًا حين تسمع اسم صلاح جاهين.

فهو أكبر جامعة مواهب فى شخص واحد، شاعر، ورسام كاريكاتير، وممثل، وسيناريست، وصحفى، وكاتب أغانٍ ومقالات.

لكن جاهين كانت لديه موهبة أخرى لم يسلط عليها الضوء الكافى، وهى قدرته الهائلة على التقاط المواهب فى الشعر والتمثيل، فيكفيه أنه قدم لنا فنانًا بحجم أحمد زكى.. وساهم فى كل ما وصلت إليه سعاد حسنى من نجومية.

لكن المثير للدهشة أن الثلاثى جاهين وسعاد وأحمد الذين صنعوا بهجتنا لسنوات طويلة عانوا كثيرًا من الاكتئاب!

اللقاء الأول.. والصدمة الأولى!

التقى أحمد زكى صلاح جاهين لأول مرة حين كان طالبًا بالفرقة الأولى بمعهد الفنون المسرحية، وذلك عندما ذهب للعمل فى مسرحية غنائية كتبها عبدالرحمن شوقى، وصاغ أشعارها صلاح جاهين.

ولهذه المسرحية قصة...

فحين جاء أحمد زكى من الزقازيق ليستقر فى القاهرة وجد أمامه فرصة للعمل فى المسرح، فَرِحَ، لكنه اكتشف أن مهمته أن يعمل كشّافًا «والكشاف هو الذى يقود المشاهدين إلى مقاعدهم التى حجزوها فى السينما والمسرح» لكنه وافق، وفى أثناء عمله فى المسرح، لاحت له فرصة صغيرة فى مسرحية استعراضية كبيرة يُخرجها الألمانى أرفيل لاستر، واسمها «القاهرة فى ألف عام»، وذلك بمناسبة مرور ألف عام على تأسيس مدينة القاهرة.

وأعلن المخرج عن حاجته لعدد كبير من طلاب معهد الفنون المسرحية ليشاركوا فى هذا العرض بأدوار صغيرة، وتقدم أحمد للاشتراك فى المسرحية، وتمت الموافقة عليه مع عدد كبير من زملائه بالمعهد من بينهم يونس شلبى.

وحاول فى البروفات أن يلفت نظر المخرج الألمانى، وفجأة قرر المخرج أن يمنح دور البطولة لأحمد زكى رغم أنه ما زال طالبًا فى السنة الأولى.

وأبلغ المخرج الألمانى قراره لـصلاح جاهين ليعرف رأيه، فتحمس جاهين للشاب الجديد من اللحظة الأولى، وبدأ يتابعه فى البروفات، ويُثنى على أدائه، وقرر أن يتبنى موهبته.

لكن للأسف الفرحة لم تتم، فبمجرد أن نقل المخرج الألمانى رؤيته لمدير مسرح «البالون» الفنان سعيد أبوبكر رفض هذا الاختيار، وقال: «كيف أعطى البطولة لطالب فى سنة أولى بالمعهد فى عرض بهذا الحجم؟؟... الناس هتقول إننا مش لاقيين ممثلين... وكمان ده لسه عضمه طرى»، واستدعى أبوبكر الفنان الشاب سعيد صالح ليقوم ببطولة تلك المسرحية الاستعراضية.

وعلم أحمد بما جرى، وشعر بأن القاهرة قاسية عليه، لكنه تلقى الصدمة بثبات قدر استطاعته، وحاول أن يتجاوزها حتى لا يتم استبعاده من العرض، ويجد نفسه مرة أخرى يبحث عن عمل خارج المسرح.

لكن التماسك لم يمنعه من البكاء فى الكواليس، لكنه وجد يدًا حانية تربت على كتفه، وتشدّ من أزره، فنظر إلى جواره فوجد صلاح جاهين، ومنذ ذلك اليوم أصبح صلاح جاهين أقرب الأحياء إلى قلب أحمد زكى.

واصطحب جاهين، أحمد معه إلى بيته، وظل يتحدث معه ساعات طويلة، وعرف أنه يتيم، جاء من الزقازيق ويعيش فى القاهرة وحده، فقرر أن يتبناه فنيًّا وإنسانيًّا، ويمنحه مساحة أكبر من التى منحها لمن تبنى مواهبهم معه.

وحاول جاهين أن يبدِّد خوف أحمد من الناس، وحقق له نوعًا من التوازن النفسى، وقال له: «إنت حتكون كويس»، فشعر أحمد معه بالأمان الذى افتقده منذ ولادته.

وصار أحمد لا يتحرك إلا بمشورة جاهين، فحين عرض المخرج الألمانى على أحمد السفر إلى برلين ليدرس ويعيش هناك ويصير ممثلًا ألمانيًّا من أصول مصرية، فرح أحمد بالعرض ووافق على السفر، لكن جاهين رفض، وقال له: «يجب أن تكمل دراستك هنا... وتعيش هنا... ومستقبلك هنا».

ورضخ أحمد لقرار جاهين، ورفض برلين وبقى فى القاهرة. واقترب أحمد أكثر من عالم جاهين وعاش معه وجلس إلى جواره طويلًا وهو يكتب الأشعار والأغانى ويرسم الكاريكاتير اليومى فى «الأهرام».

وفى صيف ١٩٦٩ تم الإعلان فى الصحف عن أكبر استعراض غنائى راقص على مسرح «البالون» تقوم به الفرقة الاستعراضية الغنائية ويشارك فى بطولته سعيد صالح وصفاء أبوالسعود، وأدى أحمد ثمانية أدوار مختلفة داخل العرض، ولكنها كانت صغيرة، ولا يتكلم فيها سوى كلمات قليلة تجعل مَن يشاهد العرض لا يلتفت إليه وسط العدد الكبير من الممثلين الذين تمتلئ بهم خشبة المسرح.

وفى أثناء عرض المسرحية ذهب لمشاهدتها كبار الفنانين، ومن بينهم النجم عبدالمنعم مدبولى الذى جاء يبحث عن وجوه جديدة يقدمها فى مسرحيته الجديدة «هاللو شلبى».

وجلس مدبولى وأردش إلى جوار صلاح جاهين الذى أشار لهما إلى الشاب أحمد زكى. وبعد انتهاء العرض أخبر مدبولى أحمد بأنه يريده أن يقوم بدور صغير فى مسرحية جديدة. 

وافق أحمد دون أن يعرف أى تفاصيل، فليس المهم حجم الدور أو المقابل المادى، لكن الأهم هو الوجود وتوالى الفرص، أو بمعنى أدق أنصاف الفرص.

وخلال عرض المسرحية تفاعل الجمهور مع الممثل المغمور، وصارت ضحكات الجمهور العالية وتصفيقهم الحاد فى أثناء تقليد أحمد للفنانين الكبار بمثابة جواز مرور نحو الشهرة ونحو زيادة مساحة الدور كل يوم.

فى انتظار جمال عبدالناصر

فى تلك اللحظة لم يكن لأحمد أصدقاء فى القاهرة سوى صلاح جاهين فصار الأب والأخ والصديق.

وبمجرد أن يخرج أحمد من المعهد الفنون المسرحية يذهب إليه فى بيته، ويجلس مع عدد كبير من الممثلين والمثقفين والمطربين من بينهم على الحجار ومحمود الجندى وعماد الدين أديب.

لم يكن أحمد يثق بأحد بسهولة، ولم يشعر بأن له صديقًا يمكن أن يحكى له كل شىء دون قلق أو حذر سوى جاهين.

فكلما ضاقت الدنيا بأحمد ذهب إلى بيت جاهين ليحكى، وأحيانًا ليبكى، وفى الحالتين كان يجد جاهين مستعدًا لاستقباله، والتخفيف عنه، وتحويل الدموع إلى ضحكات، والآهات إلى قهقهات عالية يسمعها مَن يسير فى شوارع المهندسين.

لذلك حين قررت محافظة الشرقية أن تقوم بتكريم أحمد زكى، وتخصِّص أسبوعًا لعرض أفلامه، طلب أحمد من جاهين أن يصحبه فى تلك الرحلة، ويومها روى صلاح جزءًا من علاقته بأحمد منذ كان طالبًا فى السنة الأولى بمعهد الفنون المسرحية.

رأى جاهين أحمد فى كل أحواله، وهو يعانى، ويبكى، ويفرح، ويشكو، ويصرخ، ويرقص، ويفكر فى الانتحار، لكنه كان يحتويه، ويطمئنه أن المستقبل له لا لغيره، وأنها مسألة وقت لا أكثر حتى يعرف الجميع قدْره ويؤمنوا بقدراته.

كان بيت جاهين بمثابة العيادة النفسية لأحمد زكى وسعاد حسنى التى وصفته قائلة: «كان جاهين كالجبل نرمى همومنا عليه».

وكانت عيادة جاهين تفتح أبوابها لأحمد وسعاد طوال أيام السنة، فبإمكانهما أن يذهبا إليها فى أى وقت دون حجز مسبق، ولا يدفعا كشفًا عند دخولهما، ولا ينتظرا دورهما، ومن المؤكد أنهما سيجدان طبيبًا نفسيًّا، وفى الوقت ذاته جرّاحًا ماهرًا فى أمراض القلب ينتزع موطن الألم دون أن يستخدم المشرط والمُخدر، ويجعلهما يخرجان من عيادته كأنهما وُلدا من جديد، ولا يملك أحمد وسعاد أمام جاهين سوى أن يقبِّلا رأسه، كأنه أبوهما الذى يداوى جُرحهما ولا ينتظر شكركما.

هكذا كان جاهين فى عين وقلب أحمد زكى فقد عثر فيه على أبيه الذى لا تدفعه نحوه الشفقة بقدر ما تحركه محبة الأب الذى يعد ابنه بأن سيكون أفضل وأشهر منه.

وأحيانًا كان يترك جاهين مقعد الأب ويجلس على مقعد الصديق، يناقش أحمد كأنه فى مثل عمره، ويسمح له بأن يخالفه الرأى، ويثبت صحة وجهة نظره، وإذا لم تسمح الظروف بأن يلتقيا وجهًا لوجه، كانا يتحدثان فى التليفون بالساعات، ويحكى له أحمد كل ما حدث له.

ظل أحمد يبحث عن الأب طويلًا لكنه لم يجده إلا فى صلاح جاهين، وقبله فى جمال عبدالناصر.

فحين قامت ثورة يوليو ١٩٥٢، ورأى أحمد صورة عبدالناصر لأول مرة، ثم سمع صوته فى الإذاعة، تعلق به، وشعر بأنه أبوه، لذلك حين علم أن جمال سيمرّ بالقطار على محطة الزقازيق وقف ينتظره مع الآلاف من أبناء المدينة.

خمس ساعات جلسها أحمد بالقرب من القضبان فى انتظار جمال، رغم أنه كان يعلم أن اللقاء لن يستمر سوى ثوانٍ معدودة، وبعد خمس ساعات شعر أحمد بالجوع والعطش، فذهب يبحث عن ساندويتش فول وشَربة ماء، وحينما عاد لم يستطع أن يخترق الحشود التى قطعت الطريق إلى القطار لترى جمال عبدالناصر.

فصعد أحمد أعلى عمود النور، وجلس عليه ليرى جمال بوضوح، وحين اقترب القطار من المحطة قفز على الأرض، وجرى نحو القطار حتى التقت عيناه مع عينى عبدالناصر وحاول أن يصافحه، لكنه بالكاد لمس يده، وقد تحقق له ما أراد ليشعر بأنه قد لمس يد والده، وفرح أحمد حتى كاد يُقبّل يده التى لمسها جمال عبدالناصر، لذلك حين مات جمال شعر أحمد باليُتم، وظل لمدة أربعة أيام بلا نوم حتى سقط مغشيًّا عليه، ولم يهوِّن على أحمد فراق جمال سوى جاهين مثلما هوّن عليه يوم فراقه عن زوجته هالة.

خلاص مفيش فن!

وفى مطلع عام ١٩٧٥ اتصل المخرج على بدرخان بأحمد زكى، وطلب منه أن يحضر إليه للاشتراك فى فيلم جديد، ظن أحمد أنه سيشارك فيه كممثل ثانوى أو فى أفضل الأحوال سيلعب دور صديق البطل مثل غالبية الأدوار التى كانت تُعرض عليه فى هذا التوقيت.

وذهب أحمد للقاء المُخرج، وبعد أن جلس فى مكتبه، وطلب فنجان قهوة، أخبره بدرخان بأنه يقوم بعمل فيلم جديد اسمه «الكرنك» عن قصة الأديب نجيب محفوظ، وأن صلاح جاهين هو المستشار الفنى للفيلم.

وقد وقع الاختيار عليه ليلعب دور البطل فى الفيلم.

لم يصدق أحمد زكى ما سمع، وظنّ أن أُذنيه سمعتا ما تريدانه لا ما قاله المخرج، فطلب منه أن يقول ما يريده مرة أخرى، فقال له بدرخان: «إنت بطل فيلمى الجديد... موافق يا أحمد؟».

لمعت عينا أحمد حتى كادتا تُضيئا المكان، ولم يسمع ما قيل بعد ذلك، لم يُرد أن تسمع أذناه كلمة أخرى بعد كلمة البطولة.

شعر على بدرخان بشروده، فنبّهه ليسمع خبرًا أهم مما قاله، فانتبه أحمد، فقال له المخرج: «بطلة الفيلم هى سعاد حسنى».

لم يكن أحمد على استعداد لسماع شىء آخر، لم يكن مستعدًا للحديث عن أجره أو طبيعة دوره أو موعد بدء العمل، فما سمعه يكفيه ليسعده لسنوات قادمة، فخرج من مكتب المُخرج، ومعه نسخة من السيناريو، ويشعر بأن بإمكانه أن يلمس نجمة من السماء.

وذهب أحمد إلى بيته، ولم يزره النوم فى تلك الليلة، فقد خشى أن يغفو وحين يفيق يكتشف أنه كان يحلم.

ظل أحمد يحتضن الأوراق، ويقرأ السيناريو كلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، ويفكر فى كل مشهد، ويتصور نفسه يقف أمام سعاد حسنى تلك النجمة التى كان يشاهد أفلامها، وهو ما زال فى الزقازيق، ولم يكن يحلم إلا بالمرور أمامها، فما بالك بالوقوف معها فى كادر واحد...!

ومرت الأيام، ونشرت الصحف خبرًا أنه بطل فيلم «الكرنك»، فعاش أحمد أفضل أيام حياته منذ ولادته فى تلك الفترة، وبدأ يفعل كل شىء يجعله يقف ندًّا أمام سعاد حسنى، حفظ الدور عن ظهر قلب، واشترى ملابس جديدة تناسب شخصيته فى الفيلم، وكذلك الإكسسوارات اللازمة، وتفرّغ تمامًا لتجهيز نفسه لدور البطولة أمام سعاد حسنى.

وفجأة قرأ فى الجرائد أن الفيلم بدأ تصويره بالفعل ويقوم ببطولته نور الشريف، فأُصيب بصدمة كادت توقف نبضات قلبه.

حاول أحمد أن يفهم ما جرى، أن يبحث عن السبب حتى لو لم يكن مقنعًا، وعلم أن موزع الفيلم رفض أن يكون بطل الفيلم شابًّا أسمر متخرجًا حديثًا فى معهد السينما.

وقال الموزع لمن حوله: «إزّاى ولد زى ده يحب سعاد حسنى... أنتم من شايفين شكله... مافيش حد هيصدق... ماحدش هيرضى يشترى الفيلم».

علم أحمد بكل ما جرى، وبكى كثيرًا، ومر أمامه شريط حياته منذ فَقَد أباه وفكر فى الانتحار، وذهب أحمد إلى بنت بلده سناء يونس يشكو لها همّه، وقال لها، والدموع تغطى عينيه: «خلاص مافيش فن... طيّروا منِّى الدور... مستكترين عليّا أبقى بطل قدام سعاد حسنى... شايفين أنه ما ينفعش تحبنى فى الفيلم... رغم أن مواصفات الشاب فى الرواية اللى كاتبها نجيب محفوظ منطبقة عليّا جدًّا».

عاش أحمد أيامًا صعبة، وقرر أحمد زكى أن يعيش فى عزلة حتى تسكن آلامه، لكن أبوه الروحى صلاح جاهين لم يتركه وحده، وحاول التخفيف من آلامه، ووعده أن يكتب فيلمًا يلعب بطولته أمام سعاد حسنى، وسرعان ما وفى جاهين بوعده.

ثلاث سنوات مع الشغل فى شفيقة ومتولى!

وفى ديسمبر ١٩٧٥ عُرض فيلم «الكرنك» لأول مرة فى السينما، وفى الوقت ذاته بدأ جاهين فى كتابة سيناريو وحوار فيلم «شفيقة ومتولى» عن قصة شوقى عبدالحكيم، وإخراج سيد عيسى.

لكن الفيلم بدا أعقد من أن يخرج إلى النور بسهولة، فقد حدث خلاف بين سعاد حسنى ومخرج الفيلم سيد عيسى، وحاول الجميع الصُّلح بينهما، وبذل أحمد زكى جهدًا كبيرًا حتى لا يصل الخلاف إلى الصحف ويتوقف تصوير الفيلم، وبالتالى يتوقف حلم حياته، لكن محاولاته لم تفلح، وصارت قصة خلافات سعاد حسنى وسيد عيسى عنوانًا ثابتًا فى الصحف لشهور طويلة، بل ذهب طرفا الخلاف إلى المحاكم.

وفى فبراير عام ١٩٧٧ تم الإعلان عن انتهاء الخلاف بين سعاد حسنى والدكتور سيد عيسى، مخرج الفيلم، بعد خلاف طويل دام أكثر من عام، وقد لعب المخرج يوسف شاهين دورًا بارزًا فى إنهاء الخلاف.

ولهذا قصة...

فقد ذهب المنتج السينمائى جان خورى، زوج شقيقة يوسف شاهين، إلى المخرج سيد عيسى، وعرض عليه شراء الجزء الذى صوّره من فيلم «شفيقة ومتولى» وشراء الملابس والديكورات والأغانى التى سوف يتم تصوير بقية الفيلم بها. وطلب سيد عيسى الحصول على ٧٠ ألف جنيه ثمنًا للمشاهد التى تم تصويرها، وتمسك منتج الفيلم، وهو شقيق سيد عيسى، بأن يقوم شقيقه باستكمال تصوير الفيلم، ولكن جان خورى طلب أن يقوم مخرج آخر بإتمام الفيلم.

وهنا تدخل يوسف شاهين لإنهاء الخلافات التى دارت بين الأطراف المعنية بالأمر، واستطاع إقناع سيد عيسى بترك الفيلم لمخرج آخر، ورشح شاهين عددًا كبيرًا من المخرجين لاستكمال المشاهد المتبقية من الفيلم. 

ورفض كل المخرجين استكمال هذا الفيلم، وذهب يوسف شاهين مع سعاد حسنى وأحمد زكى وصلاح جاهين إلى قرية «بشلا» بمحافظة الدقهلية لاستكمال تصوير الفيلم فى نفس الديكورات التى أقامها الدكتور سيد عيسى.

لكن يبدو أن شاهين لم تكن لديه النية الحقيقية لاستكمال إخراج فيلم بدأه أحد غيره، فبعد أن انتهت الأزمة تمامًا، اقترح شاهين أن يقوم على بدرخان بإخراج الفيلم.

وفى البداية رفض بدرخان الفكرة، لكنه استجاب لهما بعد أن اشترط أن يقوم بإخراج الفيلم من البداية وفقًا لرؤيته، ولن يستكمل تصوير فيلم لشخص آخر.

ووافقت سعاد، وبدأ تصوير «شفيقة ومتولى» من جديد بعد أن ظن الجميع أن هذا الفيلم لن يكتمل أبدًا، ولم يكن هناك مَن هو أكثر سعادة من أحمد زكى الذى كان قد فقد الأمل تمامًا فى عودة تصوير هذا الفيلم، فكل من فى الفيلم كان بإمكانهم تجاوزه والاستغناء عنه.

أحمد وحده الذى كان يعنى له الفيلم كل شىء، فهو سيأتى من مقاعد الأدوار الثانوية إلى دور البطولة فى شهور قليلة، والأهم أنه سيقف أمام سعاد، ذلك الحلم الذى راوده كثيرًا منذ كان فى تلميذًا يقف على مسرح «مدرسة الصنايع».

وفى السابع والعشرين من نوفمبر عام ١٩٧٨ عُرض فيلم «شفيقة ومتولى» للمرة الأولى فى السينما، وربما كان هذا اليوم واحدًا من أجمل وأحبّ الأيام إلى أحمد زكى، فقد وُضعت صورته على الأفيش مع سعاد حسنى ومعهما اسم صلاح جاهين الذى وضع بصمته على كل تفاصيل الفيلم، فكتب السيناريو والحوار، والأغانى، ولعب أيضًا دور الراوى.

أبو العريس

فى عام ١٩٨١ التقى «أحمد زكى» «هالة فؤاد» فى مسلسل «الرجل الذى فقد ذاكرته مرتين» عن قصة الأديب العالمى نجيب محفوظ، وسيناريو وحوار أسامة أنور عكاشة، وشارك فى بطولته شكرى سرحان، وأخرجه ناجى أنجلو.

أحب أحمد هالة فى المسلسل وفى الحقيقة، واتفقا على الزواج، وفى يوم الخميس، التاسع عشر من مايو عام ١٩٨٣ تزوجت هالة فؤاد أحمد زكى، وكان صلاح جاهين بمثابة «أبوالعريس» فقد شهد على عقد زواجهما، واتفقا معهما على أن يُحيى الفرح المطرب محمد منير.

وحضر الفرح عدد كبير من النجوم من بينهم عادل إمام، ويحيى شاهين، ونبيلة عبيد، ومحمود ياسين، وشهيرة، ومحمود عبدالعزيز، وشيريهان، وعاطف الطيب.

ومرت السنة الأولى سعيدة مُبهجة عليهما، وتُوجت بإنجابهما طفلًا لطالما حلم به أحمد سمّاه هيثم، ووثّق صلاح جاهين لحظة ولادة هيثم شعرًا بقوله:

هيثم أحمد زكى

وأمه هالة فؤاد

الواد طالع ذكى

لأمه وأبوه يا أولاد

هيثم يوم ما اتولد

وقالولنا ده ولد

عرفت كل البلد

هيثم أحمد زكى

ومرت شهور قليلة، واستعادت هالة عافيتها بعد الولادة، وكثرت الأعمال المعروضة على أحمد، وصار يجلس فى الاستديو أكثر من جلوسه فى البيت.

وعرفت الخلافات طريقها إلى بيت أحمد وهالة، وتركت هالة بيت زوجها، وذهبت إلى بيت أبيها.

وهنا تدخل صلاح جاهين محاولًا الصلح بينهما.

وفى أحد الأيام اتصل جاهين بأحمد تليفونيًّا وقال له: «لو فاضى تعالى عشان عايز أروح إسكندرية»، وتعجب أحمد من الطلب، وقال له: «إزاى هتقدر تروح وإنت لسه عامل عملية فى القلب... ممكن تأجّل المشوار ده لما تقدر».

لكن جاهين أصر على الذهاب، وأخبره بأن هناك أمانة لا بد أن يؤديها، فحضر إليه أحمد، واصطحبه إلى الإسكندرية، وهناك أخرج جاهين ورقة من جيبه فيها عنوان، وظل يسأل عنه حتى وصلا إلى المكان الذى يريده.

وعندما طرقا باب الشقة وجد أحمد أنه يقف أمام والد زوجته أحمد فؤاد. ودخلا إلى المنزل، وقام صلاح جاهين أو «أبوالصُّلح» -كما كان يحب أحمد أن يناديه- بالصُّلح بين أحمد وهالة، وجعل الجميع فى حالة بهجة لا يمكن معها أن يظل الخلاف قائمًا.

وبعد أن عَلَت الضحكات وارتسمت الابتسامة على وجهَى أحمد وهالة، استأذن جاهين فى الانصراف، فقام أحمد ليغادر معه، لكن صلاح رفض وأقسم أن يعود للقاهرة وحده فى نفس اليوم، وأن يظل أحمد مع زوجته وابنه.

اوعى تلف بجرحك تشحت

وفى عام ١٩٨٥، عاد الثلاثى صلاح جاهين وسعاد حسنى وأحمد زكى للعمل سويًا فى مسلسل «حكايات هو وهى» عن قصة الكاتبة سناء البيسى، وسيناريو وحوار وأغانى صلاح جاهين.

وقرأ أحمد وسعاد سيناريو جاهين وفرحا به، وشعرا بأنه سيُخرج طاقة فنية هائلة بداخلهما، وسيجعلهما يشعران بأنهما فى مباراة تمثيلية مليئة بالندّية.

لكن ربما التحدى الأكبر الذى جعل الاثنين يُقبلان على هذا العمل هو قيامهما بعدد كبير من الشخصيات نظرًا لأن المسلسل عبارة عن حلقات منفصلة، كل حلقة لها أبطال جدد، وبالتالى يمكن للممثل أن يفرّغ كل طاقاته الفنية وهو مطمئن، فمرة فلاح، وأخرى عامل سنترال، ومرة دكتور، وأخرى فنان تشكيلى، وهكذا.

لكن فى هذا المسلسل كتب صلاح جاهين مشهدًا أربك حسابات أحمد زكى، ولم يعد يدرى ما يمكن أن يفعله فيه.

ففى إحدى الحلقات كان يقوم بدور الزوج الذى يشك فى زوجته التى تسير وراء كلام أمها وتعمل به، ما يُحيل حياة الزوج إلى جحيم.

وفى لقطة هى عبارة عن حلم، طلب المخرج يحيى العلمى من أحمد زكى أن يقوم بضرب سعاد حسنى على وجهها. لكن أحمد تردّد كثيرًا فى ضرب سعاد، فكيف يضربها على وجهها، وقد ظل سنوات يحلم أن يقف أمامها، وحتى إن طاوعته يده وضربها، فهل يغفر له الجمهور أنه ضرب سعاد حسنى؟

حاول أن يتحايل على المشهد، لكن المخرج أصر، فرضخ أحمد وذهب إلى سعاد يحاول أن يتفق معها على طريقة تمثيلية يضربها بها، ولكنه فوجئ بها تقول له: «اضرب عادى جدًّا... ولا يهمك... أنا عايزه المشهد يكون فى منتهى الصدق».

وبالفعل دارت الكاميرا، وانفعل أحمد باللحظة الدرامية، وصفع سعاد على وجهها، ولكن الكاميرا لم تستطع متابعة يده فى سرعتها، فاضطر إلى أن يعيد المشهد مرة أخرى.

وهنا صار أحمد فى موقف لا يُحسد عليه، عليه أن يضرب سعاد مرة أخرى، وفى أثناء حيرته فوجئ بسعاد حسنى تبتسم وتوافق على إعادة المشهد دون أى غضاضة، وفى المرة التالية قام أحمد بضربها «قلمين» فى منتهى القوة.

فما كان من سعاد إلا أن أخذت رد فعل الضرب، وطوّعته للأداء، ليصبح واحدًا من أهم مشاهد المسلسل مثلما وصفه أحمد.

ما فعلته سعاد يومها جعل أحمد مُتيمًا بها، ويتحدث عنها مع كل من يقابله، وصار يرى أن المكانة التى وصلت إليها لم تكن من فراغ، وإنما بفضل صدقها الشديد الذى يجعلها تصل إلى ذروة الأداء التمثيلى، وتتربع على القمة.

لذلك حين سُئل أحمد زكى عن إمكانية عمل جزء ثانٍ من مسلسل «هو وهى» قال: «أتمنى أن يستمر (هو وهى) حتى نهاية العمر، وأتمنى دائمًا أن أعمل مع سعاد حسنى فهى أعظم مَن يجسِّد (هى) على الشاشة».

لكن فى أثناء تصوير المسلسل شعر أحمد فى لحظة بأن هناك مؤامرة قامت بها سعاد حسنى مع سناء البيسى ضد الرجال، فقد جعلتا غالبية أبطال الحلقات من الرجال خونة.

يومها ذهب أحمد غاضبًا إلى جاهين، وأخبره بأنه لا يريد استكمال هذا المسلسل المسىء للرجال، والذى يُظهرهم بوصفهم ظَلَمَة وخَوَنَة، لكنّ جاهين ضحك واحدة من ضحكاته العالية، وقام بتهدئة أحمد، وقرأ عليه أغنية تشفى غليله من النساء، وتجعله يُكمل المسلسل، وتقول كلماتها:

لا لا... اثبت

ماتخلّيش ولا واحد يشمت

ارسم على وشك تكشيرة

واوعى تلفّ بجرحك تشحت

البنت فى تفسير الأحلام

دنيا سبحان العلّام

الأنثى خلاص... إلغاء... إعدام...

غشاشة من ضلع أعوج

وزى البحر فى قلبه ضلام

وبعد أن استمع أحمد لكلمات الأغنية بأداء جاهين، هَدَأ، وعاد لاستكمال المسلسل مع السندريلا.

لكن السؤال الذى لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن الثلاثى صلاح جاهين وسعاد حسنى وأحمد زكى هو كيف صنعوا بهجتنا واكتئبوا؟

والجواب كما أتصوره أن الثلاثى متشابهون فى أشياء كثيرة، وحساسون بدرجة كبيرة، وموهوبون بصورة غير مسبوقة، وصناع بهجة بفطرتهم، وسعادتهم الكبرى هى أن يروا السعادة على وجوه الآخرين، لكن الاكتئاب تسلل إلى قلب كل واحد منهم بمفرده، أحدهم عند مولده، والآخر فى طفولته، والثالث فى لحظة حزن كبرى.

فصلاح جاهين جاء إلى الدنيا «فى ٢٥ ديسمبر ١٩٣٠» بعد ولادة متعثرة تركت آثارها عليه، وعاش يعانى مرض «ثنائية الوجدان» فعندما يفرح يكاد يطير، وحين يحزن يصل إلى درجة الاكتئاب، وزارته أحزان كثيرة جرحت قلبه، جعلت الاكتئاب ينسج خيوطه حوله.

وهو ما حدث بصورة أخرى لأحمد زكى الذى مات والده وهو طفلًا، وتزوجت أمه وتركته مع جدته، وتنقل كثيرًا بين بيوت الغرباء، فعاش يعانى الوحدة طيلة حياته حتى وهو يجلس بصحبة أصدقائه.

بينما سعاد حسنى حققت كل ما يمكن أن تحلم به نجمة سينمائية قبل أن تصل إلى الثلاثين من عمرها، وجمعت أفلامها بين أعلى الإيرادات، وثناء النقاد، لكن حين دار الزمن دورته لم تستطع أن تتحمل عدم نجاح بعض أفلامها فى الثمانينيات وتمكن منها الاكتئاب، فانعزلت عن الناس فى لندن لسنوات حتى رحلت فى ظروف ما زالت غامضة.

أحمد زكى منتجًا.. وجاهين مستشارًا

لعب العم صلاح جاهين دور المستشار الفنى لفيلمى الكرنك ووداعًا بونابرت، وهو نفس الدور الذى لعبه متطوعًا ومحبًا لعدد كبير من الفنانين من بينهم أحمد زكى، لذلك لا يمكن أن تحدد بدقة ما فعله جاهين مع أحمد.

فقد كان أحمد يستشير جاهين فى أغلب الأفلام المعروضة عليه، ويأنس برأيه، ويسمع وجهة نظره، ويقرأ الروايات التى يرشحها له.

وفى منتصف الثمانينيات حين فكر أحمد زكى فى تأسيس شركة إنتاج حتى يصير مسئولًا عن العمل بأكمله - على حد تعبيره- بما فيه من كومبارس، وأماكن التصوير، وموسيقى، وكل شىء.

كان جاهين أول من شجعه على الإنتاج رغم أن كثيرين حذروا أحمد زكى من الإقدام على تلك الخطوة خصوصًا أنه لا يفهم فى الأمور المالية، وقالوا له: «يا جدع إنتاج إيه... إنت ناقص وجع دماغ»، وأخبروه بأن من يقوم من الفنانين بالإنتاج هو من لا تُعرض عليه أعمال كثيرة أو تكون أفلامه تجارية تحقق له ربحًا ماديًّا أكبر من التمثيل.

وحاول أحمد ألا يلتفت إلى تلك التحذيرات، وبدأ يشترى عددًا من الروايات لنجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، وميخائيل رومان، وغيرهم، ولكنه لم يشترِ قصصًا سينمائية جاهزة، بمعنى أدق السيناريو والحوار.

وعندما سُئل عن السبب أجاب: «أنا اشتريت الأعمال التى وجدتُ فيها نفسى... روايات تلمسنى من الداخل... روايات فيها حاجة حلوة جدًّا... وأنا لا أنظر مَن الذى كتب مع احترامى لهم جميعًا، ولكنى أنظر إلى الورق المكتوب، وما به من أحداث فقط».

واتفق أحمد زكى مع الأب الروحى صلاح جاهين أن يكتب السيناريو والحوار لأول فيلم يقوم بإنتاجه، ووافق جاهين، واستقرا على فيلمين الأول: اسمه «تحت تهديد السلاح»، والثانى قصة «يوم قُتل الزعيم» للأديب العالمى نجيب محفوظ لتحويلها إلى فيلم سينمائى، وبدأ جاهين كتابة السيناريو لكنه لم ينتهِ منه، فقد رحل فتوقف العمل نهائيًّا.

خلوا بالكم من أحمد زكى

وفى أبريل عام ١٩٨٦ سافر أحمد زكى إلى بريطانيا، وأجرى عملية جراحية هناك، وبعد أن خرج من غرفة العمليات لاحظ أن والده الروحى صلاح جاهين لم يتصل منذ خروجه من غرفة العمليات، رغم أنه كان أكثر الناس اتصالًا به، ودعمًا له منذ وصوله إلى لندن، فسأل أحمد هالة: «أُمال فين أبوالصُّلح... ماسمعتش صوته من ساعة ما خرجت من العملية رغم أنه كان بيتصل بيّا كل يوم فى القاهرة، ولحد أول ما جيت لندن، وكان بيقولّى: لو عايزنى أجيلك، هاجيلك على أول طيارة؟»، فطمأنته هالة، وقالت إنه ربما اتصل ولم تصل إلينا المكالمة فى زحمة الاتصالات، فلم تستطع أن تخبره بحقيقة ما جرى، فقلب أحمد لا يتحمل ومرارته قد أُزيلت، فكيف يقوى على الصمود أمام خبر بهذه القسوة؟

قررت هالة أن تُبعد الصحف القادمة من القاهرة مؤقتًا عنه، واتفقت مع والدها على ألا يسمح لأحد أن يُبلغه عن طريق الهاتف، وأن يظل الخبر سرًّا حتى يستعيد عافيته ويعود إلى مصر.

وفى اليوم التالى لم تكن هالة قد وصلت إلى المستشفى، فحضر أحد الأطباء المصريين العاملين فى المستشفى للاطمئنان على صحة أحمد، وفى أثناء حديثه معه قال له: «شدّ حيلك... هاقولك خبر حاول تتماسك وأنت بتسمعه لأنى فضّلت أن أقوله لك بدلًا من أن تعرفه من شخص آخر... أبوك مات».

فردّ عليه أحمد متعجبًا: «أبويا مين! أنا أبويا مات وعمرى سنتين»... فبادره الطبيب: «أبوك صلاح جاهين مات».

ووقعت الصدمة على قلب أحمد ورأسه كالصاعقة، ولم يشعر بنفسه إلا بعد أن نزل مسرعًا من المستشفى فى لندن ليذهب إلى صلاح جاهين ويودِّعه فى القاهرة.

للحظة ضاعت المسافات والأماكن وكل شىء، ولم يحتمل الجُرح ما فعله أحمد، فانفتح وخرجت كمية كبيرة من الدم، وسقط أحمد على الأرض، وحملوه إلى سريره.

فلم يتصور الطبيب أن خبر وفاة صلاح جاهين يمكن أن يفعل به كل ذلك، وندم الطبيب المعالج ندمًا شديدًا أنه أبلغه الخبر، فلم تفلح المهدئات أن تسكن آلامه النفسية والجسمانية.

وفوجئ الأطباء بتدهور حالته مرة أخرى، فاجتمعوا حوله، وأعادوا فحصه، فوجدوا صديدًا يغطى الجرح بطوله، فعاد أحمد إلى غرفة العمليات مرة أخرى لإجراء عملية جراحية جديدة تخلِّصه من آثار الصديد.

وخرج أحمد من غرفة العمليات للمرة الثانية، وكانت هالة أول من رأى بعد أن فتح عينيه، وظلت إلى جواره حتى تطمئن عليه.

ومرّت الساعات، وسكنت آلام أحمد نسبيًّا، وحضر إلى مستشفى «لندن كلينك»، السفير أحمد قدرى سفير مصر فى لندن، والدكتور أحمد عكاشة، والصحفى عماد أديب ليطمئنوا عليه.

وأراد أحمد أن يعرف متى وكيف رحل جاهين. لم يحتمل أن يظل لا يعرف شيئًا عمّا جرى لأبيه الروحى فى أيامه الأخيرة.

وأخبروه أنه قد دخل إلى المستشفى- فى ليلة السادس عشر من أبريل عام ١٩٨٦- بعد أن اتصل به، واطمأن على وصوله إلى لندن، لكن أكثر ما أثار شجون أحمد زكى هى تلك الرسالة التى حملها له الدكتور أحمد عكاشة من صلاح جاهين وهو على فراش الموت حين قال لمن حوله قبل ساعات من رحيله: «خلّوا بالكم من أحمد زكى».

اقرأ أيضًا:

العصفور الحزين.. سيرة جديدة لـ«صلاح جاهين»