سلطان أهل الهوى.. إعادة قراءة لعدوية وزمانه
- الفيلم يتتبع رحلة عدوية من المنيا إلى شارع محمد على وصولًا إلى مرحلة النجومية
- نسعى لتوثيق مختلف التجارب الفنية التى أحدثت أثرًا يستحق أن يُروى
فى زمن تتسارع فيه الصورة وتُستهلك القصص سريعًا، اختارت قناة «الوثائقية» أن تتوقف قليلًا أمام تجربة فنية استثنائية، لتعيد سردها بعين مختلفة، لا تبحث فقط عن نجومية بطلها، بل عن الإنسان خلفها.. من هنا جاء مشروع الفيلم الوثائقى «عدوية.. سلطان أهل الهوى»، الذى يتناول مسيرة الفنان الشعبى أحمد عدوية، أحد أبرز رموز الغناء الشعبى فى مصر والعالم العربى.
انطلق على شاشة القناة «الوثائقية» يوم الخميس الماضى- الساعة العاشرة مساءً- عرض فيلم «عدوية.. سلطان أهل الهوى»، وهو أحدث إنتاجات قطاع الإنتاج الوثائقى بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، الفيلم لم يكن مجرد توثيق لسيرة مطرب، بل محاولة جادة لإعادة قراءة مرحلة كاملة من تاريخ الأغنية الشعبية، وفهم كيف تحولت أصوات الشارع إلى أيقونات فنية خالدة. ومن داخل كواليس هذا العمل، تكشف رحلة الإنتاج عن جهد كبير، ورؤية فنية دقيقة، وصراع مع الزمن والذاكرة.

بداية الفكرة.. لماذا عدوية الآن؟
داخل أروقة قناة «الوثائقية» لم يكن اختيار أحمد عدوية وليد الصدفة، بل جاء بعد نقاشات مطولة قادها الكاتب والإعلامى شريف سعيد، رئيس قطاع الإنتاج الوثائقى بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.
الفيلم لا يقف عند ظاهرة أحمد عدوية الفنية فقط، بل يسعى لفهم السياق الاجتماعى والاقتصادى فى مرحلة السبعينيات والثمانينيات التى شهدت نجاح عدوية وصعوده فوق مسرح الأغنية الشعبية.
البحث والتوثيق.. رحلة فى أرشيف الذاكرة
أحد أصعب مراحل العمل كان البحث والتوثيق، د. الشيماء العزب، التى تولت عملية البحث، وبشرى عبدالمؤمن الذى تولى جمع الأرشيف الخاص بالفيلم، لم يعتمد على المعلومات المتاحة عن عدوية فقط، بل خاض رحلة طويلة فى الأرشيفات، واستعان بمصادر وصور وفيديوهات نادرة، وتسجيلات صوتية تعود لبدايات عدوية.
البحث اعتمد على كل ما قُدم عن عدوية من كتب ومقالات فى الصحافة المصرية والعربية والعالمية، بجانب مئات من الصور، والفيديوهات التى تناولت عدوية سواء ظهر بها أو كان هو محور الحديث فيها.

إعداد وضيوف.. فنانون وباحثون ونقاد
تولى عملية إعداد الفيلم والتواصل مع ضيوفه الكاتب سيد محمود، حيث اعتمد على عدة محاور لاختيار الضيوف، الأبرز بالتأكيد هو الجانب الفنى، فالفيلم يتناول رحلة لفنان، لذلك تم التواصل مع المنتج الموسيقى الشهير محسن جابر الذى كان أحد مَن حضر تجربة عدوية من البدايات، حيث كان يرتبط بقرابة وشراكة فى العمل مع عاطف منتصر، مكتشف ومنتج عدوية. كما تم التواصل مع عدد من المطربين الذين تأثروا بعدوية وشاركوه فى أعماله، ومنهم المطرب الشعبى حكيم الذى كان من المقربين لعدوية، وأحد أبرز المتأثرين بمدرسته فى الغناء الشعبى، وأيضًا الفنان أمير عيد «مغنى فرقة كايروكى» الذى تأثر بطريقة عدوية فى تحدى آليات الإنتاج الموسيقى فى زمنه والتى واجهها عدوية بالغناء شبه ما يواجهه صناع الموسيقى المستقلة فى العصر الحالى، كما أنه شاركه فى دويتو لإعادة أغنيته الشهيرة «ستو». تم التواصل أيضًا مع المطربة مريم صالح التى كانت أغنيات عدوية جزءًا من تجربتها الغنائية، حيث تحدثت عن تأثرها بأغنياته.
فى الجانب الفنى أيضًا شارك الموسيقار الكبير هانى شنودة ضمن ضيوف العمل، ليس فقط بحكم أنه فنان عاصر فترة عدوية، لكنه أيضًا شاركه العمل من خلال تجربة مختلفة ومميزة فى تجربة الاثنين «عدوية وشنودة»، وهى أغنية «زحمة»، التى قدمت فى نهاية السبعينيات، وكانت نقلة فى صناعة الموسيقى الشعبية، وملهمة لصناعها فى العقود التالية.
ضيوف الفيلم شملوا أيضًا جوانب نقدية واجتماعية وأدبية، حيث شمل حضورهم الناقد الفنى طارق الشناوى، والناقد الفنى محمود عبدالشكور، ود. خالد عبدالفتاح أستاذ علم الاجتماع، والكاتب الصحفى أيمن الحكيم، والشاعر الغنائى إبراهيم عبدالفتاح، ود. شوكت المصرى أستاذ النقد الأدبى الحديث، ود. أشرف عبدالرحمن أستاذ النقد الموسيقى. العمل تضمن أيضًا حضورًا للباحث الأمريكى أندرو سايمون، الذى رصد تجربة عدوية وصعوده فى سبعينيات القرن الماضى من خلال كتابه «إعلام الجماهير».
ديكور وإنتاج وإخراج.. صناعة الصورة
مع انتهاء عمليات البحث والأرشيف وتحضيرات الضيوف، أصبح العمل الآن جاهزًا للتصوير، حيث جاء دور صناعة الديكور الذى قدمه ببراعة محمد سامح، معتمدًا على روح المقاهى والأفراح الشعبية التى خرج منها عدوية وكانت بداية انطلاقته، وأيضًا استديوهات الصوت التى كانت منزله الفنى، والتى حصدت أيامًا طويلة من عمره الفنى.
المخرج أحمد الحسينى قدم أيضًا رؤية بصرية مميزة، مع فريقه، كانت أحد عوامل نجاح العمل. كما اختار أن يركز على الجانب الإنسانى فى شخصية عدوية. لم يقدم فقط المطرب الذى يقف على المسرح، بل الإنسان الذى عاش تجارب صعبة، وواجه لحظات ضعف.
الكاميرا اقتربت من التفاصيل الصغيرة التى ساهمت فى بناء صورة أكثر عمقًا للشخصية.
أحمد العربى، المنتج الفنى، لعب دورًا كبيرً بحماسه فى العمل، حيث لم يكتفِ بدوره فقط فى التحضير والتنسيق، لكنه لعب أيضًا دورًا كبيرًا فى التواصل مع الضيوف بحكم خبرته الإعلامية والفنية.

كتابة السيناريو.. حكاية تروى بإحساس
كتابة إسكريبت «عدوية.. سلطان أهل الهوى»- التى شرفت بأن كُلفت بها- لم تكن تقليدية، لم يعتمد العمل على التسلسل الزمنى فقط، بل اختار أن يسير بطريقة تربط بين المحطات المختلفة من خلال مشاعر وتجارب إنسانية.
تم تقسيم الفيلم إلى مراحل، كل مرحلة تعكس خطوة فى حياة عدوية؛ منذ البدايات حيث كان طفل المنيا، إلى المراهقة والشباب فى القاهرة ما بين المعادى إلى شارع محمد على حيث البدايات الفنية، إلى كازينوهات شارع الهرم، ومنها إلى عالم الأسطوانات وشرائط الكاسيت، ومن نجومية الأفراح الشعبية، إلى نجومية الغناء، وحتى أصبح نجمًا أيضًا فى السينما والإعلانات.
الكتابة لم تغفل عن مراحل الصعوبات فى مسيرة عدوية، سواء فى السبعينيات حينما هاجمه المثقفون متهمين إياه بإفساد الذوق العام، إلى هجوم بعض السينمائيين عليه فى أفلام، حتى ذُكر اسمه صراحة مرادفًا لتشوه الذائقة الفنية لقطاع كبير من المصريين، وحتى محاولة قتله عبر دس المخدرات فى سهرة بأحد الفنادق الكبرى بالقاهرة.
هذه المواقف كلها لم تزد عدوية إلا إصرارًا وصمودًا، وبدلًا من أن تؤدى لانهياره، زادته قوة.
هذا البناء الدرامى منح الفيلم روحًا سينمائية، وجعل المشاهد لا يشعر بأنه أمام عمل توثيقى جامد، بل أمام قصة إنسانية نابضة بالحياة.

يوم استثنائى مع محمد عدوية
قبل أيام قليلة من عرض الفيلم، حدث موقف استثنائى صنع يومًا استثنائيًا، والذى جاء مع تواصل المطرب محمد عدوية مع إدارة قطاع الإنتاج الوثائقى بالشركة المتحدة، وإصراره على منح شهادته عن والده ضمن أحداث الفيلم، وذلك بعد تغيبه عن أيام التصوير لأسباب فنية وشخصية.
إدارة «الوثائقية» استطاعت فى ساعات قليلة تحضير فريق العمل، وتصوير لقاء استثنائى، تم فى استديو الصوت الذى يسجل فيه عدوية أعماله، ليكون آخر ما تمت إضافته ضمن العمل، ولتكون الشهادة الأكثر قربًا من أحمد عدوية إنسانيًا.
الموسيقى.. روح الحكاية
لا يمكن الحديث عن فيلم عن أحمد عدوية دون التوقف عند الموسيقى. فريق العمل تعامل مع الموسيقى كعنصر أساسى فى السرد، وليس مجرد خلفية.
تم توزيع بعض أشهر أغانيه على أحداث الفيلم لتكون جزءًا من السرد وليست مجرد داعم فنى، لتضيف عمقًا للمشاهد.
الموسيقى فى الفيلم ليست فقط وسيلة للترفيه، بل أداة لفهم الحالة الاجتماعية التى خرج منها هذا اللون الغنائى.

التحديات.. عندما تصطدم الذاكرة بالواقع
واجه فريق العمل عدة تحديات، أبرزها يتمثل فى تقديم شخصية مثيرة للجدل بشكل متوازن. فعدوية لم يكن مجرد مطرب ناجح، بل كان أيضًا محور نقاشات نقدية حول طبيعة الغناء الشعبى.
الفيلم حاول أن يعكس هذه الجدلية، دون الانحياز، ليترك للمشاهد حرية التقييم.
الرسالة.. أكثر من مجرد سيرة
«عدوية.. سلطان أهل الهوى» ليس مجرد فيلم عن مطرب، بل هو عمل يتحدث عن المجتمع، عن التحولات الثقافية والسياسية فى مصر منذ نهاية الستينيات من القرن الماضى وحتى الآن، منذ تأثيرات حرب ١٩٦٧ على المجتمع المصرى، وتغير ذائقة الجمهور فنيًا، ومرورًا بدخول تقنيات جديدة فى صناعة الموسيقى والغناء، أبرزها شريط الكاسيت فى منتصف السبعينيات، وتغير مفردات الأغنية المصرية فى تلك الفترة، وتأثير سياسات الانفتاح على المجتمع، وكواليس صناعة الموسيقى والغناء والسينما والإعلانات، وتطور الأغنية الشعبية على مدار العقود الأخيرة.
قناة «الوثائقية».. مشروع ثقافى متكامل
هذا العمل يأتى ضمن رؤية أوسع لقناة «الوثائقية»، التى تسعى لتقديم محتوى يعيد قراءة التاريخ والثقافة المصرية بطريقة عصرية.
اختيار شخصيات مثل أحمد عدوية يعكس رغبة فى تسليط الضوء على نماذج أثرت فى المجتمع، حتى وإن لم تحظَ دائمًا بالتقدير النقدى الذى تستحقه.
ردود الفعل.. بين الحنين والاكتشاف
لاقى الفيلم تفاعلًا كبيرًا مع بداية عرضه، خاصة من الأجيال التى عاصرت أحمد عدوية، والتى ترى فيه استعادة لذكرياتها.
فى الوقت نفسه يشكل الفيلم فرصة للأجيال الجديدة لاكتشاف هذه التجربة، وفهم كيف تطور الغناء الشعبى.
حكاية لا تنتهى
فى الختام، فإن «أحمد عدوية.. سلطان أهل الهوى» ليس مجرد عمل ينتهى مع عرض تتر النهاية، بل هو بداية لنقاش جديد حول قيمة الفن الشعبى، ودور الفنان فى التعبير عن الناس.
قصة عدوية تثبت أن الفن الحقيقى لا يقاس فقط بالمعايير التقليدية، بل بقدرته على البقاء فى قلوب الناس.
ومن خلال هذا الفيلم تثبت قناة «الوثائقية» أنها لا تكتفى بسرد الحكايات، بل تعيد إحياءها لتبقى.

رئيس قطاع الإنتاج الوثائقى شريف سعيد:
«عدوية.. سطان أهل الهوى» جزء من استراتيجيتنا نحو تنويع المنتج الوثائقى
قررنا إنتاج الفيلم الوثائقى «عدوية.. سلطان أهل الهوى» لأنه يأتى ضمن اهتماماتنا بتوثيق مختلف التجارب الفنية التى أحدثت أثرًا يستحق أن يُروى، وتركت بصمة لا تسقط من الذاكرة، وشكلت جزءًا من ذائقة بعض فئات المجتمع المصرى فى حقب زمنية مختلفة، وهذا الفيلم لا يتوقف عند تناول حياة الفنان المصرى أحمد عدوية، بوصفه أحد أهم نجوم الفن الشعبى فى مصر والإقليم، بل يقدم قراءة لحقبة بالكامل شهدت تغييرات فنية واجتماعية واقتصادية، وظهور وسائط جديدة مثل «شريط الكاسيت»، ما أدى إلى تحولات فى الذائقة الشعبية للمستمعين، منذ السبعينيات مرورًا بالثمانينيات، وهى الحقبة التى شهدت ذروة صعود وانتشار «عدوية».

والحقيقة أننا تحمسنا إلى الفكرة فور طرحها ومناقشتها مع الكاتب الصحفى والناقد «سيد محمود»، وعلى الفور بدأنا فى تحويل الفكرة إلى فيلم وثائقى من خلال مختلف الإدارات داخل قناة «الوثائقية»، لنقطع طريقًا طويلًا من العمل الدءوب استمر قرابة العام، شهد خطوات عديدة مثل: البحث والإعداد وإجراء المقابلات وكتابة الاسكريبت والمونتاج، وصولًا إلى يوم عرض هذا المنتج الوثائقى الذى نعتز به.
ويأتى فيلم «عدوية.. سلطان أهل الهوى» كجزء من استراتيجيتنا فى قطاع الإنتاج الوثائقى بشركة المتخدة للخدمات الإعلامية القائمة على تنويع المنتج الوثائقى المقدم على شاشة «الوثائقية»، ليشمل مجالات مختلفة واهتمامات عديدة، من الفنون إلى الثقافة، ومن التاريخ إلى السياسة، ومن توثيق انتصارات وإنجازات الدولة المصرية، إلى تفكيك مزاعم وأكاذيب جماعات التأسلم السياسى، كجزء من عملية صناعة الوعى، ودعم الشخصية المصرية، وحفظ الذاكرة الوطنية من التشويه والتزييف والكذب، لا سيما لدى الأجيال الجديدة، وحتى لا تكون آفة حارتنا النسيان.

المُعد سيد محمود: إنصاف متأخر
حقق فيلم «عدوية.. سلطان أهل الهوى» مع قناة «الوثائقية» أمنيةً شخصيةً لازمتنى طوال ١٤ عامًا، فقد شاركت فى مشروع بحثى عن التاريخ والموسيقى عام ٢٠١٢ تضمن دراسةً لى حول الفنان الراحل، صدرت فى كتاب جمع مؤرخين وموسيقيين محترفين، وقد قمت خلالها بجمع الكثير من المواد الأرشيفية المهمة حول تجربته الفنية المثيرة للاهتمام، كما التقيت به فى جلسات تركت فى نفسى أطيب الأثر.

أهم من ذلك أننى لاحظت قبل الشروع فى البحث أن فكرة الاشتغال على تجربة عدوية تواجه رفضًا كبيرًا من المشاركين الآخرين، ومعظمهم من الأكاديميين، الأمر الذى أكد أهمية دراستها من زواياها المختلفة، وقد فوجئت بالاهتمام الذى وجده البحث من قِبل الباحثين الأجانب المتخصصين فى دراسات الثقافة الشعبية والنقد الثقافى الذى يُعنى بالتقاطع بين علوم إنسانية مختلفة.
ومن المهم القول بأننى حاولت خلال تلك السنوات الماضية العمل على تنفيذ فيلم حول عدوية مع شركات وقنوات أخرى، لكن الفكرة ظلت تواجه اعتراضات كثيرة إلى أن التقيت الكاتب والإعلامى شريف سعيد، رئيس قطاع الإنتاج الوثائقى بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، واقترحت عليه الفكرة؛ فتحمس لها كثيرًا، لكن الحالة الصحية للفنان الراحل حالت دون تنفيذها وهو على قيد الحياة.
وعقب موته، تزايد إيماننا بالفكرة بعد أن لمسنا رد الفعل الذى صاحب غيابه المؤثر، وبدا أننا إزاء حالة فقد لفنان حقيقى تقاطعت تجربته مع الذاكرة الجمعية خلال سنوات شهدت تحولات فى أكثر من مجال، وبسبب تنامى هذا الاعتقاد دعا رئيس قطاع الإنتاج الوثائقى بالشركة المتحدة لاجتماع، جمع ممثلى مختلف الأقسام داخل القناة، لتقديم عرض تفصيلى للفكرة والنقاش حول طريقة المعالجة، وأشهد بأن أفراد فريق العمل فى الفيلم كانوا على قدر كبير من التناغم والرغبة فى إنجاز العمل بمحبة خالصة لعدوية، لكنها المحبة التى لا تحول دون تقديم نظرة موضوعية تجعل من الفيلم وثيقة تاريخية معبّرة عن الفنان وكاشفة للمرحلة التى كان أحد أبرز وجوهها أيضًا.
عبر مراحل العمل المختلفة وجدت تعاونًا خلاقًا من إدارة القناة وفريقها الاحترافى الذى يمتلك خبرات فريدة انعكست فى اختيار جميع العناصر التى سعدت بالعمل معها، ولفت نظرى بشدة الحماس الكبير الذى امتلكه المنتج الفنى الزميل أحمد العربى والمخرج أحمد الحسينى، اللذان تحركا بوعى وهدوء كبيرين داخل موقع التصوير، وابتكرا صورةً ذات دلالات فعالة لتقرب عدوية وعصره من الأجيال الجديدة، بالإضافة إلى العمل مع المونتير أحمد البرلسى لإحداث نقلات ناعمة تساهم فى الحفاظ على سرد بصرى أكثر حساسية وتأثيرًا.
ولا شك أن المادة الأرشيفية التى وفرها الزميلان أيمن عثمان وبشرى عبدالمؤمن، ومعها المادة البحثية التى قدمتها الدكتورة الشيماء العزب، ساهمت مساهمة أكيدة فى ربط تجربة عدوية بسياقاتها الفنية والزمنية المختلفة.
وأنظر شخصيًا إلى الدعم الذى قدمه الصديق مراد منصور خلال تنفيذ الفيلم وكتابة التعليق المصاحب بامتنان كبير بسبب أخلاقه الرفيعة التى لا بد أن تُقاس عليها أخلاق الآخرين، وكذلك لإخلاصه الحقيقى ومودته الصادقة التى انعكست فى تعاونه الذى فاق الحدود ليظهر الفيلم فى الصورة التى انتهينا إليها، وهى صورة تدين قبل كل شىء لعدوية، الذى تسابق جميع المشاركين فى الفيلم لإنصافه، ويبدو أن كرمه الذى شهد له الجميع انعكس فى تلك الروح التى غمرتنا طوال مراحل العمل، فقد تسابق كل ضيوف الفيلم من نجوم ونقاد وباحثين للمشاركة فى تنفيذه بحماس يستحق الالتفات.
أحمد الله كثيرًا لأن الفيلم خرج بصورة جذبت قطاعات واسعة من المشاهدين، كما أظهرت مواقع التواصل الاجتماعى، والأهم بالنسبة لى أنه خرج من قناة مصرية يمتلك القائمون عليها هذا الوعى الاستثنائى الذى يساعد فى إبراز تاريخنا للأجيال الجديدة، وذلك بعد سنوات تعرض فيها لصور متنوعة من الاختطاف أو الإساءة، فنحن الأقدر على محاورة تاريخنا ومساءلته.

المخرج أحمد الحسينى: حالة استثنائية
فى أى عمل جديد، لا أتعامل كمخرج فقط، بل كإنسان يشهد الحكاية ويتأثر بها. وفى «سلطان أهل الهوى» اقتربت من سيرة أحمد عدوية وأنا أحمل دهشة حقيقية، ورغبة صادقة فى فهم سر هذا التأثير الذى عبر الأجيال.

منذ البداية، لم أكن أبحث عن تقديم بورتريه تقليدى لفنان، بل سعيت لاكتشاف الإنسان خلف الصوت. ظللت أسأل نفسى: «كيف استطاع هذا الرجل، القادم من قلب الشارع، أن يترك كل هذا الأثر؟»، و«لماذا لا يزال حضوره حيًا فى ذاكرة الناس رغم تغير الزمن؟».
لكن اللحظة التى غيرت رؤيتى جاءت أثناء تصوير لقاءات الضيوف. هناك، لم أكن فقط خلف الكاميرا، بل كنت متلقيًا مثل أى مشاهد. استمعت إليهم وهم يتحدثون عن عدوية، فرأيت انبهارًا حقيقيًا لا يمكن تمثيله. لم تكن مجرد شهادات، بل كانت اعترافات صادقة بتأثيره العميق فى حياتهم.
كنت أراقب بريق أعينهم، وألتقط ابتسامات تعيدهم لسنوات بعيدة، وأشعر بحماسهم وكأنهم يعيشون اللحظة من جديد. هذه التفاصيل الصغيرة هى التى أعادت تشكيل الفيلم بالنسبة لى. أدركت أننى لا أصنع فيلمًا عن سيرة فنان فقط، بل عن أثره فى قلوب الناس.
مع الوقت، انتقل هذا الانبهار إلىّ، وأصبحت جزءًا منه. لم أعد أبحث فقط عن توثيق الحكاية، بل عن نقل هذا الإحساس إلى المشاهد، أردت أن يرى أحمد عدوية كما رأيته فى عيون ضيوفى: حالة إنسانية وفنية لا تتكرر.
حاولت أن أشارك هذا الشعور.. أن أجعل الكاميرا تنقل الدهشة كما عشتها، وأن يخرج المشاهد وهو يشعر بأنه اقترب من روح هذا الرجل، لا مجرد تاريخه.

الباحثة د. الشيماء العزب: البحث حجر أساس أى فيلم وثائقى
فى عالم صناعة الأفلام الوثائقية يقف جندى مجهول يضع حجر الأساس للعمل؛ إنه البحث.ليس البحث مجرد مرحلة تحضيرية، بل هو جهد نظرى يسعى لبناء وعى مشترك داخل فريق العمل، حول ما سنحكيه ولماذا نحكيه. من خلاله تتضح الزوايا، وتتبلور الأسئلة، ونقترب شيئًا فشيئًا من روح الموضوع ومن سياقه التاريخى والاجتماعى والإنسانى. فالبحث هو البوصلة التى ترسم ملامح الحكاية قبل أن تدور الكاميرا.

بالنسبة لى لم يكن البحث عن عدوية مجرد عمل وثائقى عادى. فهو ابن المعادى.. وأنا أيضًا. بين شوارع المعادى القديمة وسوقها، وبين بيت جدتى الذى يقع على مقربة من منزل عائلته، بدأت علاقتى بصوته قبل أن أدرك ذلك. أغانيه وأفلامه شكلت جزءًا من ذاكرة جيلى فى أواخر السبعينيات وطوال الثمانينيات.
لكن استعادة تاريخ هذه الفترة لم يكن أمرًا يسيرًا، فبعض المراحل، خاصة بدايات الأغنية الشعبية، بدت وكأنها خارج الذاكرة الموثقة، حيث قلة المصادر وضعف الاهتمام بهذا اللون الغنائى لسنوات طويلة.
كان علينا أن نبحث بين السطور، وأن نستمع أكثر مما نقرأ، حتى أصبحت الروايات الشفهية والصحفية المتضاربة هى المصادر الوحيدة المتاحة.
هذا البحث لم يكن مجرد مهمة عمل، بل كان تحية حب وتقدير لـ«ناى مصر الحزين» و«سلطان أهل الهوى» بصورة تليق بأسطورة غيرت وجه الغناء الشعبى فى مصر.

المنتج الفنى أحمد العربى: تجربتى كانت تحديًا كبيرًا
تجربتى كمنتج فنى فى فيلم «سلطان أهل الهوى» عن الراحل أحمد عدوية كانت واحدة من أهم وأقرب الأفلام المميزة بالنسبة لى. منذ البداية، كان هناك تحدٍ حقيقى لتقديم شخصية استثنائية مثل عدوية بشكل يليق بتاريخه وتأثيره الكبير فى وجدان الجمهور، خصوصًا أنه مش مجرد مطرب، لكنه حالة فنية صنعت لونًا مختلفًا فى الغناء الشعبى وغيرت الذوق العام كله.

وعلى المستوى الشخصى، الفنان أحمد عدوية هو فنانى المفضل منذ الصغر، وأغانيه كانت دائمًا مرتبطة بذكريات أجمل أيام حياتى.. وهذا ما جعل التجربة بالنسبة ليست مجرد عمل، لكن حالة حب حقيقية أحاول أن أصل بها للناس.
فريق العمل عمل على المشروع برؤية قائمة على الصدق والبساطة، مع الاهتمام بكل تفصيلة، سواء فى البحث أو اختيار المواد الأرشيفية أو حتى المعالجة البصرية. كان هدفى كمنتج فنى توفير بيئة إبداعية للفريق كله، وتحقق التوازن بين القيمة الفنية والمتعة البصرية المختلفة.
التجربة كانت مليئة بالتحديات، خاصة فى توثيق مراحل مختلفة من حياة عدوية، لكن التعاون بين كل عناصر العمل جعل الرحلة ممتعة وتحمل الكثير من الشغف. كل فرد من فريق العمل كان لديه دور حقيقى فى بناء الحكاية، من البحث والإعداد والكتابة، للتصوير والمونتاج، وحتى الجرافيك والتصحيح اللونى.
فى النهاية، الفيلم بالنسبة لى ليس عملًا فنيًا، لكنه توثيق لجزء مهم من تاريخنا الموسيقى، وتجربة شخصية أفتخر بها، لأنها صُنعت بحب وإخلاص لفنان استثنائى.. هو أحمد عدوية.







