الإثنين 13 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

جامع التراث.. كنز عصمت النمر

حرف

-فقدنا مكتبة عبدالعزيز عنانى النادرة.. فهل عشاق التراث على موعد مع صدمة جديدة؟

- من ينقذ هذا التراث الذى لا يُقدّر بثمن؟ صرخة أخيرة لوزيرة الثقافة ومكتبة الإسكندرية و«أبوالغار» 

- خاص.. شهادة عصمت النمر الأخيرة عن «إمام» و«نجم» وخناقات «حوش قدم»

يتنادى أصدقاء «جامع التراث» الراحل د. عصمت النمر للتجهيز لحفل تأبين له يوم الثلاثاء المقبل، 14 أبريل، فى أتيليه القاهرة، وهو أمر محمود ومطلوب وواجب، حتى لو اقتصر على كلمات الرثاء ودموع الوداع، ففى قلب تلك الأيام الثقيلة وانشغالات الناس بالحرب وتداعياتها ووطأة تأثيرها، يصبح أى تكريم للرجل تحركًا يستوجب الشكر.

يستحق عصمت النمر التكريم والتأبين بالطبع، فما قدّمه الرجل من خدمات جليلة للتراث المصرى، جامعًا وحارسًا ومحققًا، يجعل من مكتبته الموسيقية الفريدة كنزًا ينبغى ألا تشغلنا صدمة الرحيل عن الاهتمام بمصيره.

ربما لا يعرف الذين كانوا يتابعون بشغف ما ينشره الرجل من تسجيلات وحكايات أنه- بحكم التخصص- هو آخر من ينشغل بمشايخ الطرب وتاريخ الموسيقى الشرقية، فقد كان لسنوات طويلة يشغل منصب رئيس قسم الجراحة بمستشفى الزقازيق العام، بجانب أوقات ثابتة يعاود فيها مرضاه بعيادات «النهضة» بمدينة الزقازيق، وأغلبهم من الفقراء والبسطاء، فكان يعالجهم بأجور رمزية، بل يدفع لبعضهم ثمن الدواء من جيبه أو يتبرع بأجره عن العمليات الجراحية.

أما هواية جمع التراث فقد ورثها عن والده عمدة قرية «شقلبان» القريبة من الزقازيق، وهى قرية لها تاريخ، فقد كانت القرية التى حصل الرئيس السادات وشريكه الطيار حسن عزت- خلال فترة هروبهما من تهمة اغتيال الوزير أمين عثمان وتأسيس شركة مقاولات- على إنشاء شبكة المجارى بها، وكان أول مشروع تحصل عليه شركة المقاولين أنور السادات وحسن عزت.. كما ذاع صيت القرية بعد أن استغل الشاعر أحمد فؤاد نجم اسمها فجعلها عنوانًا لواحد من أشهر قصائده.

ورغم انشغالات الحاج «مسلم»، عمدة القرية، فى رعاية أرضه ومصالح الناس إلا أنه كان شغوفًا باقتناء أسطوانات الغناء وأحدث أجهزة تشغيلها، وكان عصمت هو الوحيد من أبنائه الذى ورث عنه تلك الهواية، بل فاقه شغفًا، وأنفق عمره وماله فى جمع عشرات الآلاف من التسجيلات النادرة لرواد الغناء والطرب، سواء من مصر أو العالم العربى، وكان من حسن الحظ أنه نجح فى تحويلها إلى نظام الديجيتال، فأصبح يمتلك المكتبة الموسيقية الأضخم فى العالم العربى، ولم يكن يبخل على أصدقائه بتلك الكنوز، حتى إنه أهدى منها لصديقه الشاعر إبراهيم داود عشر ساعات لتصدر فى أسطوانة مع مجلة «الديوان» وقت رئاسته تحريرها.

 انتهى قبل رحيله من كتابين جديدين عن «نكت الشيخ إمام» و«نداء البياعين»

ومن حسن الحظ كذلك أن عصمت النمر لم يكتفِ بجمع التراث الموسيقى وحفظه، بل عكف على تحقيقه وتحويله إلى كتب تراثية فائقة الأهمية لعشاق التراث الغنائى، وأصدر بالفعل ٥ كتب هى: «طرب زمان.. فى تراث النغم»، «عناقيد البهجة»، «أم كلثوم.. ذكريات لا مذكرات»، «طرب اليهود العرب»، «شىء كهذا يُمرن الذاكرة».. وحسب معلوماتى فإنه كان قبل رحيله قد انتهى من كتابين جديدين وجهزهما للنشر:

* كتاب عن «نداء البياعين»، وهو تحفة نادرة جمع فيها الأغانى والهتافات التى كان يستخدمها البائعون فى الأسواق والحوارى للفت انتباه الزبائن لبضاعتهم، وكثيرًا منها كان غاية فى الإبداع والجاذبية وخفة الدم.

* كتاب عن تجربته الشخصية بصحبة الشيخ إمام عيسى، أيقونة الأغنية السياسية المتمردة فى سنوات بعد نكسة يونيو. وفى الكتاب يقدم عصمت النمر جوانب جديدة من حياة وشخصية الشيخ إمام، بينها مثلًا شغفه بالنكتة «الحراقة»، ويروى حكايات إنسانية جديدة كان طرفًا فيها وشاهدًا عليها من تجربته التى لم تبح بعد بكل أسرارها رغم كل ما كتب عنها.

وكان د. عصمت النمر يسابق الزمن والعمر لينتهى من مشروعاته الجديدة، لولا تدهور حالته الصحية، ومعاناته خلال السنوات الثلاث الأخيرة من متاعب الكبد والقلب.

عصمت النمر مع مجموعة من الأصدقاء

وليس سرًا أن د. عصمت النمر باع مكتبته الورقية قبل عدة سنوات، وكان يمتلك الآلاف من الكتب النادرة، ربما لتدبير ثمن العلاج الباهظ دون أن يحتاج للاستدانة أو مساعدة من الأصدقاء، خاصة أن الرجل كان عفيف النفس شديد الاعتزاز بكرامته.. وربما لأنه يعرف أن لا أحد من أبنائه لديه نفس اهتمامه بالثقافة والتراث، وغالبًا سيكون مصيرها إلى الإهمال والضياع.

وحتى مكتبته الموسيقية الفريدة ليس سرًا، كذلك، أنه كان مستعدًا لبيعها لمن يعرف قيمتها ويثق فى صيانته لها.. وبعد رحيله لا بد أن العارفين بقيمة هذا «الكنز» يشغلهم مصيره.. ويخشون من مصير مماثل لواحدة من أكبر المكتبات الموسيقية، وهى المكتبة التى كان يملكها المؤرخ الموسيقى د. عبدالعزيز عنانى، وتكاسلت دار الأوبرا فى متابعتها وكانت وقتها تملك الإمكانات المادية لشرائها، وجاء من يدفع كل ما طلبه الورثة وزيادة، وخرج هذا الكنز من مصر!

لا يريد عشاق التراث المصرى أن يُلدغوا مرتين، ويفقدوا كنز عصمت النمر كما فقدوا كنز عبدالعزيز عنانى.

ولا أعرف لمن أتوجه بالنداء لإنقاذ «تركة» عصمت النمر الموسيقية.. هل لوزيرة الثقافة وهيئات الوزارة المعنية بالثقافة مثل دار الأوبرا والمركز القومى للمسرح والموسيقى؟.. هل أتوجه إلى مكتبة الإسكندرية ومسئوليها؟.. هل أتوجه إلى العارفين بقيمة تركة عصمت النمر من أصدقائه «القادرين» مثل د. محمد أبوالغار؟

لا أملك إلا الصراخ فى البرية.. عسى أن يصل الصوت إلى من يهمه أمر أكبر مكتبة للتراث الموسيقى المصرى.

كان لى حظ الاقتراب من د. عصمت النمر كثيرًا فى آخر عامين من حياته، ورغم ظروفه الصحية فإنه كان حريصًا على أن يمد لى يد العون فى كتابى عن الشاعر أحمد فؤاد نجم، والذى صدر فى معرض القاهرة للكتاب الأخير.

وأجريت مع عصمت النمر حوارًا مطولًا كان بمثابة شهادته الأخيرة على تجربته مع الشيخ إمام ونجم.. وأتصور أن تلك الشهادة جديرة بالنشر لما تحويه من حكايات ومعلومات كان الرجل يبوح بها لأول مرة.

فى كل جلسة أو حوار عن سيرة الثنائى نجم وإمام ستسمع- غالبًا- اسم د. عصمت النمر طرفًا فى حكاية، أو شاهدًا على واقعة، أو حاضرًا فى حدث، المهم هو هناك دائمًا، شريكًا وصديقًا وراويًا ومتداخلًا. عاش يتمتع بحالة من القرب الحقيقى والمنزّه بين طرفى أخطر تجربة فى الأغنية الثورية، حتى فى أشد لحظات الخلاف بين نجم وإمام ظل محتفظًا بهذا القرب الإنسانى منهما، يحظى بمكانة خاصة عندهما، وكأنه ضمير التجربة النقى الذى حرصت كل الأطراف عليه، تستأنس برأيه وقربه وتثق فى تقديره ومحبته وإخلاصه.

20 ألف ملف لا تقدر بثمن تضم أندر الأغانى والقراءات القرآنية بأصوات

وفى كل جلسة أو سهرة لعشاق التراث الغنائى، ودراويشه، وجامعيه، ستسمع- غالبًا- اسم د. عصمت النمر، باعتباره واحدًا من أكبر حراس هذا التراث والعارفين به والمحافظين عليه، وصاحب واحدة من أكبر وأهم وأخطر المكتبات الغنائية التراثية، يكفى أن نقول إنها تضم أكثر من عشرين ألف ملف، وبذل صاحبها من عمره وماله الكثير لكى يجمع هذا الكنز النادر الذى لا يقدّر بثمن، ويمكنك أن تجد فيه أندر وأهم الطقاطيق والموشحات والأغانى والقراءات القرآنية بأصوات أكابر المطربين والمقرئين خلال النصف الأول من القرن العشرين، وهى الفترة الأهم والأزهى فى مدرسة الطرب ومدرسة القرآن فى مصر.

أكابر المطربين والمقرئين فى النصف الأول من القرن العشرين

وفى كل مرة تطالع فيها الكتابات والأبحاث النقدية الجادة فى تراثنا الفنى ستتوقف- غالبًا- عند كتابات د. عصمت النمر، بكل ما فيها من معلومات علمية موثقة، وحكايات مشوقة، ولغة سرد جذابة تجعلك تلهث بين سطور المقال، لكى تعرف وتستمتع وتستنير.

المدهش أنه بعد كل هذا الانتماء إلى عالم الثقافة والإبداع والتراث سوف تكتشف أن عصمت النمر هو واحد من ألمع الجراحين فى مصر، ومتخرج فى كلية الطب بجامعة الأزهر، ووصل إلى درجة رئيس أقسام الجراحة بمستشفى الزقازيق.. والأكثر إدهاشًا أنه صنع كل هذا المجد وهو يقضى أغلب وقته خارج القاهرة بعيدًا عن عاصمة الشهرة والأضواء، مقيمًا أغلب وقته فى مسقط رأسه بالزقازيق!

أردت من كل ما سبق أن أنبهك إلى أهمية وتفرد هذه الشهادة، فعندما يتحدث د. عصمت النمر عن أحمد فؤاد نجم، فإنه يتكلم من مقام العارف بالرجل والتجربة والإنسان، ومن مقام الناقد المُلمّ بتراثنا الفنى وبما يملكه من مقدرة على التحليل والتدقيق والرصد والكشف، ومن مقام المبدع استنادًا إلى تجربته كشاعر كتب وأبدع وغنى له الشيخ إمام قصيدة «أقبلى يا نشوة المشتاق».

د. عصمت النمر يحكى عن الفاجومى: 

عرفت الشيخ إمام أولًا، عرّفنى به صديق تعودت على المذاكرة معه، وقتها- أوائل العام ١٩٧٤- كنت طالبًا فى السنة الأولى بكلية الطب/ جامعة الأزهر، وجاءنى هذا الصديق ذات مرة ومعه شريط كاسيت، وقال لى بحماس: عايز أسمّعك حاجة، وانطلق صوت الشيخ إمام من جهاز الكاسيت، جذبنى الصوت والأداء وتوقفت عند الكلمات التى يغنيها، كانت جديدة فى ألفاظها ومعانيها ومختلفة عما اعتادته أذنى وقتها من أغانٍ.. وقال لى صديقى بفخر: ده اسمه الشيخ إمام!

كانت ألحان الشيخ قريبة من مدرسة الشيخ سيد مكاوى، وألحان مشايخ الطرب لها روح خاصة ومذاق مميز، ووجدتنى أعود بالذاكرة لسنوات قبلها، كنت تلميذًا لم أزل فى قريتى بمحافظة الشرقية، وكان الراديو يذيع فى رمضان برنامجًا يقدمه الناقد المعروف رجاء النقاش، ويستضيف فيه يوميًا هذا الملحن نفسه، بأغانيه المميزة لحنًا وكلامًا وحماسًا.. مرت السنوات وإذا بالشيخ إمام يقتحم حياتى من جديد، ومن شريط الكاسيت الخاص بصديقى إذ بى أجد نفسى صديقًا للشيخ ذاته.. ومن المقربين.

فبعد نحو أسبوع من حادثة الشريط، أخبرنى صديقى المتيم بأغانيه بأن الشيخ وتوأمه الشاعر أحمد فؤاد نجم سيحييان حفلًا فى كلية الآداب جامعة القاهرة، تنظمه واحدة من الأسر الجامعية تضامنًا مع نضال الشعب الفلسطينى. رحبت بلا تردد بالدعوة، وذهبت وأنا أكاد أطير من الفرح لأننى سأرى إمام ونجم، وفوجئت بزحام هائل، ربما عشرة آلاف طالب يجلسون فوق بعضهم فى مدرج لا يتسع سوى لألفى طالب. المفاجأة الأهم بالنسبة لى أننى وجدت كل الطلبة الحاضرين يحفظون أغانى الشيخ ويرددونها معه فى حماس، وأغانى الشيخ وألحانه فيها تلك الميزة الساحرة، أنك تستطيع أن تحفظها بسهولة وبمجرد سماعها.

شعرت يومها بأننى فى استاد القاهرة من شدة الهدير، آلاف الطلاب يغنون فى صوت واحد، ولم يكن التفاعل بصوتهم المدوّى فقط، بل كانوا يضربون أرض المدرج الخشبية بأرجلهم الفتيّة من فرط حماسهم وتفاعلهم، وفى إيقاع عجيب وكأنهم كورال الشيخ وبطانته.

عقب الحفل بذلت جهدًا جبارًا وسط هذا الطوفان البشرى لكى أصل إلى الشيخ على المسرح، ولما وصلت إليه وجدته بمفرده، لا نجم ولا محمد على «عازف الإيقاع»، اقتربت من الشيخ بحذر وسلمت عليه وعرّفته بنفسى، وبعد دقائق كان يتأبط ذراعى بعد أن طلب منى توصيله إلى حوش قدم!

مشينا من جامعة القاهرة، وعند بيت السادات المطل على النيل بجوار شيراتون القاهرة شعرت بالتعب ولم تعد قدماى تحملانى، وقدّرت أننى لن أستطيع مجاراة الشيخ فى رغبته المجنونة بأن نقطع المسافة من جامعة القاهرة إلى الغورية مشيًا، والشيخ- كما تأكد لى- من عشاق المشى ولا يتعب منه أبدًا ولا يمل من هوايته المفضلة. حاول الشيخ يومها أن يقنعنى بمواصلة المسير والمسيرة ولكنى أقنعته فى النهاية بأن نستقل «تاكسى» إلى أقرب مكان من الغورية وندخلها مشيًا.

منذ ذلك اليوم بدأت علاقتى بالشيخ إمام ونجم، وكنت أزورهما بشكل شبه يومى فى البيت الذى يسكنانه، وهو البيت القديم الذى كان يجاور «الأنتيكة» أو بيت جمال الدين الدهبى، شهبندر التجار فى عصر المماليك، وتهدم فى زلزال عام ١٩٩٢، وفى هذا البيت المتواضع جدًا عاش الشيخ سنوات طويلة، وفى حجرة على السطح شديدة الضيق بالغة التواضع، تتحول فى الصيف إلى نار موقدة، وفى الشتاء إلى «ديب فريزر»، والأدهى أنه لم يكن بها حمّام، فكان الشيخ ينزل ليستخدم الحمام الموجود فى حجرة محمد على، وعندما تتوتر العلاقة بينه وبين الشيخ كان يحرمه من استخدام الحمام ويضطره للنزول إلى حمامات الجامع.. وكثيرًا ما كنت أشعر بالشفقة على الشيخ واستغرب من تلك الخشونة غير المبررة فى التعامل مع فنان نحيل كفيف مثله.

وكان نجم وقتها يشارك محمد على الإقامة فى حجرته، وأحيانًا كانا يصطدمان، فيحاول صاحب الغرفة معاقبة نجم بنفس الطريقة، لكن نجم كان يأخذ حقه «بدراعه» ولا يبلع لسانه، على عكس الشيخ الذى يعتصم بالصمت.

أصبحت من مريدى نجم وإمام، خاصة بحكم قربى من الغورية، فكلية الطب بجامعة الأزهر التى أدرس فيه ليست ببعيد، ومكان سكنى القريب من ميدان الجيش غير بعيد، وكنت أجد طُرقًا مختصرة تمكننى من الوصول مشيًا، وأحيانًا كان الشيخ إمام ينتظرنى فى مكان متفق عليه لنمارس رياضته المفضلة.. المشى.

توطدت صداقتى بنجم خلال تلك الفترة، وكان يجهز فيها عش الزوجية مع المطربة الرائعة عزة بلبع، حيث استطاع أن يحصل على غرفة مناسبة، أظن أنه أخذها من صديقه سيد عبداللاه، وبذل جهدًا فى توضيبها وفى فرشها، واشترى كنبة وسريرًا وبوتجازًا ومكتبة، وكراسى عمولة من تلك التى كان يصنعها الأسطى «عم على» من القش.

لم تنقطع سهراتنا، وأصبح «حوش قدم» هو قِبلة المثقفين وقتها، كل الناس عايزة تتعرف على ظاهرة نجم وإمام، وفى ليلة كنا سهرانين عند الشيخ فى حضور يوسف شاهين وعلى بدرخان والممثل على الشريف وعدد من المثقفين الأجانب، وعند حوالى الساعة الرابعة فجرًا استأذنت فى الانصراف، وما هى إلا دقائق حتى كانت «كبسة» من البوليس، وقبضوا على نجم وإمام وعدد من الضيوف، وجرى «تلفيق» قضية مخدرات لهم برّأتهم منها المحكمة. 

وكان «نجم» من بين المعتقلين فيما عرف بأحداث ١٧ و١٨ يناير ١٩٧٧، وكنت أنا وعزة زوجته نزوره فى سجن أبوزعبل، وأعطانى «نجم» مجموعة قصائد كتبها فى الزنزانة على ورق بفرة، وهو الورق المخصص للفّ السجائر، وقال لى: حفّظ الشيخ هذه النصوص، وكان منها قصيدة «رسالة رقم واحد١» وقصيدة «العنبرة» وقصيدة «بحبك بحبك بحبك يا مصر». 

كنت شاهدًا على ميلاد بعض أغانى نجم وإمام، ربما كان أولاها لها قصة طريفة. فى عصر يوم حار كنت رايح للشيخ كعادتى لكى نمارس هواية المشى، وحين دخولى إلى الحارة لاحظت حالة غير معتادة من الوجوم على الوجوه، وعرفت من عم حسين القهوجى أن البوليس قبض على نجم فجر اليوم، توجهت لبيت مولانا، كان حالته صعبة، فحاولت إخراجه منها، قلت له: يالّا يا مولانا نتمشى.. وبعدين اللى يحب مصر يا ما يشوف. وأثناء سيرنا أخبرنى بأنه يحمل فى جيبه كلمات قصيدة جديدة لنجم كان مفروضًا أن يُحفّظها له أمس. قلت: ولا يهمك هات القصيدة، وكانت قصيدة «موال الفول واللحمة». بدأت أُحفّظ الشيخ الكلام وهو عمّال يكلّم نفسه، واكتشفت أنها طريقته فى التلحين، يلحن الكلام فى دماغه أولًا، وسرقنا الوقت لغاية مالقينا نفسنا فى المقطم. رجعنا لـ«حوش قدم» ومسك الشيخ العود، والشيخ عندما كان يمسك العود كان يتحول لشخص آخر؛ يزُم شفتيه وتجد ملامح وجهه أصبحت حادة التقاطيع، وكان من عادته المزمنة أنه يستغرق وقتًا طويلًا فى ضبط أوتار العود ودوزنته لدرجة مملة، والشيخ يتعامل مع العود باحترام كبير جدًا وبحب هائل وكأنه يحمل ابنه، وبعد أن اطمأن إلى ضبط أوتاره بدأ فى تلحين «موال الفول واللحمة».

ولأننى أعرف قيمة التجربة وأهميتها ودورها، ولأننى عشت أتعامل مع نجم وإمام على أنهما كيان واحد، لذلك كنت من أشد الناس حزنًا على الخلاف الذى حدث بينهما ووصل إلى حد القطيعة والتلاسن، ولا أحب الخوض فى تفاصيل هذا الخلاف وأسبابه، بل لا أحب سيرته أو سماع «فتاوى» الأصدقاء فيه وعنه، لكن الغالب أن سببه «الفلوس» التى بدأت تزداد بعد السماح للثنائى بالسفر خارج مصر والطلب المتزايد على حفلاتهما، وبدأ الخلاف فى رحلة الجزائر، وإصرار نجم على تغيير النسب المتفق عليها سابقًا فى توزيع الإيراد، وتضاعف الخلاف بزواج نجم من الممثلة الجزائرية «سونيا» وانشغاله عن الحفلات، والأدهى تلك التصريحات الصحفية التى نسبت له وأغضبت الشيخ من نوعية: نجم تزوج سونيا وطلّق الشيخ إمام!

والشهادة لله، إن نجم رغم طيبته وبساطته يكون عصبيًا ومندفعًا فى خلافاته وخصوماته، ويذهب فيها إلى حالة شديدة من التطرف، وهو تطرف فى الخصومة والمحبة على السواء، فإذا أحبك فأنت عنده ملاكًا، وإذا اختلف معك لا يتورع عن وصفك ورميك بما لا يخطر على بالك من اتهامات ونقائص، وأشهرها العمالة للأجهزة الأمنية.. وهو ما يلخصه فى عبارة: ده مخبر!

وأتصور أنه عاد إلى عقله ورشده فى خلافه مع الشيخ إمام فى سنواته الأخيرة، وبدأ يتكلم عنه بشكل مُنصف، ويرد إليه حقه فى التجربة والموهبة. وهو ما تكرر فى خلاف عارم آخر مع الأبنودى، فبعد أن قال فيه ما قال، فإنه عاد وأنصف الأبنودى كشاعر كبير الموهبة، ولا أخفى سرًا أن مجموعة من أصدقاء نجم والأبنودى كانوا على وشك أن يجمعا بينهما فى قعدة صُلح تاريخية، لكن جاء مرض الأبنودى وأزمته الصحية ثم رحيله لتوقف مبادرة الصُلح.. وسبق أن قام هؤلاء الأصدقاء بالصُلح بين نجم وسيد حجاب بعد أن وصل الخلاف بينهما إلى المحاكم، وأنهوا الخصومة التى لا تليق برمزين كبيرين، وتعانق نجم وسيد حجاب فى دار«ميريت»، لينهيا فيها هذا الخصام الطويل. 

لا يمكنك أن تتنبأ بردود أفعال نجم ولا تتوقعها، وغالبًا تكون عجيبة ولا تخطر لك على بال، ولا علاقة لها بالمنطق أو حسابات العقل. أذكر مرة- غالبًا فى العام ١٩٨٢- أن «كوستا جافراس» مخرج الفيلم الشهير «حنا. ك»، الذى تضمن أغنية من كلمات ولحن الشيخ إمام «إذا الشمس غرقت فى بحر الغمام»، جاء ليزوره فى «حوش قدم»، وكان هو الفيلم العالمى الأول من نوعه الذى ينتصر للقضية الفلسطينية، وقعدنا فى حجرة نجم التى فاضت عن آخرها بالزوار الأجانب، و«جافراس» المخرج اليونانى الأصل كان شخصية عالمية، وحاصل على الأوسكار، وصاحب التحفة العالمية «z»، التى قامت ببطولتها النجمة العالمية إيرين باباس، وفى وسط هذه الزيارة التاريخية لاحظت أن نجم يتسحب للخروج، سألته: رايح فين يا أبو النجوم؟، رد ببساطة: رايح أشترى حاجة من تحت وجاى على طول، وتصورت أنه نازل يشترى علبة سجائر، لكن غيابه طال كثيرًا، فنزلت أبحث عنه، وفوجئت أنه قاعد على القهوة يلعب الطاولة مع أحمد الدجوى، وغاظنى المنظر والموقف، واتجهت إليه بغضب وصحت فيه: يعنى الناس جايين لك من أوروبا علشان يسمعوك ويحطوا شغلك فى فيلم عالمى وإنت سايبهم وقاعد تلعب طاولة، وأغلقت الطاولة بحدة، وصاح فىّ معاتبًا وكأننى أنا الغلطان: يا حيوان!

أمتع حاجة بالنسبة لنجم أن يعيش وسط ناس يحبهم ويحبونه، لا يهم المكان طالما وجد هذا الونس الإنسانى، لقد ذهب فى زيارة لسوريا كان مقدرًا لها أسبوعين على الأكثر، فإذا به يقيم فى سوريا لخمس سنوات، ويصبح له فيها أصدقاء ومحبون وكأنه من مواليد دمشق.. فى أى مكان تضعه فيه فإنه قادر على التأقلم والتكيف ويجعل منه «حوش قدم» جديدًا، وحتى «حوش قدم»، الذى عاش فيه أغلب حياته وارتبط به وصار عنوانًا له، عندما غادره مضطرًا بعد تهدم بيته مع زلزال ١٩٩٢، فإنه ببساطة وبسرعة مذهلة حوّل مكانه الجديد فى المقطم إلى عزوة وحوش قدم جديد وارتبط بناسه وكأنه منهم.

وربما هذه القدرة الاستثنائية على التأقلم والتكيف والذوبان وسط الناس هى التى سهلت له تجربة هروبه المثيرة من البوليس لنحو ثلاث سنوات، وكان مطلوبًا لتنفيذ حكم بالحبس فى قضية هندسة عين شمس.. ولأننى كنت شاهدًا على قصة الهروب وطرفًا فيها فإننى أتوقف عند تفاصيلها..

فى أواخر السبعينيات أقامت هندسة عين شمس حفلًا للشيخ إمام ونجم، وكان من بين حضوره صلاح عيسى وعزة بلبع، وكان المدرج ممتلئًا عن آخره، وغنى الشيخ وأبدع كعادته، وتكلم صلاح عيسى، وألقى أبوالنجوم قصيدة «هنا شقلبان» التى كانت مفاجأة للطبة والحاضرين، وكان الأمن متربصًا للقبض على نجم وإمام، إلا أن الطلبة أخرجوهما بأمان، وفى فجر اليوم التالى تم القبض على نجم والشيخ وعزة، وتم تحويلهم إلى محكمة عسكرية فى سابقة تعد الأولى فى تاريخ الغناء والشعر، واستمرت المحاكمة شهورًا، وحُكم على نجم بسنة سجنًا فى مارس ١٩٧٨، فى حين برّأت المحكمة الشيخ إمام وعزة بلبع.

وقرر نجم الهروب على درب عبدالله النديم، وبعد مرور حوالى شهرين من هروبه جاءنى محمد على وقال لى: عاوزين نأمّن مكان لنجم، ولحظتها خطر ببالى الصديق والابن البار مصطفى المسلمانى، رحمه الله، وكان يمتلك عزبة فى قليوب بجوار قرية «كوم أشفين»، وبدون تفكير أخذتهما- نجم ومحمد على- إلى عزبة المسلمانى، التى ظل نجم هاربًا فيها لشهور ممتدة حمل خلالها اسم المهندس مجدى، وكان يأتى أحيانًا إلى شقتى بالعباسية ويقيم عندى أيامًا وأحيانًا لأسابيع ثم يعود من جديد إلى عزبة قليوب.. ثم استأجرنا له شقة فى قرية «منطاى» بجوار قليوب، وكان يتنقل ما بين قليوب وشقتى وشقة منطاى. 

وللعلم، فإن أجمل أعمال إمام ونجم ولدت أثناء فترة هروبه، مثل: صندوق الدنيا- مسرحية العقد- طهران- المسحراتى- مسافر مسافر، وأعمال أخرى، تم تلحينها فى شقتى بالعباسية وفى عزبة المسلمانى بقليوب، واكتشفت أثناء هذه التجربة أن نوم نجم خفيف، لا ينام أكثر من أربع ساعات، وأكلته كذلك، دون مبالغة لا تزيد على نصف رغيف سواء فى الفطار أو الغداء.. 

وتعرّف نجم فى فترة هروبه بفتاة فرنسية كانت تدرس بالجامعة الامريكية بالقاهرة، ولا أعرف ظروف تعرفه عليها ولا أين قابلها، المهم أنه أقام عندها حوالى شهر، وتم القبض عليه وعلى صديقته الفرنسية فى شقتها بالمهندسين، ومنها إلى السجن، حيث أكمل عامه فى سجن الاستئناف.

ولا يضاهى قدرته المدهشة على التأقلم مع الناس والأماكن سوى قدرته الفذة على الحفظ، كان يملك ذاكرة فوتوغرافية رهيبة، يعنى مثلًا كنا فى سهراتنا نقعد نقرأ كتاب «الأغانى» للأصفهانى، كل يوم نقرأ منه فصلًا، وبمجرد أن يقرأ نجم الصفحة تنطبع فى ذاكرته بنصها وموقعها فى الكتاب الموسوعى الضخم، وكذلك الحال مع ديوان المتنبى، بمجرد أن تسأله عن بيت تجده يُسمّع لك القصيدة كلها.

كذلك كانت ذاكرته تحتفظ بحكايات وتفاصيل قديمة بلا حصر، ويستطيع استعادتها بسهولة ودون عناء فى أى وقت، وفوجئت به مرة يحكى لى عن قريتى «شقلبان»، التى استخدم اسمها فى إحدى قصائده، وكان يعرفها بحكم أنها تجاور قريته «كفر أبونجم» بمحافظة الشرقية، وله فيها ذكريات وحواديت.

هذه الذاكرة الفوتوغرافية كان يتمتع بها الشيخ إمام كذلك، عنده ذاكرة حادة، وكان حافظًا لتراثنا الموسيقى، خاصة أغانى أستاذه الشيخ زكريا أحمد، ووعت ذاكرته ما حفظه عن الشيخ درويش الحريرى، وأشعر بندم شديد أننى لم أسجل له هذا التراث، وهو نفسه كان حريصًا على تسجيله، وكثيرًا ما كان يقول لنا معاتبًا ومحذرًا: تعالوا خدوا اللى جوايا قبل ما أموت!

كان حكّاء لا يشق له غبار.. إذا حضر فى مجلس فإنه يسيطر عليه وعلى آذان الحاضرين. إذا حضر نجم لازم تسكت وتتحول إلى مستمع، فهو لا يكف عن الكلام والحكايات، وله طريقته المحببة التى لا تجعلك تمل من سماعه لحظة.

وأعرف أنه مرة كان فى سوريا وجمعته سهرة بحضور يوسف إدريس، ويوسف مثله حكّاء من النوع المفتخر، ويحب مثله أن يسيطر على القعدة وأسماع الحاضرين ويكون هو «البرنجى»، ليلتها لم يستطع أى منهما أن يترك قيادة السهرة للآخر، فحدث بينهما تلاسن تطور إلى ما هو أبعد، وفى النهاية أخذا بعضهما بالحضن وتصالحا وتصافيا.

ونجم على قدر ما يُظهر أحيانًا من حدة واندفاع وعصبية، فإنه يحمل قلب طفل، ولا تتصور أبدًا أنه قريب الدمع بهذه الصورة، يعنى فجأة ممكن تلاقيه يبكى ودموعه على خده بلا سبب قد يبدو لك منطقيًا، مرة حدث هذا الأمر ولقيته «بيعيط» فجأة، سألته مستغربًا: مالك يا أبو النجوم؟، فأجابنى ببساطة وصدق: أصلى افتكرت نجيب سرور!

لا أبالغ عندما أصف نجم بأنه «ممسوس»، فيه شىء لله وخارق للعادة، وهى صفة وجدتها فى زياد رحبانى، وربما لهذا السبب كان نجم يعشقه ويعتبره بمثابة ابنه. هما- نجم وزياد- أكثر من ينطبق عليهما هذا الوصف.. الممسوس!

كنت أستغرب من أين يجىء نجم بهذا الشعر العامى البسيط البليغ، بل ومقالاته الصحفية التى يكتبها بنفس الطريقة وبنفس البلاغة، سألته مرة عن سر هذا السحر، فقال لى: اكتب يا عصمت زى ما بتتكلم واظبط الجملة حسب السياق، وقعد يشرح لى متى- مثلًا- تكتب تعبير «على الماشى» بالفصحى ومتى تستخدم التعبير العامى «ع الماشى»!

لكن السؤال الأهم الذى ندمت على أننى لم أسأله لنجم رغم صداقتنا الطويلة: أين شِعرك قبل دواوينك الأولى عن الكرة و«صور من الحياة والسجن»؟، وأين أغانيك قبل لقائك بالشيخ إمام؟، لا يمكن أن شاعرًا بموهبة نجم الفذة يكون قد بدأ الكتابة وهو فى الأربعين من عمره، وتفجّر الشعر منه فجأة وبهذا المستوى!.. لقد كنا نكتشف له قصائد بالصدفة، ونستغرب أنه لم يُضفها لدواوينه، ونجم من النوع الذى لا يهتم بجمع شعره وتصنيفه ونشره، الموضوع «مش فى دماغه»، هو يعتبر أن دوره انتهى بمجرد أن كتب القصيدة، يعنى أنا مرة اكتشفت بالصدفة أغنية من ألحان حلمى أمين كتبها نجم، وأرسلتها إلى «نوارة» وعرفت منها أنها هى الأخرى سمعت عن الغنوة بالصدفة من أقارب لحلمى أمين.

المؤكد عندى أن نجم كتب شعرًا فى فترة مبكرة من حياته وقبل دخوله السجن لأول مرة فى قضية التزوير التى خرج منها بديوان «صور من الحياة والسجن» الغريب أنه كان حافظًا لكل كلمة كتبها، لكن هو نفسه لا يكلمك عن قصيدة إلا إذا ذكّرته بها، ولذلك فإن هناك تراثًا ذا شأن لنجم لم يُجمع حتى الآن، وهو ما يحتاج إلى جهد خاص فى تتبعه ورصده، يعنى أنا مثلًا عرفت أن مكوجيًا فى شارع فاروق بالزقازيق اسمه «أبوعفارة»، عمل معه نجم وهو صبى فى محله، وكان أبو عفارة شاعرًا، ما يعنى أنه عاصر بدايات نجم الشعرية، لكن من سوء الحظ أننى لما وصلت إلى عنوانه ومكانه.. مات!

وبمناسبة الكرة، كنت أشترى مرة الصحف والمجلات من «عم السيد» فى الزقازيق، وتصادف أن كان بين المطبوعات على «الفرشة» كتاب جديد لنجم، فلما رآنى مهتمًا به وأعرف صاحبه، قال لى بحماس: ده حبيبى، وأخذنى الفضول وسألته: وتعرف عم أحمد منين يا عم سيد؟، فراح يحكى لى عن ماتشات الكرة التى كانت تجمعهما فى ملعب السكة الحديد بالزقازيق، وقال لى بثقة: كان «حريف» والوحيد اللى ينافس سعد الأخرس، أشهر لاعب كرة شراب فى الزقازيق، ولما قابلت نجم قلت له مداعبًا: أيوه يا عم.. كنت بتلعب مع سعد الأخرس!، ولمعت عيونه وأطلق ضحكة طفولية وسألنى على طريقته: مين ابن الكلب اللى قالك؟!

وظل نجم محتفظًا بمهاراته كلاعب كرة حتى مع تقدمه فى السن، وكان حرافيش حوش قدم «وأشهرهم حمامة وسيد عبداللاه والنون» يستعينون به فى مبارياتهم، فيعطونه «كوتشى» على مقاسه من صناعة شركة «باتا»، ويخوض معهم مباريات الكرة الشراب «المصنوعة من الكلة»، وكنت أصادفه أحيانًا وهو عائد من تلك المباريات فيبادرنى بكلمته التى لا تتغير: كسّحتُهم.

كان يعيش اليوم بيومه ولا يحمل للدنيا همًا، يوم معه فلوس ويوم «مفلس»، فيسألنى ببساطة وبلا تكليف: معاك فلوس يا عصمت؟، فأعطيه ما تيسر، وساعات أكون مفلسًا فأسأله: معاك فلوس يا عم أحمد؟، فيُخرج كل ما فى جيبه ويعطيه لى بلا تفكير ولا يُبقى له شيئًا.

الفلوس هى آخر ما يشغله أو يفكر فيه، حصل أن المهندس نجيب ساويرس أهداه «موبايل» وقت أن كان التليفون المحمول فى بداياته وأسعاره فلكية، وبعد أقل من أسبوعين فشل فى التعامل معه، وكان يسخر منه: يعنى إيه الواحد يشيل «مخبر» فى جيبه علشان يتجسس عليه؟!، وحدث أن زاره صديق له وأبدى إعجابه بالموبايل، وبلا تردد أعطاه له كهدية وبلا مقابل وقال له ببساطة: مبروك عليك!

والمؤكد أن الذين اتهموا عم أحمد بأنه باع القضية عندما ارتضى صداقة رجل الأعمال نجيب ساويرس لا يعرفون «الفاجومى» ولا يدركون طبيعة شخصيته، أستطيع أن أقول بثقة كاملة إن نجم لو طلب من ساويرس لبن العصفور لأجاب، لكن الموضوع بالنسبة لنجم كان مختلفًا تمامًا، فقد اعتبر «نجيب» مجرد صديق جدع وابن بلد، أما مسألة الفلوس والمصلحة فهى أمور لا يجيدها ولا يصلح لها. فى زيارته لليبيا تقابل مع القذافى وسأله العقيد جادًا: «إيه اللى ممكن أقدمهولك يا أخ أحمد»، ضحك نجم وقال له: «تبعد عنى»، وأكمل نجم والقذافى حديثهما.

عصمت النمر وابنته

على يدى، كانت القنوات التليفزيونية تستغل كرمه وطيبته، فلا يرد أحدًا يطلبه ضيفًا فى برنامج، ويتحرج أن يطلب مقابلًا ماديًا، وكانت «أم زينب» كثيرًا ما تتشاجر معه بسبب هذا التساهل فى حقه، إلى أن رزقه الله بصديقه «ميشو»، فكان هو الذى تولى إدارة الاتفاقات المالية فى علاقته بالبرامج والإعلام، فاختلفت الأمور كثيرًا، أما عم أحمد نفسه فلم يكن يشغل باله ولا يهتم. أتصور أنه بدأ يهتم بعد قدوم ابنته زينب- رحمها الله- إلى الحياة، هى التى أعادت إليه شعوره بالأبوة، فقد وجد نفسه لأول مرة مسئولًا عن تربية طفلة تعيش معه تحت سقف واحد، هو المتكفل بنفقاتها ومعيشتها وحمايتها وتعليمها، ظنى أن زينب هى التى «حسسته» بالأبوة، قبل ذلك كانت الدنيا عنده سداح مداح، ولم يمارس تلك المسئولية فى تجربتيه السابقتين مع ابنتيه «عفاف» و«نوارة»، ولذلك عذرت «نوارة» فى قسوتها عليه فى كتابها عنه «وانت السبب يابا»، وظنى أنها قسوة المحب، بل هى فى حبها لوالدها- رغم كل شىء- تصل لحد العشق.

اختلف الأمر فى السنوات العشر الأخيرة من حياة نجم على الأقل، فأصبح أكثر اهتمامًا ببناته جميعًا، وعندما كان يفتح الله عليه وتهبط عليه الفلوس كان يرسل جزءًا لعفاف وجزءًا لنوارة، وكأنه يعتذر عمليًا عن سنوات من التقصير فى حقهما.. هذا الحنان الأبوى الغامر أتصور أن له دورًا فيما تفعله نوارة الآن من اهتمام ورعاية لأولاد أختيها الراحلتين عفاف وزينب.

كثيرة وعديدة هى الجوانب المدهشة فى حياة وشخصية نجم، أتوقف مثلًا عند علاقته بالقرآن الكريم، وكان يحفظ أجزاء منه ويجيد تلاوته بأحكامه، وكنا فى سهراتنا نطلب منه أن يقلّد لنا طريقة أداء الشيخ مصطفى إسماعيل، وكان من عشاق صوته ومدرسته، فيجلس على طريقة المشايخ ويقرأ لنا «رُبعًا» ينتزع به تصفيقنا وإعجابنا. وللعلم كان نجم يمتلك صوتًا مميزًا، وأذنًا موسيقية، ولا ينشز سواء فى التلاوة أو الغناء، وكنت أعتبره أقرب الأصوات إلى جورج وسوف.

كانت تأسرنى كذلك علاقته بالدراويش والمجاذيب، خاصة هؤلاء المنتشرين فى ساحة سيدنا الحسين، ونجم نفسه كان من مجاذيب مولانا وكبار محبيه ولا ينقطع عن زيارة مقامه. كنت أستغرب أنه بمجرد ظهوره هناك فإن مجاذيب الحسين يتقاطرون لتحيته والسلام عليه، وكان يعرفهم بالاسم، ويعطيهم كل ما فى جيبه.

وفى «حوش قدم» كان هناك مجذوب اسمه «كركور»، شاب قليل العقل رثّ الثياب والمنظر، و«الريالة» لا تفارق وجهه، ورغم ذلك كان نجم يقابله بالحضن ويُقبله بحنان ويعامله برفق، ويقول لنا: ده بركة حوش قدم.

ولذلك أتصور أن نجم كان فيه شىء لله، وهو ما تجلى عندما انفتحت أبواب مسجد سيدنا الحسين للصلاة على جثمانه، وبدا أن هناك معجزة إلهية فى المشهد، لأن المسجد كان مغلقًا ولا يسمح أصلًا باستقبال الجنازات. وخروج جثمانه من المشهد الحسينى كانت من آخر أمنيات حياته، رغم أنهم صلوا عليه صلاة الجنازة فى المقطم، ولكن الله أراد أن يحقق له أمنيته الأخيرة بالصلاة عليه فى المسجد الذى عشق مقام صاحبه.. وعشق مجاذيبه.