الوصايا العشر لخالد محمد خالد..
حوار وثيقة يُنشر لأول مرة فى مصر.. المنسى قنديل يحاور صاحب «من هنا نبدأ»
- طلب صلاح سالم اعتقالى ومصادرة كتابى.. وحمانى عبدالناصر
- اخترت الطريق الصعب ودفعت الثمن راضيًا
- كتاب «قصة الحضارة» لويل ديورانت أثّر فى شخصيتى تأثيرًا كبيرًا
للأستاذ خالد محمد خالد عشاق بكل معانى العشق، يعرفون قدر الرجل كاتبًا ومفكرًا ومصلحًا وفيلسوفًا، يحفظون كتبه ومواقفه وسيرته، ولا يملّون من قراءته والتغنى بأسلوبه الرشيق البديع المتفرد فى رصانته وبلاغته وموسيقاه وجرسه القرآنى ونحت مفرداته، فكأنك فى عزف منفرد شجى من متعة الفكر وروعة الكلمة.
وعشاق الأستاذ خالد خليط من كل الأطياف والمشارب، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، من قمة هرم السلطة إلى بسطاء الناس، رؤساء ومواطنين، عتاة اليساريين وعتاة الإسلاميين، كلهم اجتمعوا على محبته وتقديره، فلا تندهش عندما تقرأ مقالًا عنه بقلم يوسف إدريس وهو يخاطبه بلقب الأستاذ العظيم، أو قصيدة محبة بقلم فاروق جويدة يخلع عليها فيها لقب أشهر رسل الحرية والمدافعين عنها.
والحق أنها محبة صادقة مستحقة، حازها الرجل بسيرة نقية ومواقف حقيقية وتجربة ثرية أخلص فيها لأفكاره ومواقفه وضميره وقلمه، وانحاز خلالها لكل نبيل وجليل فى الفكر الإسلامى والإنسانى.

رغم دراسته الطويلة فى الأزهر وتخرجه فى كلية الشريعة عام ١٩٤٥، إلا أنه امتلك فكرًا مستنيرًا ورؤية عصرية للإسلام تراه دينًا متطورًا مستوعبًا أسس الحضارة الحديثة؛ بما فيها الديمقراطية والحرية السياسية والعلوم المدنية.. وظل الأستاذ خالد مخلصًا فى منافحته عن الديمقراطية حتى فى عز سطوة الفكر الناصرى الشمولى، بل دخل فى مناظرة شهيرة مثيرة مع الرئيس عبدالناصر نفسه فى اجتماع اللجنة التحضيرية للميثاق «١٩٦١»، وارتفع صوته معترضًا على الإجراءات التعسفية ضد من أسمتهم الثورة ببقايا الاقطاع، وطالب بمعاملتهم بالعدل لا العزل، وهو موقف كان يمكن أن يكلفه مستقبله وحريته.. بل حياته، لكنه لم يتراجع ولم يخفض صوته.
وأعتبر نفسى واحدًا من عشاق الأستاذ خالد، سحرتنى كتبه وأفكاره وأسلوبه، وأخصص لها فى مكتبتى ركنًا منفردًا مميزًا يليق بقيمتها ومكانة صاحبها.. وأعود كثيرًا لسيرته الفذة «قصتى مع الحياة» أستعيد عذوبة أسلوبها وروعة حكاياتها وصدق كاتبها وجرأة اعترافاتها، وذلك الآلق الذى يشع من صفحاتها.

ولذلك كانت سعادتى غامرة بهذا الاكتشاف الجديد الذى يخص الأستاذ خالد ويضيف إلى سيرته ولو صفحة. إنه حوار عمره ٢٧ سنة، لا أظن أن أحدًا قرأه فى مصر، لأن الجريدة التى نشرته تأسست فى العام نفسه «١٩٧٩» فى قطر ولم تكن أعدادها تصل إلى القارئ المصرى ولم يسمع عنها حينها.
ويضاعف من سعادة الاكتشاف أن محاور الأستاذ خالد فى هذا الحوار الاكتشاف هو الكاتب والروائى الكبير د. محمد المنسى قنديل، وهو أمر قد يبدو غريبًا ومدهشًا لكثيرين ممن يعرفون المنسى روائيًا مقتدرًا صاحب تاريخ ورصيد ومكانة وتجربة تجعل منه واحدًا من أعظم الروائيين المصريين المعاصرين.
ولذلك تحتاج ملابسات الحوار إلى توضيح حتى نستوعب الأسباب التى دفعت أديبًا مثل المنسى ليجلس أمام مفكر إسلامى مثل خالد محمد خالد ليحاوره فى الدين.
فى ذلك العام جرى تكليف الناقد المصرى المرموق رجاء النقاش بتأسيس أول جريدة قطرية وهى جريدة «الراية»، ولم يكن السفر إلى الخليج فى دماغ النقاش ولا خططه، بل دُفع إليه دفعًا، بعد أن وصلت العلاقة بين المثقفين ونظام السادات إلى طريق مسدود، كان السفر إلى الخليج حلًا لبعضهم، لأن البقاء كان له تبعاته وثمنه الفادح.
وقبل سفره اختار النقاش بعض الأسماء التى يثق فيها لترافقه فى الرحلة والتجربة، كان منهم المخرج عبداللطيف زكى والفنان مجدى نجيب والمحرر الشاب عاطف مصطفى والأديب الشاب محمد المنسى قنديل والكاتبة الشابة رواية راشد والشاعر حسن توفيق، وغيرهم.
وكانت تجربة الراية القصيرة هى بروفة عملية لتجربة رجاء النقاش الأشهر فى قطر رئيسًا لتحرير مجلة «الدوحة».
وعلى صفحات «الراية» عمل المنسى قنديل محررًا بالقسم الثقافى للجريدة، وأجرى عشرات الحوارات والتحقيقات المميزة، بان فيها عمقه وموهبته وأسلوبه وشخصيته، وهى حوارات ربما سقطت من ذاكرة المنسى ولكنها تظل بصمة خاصة مبكرة تشى بأن صاحب هذا القلم منذور لدور أكبر ومهمة أخطر، ما تجلى فى أعمال فذة مثل «قمر على سمرقند» و«يوم غائم فى البر الغربى» و«كتيبة سوداء».
وتتبقى ملاحظات سريعة:
* أغلب الظن أن رجاء النقاش كان صاحب فكرة هذا الحوار، فبحكم معرفتى به وقربى منه كان متيمًا بكتب وكتابات الأستاذ خالد، وهو صاحب الوصف البليغ له: موسيقار الأفكار، وكان عنوان مقال له كتبه عنه فى الأهرام.
* يجىء نشر هذا الحوار الاكتشاف متزامنًا مع الذكرى الثلاثين لرحيل صاحب «رجال حول الرسول» فقد غادرنا الأستاذ خالد فى ٢٩ فبراير ١٩٩٦ وهى مناسبة كانت تستحق اهتمامًا مختلفًا يليق بواحد من أعظم العقول المستنيرة فى حياتنا الثقافية والسياسية والروحية.
* تتضاعف أهمية الحوار عندما نعرف أنه جاء بعد ١٥ عامًا التزم فيها خالد محمد خالد الصمت والعزلة.. ثم إنه لم يكن حوارًا عاديًا بل قراءة مدققة وعميقة وواعية فى فكر خالد محمد خالد ورؤيته للدين والحياة بعيون ووعى المنسى قنديل.
وإلى نص الحوار الاكتشاف الذى اختار له المنسى قنديل هذا العنوان الأدبى اللافت: «حين تكون لك كلمة.. واجه العالم بكلمتك».

«هذه وصايا خالد محمد خالد.. وهى ليست كلماته الأخيرة.. ولكن فيها كل الأفكار التى عاش حياته يدافع عنها. إنه يعيش الآن فى صمت أشبه بصمت الزهاد وعزلتهم. منذ عام ١٩٦٥ لم يكتب حرفًا واحدًا جديدًا، ولكن بعض مؤلفاته ما زالت تعاد طباعتها ربما للمرة العشرين.. ويتلقف آلاف القراء فى العالم العربى والإسلامى أفكاره بنفس الحماس الذى استقبلها أول مرة.
لقد حارب طويلًا أمراض عصرنا. وقف ضد الظلم الاجتماعى والقهر الفردى والديكتاتورية المطلقة والكهانة.. لقد حاول جاهدًا أن يجعل من عالمنا شيئًا جميلً يستحق أن يعاش.. لكن الاكتئاب والتحصن خلف العزلة، ولعله نوع خفى من الاحباط والهزيمة المجهولة، جعلته يصمت ويكتفى بالمراقبة بعد أن كان فى مقدمة الصفوف.
أول كتاب صدر له «من هنا نبدأ» منذ نحو ثمانية وعشرين عامًا، لكن الأفكار والمشاكل التى ناقشها من خلاله ما زالت كما هى تقريبًا.. هل ذلك لأن أفكار الرجل تصلح لكل مكان وزمان؟.. أم لأن مشاكلنا مستعصية ومستحيلة الحل.. أم أن الأمر مزيج من هذا أو ذاك؟
فى البداية أكد لى خالد محمد خالد أنه لن يتكلم، ولكنه أخذ يلين ببطء ويتحدث عن بداياته البعيدة وكيف ترسبت فى داخله كراهيته للظلم الاجتماعى وحبه غير المحدود لفكرتى العدالة والحرية..

كان الظلم قريبًا منى
قرية صغيرة اسمها «العدوة» فى محافظة الشرقية. لا أذكر أننى رأيتها أبدًا على أى خريطة.. هناك حيث الترعة والبرارى والبلهارسيا كانت نشأتى. لم يكن أبى فلاحًا عاديًا مستكينًا. لم يكن كمعظم الفلاحين المصريين منذ آلاف السنين. لم أره يومًا راضيًا خاضعًا. كان شديد الحساسية للمظالم اليومية التى تمارس ضده وضد أهل بلدته. ولقد انتقلت غلىّ عدوى هذا الأحساس. كنا نعيش فى «تفتيش» واسع يضم خمس قرى مجتمعة تملكها أميرتان تعيشان فى تركيا. لم نرهما أبدًا. ولكن أعوانهما كانوا منتشرين فى التفتيش يصنعون المهانة مع كل خطوة.

يكفى كعقاب أن يمنعوا خروج أى أسرة بمواشيها إلى المرعى حتى تموت المواشى جوعًا. وأحيانًا يهاجمون البيوت ويستولون على المواشى بأبخس الأسعار. لقد تحدثت فى كتابى «من هنا نبدأ» عن صكوك الموت، وهى الإيجارات الزراعية التى كانت تبرم كل كل يوم بين المالكين والمستأجرين لتحمل بين سطورها أشنع مأساة. وهى صكوك موت حقيقية.. يوقعها الفلاح وهو صاغر ذليل ويتركها على بياض، ثم يضع المالك الثمن الذى يريده، وعادة ما يكون الثمن فادحا يهلك الفلاح قبل أن يعوضه.
لقد تولد من كل هذه المهانات إحساس بالظلم الاجتماعي. كان الظلم أقرب إلىّ من حبل الوريد. لم أستطع نسيانه عندما تركت القرية وانتقلت إلى المعهد الأزهرى. وفى المدينة عرفت أسباب الظلم الأخرى: القصر والإنجليز.. لقد فرضت القضية نفسها على وجدانى منذ البداية. عندما تخرجت فى الأزهر وانتظمت فى سلك التدريس وبدأت قراءاتى الإنسانية قرأت «قصة الحضارة» تاليف ويل ديورانت، وأثر فى هذا الكتاب تأثيرًا كبيرًا. لقد رأيت البشرية فى مختلف الأزمان. صراع متكرر ودائم لا يهدأ ويجب أن يكون هناك من يقول «لا» فى الوقت المناسب لأن هناك من يقولون «نعم».. يقولونها بمناسبة وبغير مناسبة.
وقرأت فى الفلسفات المختلفة، ولكن لم أسجن نفسى فى قوقعتها. كنت أنشد الحرية والمعرفة.. وما زلت أقول حتى هذه اللحظة كما قلت لجمال عبدالناصر فى اللجنة التحضيرية: امض مع الحرية وأنت مغمض العينين!

القنبلة الأولى
كانت مصر تعيش حالة أشبه بالمخاض. تتهيأ لوضع جديد وحياة جديدة. أصوات الجياع فى القرى والكادحين فى المدن. والحكومات المتعاونة مع الاستعمار تضرب بلا هوادة.. ثم ارتفعت أصوات تشارك فى حملة الكبت، تتحدث عن مزايا الفقر وزهد النفس والنعيم الأبدى الذى لم يأت أوانه بعد. لقد سلبوا من الإيمان قوته الإيجابية وحولوه غلى مخدر يومى.
وهكذا أمسك خالد قلمه ليكتب ضد كل هذه الأشياء. ودفع بأصول كتابه الأول «بلاد من؟» إلى مطبعة النيل وحولته المطبعة إلى وزارة الداخلية، وأصدر وكيل المطبوعات أمره بمصادرة الكتاب.
وظل الحال هكذا حتى تغيرت وزارة إبراهيم عبدالهادى بعد سبعة أشهر، وجاءت وزارة «حسين سرى». والتمس المؤلف من الرقابة إعادة النظر.. وتغير الكتاب إلى.. من هنا نبدأ.. وكان كالقنبلة الموقوتة. فور أن صدر ثارت الدنيا ولم تهدأ، وهجم البوليس على المكتبات وباعة الصحف يجمع نسخ الكتاب تمهيدًا لمصادرتها، ووجد المؤلف نفسه متهما بكل ما يتخيله الإنسان من اتهامات توجه عادة إلى المنبر الحر المطالب بالعدل.. توالت التهم.. كان أبسطها التحريض على قلب نظام الحكم وأعظمها التعدى على الدين الإسلامى.
ملحوظة اعتراضية
الآن بعد مرور أكثر من ثمانية وعشرين عامًا.. تراجع خالد محمد خالد عن معظم هذه الآراء.. وهو يعترف قائلًا: إننى غاليت كثيرًا فى هذه الأراء. كنت متأثرا فى وقتها بموقفى ضد الرجعية السائدة وضد الجمود الدينى، والحقيقة عندما نأخذ الإسلام كدين نجده بخلاف كل الأديان.. هو دين ودولة فى الوقت ذاته. لقد غاليت فى انتقاداتى وأخذت كل مساوئ الحكومة المستبدة وألقيتها على عاتق الحكومة الدينية. إن الإسلام هو أكمل نظام للحكم ولعل أقرب مثال إلى ذلك هو الحكومتان الإسلاميتان التى أقامهما كل من عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز.
أنت تقول أن القرآن حمّال أوجه. كل طرف يمكن أن يفسره على هواه كما يقول الإمام على.. هذا قول حق.. من أجل هذا يجب أن يوضع دستور واضح ومقنن يستمد أحكامه الأساسية من القرآن والشريعة. ولا بد أن تصاغ مواده بطريقة لا لبس فيها حتى لا يأتى حاكم مطلق يزعم أنه يستمد سلطته من تفسيراته الخاصة. إن الذى يجعل الإسلام صالحًا كدولة هو ذلك الثراء والتنوع فى كل فروع الشريعة الإسلامية.
وتستمر الضجة التى أثارها كتاب «من هنا نبدأ».. ويستدعى المؤلف للمثول أمام المحكمة، بينما يتخاطف الناس النسخ القليلة التى أفلتت من المصادرة، وبلغ ثمن النسخة جنيهًا كاملًا وكان ثمنها الأصلى خمسة قروش.
وبعد تحقيق قاس وضغط من سلطة القصر والأزهر.. أصدر حافظ سابق، رئیس محكمة القاهرة الابتدائية حكمة الشجاع بالإفراج عن الكتاب وقال فى حيثيات الحكم إن هذا الكتاب ممجد لدين الله مدافع عن حقوق الشعب.. وما زالت وثيقة الإفراج تتصدر الكتاب فى كل طبعاته.

کن ملکًا یا شعب.
لقد اخترت الطريق الصعب فى أيام صعبة. ولم يعد يشبعنى أن أبذر أفكارى فى نفوس الصغار وأنتظر حصادها من خلف القبر. لقد امتشقت القلم جارحًا. وصنعت المداد من دمى. وكان على أن أواصل. ولم يكن أمامى إلا أن أواجه كل هذا.
و وضعت كتاب: «مواطنون لا رعايا.. » وهذه المرة ثارت كل أجهزة القصر والبوليس السياسى. وأصبح الأمر هزليًا ورجال البوليس يعاودون الهجوم على المكتبات ليجمعوا الكتاب ويحذرون الناس من تداوله. كان الجميع غاضبين علىّ.
واستدعتنى النيابة. وكان وكيلها هو «جمال العطيفى» الذى فوجئت به يقول لى ونحن وحدنا فى غرفة التحقيق:
- إننى لست أقل وطنية عنك وسوف أفرج عن الكتاب مهما كلفنى ذلك.
لم أتراجع بعد ذلك.. كانوا غاضبين حقًا ولكن لم أكن وحدى، وأصبحت أكثر مهارة فى التحايل على القوانين، وأصبحت أكتب بصفة دائمة فى «روزاليوسف» عمودًا أسبوعيًا بعنوان «صاحب الجلالة.. الشعب»، وأذكر أننى كتبت مقالًا صغيرًا بعنوان «كن ملكًا يا جورج» رويت فيه قصة عن جورج الثالث ملك إنجلترا فى أثناء هزيمة القوات الانجليزية أمام قوات الثورة الأمريكية. وتعرض الملك جورج لنوع من الهزات العصبية حين علم بأنباء الهزيمة.. ولكن أمه قالت له تشجعه وتستحثه.. «كن ملكًا يا جورج»، وكانت أم الملك فاروق فى رحلة إلى أمريكا لذلك انهيت المقال قائلًا: ومن الحكام من لا يجد بجواره أما تقول له «كن ملكًا ياجورج». ومرة أخرى وجدت طريقى إلى النيابة والتحقيق.
وجاءت ثورة يوليو ٥٢ وقال لى يوسف السباعى إن كمال الدين حسين قال له إنهم كانوا يذاكرون كتاب «مواطنون لا رعايا»، وإن جمال عبدالناصر كان يشترى نسخًا على حسابه ثم يوزعها على بقية أعضاء المجلس. وكنت أحس بالفعل أن هذا الكتاب قد لعب دورًا كبيرًا فى التحضير للثورة..
لكن الأمر بدا غريبًا بعد أشهر من قيام الثورة. لقد ارتفعت أصوات تحرض الثورة على وقف دستور ٢٣ مع أنه لو حذفت كلمة الملكية منه فسوف يكون من أصلح الدساتير. وكان رجال الثورة ما زالوا شبابًا ومن الخطر تأييدهم فى وقف الحياة الدستورية. وفى ضوء دراستى للتاريخ البشرى أدركت أننا مقبلون على فترة من الديكتاتورية المطلقة وقررت أن أعبر عن مخاوفى وأقف فكريًا فى مقاومة هذا الاتجاه.. وأغلقت مكتبى على نفسى ولمدة شهر كامل أنجزت كتاب «الديمقراطية أبدًا».
أدرك خالد محمد خالد منذ الأيام الأولى لثورة يوليو أن المسألة هى الديمقراطية. أن ينجو الحاكم من دائرته الضيقة وينفتح على الناس وإلا سوف يخلق دائرة أهل الثقة من حوله ويمضى فى طريق الديكتاتورية الشائك.. وقال بصراحة من خلال الكتاب إن النظام ليس له برنامج يحكم به وإن أى تقويض ولو مؤقتًا للمؤسسات الدستورية سوف يفضى بنا إلى ديكتاتورية مطلقة.
وفى أحد الفصول تحدث عن ديمقراطية المجتمع وحاول جاهدًا أن يوضح كيف يمكن أن تسهم الثورة فى تحول سياسى جديد من غير أن تجد نفسها مضطرة لاستلهام الحكم الشمولى وإعاقة التقدم الإنسانى.. لقد اقترح- وكان الوحيد تقريبًا فى هذا الوقت- أن يكون العمال شركاء فى أرباح المصانع وأن يحدد هذا بنسبة ٢٥٪ من قيمة الأرباح.

عبدالناصر يرفض المصادرة
يحكى الأستاذ خالد:
لقد قص علىّ صديقى الشيخ الباقورى هذه القصة عندما كان محمد نجيب رئيسًا للجمهورية وعبدالناصر وزيرًا للداخلية كانوا جميعًا ومعهم الشيخ الباقورى فى رحلة بالبحر الأحمر. وفتح عبدالناصر الحقيبة التى يحملها فى يده وأخرج نسخة من كتاب «الديمقراطية أبدًا»، وسأل الباقورى:
- هل قرأت كتاب خالد محمد خالد الجديد؟
قال الباقورى:
- لا.. لم أعرف أنه صدر ولم يهده هو إلىّ.
وقلّب عبدالناصر صفحات الكتاب ثم قال:
- أنا أقرؤه للمرة الثانية.. إنه يقول إن الجيش يجب أن يعود إلى ثكناته
وهب صلاح سالم غاضبًا:
- لم لا تصادر الكتاب وتسجن المؤلف؟
وصمت عبدالناصر قليلا ثم قال:
- أصادر كتابًا لخالد محمد خالد الذى أصدر کتاب «مواطنون لا رعايا» فى عهد الملك.. أبدًا.
قابلت عبدالناصر بعدها.. وقال لى إنه كان يقرأ لى كثيرًا.. وتناقشنا طويلًا فى اللجنة المركزية وقلت له بوضوح إن الحرية والاشتراكية لازمان للطائر الواحد، ومع ذلك ظل البون شاسعًا بين مفهومى ومفهومه عن الديمقراطية.

هل يصمد الإسلام؟
لم يتوقف خالد محمد خالد عن انتقاداته.. كتب «لكى لا تحرثوا فى البحر» فى محاولة جديدة لمعالجة قضية الديمقراطية عندما رأى رجال الثورة غرقى فى خوض التجارب بسرعة والارتداد عنها بنفس السرعة. وأصدر كتاب «الدين للشعب» يتساءل فيه عن صاحب الدور الحقيقى فى صنع التاريخ.. الفرد أم المجتمع. إنه الإنسان. الضمير التاريخى للبشرية يقود نحو مطالع النور.. ثم كتابه «أزمة الحرية فى عالمنا». وهو يراه أقيم كتبه على الإطلاق. ثم كان اكتشافه للتاريخ الإسلامى كأنما عثر على كنز هائل من الأفكار والمبادئ والقضايا، وأدرك أنه يستطيع أن يجمع بين تيارات الفكر الإسلامى والإنسانى فى تخوم مشتركة من غير تكلف ولا افتعال.. وكتب «كما تحدث القرآن».. و«كما تحدث الرسول».. و«إنسانيات محمد».. ثم ناقش الحكومة الإسلامية بالتفصيل وكما نادى بها دومًا فى كتابيه عن أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب.
هل يستطيع الإسلام أن يواجه تحديات العصر؟.. هذا هو السؤال.. هل يمكنه مواجهة المشاكل الحضارية؟.. حاول أن يجيب عن السؤال عبر كل ما كتبه.. وكما حاول من قبل الإمام محمد عبده أن يؤصل للفكر الإسلامى فى مواجهة العلم الأوروبى الحديث حاول خالد محمد خالد أن يقترب بالفكر الإسلامى من كل المشكلات الاجتماعية والسياسية.. لم تكن الكتابة الدينية عنده ستارًا يتملق من خلاله مشاعر القراء.. ولم يكن باحثًا عن الشهرة والكسب السريع.. لكنه كان التحدى الحقيقى لفهم روح الإسلام.. لقد دافع فى كتابه الأول عن الرئة المعطلة وطالب بضرورة تعليمها ودفعها إلى العمل.
ويواجه خالد محمد خالد كل النزعات الطائفية والحروب التى تثور بسبب الدين ويقول عن كتاب «محمد والمسيح معًا على الطريق».. الدين واحد والرسل يحملون راية واحدة تسلمها نبى من نبى وأن التفاوت القائم بين الأديان لا يعنى اختلافًا جذريًا فى المنهج أو المفهوم.
ما زال خالد محمد خالد يتلو وصاياه ويؤكد أفكاره وينتظر اللحظة التى يستطيع أن يخترق فيها حجاب عزلته ليرفع قلمه من جديد.

وصايا خالد محمد خالد العشر
لكل كاتب مفكر بالضرورة مجموعة من المبادئ تشكل أساس مواقفه.. وقد لا يستطيع كل كاتب مفكر أن يلخص هذه المبادئ.. ولكن هذا المفكر الذى صمت منذ 15 سنة يستطيع أن يعبر عن نفسه.. وليست مبادئ كل المفكرين متناسقة أو متماسكة ولكن مبادئه تكاد تكون رؤية واحدة ذات بناء متين لأنها فى الحقيقة تبشير.. لذلك يستطيع أن يصوغها كالوصايا:
- أهلت عصور الحب فودع الكراهية.
- لا تدع الخوف يفكر لك.. أو يشير عليك.. طهر منه إرادتك وعش قويً.
- اسبح قريبًا من الشاطئ وارتكب أنظف الأخطاء ولا تقايض على الفضيلة.
- احمل روح الرواد وابحث عن الدروب غير المطروقة واجعل مناط سعيك..» مالم يفعله أحد من قبل».
- لا تعش وعلى عينيك عصابة.. امض بصيرًا.. فى يمينك «إلى أين؟».. وفى يسراك «لماذا؟».
- عش صديقًا طيبًا.. وليكن اسمك نداء للنجدة.. وليكن قلبك مرفأ الراحة للمتعبين.
- اقرأ فى غير خضوع وفكر فى غير غرور واقتنع فى غير تعصب وحين تكون لك كلمة واجه العالم بكلمتك.
- تقبل وجودك وطوره واختر حياتك وعشها وابق للنهاية حاملًا رايتك
- ولّ وجهك شطر الله فإنه حق وضع يدك فى يده فإنه نعم النصير.
- وطد مسئوليتك بالحرية وحصن حياتك بالعدل واترك للوجود شذاك.






