الجمعة 06 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

مجرد أداة.. الذكاء الاصطناعى ليس عدوًا ولا يصلح لتقييم الإبداع

حرف

- اخترع الإنسان الأدوات لتأدية وظائف تُخفف من مشاق رحلته على الأرض وتمنحه مزيدًا من الوقت للاستمتاع بالحياة.. لا لمنافسته وإعلان الحرب عليه

- الدكتور حسين حمودة فتح نقاشًا عميقًا وثريًا بـ«بوست» على «فيسبوك».. وياسر الزيات أنتج قصيدة مدهشة من - حديث طويل مع أحد التطبيقات الذكية.. والإنسان هو من يوجه «الأداة» ويحدد سمات وملامح ما تنتجه

قبل أيام كتب الناقد الكبير الدكتور حسين حمودة على صفحته بموقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك» تحت عنوان «سؤال عن تصنيع الكتابة» متسائلًا: هل من حقى، أو هل من الواجب علىّ، أن أشير إلى ظاهرة متزايدة، حول اعتماد بعض الروايات والقصص، وطبعًا الأبحاث والكتابات النقدية، على برامج الذكاء الاصطناعى بشكل كلّى أو جزئى، وهل من اللائق أن أبدأ فى الإحساس بالخطر والفزع.. «واللّا لسّه بدرى»؟!

وهو السؤال الذى فتح نقاشًا ثريًا وممتعًا حول حدود الاستعانة بأدوات وتطبيقات ما يعرف بالذكاء الاصطناعى، وتوقعات المستقبل القريب للفن والإبداع مع توسع الاستعانة بأدواته وتطبيقاته العديدة. ولاحظت أن النقاش شارك فيه عدد كبير من الأدباء والنقاد والمفكرين من مصر وبعض الدول العربية، ما جعلنى أود المشاركة فى تلك الجلسة البحثية الثرية والمهمة، وإن جاءت فى «بوست» ومجموعة من «التعليقات والردود» على أحد مواقع التواصل الاجتماعى، لكننى تريثت عندما أدركت أن ما وددت الحديث عنه أطول من أن يحتويه «تعليق» سريع، خصوصًا أننى كنت قد بدأت بالفعل فى هذا المقال، فهذا هو بالضبط ما وددت الحديث عنه، نحن من نحدد الكيفية التى نستخدم بها ما ينتجه العلم لنا، سواء كان ذلك المنتج مجرد موقع للتواصل الاجتماعى، أو أداة تقوم بما يمكن أن يستغرق منا بضع ساعات أو أيام وأسابيع فى دقائق معدودة.. هنا سؤال الدكتور حسين حمودة، وتفاعل متابعوه معه حوَّل «فيسبوك» من مجرد فضاء أزرق افتراضى، تتبادله اللجان الإلكترونية، وبعض الصبية، وصغار النفوس، إلى مكان للبحث وتبادل الخبرات والمعلومات بشأن موضوع يشغل الكثير من المبدعين والمفكرين حول العالم.. هى ذات الأداة التى يتم استخدامها فى أوساط وبيئات أخرى، بخفة شديدة، ومقززة فى بعض الأحيان، تتحول معها «البوستات» و«التعليقات» إلى ساحة للشتم والتريقة، للتكفير والتعظيم والتفخيم والاستهانة.. مجرد مكان للربح السريع، ولتفريغ الطاقة الزائدة، سواء كان صاحب «البوست» شاعرًا أو روائيًا أو لاعب كرة، أو مجرد طفل فى حارة أو قرية بعيدة ومجهولة.

وأغلب ظنى أننا نحن من نحدد طريقة تعاملنا مع الذكاء الاصطناعى وغيره من منتجات العلوم الحديثة والقديمة على حدٍ سواء، وأنه ينبغى علينا أن نتعامل معه بوصفه «أداة» يقدمها لنا العلم لأداء وظيفة تمنح الإنسان وقتًا أطول لممارسة الحياة المحكومة بالموت، والاستمتاع بها، وكل ما علينا هو استخدامها وتوجيهها والاستفادة منها، لا القلق، ولا الإحساس بالخطر والفزع.. خصوصًا أن معظم الابتكارات العلمية على مر التاريخ كانت محل شك وريبة حين ظهورها الأول، وسرعان ما تحولت إلى أدوات لا غنى للإنسان عنها، ولا تهديد ولا خطورة.. لذا أتصور أن السؤال كان ينبغى أن يدور حول الوظيفة التى يقوم بها وكيفية تعظيم الفائدة المرجوة منه، وأن الحكم ينبغى أن يكون على المنتَج النهائى لا الأدوات التى تم استخدامها لإنتاجه.. وأذكر هنا أنه قبل سنوات قليلة قام الفنان الكبير محمد عبلة بتجربة فنية شديدة الأهمية فى هذا الإطار، عندما استخدم صورًا فوتوغرافية، مصورة بالكاميرا، كأساس لعمله الفنى، كأن يصور موتوسيكلات تتحرك وسط هالات من الضوء، ثم يقوم هو بالرسم عليها، وتحويلها إلى عمل فنى يحمل بصمته الخاصة.. هنا لم تنافس الكاميرا الفنان، ولم تنف إبداعه، بل وفرت له الأرضية التى تقبل بتعامل الخيال الإنسانى معها، كان بمقدور عبلة أن يرسم ما سجلته الكاميرا، ولكن الصورة والمطبعة اختصرتا من وقته ساعات طويلة من العمل لنقل المشهد الطبيعى، وتجهيز الأرضية التى يريد بناء إبداعه الفنى عليها.. فالكاميرا هنا لم تنافس الرسام، ولم تقلل من عمله، هى فقط منحته ساعات إضافية للتأمل والابتكار.. أو للاستمتاع ببعض ساعات إضافية مما تبقى من العمر الذى لم تفلح أدوات البشرية فى تمديده بعد.

أداة للاستخدام.. لا مصدر للقلق

بعيدًا عن «بوست» الدكتور حسين حمودة وما صحبه من تعليقات وآراء لم يكن بمقدوره هو شخصيًا الاستماع إليها فى وقت كتابتها، ولا خلال دقائق معدودة من طرحه للسؤال، تابعت على مدى ما يقرب من عامين، أكثر أو أقل قليلًا، تعامل النخبة المثقفة المصرية والعربية، مع ذلك الوافد الجديد من عالم التكنولوجيا، والمعروف باسم «الذكاء الاصطناعى»، وأثره على عوالم الكتابة والآداب والفنون، والحقيقة أننى لم أفهم أو أستوعب الكيفية التى تعاملنا بها مع هذه الأداة الجديدة والمدهشة.. بداية من الشعور بالرعب منها كعدو كامن فى أجهزة المحمول الذكية، والتأكيد أنه لن يمر وقت طويل حتى تتسبب فى القضاء على عدد لا بأس به من الوظائف التى اعتاد البشر أن يقوموا بها، وأنه سوف يحل محلهم فى تنفيذها، واعتبارها منافسًا أقل تكلفة للإنسان، ومن السهل أن تحل محله فى المصانع والمكاتب والمقاهى وفى كافة الاتجاهات وأماكن العمل، ووصولًا إلى اعتبارها أداة إدانة، واستخدامها للتمييز بين المنتج الأصيل، الطبيعى أو الإنسانى، وبين المنتج المزيف أو المنقول عن التطبيقات الذكية، خصوصًا ما يتعلق بالصور والفيديوهات وبعض الكتابات الأدبية والفكرية والنقدية، على أن ما يهمنى هنا منها هو ما يتعلق بمجالات الإبداع الأدبى والفنى وبعض الصناعات والمهن المتصلة بالتكنولوجيا وبالآداب والفنون بشكل خاص، وتجاهل، أو جهل الجميع بالحقيقة البسيطة الواضحة، التى كان بمقدورها تسهيل الأمر علينا، وهى التى يمكن تلخيصها فى عبارة واحدة قصيرة وموجزة تقول بأن الذكاء الاصطناعى مجرد أداة خاضعة للاستخدام الآدمى وفقًا لاحتياجات البشر، لكننا كعادة العرب فى التعامل مع أى منتج جديد، يبدأون بالنظر إليه والتعامل معه باعتباره عدوًا ينبغى الحذر منه، وجريمة لا يجوز الوقوع فى براثنها، ومحظور لا ينبغى الاقتراب منه، بينما ينطلق العالم فى تطويرها، والانتقال بها إلى آفاق أوسع وأكثر تطورًا ومواكبة لمتلطبات العصر، فلا يمر وقت طويل حتى تتسع الفجوة بين مخاوفنا ووقوفنا محلك سر، وبين ما يصل إليه العالم من حولنا من تطويع للأداة الجديدة، وما يمكن أن فعله عن طريقها أو باستخدامها، نتحول معها إلى مجرد مستهلكين نبكى حظنا، ونتحسر على ما فاتنا، وندفع ما يفرضه المنتجون لها من أسعار مبالغ فى تقديرها ونحن صاغرون لا حول لنا ولا قوة.. لأننا لم نجرؤ على القبول بالمستقبل والانخراط فيه وصناعته.

المدهش فى الأمر أن تعامل المواطن العادى والبسيط، وصولًا إلى غير المتعلمين، كان أكثر معقولية وتفهمًا لطبيعة الأداة الجديدة، لم يولول أو يصرخ «إلحقونا.. احنا بنضيع ونندثر»!! وما إلى ذلك من صرخات وكتابات تبدو فى ظاهرها عميقة ومتفحصة، وتدعمها بعض المصطلحات الإنجليزية المكتوبة بلغتها الأصلية دون تدقيق أو ترجمة.. والأكثر إدهاشًا أن الأجيال الجديدة سبقت الجميع فى القدرة على توظيف هذه الأداة، فاستخدمتها لإنتاج الموسيقى والفيديوهات والترجمات والأفلام القصيرة، وغيرها من استخدامات تسهل عمل الإنسان، وتمنحه المزيد من الوقت للحياة، فمنذ البداية أدرك هؤلاء أنها مجرد أداة، والأدوات يتم إنتاجها أو ابتكارها لتأدية وظيفة. الأدوات توجد لكى يتم استخدامها وتطويرها، وتطويعها لاحتياجات الانسان، لا للنظر إليها من بعيد، وتأملها والارتعاد من مجرد الاقتراب منها.. كان ذلك هو دأب الإنسان منذ خطواته الأولى على سطح الأرض.. البحث عن وسائل راحته، وتخليصه من أى آلام أو مخاوف وتهديدات تحول دون شعوره بالأمان والسيطرة على الأرض وما تحتويه من مخلوقات، بداية من البحث عن الطعام والشراب، واستخدام المتوفر من وسائل لاصطياد الفرائس وطهيها أو جعلها أيسر فى الأكل والهضم، مرورًا بما يساعده على التواصل وتوريث المعرفة، تلك التى نسميها اللغة.. هى رحلة ممتدة لآلاف السنوات من البحث عن أدوات تساعده على إطالة عمره، وعلى البقاء، والتواصل، والانتصار على الطبيعة التى حكمت عليه بالوهن والضعف بمرور الزمن، وبالموت مهما طال العمر.

ربما لا يرى البعض أنه من بين وسائل إطالة العمر التى بحثت عنها البشرية بدأب واستماتة طوال آلاف السنين، وسائط الترفيه وأدوات الرفاهية، أو الأدوات المساعدة، تلك التى تقوم فى دقائق أو ثوانٍ معدودة بما كان يستغرق منه أيامًا طويلة، من استخدام الدواب كمطية للتنقل، واختيار «الحصان» باعتباره أسرعها لترويضه واستئناسه وتحويله إلى وسيلة انتقال وسفر، ومنها إلى اختراع الآلات، من الدراجة للسيارة للطائرة.. وكلها مجرد «أدوات» لتسهيل عمل الإنسان، والتقليل مما يبذله من وقت وجهد خلال فترة وجوده على سطح الأرض، فى كل الاتجاهات، زراعة، صناعة، سفر، أى شىء.. كل ذلك بالإضافة إلى سعيه الدائم والمتواصل لمقاومة هزال الجسد ومواجهة الموت، وتحويله من حتمية مؤكدة وحقيقة ثابتة، إلى مجرد احتمال يمكن تأجيله، وأمل فى الوصول إلى تقليص نسبة هذا الاحتمال، أو التغلب عليه.

أدلة اتهام غير صالحة

أكثر ما دفعنى للتوقف أمام هذه الطريقة فى التعامل مع «الذكاء الاصطناعى» وتطبيقاته المتعددة، هو ظهور بعض الأدوات والتطبيقات التى تستخدم لكشف احتواء أى منتج إبداعى على نسبة مُنتجة بواسطته، مقاطع أو فقرات أو ما شابه، حسب نوع المنتج والوسيط المنتج فى حقله، قصة أو قصيدة أو مشهد تمثيلى، وذهاب البعض إلى الطعن فى بعض الأعمال الإبداعية لمجرد أن تلك الأداة قالت إن نسبة عالية منها تم إنتاجها باستخدام «الذكاء الاصطناعى»، فى المقابل، تداول عدد غير قليل من الكتاب والمبدعين نتائج تقييم نصوص أنتجوها فى سنوات ترجع إلى تسعينيات القرن الماضى، أى ما قبل ظهوره بنحو ثلاثين عامًا أو أكثر، وجاءت تقييمات الأداة الجديدة لتقول بأنها تحتوى ما يتراوح بين السبعين والتسعين بالمائة منها منتج بواسطة «الذكاء الاصطناعى»، وهو ما لفت نظرى إلى احتمالات وجود خلط، أو سوء فهم ربما لم ينتبه إليه من يتداولون هذه المؤشرات، بمن فيهم من يعترضون عليها، فالأقرب للمنطق أن الأداة الجديدة تخلط ما بين أصالة المنتج المعروض عليها وجدته، وبين استعانته بالشائع والمتداول من التعبيرات التى تواترت فى كثير من الكتابات على مدى سنوات طويلة، كأن تصف فتاة أو امرأة جميلة بأن «عيونها عيون غزلان» مثلًا، أو أنها «كالقمر»، وهى تعبيرات واسعة الانتشار، متكررة فى كثير من الكتابات الشعرية والقصصية والروائية، فى الرسائل، والمقالات، وفى أحاديث الناس العادية.. وغيرها الكثير من التعبيرات التى تعدها أداة التقييم إنتاجًا مسبقًا، ليس من إبداع الكاتب، ولأنها لا تعرف المصدر الأول للتعبير، فإن الأقرب إلى تصورها أنها عبارة منتجة بنسبة مائة بالمائة عن طريق الذكاء الاصطناعى، ليست إبداعًا خالصًا للمؤلف.. وعلى سبيل المثال فإن أغلب كتب الفلسفة والفكر سوف يعتبرها الذكاء الاصطناعى مولدة بواسطة تطبيقاته، وذلك لسبب شديد البساطة والوضوح، وهو أن أغلب كتب الفلسفة والفكر تقوم على مناقشة الأفكار والتصورات السابقة، وتفكيكها، وردها إلى أصولها، ثم تحليلها والبناء عليها، واستخلاص النتائج منها للوصول إلى تصور جديد، وهى فى سبيل ذلك لا بد لها أن تنقل الكثير والكثير من الفقرات مما سبقها من كتب ومراجع، لن تراها تلك التطبيقات إلا كإعادة إنتاج لأفكار وتصورات قديمة، ومكون غير أصيل لصاحب الكتاب، وهو بالتأكيد استنتاج غير دقيق، بل لا يصلح اعتماده لاعتبار المؤَلَف الجديد مولدٌ عن طريق تلك التطبيقات.

هذه النتائج لا تعنى أن مؤلفها قام بنقل مباشر من أدوات وتطبيقات «الذكاء الاصطناعى»، لكنها فى جزء منها تشير إلى افتقاد النصوص محل الاختبار إلى الابتكار، ولجوء كتابها إلى تعبيرات أو مجازات بلاغية شائعة ومستهلكة، وهو أمر شائع فى الآداب والفنون العربية والعالمية لا يمكن اعتباره دليل إدانة أو سرقة أو تزييف، بل ربما لا أكون مغاليًا إذا قلت إنه ربما لا يمكن لكاتب أو أديب ألا يقع فى أسر استخدام تعبير مجازى مألوف أو دارج، بينما لا يختبر التطبيق طزاجة الفكرة، أو الطرح فقط، بل يتعامل مع المفردات والتراكيب اللغوية، مع لغة الكتابة وجدة التعبيرات المستخدمة، وبالنسبة له فإن أى تركيب لغوى شائع، ليس منتجًا أصيلًا للكاتب، بالتالى فهو منقول، أو منتج بواسطة الذكاء الاصطناعى.. ولو طبقنا معايير هذه الأدوات على لوحات الفنان الكبير محمد عبلة المشار إليها فى بداية هذا المقال، فالمؤكد أنه سوف يرى فى الصورة الفوتوغرافية المبنى العمل عليها «منتج بواسطة الذكاء الاصطناعى»، بينما الحقيقة غير ذلك بكل تأكيد.

تطبيقك هو ما غذيته به

قبل ما يقرب من عام، نشر الصديق الشاعر ياسر الزيات مقاطع من محادثة طويلة دارت بينه وبين أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعى، تضمنت أسئلة حول طبيعة الوجود البشرى، والفارق بينه وبين الآلة، والفارق بين ما يحس به الإنسان من مشاعر تجاه الحياة، والطبيعة من حوله، وما يمكن أن يشعر هو به كأداة تخلو من الروح.. وهى التجربة التى أدت إلى إنتاج التطبيق لنص شعرى مدهش فى تراكيبه، وفيما عبر عنه من مشاعر، وأفكار، وفى طريقته فى الانتقال بينها بسهولة ويسر، وهو النص الذى أظن أنه ما زال موجودًا على صفحة ياسر الزيات بموقع «فيسبوك»، ولا يزال بإمكانك قراءة عبارات الدهشة، واستشعار الخطر فى بعض التعليقات عليه، على أننى للأمانة لم أشعر بأى تهديد مما كتبه التطبيق، وإن جاء فاتنًا، ومعبرًا، وبسيطًا.. فلم أره كقصيدة مولدة بالذكاء الاصطناعى، بل كنص جديد لياسر الزيات، يحمل سمات شعره، وطريقته فى التفكير، فى الاستطراد، والسير مع خيط الشعور إلى منتهاه، يستخدم ذات مفرداته، وتشبيهاته، وحيله البلاغية، الانحرافات الناعمة للسياق، التى تسير بنعومة ورشاقة مفرطة، وتأتيك واحدة تلو أخرى، لتجد نفسك معها عند نهاية النص وقد فارقت الأرض التى بدأت المسير منها.. هكذا هى روح قصيدة ياسر الزيات منذ عرفته من بداية تسعينيات القرن الماضى، وهى الروح التى التقطها التطبيق الذكى عبر أشهر من الحوار المستمر معه، التقط تشبيهاته، بعض مجازاته البلاغية، والتفافاته الفكرية، وهو أمر لا يختلف كثيرًا عن نصيحة السابقين من الشعراء لنا بضرورة حفظ ألف بيت من الشعر قبل الشروع فى الكتابة.. الألف بيت هنا هى ما تعطيه أنت كإنسان وكمبدع للتطبيق الذكى من معلومات وأفكار وتصورات يعمل على تخزينها، ومن مجازات وتعبيرات وتراكيب لغوية يستحضرها حين الإجابة على طلبك، فإن كان محدثه شاعر أو كاتب رومانسى، ستأتى إجاباته فى حدود الرومانسية، وهكذا.. هو يستحضر ما سبقت تغذيته به من قصائد تدور حول ذات الفكرة أو الموضوع، ويعيد إنتاجها وفق تكوينه هو، والذى ينبنى داخل إطار محادثاتك السابقة معه، بمفرداتك، وتراكيبك اللغوية، وطريقتك فى الانتقال من جملة إلى أخرى، وفى بناء الطرح الذى تريد الذهاب إليه.. وأغلب ظنى أن ما فعله ياسر الزيات، أنه على مدار أشهر راح يغذى التطبيق بأفكاره وعباراته الخاصة، بتصوراته عن الحياة والموت، ومعضلات الوجود الإنسانى، لذا عندما طلب منه أن يكتب قصيدة حول مشاعره كأداة غير بشرية تجاه الحياة والوجود من حوله، كانت النتيجة خليطًا من الأفكار التى عبر عنها ياسر خلال الأشهر السابقة، وبعبارة أقرب إلى عباراته.

ما أريد الذهاب إليه هو أن «الذكاء الاصطناعى» مجرد أداة يقدمها لنا العلم الحديث، يمكننا استخدامها لتسهيل الحياة، والحصول على مزيد من الوقت للاستمتاع بها، ولتقديم إنتاجٍ أفضل وأسرع وأكثر فائدة للبشرية ولرحلتها على وجه الأرض، كبديل عن الفزع منها ومحاربتها، أو حتى استخدامها كوسيلة لنفى الآخر.. وكل ما علينا هو أن نبحث عما يمكن أن نفيده منها، كلٌ فى مجاله، وفيما يتعلق بالأدب والكتابة فأظن أن الأفكار والمضامين والتصورات أهم كثيرًا من المجازات والتعبيرات اللغوية النمطية.. فربما كان ذلك مقدمة لعصر من التقشف اللغوى، والتخلص من الحيل البلاغية الموروثة، أو لاستحداث بلاغة جديدة.. ربما.