هَم الديون.. حل المشكلة المزمنة باقتراح عمره 40 عامًا
- الحل داخل الجهاز الحكومى هو إحياء ضمير الملايين من العاملين به لوقف السيل المنهمر من الإفساد والإهدار
- مقترح بإنشاء صندوق تبرعات شعبية لتغطية الديون الخارجية للدولة
- فى أوروبا توجد ضريبة إجبارية على الأجهزة الترفيهية مثل الراديو والتليفزيون والفيديو
- لو أن كل فرد تبرع بجنيه واحد لانعدل الحال ولكانت بداية الإصلاح الذى يجعل مصر مرفوعة الرأس
- الحل الوحيد لأزمة الديون المتراكمة هو زيادة الإنتاج وزيادة التصدير لتعزيز الدخل الدولارى
- النجاح فى حملة تسديد الشعب الديون الخارجية هو انتصار للإرادة الشعبية ودليل على قوتها وحيويتها
- يوسف إدريس يقترح توحد المديونين لتكوين المنظمة الدولية للمديونين على نسق منظمة الدول المصدرة للنفط «الأوبك»
تظل الديون هى الهم المقيم الذى يؤرق المصريين منذ عقود، فهى مشكلة معطلة ومعرقلة، تمنعنا من الانطلاق، صحيح أننا لسنا وحدنا الذين نعانى منها، لكن لكل دولة خصوصيتها وأولوياتها، ولأن هذا الهم طارد أجيالًا متعاقبة، فقد كانت هناك طوال الوقت أفكار لحلها والتصدى لها.

تعرفون الكاتب الصحفى الكبير جلال الدين الحمامصى، الذى يعتبره كثيرون واحدًا من الكتّاب الصحفيين المؤثرين فى أجيال صحفية عديدة، فقد كان رائدًا ومجددًا ليس فى الصحافة فقط، ولكن فيما يطرحه من أفكار سياسية واجتماعية.
فى سنواته الأخيرة بدأ الحمامصى كتابة عموده «دخان فى الهواء» بجريدة الأخبار، التى عاد رئيسًا لتحريرها فى العام 1974 بعد رحلة طويلة بدأها فى الصحافة منذ العام 1929 عندما كان طالبًا فى المرحلة الثانوية عمره 16 عامًا، وعمل محررًا رياضيًا فى جريدة «كوكب الشرق».
فيما بين شهرى أكتوبر 1985 ويناير 1986 كتب جلال الدين الحمامصى سلسلة مقالات عن مشكلة الديون، أعتقد أنه من المهم أن نستعيدها الآن، ونحن نتحدث عن مشكلة الديون الحالية، صحيح أن الوضع يختلف تمامًا عن منتصف الثمانينيات، لكننا يمكن أن نجد فيما كتبه وما أثاره من ردود أفعال بعض الأفكار التى تعيننا على مواجهة مشكلة الديون.
كان اقتراح الحمامصى محددًا، هو أن يكون هناك تجمع شعبى لتغطية ديون مصر الخارجية، من خلال لجنة يتم تشكيلها لذلك، تشرف على فتح حساب فى أحد البنوك، يتلقى التبرعات من المصريين، وهو الاقتراح الذى جر وراءه اقتراحات كثيرة، وأفكار أعتقد أنها جدير بالنظر والتأمل حتى الآن.

فى ٢١ أكتوبر ١٩٨٥ وتحت عنوان «روح الوفاء موجودة ولكنها كامنة» يقول الحمامصى: لا بد من وقفة مع الذين يصرون على أن الشعب ليس مسئولًا عن ضخامة أزمة الديون الحالية، وليس مسئولًا عن سوء التخطيط وتخبط السياسات والسلب والنهب الذى وقع فى الفترات المتعاقبة الماضية، كل ذلك أفقده كما يقولون روح الوفاء، وخلق شرخًا كبيرًا فى ثقته بالحكومة، وأصبح صعبًا رد روح الوفاء والثقة له، ومبعث الوقفة التى أقفها مع هؤلاء هو إحساسى بأن فى داخلهم وفاءً، وأن إطلاق هذا الوفاء يتطلب تحقيق بعض إنجازات رسمية بحيث يصبح الشرخ غير قائم.
وينقل الحمامصى لقرائه رأى الطالب علاء السطحاوى بكالوريوس طب أسنان الإسكندرية الذى يقول فيه: الكل يعلم أن حوالى ٩٠ بالمائة من أفراد الشعب ينتمون إلى الطبقات الكادحة أو محدودة الدخل، وهؤلاء يعانون من أزمات فى السكن والمواصلات وهم أول الطوابير المشهورة أمام الجمعيات وإلى آخر المشاكل التى نعانى منها جميعًا، ومعلوم أن عدد أفراد كل أسرة من هذه الطبقات بالطبع كبير، إذن لكى يتبرع كل فرد بـ٤٢ جنيهًا سنويًا ولمدة عشر سنوات هو ضرب من الخيال ولا تستطيع تبرعات الشركات الاستثمارية والبنوك أن تغطى هذا العجز مهما ارتفعت نسبتها، والأمر يا سيدى يحتاج الى خطوة حاسمة وجريئة من قبل الحكومة، تجاه القطط السمان التى أصبحت شيئًا مألوفًا الآن، وتجاه كل من يتاجر بأقوات الشعب وهم معلومون ومعروفون لدى الحكومة جيدًا، والأمر يا سيدى يحتاج إلى وقفة نرى من خلالها أنفسنا أولًا كل فى موقعه، ثم تحاسب فيها الحكومة بكل هيئاتها وأجهزتها ومصالحها نفسها، كلٌ يحاسب على إنجازاته وتقصيره، نجاحه وفشله، فى فترات محددة، من أول الوزير حتى أصغر عامل فى وزارته.
ويضيف طالب الطب: صدقنى يا سيدى إننا نحتاج إلى تطبيق فعلى لشعارنا الرنان «الكل سواء أمام القانون»، الكل يجب أن يُسأل ويناقش ابتداء من رئيس الوزراء، لا مجال للمجاملات ولا مجال للمحسوبية، لا مجال- اسمح لى- للكوسة الشغل شغل، وكل فرد يتحمل مسئولية عمله، هذا هو سر تقدم كل الأمم التى سبقتنا وإن كان بعضها أفقر من حيث الموارد الطبيعية، أو كنا أعرق من جميع الأمم حضارة، وهو فى الوقت نفسه سر تخلفنا عن ركب الحضارة الحديثة، إن نجحنا فى تحقيق ذلك، وهذه مسئوليتكم أنتم أيها الكتّاب، فكل مشاكلنا ستحل بسهولة بما فيها الديون الخارجية، ومهما تبرعنا ونحن على حالنا هذا فسوف ندور فى حلقة مفرغة نرجع من حيث أتينا وسنظل واقفين فى نفس الموضع.
ويعلق الحمامصى على رسالة طالب الطب بقوله: نجاحنا فيما يطالب به صاحب هذا الرأى هو أمر ضرورى فعلًا، إلا أنه رغم العمل من أجل النجاح المأمول، إلا أننا ما زلنا نرى أن التحرك الشعبى للمشاركة فى تغطية الديون هو أمر ضرورى، لأنه إلى جانب تخليصنا منها ومن أعبائها، فإنه يعيد إلى الشعب كيانه المفقود ويزيد من فاعليته فى كل ما قد يواجهنا من أزمات، إن الشعب سيكون هو الرابح إذا ما أسهم فى تغطية ديونه.
تحت عنوان «مزيدًا من الصبر لاجتياز الطريق الوعر»، وفى ٢٣ أكتوبر ١٩٨٥، يقول الحمامصى: سألنى قارئ متى تنتهى من عرض آراء الشعب فى موضوع مساهمته فى تغطية الديون وقد اكتملت الصورة وأصبح هناك قطاع كبير مقتنع ومستعد- إن لم يكن متلهفًا- للبدء فى هذه المسيرة القومية؟

ويرد الحمامصى: إن جانبًا من هذا القطاع الضخم الذى يتلهف على أداء دوره الوطنى ما زال يطرح- فى نفس الوقت تصورًا هامًا وأساسيًا عن المقابل الذى تطلبه الجماهير من الحكومة، أو بمعنى أوضح النصيب الكبير الذى يتحتم أن تدفعه الحكومة وتؤكد به أنها لن تخذل الشعب الذى تقدم طائعًا ليرفع عن كاهلها عبء الجزء الأكبر من هذه الديون.
ويضيف: صحيح أن الأساس فى هذه الدعوة أن ألا تكون للحكومة علاقة مباشرة بخطوات تنفيذها، وذلك أن الاتجاه هو أن يودع الشعب تبرعاته مباشرة فى حساب خاص بها يفتح فى أحد البنوك بحيث يكون الوضع كله عند التنفيذ فى يد هيئة شعبية مشكّلة من شخصيات ذات احترام وثقة لدى الجماهير ولا يتوقعون مقابل الأداء أجرًا ما. إن تفاصيل ذلك كله ستطرح على الشعب فى أوانها، إلا أننا نريد أولًا وقبل كل شىء الاستمرار فى عرض الآراء الشعبية رغبة فى دفع الحكومة دفعًا للاقتراب من مشاعر الجماهير والبدء جديًا فى إزالة العوامل التى أصابت الجماهير بالإحباط وانعدام رغبتها فى الإقدام على أى عمل حتى ولو كان قوميًا وطنيًا.
ويستكمل: ومن هنا كان لا بد من المضى ولو لوقت قصير فى طرح بعض الآراء التى تربط المساهمة فى تغطية الديون بتخلص الحكومة من أسباب هذه المنغصات التى هى من صنع أجهزتها، والأساس فى النهاية ألا نسارع إلى عمل يفشل بل لا بد من توفير ضمانات نجاحه.
ويستعرض الحمامصى رسالة من الأستاذ حسن صادق المحامى يقول فيها إنه على استعداد للتبرع بنصف إيراده عندما يشعر بأن الحكومة قد بدأت فى ضغط إنفاقها على المظاهر الكاذبة وإغلاق تكية الخريجين وعدم التزام الدولة بتعيينهم اكتفاء بإعطاء مجموعات منهم، ولتكن كل مجموعة من ٣٠٠ خريج، رقعة فى الصحراء لتعمير وإنتاج ما يغطى احتياجاتهم ثم إطلاق الزائد منه إلى الأسواق ليستفيد منه الشعب، ومقابل تبرعى بنصف إيرادى السنوى لتغطية الديون فإنى أتطلع إلى معاملة حسنة من القائمين على تحصيل الضرائب ومن العاملين فى إدارات المرور والشهر العقارى حيث تهان وتهدر آدمية المصرى بها، وغيرها من المواقع الحكومية التى يفترض أنها تؤدى للجماهير خدمات إلا أنها لا تتم إن تمت إلا بعد المرور فى طابور الإهانات والإذلال.
ويضيف السيد أحمد عبدالعزيز من المنصورة إلى هذا الرأى فيقول: أما عن داخل الجهاز الحكومى فإن الحل الوحيد هو إحياء ضمير الملايين من العاملين به لوقف السيل المنهمر من الإفساد والإهدار فى كل المجالات، فالطاقات الضائعة والإهمال والتكاسل وعدم الانتماء أصبحت صفات لصيقة بالمجتمع المصرى، حتى أصبحنا نعانى مما يطلق عليه شرعية الرشوة ووجوبية الوساطة.
أما الأستاذ الدكتور عبدالمنعم عطية الأستاذ المساعد بجامعة الزقازيق، فيطرح قائمة طويلة من أسماء الاشتراكيين الأثرياء الذين كوّنوا ثرواتهم تحت رعاية الحكام، ثم يضيف إليهم عينة أخرى من الفنانين المصريين الذين يبخلون على مصر، لم يتعلموا من جيرى لويس وجون وين وغيرهما من الذين جمعوا ملايين الدولارات لصالح إسرائيل ومستشفيات الأطفال والأيتام.. أما شعبنا الكادح فليس عليه أن يتحمل مليمًا واحدًا ويكفى أن يعيش صابرًا.
ويعلق الحمامصى على هذه الاقتراحات بقوله: ألا يرى القارئ الذى طرحت سؤاله فى بداية مقالى أن الطريق إلى تنفيذ الفكرة القومية ما زال طويلًا وأن اجتيازه لهذا الطريق يحتاج إلى مزيد من الصبر والإصرار على الدعوة للفكرة؟
فى ٢٤ أكتوبر ١٩٨٥ وتحت عنوان «عاشقة لمصر» يكتب الحمامصى: تذكرت شيئًا بعد أن وقعت على رسالتها «مواطنة عاشقة لمصر»، أو لعل هذا العشق صوّر لها أمرًا ما، إذ بادرت تضيف إلى الرسالة ملحوظة: أرجو ألا تسخر منى، وتضحك لضآلة ما أرسلته.

كان الذى أرسلته صاحبة الرسالة ورشقته بدبوس صغير ورقة مالية جديدة قيمتها «جنيه مصرى».
يقول جلال: هذه السيدة الكريمة لا أعرف اسمها، إذ فضّلت ألا توقع باسمها، ولكنها أثبتت فى رسالتها القصيرة أنها فعلًا وقولًا عاشقة لمصر، وأن هذا الجنيه الذى وضعته فى رسالتها رغم ضيق يدها، كما تقول، هو الدليل على أنها لا تفكر إلا فى مصر وتحنو عليها وتندفع إلى خدمتها.
تابعت هذه السيدة كما تقول فى رسالتها دعوة الحمامصى للشعب إلى المشاركة فى تغطية الديون، وذلك بالجهود الشعبية لكى تعود بلدنا إلى ما كانت عليه من ازدهار وتقدم ونمو، وبذلك نكون نحن الدائنين وليس المدينين.
وتمضى السيدة العاشقة لمصر موجهة الكلام إلى الحمامصى ترجوه أن يستمر فى هذه الدعوة، وألا تكون موجهة فقط إلى القادرين من كبار رجال الدولة أو الشركات، وإنما تكون موجهة أولًا إلى المواطنين العاديين المحبين لبلادهم، فليس أقل من تضحيتهم بشىء بسيط من أجل مصرنا الغالية.
ويقول جلال: يبدو لى أن هذه السيدة توقفت قليلًا عند هذا الحد من رسالتها لتفكر وتقول بعد ذلك، وأنا أنقل نص كلماتها كما سطرتها: دعنى أوضح لك أنه على الرغم من ضيق ذات يدى فإنى لا أبخل بالمال، وأن ما أبعث به إليك هو رمز لكى يشارك كل مصرى ومصرية من أجل مصر والارتقاء بها، وأنا من خلال رسالتى أطالبك بدعوة كل الطلبة المصريين المحبين لبلادهم أن يتبرعوا ولو بجزء يسير من مصروفهم اليومى من أجل مصر، ذلك أننا نستطيع ولو بجزء بسيط أن نسدد ديوننا الخارجية ونعود بمصر إلى الازدهار والرقى.
ويعلق الحمامصى: إلى السيدة عاشقة مصر، والتى ظنت أن الجنيه الذى اقتطعته من قوتها سيدفعنى إلى السخرية منها، أقول إن تبرعها السابق لأوانه هو عندى بمثابة مليون من الجنيهات، ذلك أنه رمز وفاء للدولة الأم وعلامة واضحة للصدق فى عشق مصر، وهى بما دفعته لا تستحق السخرية، بل تستحق الخلود، إن هذا الجنيه الواحد قد عبّر عن أن عشق مصر كامن فى نفوس الناس، كل الناس، وأنه عندما تمهد الأرض وتصبح الدعوة واضحة للجميع، ونبدأ فى فتح باب التبرع، فإن رد الفعل سيجعل العالم مبهورًا لما يمكن أن يكون موقف المصرى فى مواجهة الأزمات.

ويقول أخيرًا للسيدة عاشقة مصر: إن هذا الجنيه سيظل أمانة عندى إلى أن يحين وقت التنفيذ والبدء فى الانطلاقة الوطنية، ولعلها عندئذ تقول لنا: من هى هذه العاشقة؟
فى ٣٠ أكتوبر ١٩٨٥ وفى مقاله «إيرادات مؤقتة لدعم صندوق الديون» يكتب الحمامصى: لم يركز كل من كتب عن تغطية الشعب للديون الخارجية إلا على التناقضات الداخلية والتى تطالب قطاعًا كبيرًا من الشعب بإزالتها قبل إقبالهم على تلبية هذه الدعوة، ذلك أن كثيرين تطلعوا إلى زوايا أخرى يمكن أن تضاف إلى صندوق التبرعات لتغطية الديون، ثم ترفع بعد ذلك.
وينشر الحمامصى رسالة وصلته من باريس بعث بها السيد عبدالحميد شقير.
يقول شقير فى رسالته: اسمح لى أن أقول إن دعوة الشعب إلى تغطية الديون الخارجية هى دعوة وطنية صادقة، وقد سبقتها دعوة مماثلة قدمها أحد أعضاء مؤتمر المغتربين الذى عقد فى القاهرة فى ١٥ أغسطس الماضى، فالمصريون العاملون فى الخارج قوة لا يستهان بها، وهم على أتم استعداد للمشاركة فى هذا العمل أن مصر تعيش فى وجدان أبنائها بالخارج لحظات الليل والنهار.

ويمضى الأستاذ شقير ليقول إنه يقدم اقتراحًا، والاقتراح كعامل مساعد فى تغطية الديون، ويشرح الاقتراح قائلًا:
أولًا: كانت الحكومة تحصل على جهاز الراديو ضريبة سنوية ثلاثة جنيهات، وقد ألغيت هذه الضريبة سنة ١٩٦٠، كما كانت تحصّل على التليفزيون ضريبة سنوية خمسة جنيهات، وقد ألغيت هذه الضريبة أيضًا سنة ١٩٧٠.
ثانيًا: هنا فى أوروبا، حيث عشت فى سويسرا والآن فى فرنسا، توجد ضريبة إجبارية على الأجهزة الترفيهية مثل الراديو والتليفزيون والفيديو.
ثالثًا: وعلى وجه التحديد فى فرنسا إذا أردت شراء جهاز تليفزيون من أى محل لا بد أن أعطى مسئول البيع البطاقة الشخصية لأخذ الاسم والعنوان، وقبل انتهاء العام يصلنى خطاب من مصلحة الضرائب لدفع ضريبة التليفزيون، وإذا تأخرت عن سدادها أكثر من عشرين يومًا أخطرتنى المصلحة بضرورة دفع الضريبة مضافًا إليها ٣٠ بالمائة من القيمة الأصلية، وإذا لم أسدد ما هو مطلوب منى جاءنى مندوب من الضرائب مع مندوب من الشرطة لاتخاذ إجراءات الحجز وفاءً للمبلغ المطلوب، ونفس الشىء يتبع عند شراء جهاز الفيديو، وإذا كانت فرنسا بما فيها من إمكانيات مادية هائلة حريصة كل الحرص فى الحصول على ضريبة الأجهزة الترفيهية من الشعب الفرنسى وأيضًا من الأجانب، أليس الأجدر أن تفرضها وتحصلها مصر لا سيما فى الوقت الحاضر وحتى الانتهاء من سداد الديون.

رابعًا: إذا اعتبرنا فى مصر ٣٠ مليون جهاز تليفزيون، وفرضت ضريبة ١٠ جنيهات للجهاز الواحد، فسوف تحصل الدولة على ٣٠٠ مليون جنيه سنويًا قابلة للزيادة.
خامسًا: وإذا اعتبرنا أن فى مصر ١٠ ملايين جهاز فيديو موزعة على تعداد السكان، وفرضت الدولة ضريبة سنوية ٢٠ جنيهًا على الجهاز، فسوف تحصل الدولة على ٢٠٠ مليون جنيه، ويكون بذلك المجموع ٥٠٠ مليون جنيه قابلة للزيادة.

ويقول شقير فى نهاية اقتراحه: من ثم نجد أنه يمكن الحصول على ٦٠٠ مليون جنيه تقريبًا سنويًا ضائعة من خزانة الدولة، ويمكن الاستفادة بهذه المبالغ فى المشاركة فى سداد الديون.
ويعلق الحمامصى على كلام شقير بقوله: انتهى الاقتراح، والاقتراحات الأخرى المماثلة كثيرة، أرى ألا نشغل بها القراء اكتفاء بعرضها على اللجنة التى ستشكل من كبار رجالات مصر، وتأخذ على نفسها مسئولية تنفيذ الدعوة.
ويوجِّه جلال الدين الحمامصى فى الخطوة الأخيرة سؤالًا إلى وزير المالية فى ٣ نوفمبر ١٩٨٦، يقول: نحن اليوم على أبواب الخطوة الأخيرة، الخطوة التى تسبق الانطلاق إلى تنفيذ فكرة دعوة الشعب إلى تغطية ديونه الخارجية، إن ردود الفعل الإيجابية لهذه الدعوة قد فاقت الردود شبه السلبية والتى لم ترفض المشاركة، بل ربطتها بمطالب واقعية تملك الحكومة وحدها الاستجابة إليها وتنفيذها لتتحول ردود الفعل فتصبح إيجابية تمامًا.
ويقول: هذه الخطوة الأخيرة تحتاج إلى إجراء خطير وهام وحساس، وهو تشكيل لجنة نطلق عليها اسم «اللجنة الشعبية لصندوق الديون الخارجية» على أن يكون أعضاؤها مواطنين شرفاء يتمتعون بسمعة شعبية طيبة، ومن هنا فقد رأينا أن أنسب السبل لضمان حسن الاختيار هو أن يشترك الشعب فى الاختيار وأن نسأله: من ترشح لعضوية هذه اللجنة؟ ومن حصيلة الأسماء المرشحة يمكن الإعلان عن تشكيل اللجنة التى سيوكل إليها وضع برنامج العمل.
ويضيف: فى ذات الوقت أحب أن أتوجه بسؤال جامع إلى وزير المالية تضمنته رسالة بعث بها إلى محامٍ بالإسكندرية تضمنت عجبًا، فقد جاء فيها أنه فى يناير ١٩٨٣ نشرت الأهرام والأخبار وباقى الصحف أن السيد وزير المالية صرح بأنه قد تم فتح حساب لمساهمة المواطنين فى «تخفيف أعباء الدعم» تحت رقم ٦٣٤٠/ ٩٢/ ٩٥، فى خمسة بنوك مصرية، كما تم فتح حساب آخر تحت رقم ٦٣٤١/ ٩٢/ ٢٩.
وقال المحامى: وبتاريخ ٢٩ يناير ١٩٨٣ ذهبت أنا المذكور اسمى أدناه- ولو أنى أرجو عدم نشره فى حالة نشر الخطاب- إلى فرع البنك المركزى بالإسكندرية وقدمت الشيك رقم ٩٥١٩٢٢ بمبلغ خمسة آلاف جنيه مساهمة منى فى سداد الديون، ومن تاريخه لم أسمع شيئًا عن هذا الموضوع، وأسأل هل ساهم أصحاب الثروات والملايين؟.. لا أدرى.
يقول الحمامصى: ما جاء فى الرسالة خطير، ويتطلب إجابة من وزير المالية: أين ذهبت الأموال ولعل ما جاء فى الرسالة وغيره هو الذى دفع الأستاذ راغب حبشى مدير عام سابق بالبنك الأهلى- ويدفعنا كذلك- إلى التأكيد بأن الأجهزة الحكومية ستكون بعيدة عن إدارة هذا الصندوق على أن يقوم البنك الذى ستودع لديه تبرعات الشعب بنشر بيان فى نهاية كل شهر عن حجم الاكتتابات خلال الشهر وكذلك حجمها منذ بدء الاكتتاب وحيث تاريخ البيان.
ويضيف: إن الأستاذ راغب حبشى يرى أن تتم الاكتتابات رأسًا فى البنك المركزى لحساب الصندوق على أن يقوم هذا البنك بنشر بيان فى نهاية كل شهر عن حجم الاكتتابات خلال الشهر ذاته وحجمها منذ بدء الاكتتاب وحتى تاريخ البيان، ومن جهة أخرى يتعين التصريح بخصم هذه الاكتتابات أيًا كانت نسبتها من أوعية كل الضرائب النوعية وضريبة الإيراد العام.
ويختم الحمامصى مقاله بقوله: هذا بعض ما جاء فى رسالة الأستاذ راغب حبشى أردت أن أنشره مع رسالة محامى الإسكندرية للتأكيد على أن تنفيذ الدعوة سيكون شعبيًا وتحت إشراف وتنفيذ لجنة يختار أعضاءها الشعب، واليوم وقبل أن نخطو الخطوة الأخيرة نتوجه إلى الشعب بسؤال هام وخطير مضمونه: من تقترح لعضوية هذه اللجنة؟.

وتحت عنوان «نماذج شعبية تعشق تراب مصر» يقول الحمامصى فى ٤ نوفمبر ١٩٨٥: كلما اقترب موعد تنفيذ فكرة مساهمة الشعب فى تغطية ديون مصر الخارجية، كلما أحسست برهبة، إنها رهبة الامتحان الذى يدخله الشعب الصابر المكافح المناضل المحب لتراب أرضه، ويخشى ألا تتفاعل معه الدولة تفاعلًا إيجابيًا فتلتزم فى المقابل بالتقشف والحد من الإسراف، فيما لا يفيد، ووقف استخدام ميزانية الشعب فى مظاهر خادعة كاذبة أطلق عليها النفخة الكدابة، إلا أن هذه الرهبة لا تلبث أن تزول أمام سؤال نردده فيما بيننا وهو: أليست أجهزة الدولة مصرية صميمة؟ أو ليس أفرادها من الشعب وتحس بنفس أحاسيسه، وقادرة مثله على صنع المعجزات؟ ثم أليست المعجزة التى ستواجهها الدولة بالغة البساطة تنصب على: الحد من الإسراف؟
ويضيف الحمامصى: إننى اليوم أمام نموذجين أخذتهما من مئات النماذج.
النموذج الأول رسالة من أيمن رجب السيد بمدرسة النجاح الإعدادية بالزقازيق يقول فيها، وأنا هنا سأحاول تقديم رسالته بصيغتها الأصلية المعبرة عن حب الشباب لتراب بلده: أرجو قبول مصروفى البسيط هذا لسد عجز مصر، آسف لسد الديون الخارجية، إن هذا دين على لمصر، بلدى الحبيبة رغبة منى فى أن تظل مرفوعة الرأس، فلا تنحنى لدولة أجنبية أو عربية، مصرنا الغالية الحبيبة المضيافة مَن غير أبنائها يدفع دينها؟ إن هذه ليست مسئولية القادرين وحدهم إنها أيضًا مسئولية كل طفل وشاب وشيخ، كل مصرى لا كل عربى لا وألف لا، هذا حق مصر علينا.
والنموذج الثانى رسالة مـن الشاب أحمد رجب بالصف الثـالث بالزقازيق الثانوية العسكرية يعالج فيها استجابته للدعوة من زوايا أخرى، إنه يرجو قبول هذا المبلغ الصغير الذى لا يعد قطرة من الماء النابع من النيل بالنسبة لسكان مصر، إن جمهوريتنا عريقة الحضارة وتمثل أكبر عدد سكان فى الجناح الإفريقى من الوطن العربى، إلا أن بعض أبنائها يفضلون اللهو والشرب وتعاطى السموم البيضاء عن مساعدتها فى هذه الأيام الصعبة، ولو أن كل فرد من شعبها تبرع بجنيه واحد لانعدل الحال، ولكانت بداية الإصلاح الذى يجعل مصر مرفوعة الرأس، رجائى قبول هذا المبلغ البسيط. والمبلغ خمسة جنيهات أخرى.
ويقول الحمامصى: هل أضيف المزيد من النماذج؟ هل أقول إن المرحلة التى تجتازها الدعوة إلى تغطية الديون لم تعد فقط مرحلة تغلب فيها العاطفة بل إنها امتدت لتكون مرحلة أمر مـن الشعب بأن نمضى فى الدعوة، وأمر الشعب لا مرد له، وسنفعل، بل إنها تخلصنا من رهبة دخول الامتحان.
يبقى أن أقول كلمة- والكلام للحمامصى-: إننا نعتذر عن قبول أى مساهمة نقدية أو غير نقدية، إن ما تلقيناه حتى الآن قد اعتبرناه أمانة لدى مؤسسة أخبار اليوم ستقوم بإيداعها صندوق الديون الخارجية فى البنوك التى سيكون مـن اختصاصها وحـدها استلام التبرعات وإعطاء إيصالات باستلامها، وإلى أن تشكل اللجنة المختصة، وتضع نظامًا محكمًا ودقيقًا لمراقبة التبرعات فإننا نطالب الشباب وغير الشباب بالانطلاق إلى مزيد من توعية الجماهير وإعدادها للحظة الحاسمة.
ويتحدث جلال الدين الحمامصى عن حسن أبوالفتوح بوصفه واحدًا من رجالات مصر فى مقاله فى ٦ نوفمبر ١٩٨٥، يقول: قد يكون من الواجب أن نقدم إلى الجماهير الرجل الذى حرك من جديد فكرة مشاركة الشعب فى تغطية ديونه الخارجية إنه المهندس ورجل الأعمال حسن أبوالفتوح.
عرفه الحمامصى فى المدرسة السعيدية طالبًا ثائرًا، يشترك فى كل تظاهر وطنى ويعرّض نفسه للموت غير عابئ بشىء سوى أن ينطق لسانه بحياة مصر، ثم عرفه زميلًا فى كلية الهندسة جامعة القاهرة يمضى فى مسيرته الوطنية على نفس المنوال، وتخرج فى كلية الهندسة ونزل إلى ميدان العمل الهندسى الحر فكان هو نفس الشخص الذى يبنى لأجل مصر، ولا يفكر إلا فى مصر، ولقد واجه كما واجه غيره من المكافحين الناجحين، جحودًا أو لعله حقد، ممن شاءت لهم الظروف أن توضع السلطات الحاكمة فى أيديهم، وفقد بسببه كل ثمرات عمله وجهده، فإن بنيته الوطنية المتينة التى صهرتها المواجهات القوية ودفعته إلى الانطلاق إلى بلاد الله الواسعة، وعاود كفاحه ونضاله متحديًا البشر ليجزيه الله على طهارة قصده الخير الكثير، إنه واحد ممن تطلق عليهم الصحف أصحاب الملايين وهو فعلًا كذلك، إلا أن هذه الملايين حصاد عرقه وجهده وأخيرًا أمانته، ومع هذا فقد كانت وما زالت من أجل مصر وكل مشروع يخدم مصر، إن طريقه إلى هذا كله لم يكن سهلًا أو ميسرًا، وليس سرًا أنه تعرض فى السنوات الأخيرة لأكثر من أزمة مرضية عنيفة، وليس سرًا كذلك أنه أجرى أكثر من عملية جراحية فى القلب الذى أنهكه مشوار الكفاح لا من أجل نفسه بل من أجل بلده.

يقول الحمامصى: تحركت فكرة مشروع مساهمة الشعب فى سداد ديونه الخارجية داخل نفسه وهو يرقد فى غرفة الإنعاش مرة وفى غرفة العناية المركزة مرة أخرى، وكان أن بعث بها إلىّ لأتبناها، ولقد قلت له فى لقاء أخير: إن علينا التفكير حاليًا فى الوسيلة التى نرد بها أموال المشاركين فى تغطية الديون إذا ما قدر ألا يحقق المشروع أهدافه.
قال: أنا لا أفترض هذا أبدًا ولهذا لا أريد، بل وأنصح، ألا نفكر فى هذا الاحتمال أبدًا، إن المشروع سيبدأ وسينجح وسيكون جزاء الشعب أن يرفع رأسه، وإذا كنت أقول عن نفسى إنى أحب تراب مصر وكذلـك أنا أثق تمامًا أن كل المصريين يحبون هذا التراب.
سكت جلال عن مواصلة الجدل معه حول هذا الاحتمال واكتفى أن قال له: إننا أصحاب دراسة جامعية واحدة، الهندسة المعمارية، ولقد تعلمنا أنه علينا ونحن نبنى افتراض أسوأ الاحتمالات.
وأجاب: هذا صحيح، ولكن علينا رفض هذا المبدأ فى هذه الدعوة، أنا أعرف المصريين جيدًا، والمصرى يحمل فى داخله انتماء لتراب بلده، قد ينكمش أحيانًا ولكنه إذا انطلق فإن انطلاقاته يكون لها دوى الرعد.
فى ٧ نوفمبر ١٩٨٥ وتحت عنوان «تغطية ديون مصر» يطلق جلال الدين الحمامصى صرخة أحد المواطنين: خذوا نصف مرتبى.. فلابد للتفاؤل أن ينتصر، ثم يقول: جاء إلى مكتبى ولم أكن موجودًا، فما كان منه إلا أن ألقى بمظروف طلب أن يُسلَّم إلىّ ثم انصرف.
الرسالة كانت من أمين شرطة محمود عمر محمود من قسم شرطة الموسكى يقول فيها: إنه كلما قرأ ما يُنشر بالأخبار أحس بالثقة والاطمئنان لحاضره ومستقبل أولاده.

وقال أمين الشرطة فى رسالته إنه يرجو قبول نصف مرتبه وهو مبلغ ٣٥ جنيهًا تحت بند سداد ديون مصر، ولم يطلب أمين الشرطة إيصالًا.
قرأ جلال الرسالة ثم سأل نفسه: هل سأظل- مؤقتًا- قادرًا على وقف تدفق هذا الحماس، مواصلًا رفض قبول أى مشاركة جماهيرية بالتبرع الفعلى انتظارًا لتشكيل الجهاز الشعبى ليأخذ على عاتقه هذه المهمة؟ وإذا كان تشكيل هذا الجهاز يتطلب وقتًا لضمان الدقة فى الاختيار، أفلا يؤثر هذا الانتظار- وقد يطول- على حماس الجماهير وخاصة شباب الجامعات؟
ويسأل: إننا نواجه اليوم بموجات تشاؤم وأخرى تتسم بالتفاؤل وتفرض علينا الأولى إطالة التفكير والتأنى، فماذا أفعل؟
ويجيب: لو أننا قلنا إنه لا مبرر لنغمة التشاؤم بشأن مصير دعوة الشعب لتغطية ديونه الخارجية لأنكرنا بذلك احتمالًا قائمًا ولكنا فى دراسة خطوات دعوتنا غير واقعيين.

ويشير الحمامصى إلى ما كتبه عبدالمنعم مراد صاحب عمود «كلمات» فقد كان أقرب إلى التشاؤم منه إلى التفاؤل وهو يكتب عن هذه الدعوة، ولا لوم عليه فى ذلك، فهو محق وواقعى.
ويقول جلال: وإن كنت أحب الاتفاق معه على المشاركة فى البحث عن السبل التى نزلزل بها جبل التشاؤم، ونحد بذلك من قدرته على أن يجرف أمامه موجات التفاؤل الضخمة التى تركبها كل طبقات الشعب حاليًا.
ويضيف: إن احتمالات التشاؤم تكون عادة وفى الظروف التى نعيشها حاليًا أقوى من احتمالات التفاؤل، ولكن علينا العمل من جانبنا للوصول بالملايين المتفاءلة من المصريين- وهم ملايين فعلًا- والذين سارعوا إلى ركوب موجات الأمل الكبير إلى بر الأمان.

وينقلنا الحمامصى إلى مساحة جديدة، عندما يقول: إن أمام الدعوة الشعبية وغير الحكومية القائمة الآن لتغطية ديون مصر الخارجية والتى دخلت مرحلتها الأخيرة السابقة احتمالين:
الأول أن تنجح وأن تمضى فى طريقها إلى أهدافها كاملة، وهنا يكون الشعب قد حقق إنجازًا ضخمًا، وأكد بالدليل القاطع أن إمكانياته فى مواجهة مشكلاته أقوى من أن تهزم أو تقهر، فالربح هنا كبير، وكبير جدًا، ذلك أنه يفتح أبواب الأمل للأجيال الحالية والمقبلة، أولادنا وأحفادنا، وهو من ناحية أخرى يدعم التأكيد على أن التجمع الشعبى حول الأهداف القومية وتغطية الديون الخارجية أحدها، يمكن أن يكون عاملًا قوميًا، إذا أحسن تنظيمه فى نواحٍ متعددة من نواحى البناء الداخلى وعلى رأسها الإنتاج، ثم ألا يعد نجاح الشعب فى تغطية ديونه الخارجية من حر ماله إنتاجًا قوميًا رائعًا؟
والاحتمال الثانى ألا تنجح الدفعة الشعبية بسبب أن إمكانياتها المحدودة لم ترتفع إلى ضخامة رقم الديون الخارجية، هنا وفى هذه الحالة فليس أمامنا إلا الخيار بين أحد الحلين: إما أن نغطى بما أمكن جمعه جانبًا من هذه الديون، وشىء أحسن من لا شىء، أو أن تقوم البنوك بإعادة التبرعات إلى أصحابها كاملة غير منقوصة وفقًا لنظام يضمن ذلك وتضعه اللجنة المختصة بتحصيل التبرعات.
ويختم الحمامصى مقاله بقوله: إننا لن نخضع الدعوة للعاطفة وحدها، بل إننا حريصون كل الحرص على جديتها وواقعيتها، ومصرون على تجنب الأخطاء التى أحاطت بكل ما سبقها من دعوات مشابهة ومتى توافرت كل الضمانات انطلقنا إلى العمل لنخوض وقت معركة الصراع بين التشاؤم والتفاؤل، ونكون على ثقة من أن سواعد المصريين ستكون كلها مع التفاؤل عاملة على صرع التشاؤم، لتفتح بتجمعها أبواب الأمل.

تحت عنوان «المسيرة إلى تغطية الديون» وفى ٤ ديسمبر ١٩٨٥ يرصد الحمامصى نداء العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد الطيب النجار رئيس جامعة الأزهر السابق إلى الحكومة والشعب، وهو النداء الذى تم على النحو التالى:
نداء إلى الأجهزة الحاكمة بالكف عن التبذير والإسراف والعمل على التوسط والاعتدال والضرب على أيدى العابثين بالمال العام والرقابة الحازمة الصارمة على كل قرش يصرف من هذا المال وتوقيع العقوبة الرادعة على كل عابث أو مقصر فى أداء واجبه أو متورط فى غش أو خيانة.

ونداء إلى كل قادر من أبناء أمتنا العزيزة بأن يبادر إلى دعم الاقتصاد الوطنى بكد اليمين وعرق الجبين والإخلاص فى العمل وبذل الفائض من حاجته فى تخفيف الأعباء المادية عن كاهل الوطن والإسهام فى سداد الديون الفادحة التى يعانى منها.
ويخلص العالم الجليل الدكتور الطيب النجار إلى النتيجة التى نتطلع إليها جميعًا وهى التقاء الأمة جمعاء- حكومة وشعبًا- فى تلبية هذه الدعوة على طريق سواء، ويتسابق الشعب بأكمله إلى التضحية فى سبيل مصر بكل نفيس وغالٍ.
يقول الحمامصى: وإذا كان نداء العالم الجليل، والذى بعث به إلى زميلنا الأستاذ عبدالرحمن الشرقاوى لينشره فى «الأهرام» بين أعمدة خواطره الحرة، قد تضمن الكثير من الآراء والمقترحات، إلا أنى اخترت منها ما يؤكد أنه لاسبيل إلى اقتحام أبواب الأمل من أجل المستقبل الأحسن إلا إذا التقت الحكومة والشعب معًا وفى نفس الوقت فى مسيرة الصحوة الكبرى.
الحكومة بالاستجابة الجدية للكف عن إجراءات تشكو منها الجماهير.
والشعب بالمبادرة الفورية إلى دعم الاقتصاد المصرى بكل ما يملك من طاقات إنتاج وكد اليمين وعرق الجبين، وتقديم الفائض مما يملكون لسداد الديون.
ويضيف الحمامصى: إن موقف التردد والانتظار إلى أن تحقق الحكومة ما تريد من الجماهير هو موقف خاطئ، لأن حكومتنا قد اعتادت تجاهل إرادة الشعب، ونتيجة لذلك فقد التزم الشعب بالسلبية التى تكاد تعوق كل صحوة، ومن هنا كانت الدعوة إلى أن يأخذ الشعب زمام المبادرة وأن يكون هو البادئ بالعمل الوطنى دعوة إلى تشكيل القوة الشعبية الضاغطة والفعالة لكى تلتزم الحكومة بالكف عن التبذير والإسراف والعمل على التوسط والاعتدال والضرب على أيدى العابثين بالمال العام إلى آخر ما جاء فى بيان العالم الجليل الدكتور محمد الطيب النجار.
ويؤكد: إننا لم نقل أبدًا إن هذه المحاولة الشعبية ستجد استجابة حكومية سريعة، بل قلنا إنها محاولة يجرب بها الشعب قوته إذا تجمعت وكل محاولة تقبل النجاح وتقبل الفشل، والنجاح فى حملة تسديد الشعب الديون الخارجية هو انتصار للإرادة الشعبية ودليل على قوتها وحيويتها، وتأكيد للعالم أجمع أن الشعب المصرى قد صحا وأصبح هو صاحب الكلمة، نحن على أبواب الأمل، وفتحها سيكون بإرادة الشعب.
ويكتب جلال قصة فاعل خير، عن سيدتين، واحدة من المنصورة. والثانية من إمبابة، فى ١٧ يناير ١٩٨٦.
الأولى موظفة بإحدى مصالح وزارة العدل بالمنصورة، والثانية أبت أن تذكر اسمها أو أن تفصح عن هويتها.
كلتاهما قرأت وتابعت كل ما كتب عن دعوة الشعب للمشاركة فى سداد ديون مصر الخارجية، وتحمستا للفكرة، إلا أن حماس الأولى، موظفة الدولة، أصابته نوبة فتور لأنها خُدعت خدعة رسمية كبرى، فقد وزع على الموظفين منشور يتعلق بمبدأ المشاركة فى سداد الديون أرفق به كشف بأسمائهم، ظاهر المنشور ديمقراطى.. فقد وزع على الجميع سؤالًا واحدًا: هل ترغب فى المشاركة أو لا ترغب؟ ولأنها لم تكن قد حددت بعـد قدر مشاركتها، عن طريق الحملة الشعبية، فقد سجلت أمام اسمها عدم رغبتها حاليًا، إلا أنها لـم تلبـث أن فوجئت بأن الخصم من المرتب قد شمل الجميع: الراغبين وغيــر الراغبين، وتسأل الموظفة: أين حرية الفرد فى اتخاذ القرار؟ وأين تصريحات المسئولين بإنكار تطبيق مبدأ الإجبار؟.. وأين؟ وأين؟
أما الثانية- سيدة إمبابة- فقــد جاءت طواعية إلى دار الأخبار، تسأل أين أودع مشاركتى فى سداد الديون؟
إنها شابة فى حوالى الثلاثين مــن عمرها، جاءت إلى المؤسسة مرتدية جلبابها البلدى وتقودها خطوات واثقة يحركها حبها لمصر وحماسها لفكرة المشاركة فى عمل قومى، كانت تمسك بيدها بمبلغ مائة جنيه أودعتها الخزانة، وقامت لتغادر المكان، استوقفتها المسئولة طالبة ذكر اسمها وعنوانها إلا أنها رفضت استلام الإيصال قائلة إن هذا لا يهم، ثقتها وإيمانها بما كتب هو محركها، ألحت عليها الموظفة المختصة أن تذكر الاسم والعنوان تحسبًا لأى موقف فأصرت على أنها لا تريد استعادة مالها لأنها سددت به دينًا عليها لمصر، وغادرت المؤسسة كما دخلتها مسرعة، لقد أدت واجبًا وحققت هدفًا.. وانتهى الأمر.
ويتصل شاب تليفونيًا من قلب ريف مصر، من الدقهلية، ليسأل الحمامصى: هل أصبح الإجبار هو القاعدة؟ لقد قام من تلقاء نفسه بحملة توعية مــع من هم حوله، إلا أنه صُـدم وهــو يستمع إلى والده يشكو مــن فـرض المشاركة عليه وإلا حرم من حقه فى السماد وفى غيره مــن الخدمات العامة.
ويعاود الشاب سؤاله: كيف تكون المشاركة بالفرض؟ ولماذا لا يقال إنها ضريبة تفرضها الدولة بلا قانون أو تشريع؟ وكيف أستطيع المضى فى حملة التوعية، وأنا أواجه بأقرب الناس إلى ينصحنى بأن أتوقف عــن المضى فيها؟ أنــا ما زلت مقتنعـًـا بقدسية الفكرة والحملة، ولا أريــد أن يمتد الفتور إلى حماسى.. فماذا أفعل؟
يقول جلال: هل أملك الإجابة عن هـذه الأسئلة كلها، أم أن الإجابة عنــد رئيس الوزراء والذى وعد بأن يكون حاسمًا فى مجابهة الإجبار وقطع دابره؟

ويختم مقاله بقوله: تبقى ملاحظة واحدة نختم بها هذه الدردشة الشعبية، لقد نشرت «الأخبار» منذ أيام أن مصريًا- جزاه الله كل خيـر- دفع نصف مليون دولار مشاركة فى سداد ديون مصر الخارجية وأنه ســلم الشيك إلى الدكتور يوسف والى، وقالت الصحيفة إن المشارك رفــض ذكر اسمه مكتفيًا بالقول بأنه فاعــل خير، وأنا أتمنى أن تكون التسمية مــن عند الصحيفة وليست من المشارك، ذلك لأن مصر ليست فى حاجة إلى فاعلى الخير.. وإنما هى فى حاجة إلى من يدفعون سدادًا لدين مصر عليهم.. إنها مجرد ملاحظة.. لا أكثـر ولا أقل.
فى ٥ فبراير ١٩٨٦ تحت عنوان «الطابور الخامس يعمل كله من أجل الديون» يقول جلال: أصبحت مشاركة الشعب فى تغطية ديون مصر الخارجية هدفًا للمخربين ومدخلًا من مداخل الطابور الخامس لإشاعة الفوضى فى صفوف الجماهير، وهذا لن يخيفنا أو يوقف المسيرة الشعبية، فالدعوة إلى المشاركة الشعبية قائمة رغم كل هذا، لتظل هدفًا وطنيًا وقوميًا للتجمع الشعبى تمهيدًا لبدء تجربة قاسية، قد تكون جديدة فى حياتنا الثورية الحديثة، إلا أنها قديمة وجُربت فيما قبل ثورة ٢٣ يوليو، وأكدت أن الرأى العام أو بمعنى آخر التجمع حول هدف أو أهداف قومية كبرى، قادر على أن يكون أداة ضغط لفرض الإصلاح وتقويم المعوج.
ويضيف جلال: وإذا كان القائمون على تنفيذ الانطلاقة الشعبية نحو هذا الهدف قد فضلوا الإبطاء فى تحديد موعدها حتى يتوقف العدوان الممثل فى إجبار المواطنين على الدفع، وتبدأ بعد ذلك إزالة إثارة النفوس، إلا أنهم فى ذات الوقت يتابعون نوايا المخربين للكشف عنها والتحذير من الانسياق وراء السيئ منها.
ويضرب الحمامصى مثلًا على كلامه بأنه تلقى شكاوى بأن هيئة المواصلات السلكية واللا سكلية قد أضافت مبلغًا قدره ستة جنيهات على فواتير سداد اشتراكات التليفونات دون توضيح الأسباب، ولما سألوا عنها قيل لهم إنها لسداد ديون مصر، وتحرى جلال الأمر فاتضح أن الهيئة كانت قد رفعت قيمة الاشتراك السنوى، على أن يكون بأثر رجعى يحصل مع الفواتير الجديدة، وأن هذه الجنيهات الستة التى ظهرت حاليًا فى الفواتير دون ذكر أسبابها تغطى هذه الزيادة، وبالتالى فإن مشروع سداد الديون برىء من هذا الذنب الكبير.
ويسأل الحمامصى: كم مواطنًا فى جو الضغط المتواصل على العاملين فى الدولة للمشاركة صدق هذا الكلام؟
ويجيب: أكاد أجزم أن الكل صدق ما قيل لهم فى مكاتب هيئة المواصلات السلكية واللا سلكية، وأن أحدًا لن يصدق أى تصحيح له.
ويعود ليسأل: لماذا؟
ويجيب: لأن الشك يسيطر علينا فى كل موقع حتى أصبح مصير الصدق أو التفسير السليم هو الرفض القاطع، وهذه هى المأساة، وهى ليست مأساة تتعرض لها الفكرة القومية للمشاركة فى سداد الديون بل إنها مأساة الدولة ككل، مما يمنح للطابور الخامس سلاحًا بتارًا لكل صحوة سليمة، وفكرة قومية أو اتجاه للإصلاح.
ويختم الحمامصى مقاله بقوله: لإننا لو قارنا بين عظمة الصحوة الشعبية التى تحققت بعد حوار مفتوح حول فكرة مشاركة الشعب لسداد ديون مصر الخارجية وبين «هزال» الصحوة الرسمية لأدركنا مدى الضرر الذى تسببت فيه الدولة بدخولها هذا الميدان بكل طاقات الإرغام على الدفع والجباية الإجبارية، إن الصحوة الشعبية ستظل قائمة ولكنها لن تندفع فى هذا المناخ الكريه خشية ضياعها فى مصير مجهول، بل لتأمين طريق العبور الصحيح السليم، ولن يتحقق هذا الأمان إلا بتدخل حاسم من الدولة لإبطال فعالية أسلحة الطابور الخامس وجعلها غير صالحة لوقف الزحف الشعبى، زحف الجماهير التى تحب مصر وحرمت من استغلال هذا الحب فى إثبات مدى الانتماء إليها.
على خط هذا النقاش يدخل الكاتب الكبير يوسف إدريس ويوجِّه رسالة إلى جلال الدين الحمامصى، وقد نشر هذه الرسالة بعد ذلك فى كتابه «انطباعات مستفزة».
يبدأ إدريس رسالته بقوله: أعتقد أنه بصدور القوانين التى فتحت حسابًا فى البنك الأهلى لسداد ديون مصر الخارجية، توجت الحملة التى قادها الكاتب الكبير جلال الدين الحمامصى تتويجًا لم أكن أتوقعه بمثل تلك السرعة والهمة، وهكذا أهنئ الدكتور على لطفى رئيس الوزراء على أنه أثبت فى أول امتحان سريع له أنه قرن القول بالعمل، وأن روحًا جديدة قد جاءت بمجيئه، أما أستاذنا جلال الدين الحمامصى، فماذا أقول له؟ سلمت يدك أيها الرجل، ودمت لإخلاصك لكل كلمة تكتبها لأنى أعرف أنها نابعة من صميم صدقك مع نفسك وواجبك ورأيك.
يستدرك يوسف، ويقول: لكن اسمح لى أيها الصديق أن أبدى رأيى المتواضع فى حكاية أن ندفع، نحن الشعب، ديون مصر الخارجية تلك، إنها دعوة- من ناحية المبدأ- سليمة مائة فى المائة، ولكنها فى الواقع مسألة فيها شك كبير، فالديون التى علينا ديون أخذنا معظمها من الولايات المتحدة ومن البنك الدولى ومن بعض الدول الأوروبية، أى من الدول الغنية، دول العالم الأول، وهى دول تشترط لإعطائنا القرض شروطًا، منها نسبة فائدة عالية جدًا، بعضها يصل إلى ١٦ أو أكثر فى المائة، هذا غير اشتراطها أن يتم شحن المعدات على سفن أمريكية، وأن تقوم الشركات الأمريكية بتنفيذ معظم المشاريع، أى هى نقود تعطيها أمريكا وغيرها باليمين، وتأخذ معظمها باليسار، هذه واحدة.

الثانية أننا لسنا وحدنا الدولة المديونة فى العالم الثالث، كل دول العالم الثالث مديونة للعالم الأول، حتى الدول الأوروبية، يوغوسلافيا وبولندا والمجر ورومانيا وغيرها مديونة.
يبدأ يوسف إدريس فى نسج فكرته الخاصة، يقول: هناك نظرية تقول إن الدائن هو الأقوى دائمًا، لأنه باستطاعته، على أقل القليل أن يكف عن إقراضك فتتوقف أنت عن السداد وتفلس، ولكن مع أنى غير اقتصادى بالمرة، أستطيع القول: إن الدائن لا يدفع لك خوفًا منك، إنما هو يدفع خوفًا على نفسه وعلى نقوده، لأنك إذا توقفت أنت وأفلست ضاعت نقوده هو كبنك أو كمقرض، بمعنى أن مصلحة العالم الأول أن يظل يقرض العالم الثالث، حتى يظل هذا العالم الثالث يكدح ليسدد أقساط الدين والفوائد.
يضيف إدريس: فى وضع كهذا لا بد أن ينقلب الموقف ويصبح المدين هو الأقوى، هو الذى يهدد الدائن بالتوقف عن الإنتاج، ويعلن إفلاسه، وليخبط الدائن رأسه فى الحائط بعد هذا، ولكنى لا أطالب بأن تعلن مصر- لا قدر الله- إفلاسها وتوقفها عن الدفع.
يحدد يوسف اقتراحه فى الآتى: أنا أطلب بأن نتوحد مع المديونين الآخرين لتكوين المنظمة الدولية للمديونين على نسق منظمة الدول المصدرة للنفط «الأوبك»، فقبل قيام الأوبك كانت الدول التى تستورد البترول تملك فى يدها زمام الموقف، وهى التى تحدد سعر برميل البترول باعتبارها تحتكر القدرة الشرائية للنفط، وبعد قيام منظمة الأوبك انقلب الحال، وأصبحت الدول المصدرة للمادة البترولية الخام هى الأقوى، وهى التى تحدد سعر النفط، وهكذا ارتفع سعر البرميل من دولارين إلى ٣٤ دولارًا، طبعًا بفضل حرب أكتوبر المجيدة.
ويسأل يوسف: لماذا لا نصنع نحن المديونين نفس الشىء، وكما كونت الدول التى لا تخضع للشرق أو للغرب منظمة للدول غير المنحازة وأصبحت قوة دولية يحسب لها ألف حساب، لماذا لا نصنع نحن المديونين مع أكثر من مائة دولة أخرى مديونة مثلنا، منظمة الدول المديونة «م. د. م» ونذهب قوة متحدة إلى البنك الدولى والعالم الأول ونقول: اسمعوا يا جماعة، أنتم لديكم فائض من الزبد تلقونه فى البحر، وفائض من القمح تطعمونه للأسماك، وفائض من كل شىء، لديكم المال والبضائع والغنى كله، ونحن لدينا المجاعات والكوارث الاقتصادية والتضخم الرهيب، ونحن بصراحة لن نستطيع أن ندفع لكم إلا كذا من أقساط الدين وإلا كذا من الفوائد، نحدد نحن ما تستطيع أن تدفعه كل دولة مديونة، ولا يشكل عبئًا رهيبًا على ميزان مدفوعاتها بحيث يعجزها عن الحركة والحياة والإنتاج، أى نحن الذين نحدد حجم ما نستطيع أن ندفعه كل عام سواء لهذا أو لذلك.
ويضيف يوسف: وإذا لم يعجب هذا الكلام البنك الدولى أو العالم الأول فليشربوا من أى بحر يعجبهم، أو فليأتوا بطائراتهم وأساطيلهم ويحتلونا، وعليهم حينذاك أن يعملوا هم من أجل إطعامنا وتسديد ديونهم.
ويؤكد يوسف نظريته بقوله: أجل أيها السادة، نحن المديونين، نحن الأقوى، وأبدًا ليسوا هم، فقط كل ما يجعلنا ضعفاء ومتهالكين أننا نواجه هذه القوى الغنية الكبرى منفردين، وبائسين وخاضعين. أما لو تكتلنا، فستخضع تلك القوى لنا، ليس حبًا فى سواد عيوننا، لكن لأنها لا تستطيع أن تفعل غير هذا، وإلا توقفنا جميعًا، كل المديونين، عن الدفع، وأفلست هذه القوى الغنية الكبرى.
ويسأل يوسف: لماذا لا تقود مصر، كما قادت حركة عدم الانحياز، هذا التيار وتنادى بإنشاء «م. د. م»؟
ويقول: إننى فى انتظار تعليق اقتصادى على اقتراحى هذا، وفى نفس الوقت لا أملك إلا أن أعود أحيى الأستاذ جلال الدين الحمامصى على حملته، وإذا ما أنشئت «م. د. م» فلتحول المبالغ التى تتجمع لسداد الديون، لإقامة مشاريع إنتاجية تساعدنا على سداد مديونيتنا من ناحية، ومن ناحية أخرى تمنع عنا التضخم والغلاء ومد اليد «للى يسوى واللى ما يسواش».
انتهى هذا الحوار ولم تنتهِ الديون، وقد جئنا بهذا النقاش الذى عمره ما يقرب من ٤٠ عامًا لنضعه أمام من يضعون الآن مقترحات لسداد ديون مصر أو التخفيف منها، وبعضها اقتراحات وجيهة وأخرى غير واقعية، للتأكيد على شىء واحد وهو أن الحل الوحيد لأزمة الديون المتراكمة هو زيادة الإنتاج وزيادة التصدير لتعزيز الدخل الدولارى، وغير ذلك لن يكون إلا أفكار نتناقش حولها بجدية وإخلاص، لكنها فى النهاية لن تكون قادرة على تحقيق شىء.







