الإثنين 26 يناير 2026
المحرر العام
محمد الباز

الحب على الطريقة المصرية

حرف

المطالع لمواقع التواصل الاجتماعى خلال الفترة الأخيرة، تستوقفه ظاهرتان لهما دلالات تستحق التأمل والتفكير.

الظاهرة الأولى هى ذلك الانفجار المذهل على كل المواقع والحسابات، والذى حدث عند افتتاح المتحف المصرى الكبير بهضبة الأهرام، فقد سارع الناس من مختلف الأعمار والمشارب المختلفة بوضع صورهم وهم يتزيون بزى المصريين القدماء، أو يضعون هذه الصور محل وجوه تحتمس ورمسيس وحتشبسوت، وما شابه ذلك.

عبّر الآلاف عن فرحهم وابتهاجهم بهذا الحدث، الذى بدوا من خلاله وكأنهم يتناولون حدثًا شخصيًا يتعلق بهم، بينما هم وفى حياتهم اليومية المعتادة يتصرفون بلا اهتمام أو مبالاة بالحضارة المصرية القديمة وتاريخها المجيد.

بالطبع حاول أعداء الدولة والحاقدون من عصابات الكتائب الإلكترونية إياها إفساد هذه الفرحة، وبث روح الكراهية والنفور من كل ما هو مصرى قديم، على أساس أن هذه الحضارة إنما هى حضارة وثنية وضد الأديان السماوية، ولا يجوز الاحتفاء بها أو النظر إليها بعين الفخر والإعجاب.

ولكن رد الناس من أجيال مختلفة ومستويات ثقافية متباينة وإسكات مثل هذه الأصوات كان تأكيدًا على حقيقة هذه الظاهرة المتعلقة بحب المصريين بلادهم وحضارتهم، وانفجرت بوسائل التواصل الاجتماعى شحنات غضب ورفض لكل هذه المزاعم المغرضة المعادية للحضارة المصرية القديمة.

وعندما عُرض فيلم الست، والذى يتناول حياة أيقونة الغناء العربى السيدة أم كلثوم، والذى سعى لتشويه شخصيتها، وافترى عليها كذبًا فيما يتعلق ببعض جوانب حياتها الخاصة، هاج المصريون عبر وسائل التواصل الاجتماعى، وانبروا للدفاع عنها، فهذه المرأة نادرة الصوت، فائقة التعبير عن أدق المشاعر الإنسانية عبر حنجرتها، والتى عبرت عن الروح المصرية مثلما لم يعبر أحدٌ قبلها أو بعدها وحتى الآن، انبرى الناس للدفاع عنها، و«مسحوا البلاط»- وفقًا للتعبير الشعبى- بصنّاع الفيلم وممثليه وكل من شارك فيه، ووقف وراء خروجه إلى الشاشات، فتشويه أم كلثوم إنما هو تشويه لصورة مصر وفنونها ورموزها، وحفلت وسائل التواصل الاجتماعى بهجوم غير مسبوق على فيلم من الأفلام، واتهم الناس كاتب السيناريو بالضحالة والتفاهة وتعمد تشويه صورة الست عبر كم من الأكاذيب المغايرة للحقيقة التاريخية والمتعلقة بحياتها الخاصة والعامة.

الذى لا يعرف المصريين، ولا يتفهم الشخصية المصرية، ربما يفاجأ بهذا الموقف، وبردود أفعال الناس، ولكن المتأمل الراصد والمتفهم للعمق الحضارى المتراكم لدى الشعب المصرى يستطيع استيعاب هذه الردود الحادة من غالبية الناس الذين يبدون فى معظم الحالات وكأنهم غير مبالين بما يدور حولهم، وهذا مغاير تمامًا للواقع، فالمجتمع المصرى مجتمع قديم جدًا، وله خبرات جمعية إنسانية متراكمة منذ أقدم العصور، ومفهوم الوطن لدى هذا المجتمع والذى قد يبدو ملتبسًا للبعض، إنما هو مفهوم عميق وراسخ وواعٍ، رغم كل ما يبدو ظاهريًا على أناس هذا المجتمع، وهذا المفهوم يعتنى بالتفاصيل وتجلياتها، سواء أكانت ظاهرة أم باطنة، وعلى سبيل المثال وفى القرن الماضى أثناء حكم الرئيس السادات، وخلال أيام ما قبل عيد الأضحى تم استيراد كمية من الأغنام من دولة المجر وطُرحت فى المجتمعات الاستهلاكية بسعر زهيد، ولكن الناس لم تعجبها هذه الأغنام الصغيرة قصيرة الأرجل مقارنة بالأغنام المصرية أو السودانية المعروفة لديهم ورفضوا شراءها وذبحها كأضحيات.

علينا تذكر استقبال سعد زغلول ورفاقه عند عودته من المنفى، وعلينا تذكر جنازة عبدالناصر وعبدالحليم حافظ وأم كلثوم ذاتها وكيف احتشد الناس فيها، وأذكر أنه فى عزاء حفيد الموسيقار الراحل سيد مكاوى بجامع عمر مكرم احتشد الناس طوابير مطولة للعزاء، وبالطبع كان ذلك ليس فقط حبًا فى الأم المكلومة السيدة إيناس مكاوى، ولكن كان ذلك الاحتشاد المواسى بسبب أن الفقيد هو حفيد ذلك الذى لا يُنسى سيد مكاوى صاحب الليلة الكبيرة والأرض بتتكلم عربى والغناء العظيم لأسماء الله الحسنى، والتى صارت مبتدأ كل عرس من أعراس الناس فى مصر.

إن للمصريين طريقتهم الخاصة والحضارية والساحرة فى التعبير عن حبهم للوطن ومن يعبرون عن روحه العظيمة، لأنهم مدركون أن اللوحة الكلية للوطن إنما تتبدى فى تفاصيل كثيرة بلا حصر تصنعها أيدى أبنائه المواصلين لمسيرة حضارته العظيمة.