المحرر العام
محمد الباز

فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ.. رحلة مع سيرة قناديل دولة التلاوة (ملف)

حرف

يقول رب العزة، فى الحديث القدسى الذى بلغه رسوله الكريم: «إذا ابتليتُ عبدى بحبيبتيه فصبر، عوضته منهما الجنة». «حبيبتاه» هُنا هما العينان، ووفقًا لعلماء التفسير، أطلق عليهما ذلك لأنهما أحب أعضاء الإنسان إليه، وأنفعهما.

وليس الابتلاء بالعمى لسخط على المُبتَلى، بل لدفع مكروه يكون بالبصر، ولتكفير ذنوب، وليبلغ درجة لم يكن يبلغها بعمله.

ولعل أكبر دليل على ذلك، أولئك القراء المبصرون، الذين اختبر الله كلًا منهم بفقدان نور عينيه، فحوّل هذه المحنة إلى منحة، من خلال ما منحه الله إياه من صوت يصدح ويطرب الآذان بخير الكلمات، وهى كلمات كتاب الله تعالى المُنَزَل على رسوله الكريم.

رغم أن أولى آيات كتاب الله كانت «اقرأ»، وهو الأمر القرآنى الذى يعتمد اعتمادًا كليًا على فكرة البصر، إلا أن هُناك من خرج من رحم هذا البلد ليستبدل نعمة البصر بالبصيرة، ويقرأ كلمات كتاب الله بقلبه لا بعينيه، يحفظها عن ظهر قلب، يتعمق فى معانيها وتفاسيرها، يجودها ويرتلها، للدرجة التى تشعرك بأن كتاب الله عز وجل محفور بحروف من نور داخل قلبه وعقله دون أن يراه.

نعمة ومنحة اختص الله بهما عباده المؤمنين، وجلعتهما يتميزون عن أقرانهم المبصرين بنعمة حفظ وتلاوة آيات كتاب الله، ليشعروا مع مرور الوقت بأن تلك المحنة هى ميزة ونعمة لا يملكهما أحد غيرهم.

وقد كرم الله هذه البلدة المباركة، التى ذكرها الله فى كتابه الكريم 5 مرات، وقال عنها «اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُم»، بأن يخرج منها خيرة قراء القرآن الكريم، وهى النعمة التى لم تقتصر على المبصرين فحسب، ولكن منحها الله لعباده من فاقدى البصر، لتكون خير تكريم لهم، بداية من الشيخ والقارئ على محمود، والشيخ عبدالعزيز على فرج، مرورًا بالشيخ عبدالعزيز حصان، والقارئ محمد عُمران، حتى نصل إلى قيثارة السماء وصوت شهر رمضان المُبارك القارئ الشيخ محمد رفعت، ليكون مسك الختام الذى يؤكد للجميع أن مصر منجم ماس لا ينضب من الأصوات والمواهب، وهو ما ظهر جليًا فى نجوم برنامج «دولة التلاوة»، الذى عُرض مؤخرًا وظهر من خلاله شباب منحهم الله الموهبة والقبول، أمثال القارئ الشيخ محمد أحمد حسن، والشيخ أحمد على، والقارئ عطية الله رمضان.

عن سيرة قراء منحهم الله نعمة البصيرة وجعلهم صوتًا لكلمات كتابه العزيز القرآن الكريم، تُبحر «حرف» فى سيرة قناديل دولة التلاوة.

 

محمد رفعت.. الصوت الذى يرى

خلق الله الصوت يُسمع ولا يُرى، ولكن هل رأيتم الصوت الذى يُسمع ويُرى، وكيف لا؟! وهو الصوت الذى يحمل أداءً تصويريًا لم يسبقه إليه أحد، صوته وهو يتلو آيات الذكر الحكيم من سورة مريم ارتبط فى الأذهان بهرولة المارة للحاق بمدفع الإفطار فى شهر الصوم، ترتيله ونس طبلية إفطار رمضان قبل السفرة -مشتتة الأحباب- صوته لم ينافسه فى تلك اللحظات إلا همهمات دعاء الصائمين الطامحين فى العفو والمغفرة والمفازة بدقائق يُستجاب فيه الدعاء ولا يُرد فيها سائل.

ها هم الجالسون أمام الطبالى وأحباب الله على موائده فى شوارع المحروسة صامتين يحدقون النظر بما لذ وطاب، ينتظرون أن ينطق صوته عبر الأثير «صدق الله العظيم»، ليشمروا عن أذرعهم لوليمة تحمل ما لا يُعد ولا يُحصى من نعم الله، وأولى هذه النعم صوت قيثارة السماء محمد رفعت. ابن المغربلين بوسط القاهرة، منع الله عنه نعمة البصر ومنحه البصيرة، حيث فقد بصره وهو فى مرحلة الطفولة ولكن أراد الله له عوضًا يستعجب منه أهل الأرض، منحه الله صوتًا كُتب له أن يعيش أبد الدهر، لم يرتبط صوته بلحظات أذان مغرب رمضان فحسب، ولكن يمكن اعتبار صوته رفيق رحلة وصاحب طريق، فصوت رفعت الذى ينطلق عبر أثير إذاعة القرآن الكريم يوميًا فى تمام السابعة صباحًا هو صديق الفلاح فى أرضه لتختلط عذوبة صوته بقطرات الندى على الأرض الطيبة، وهو زاد الكادح السائر قاصدًا قوت يومه، وبشرى الطالب فى طريقه إلى محراب علمه.

هو صوت السماء الذى يُرى، أحد أبدع وأعذب من تلا آيات الذكر الحكيم والذى اقترن صوته بمناسبات وذكريات قلما أن يتناساها أحد، والذى ولد فى العام ١٨٨٢ فى حى «المغربلين» بمنطقة الدرب الأحمر فى مدينة القاهرة، ونشأ فى عائلة من الطبقة المتوسطة، وكان والده ضابطًا فى الشرطة وقد عاش طفولته فى الحى الشعبى الذى ولد فيه، وعانى من فقدان بصره وهو لا يزال فى الثانية من عمره، حيث أصيب بمرض فى إحدى عينيه، ونظرًا للإهمال فى العلاج ضعف بصره شيئًا فشيئًا حتى فقد القدرة على الإبصار بإحدى عينيه، أما الأخرى فكان يرى بها شيئًا يسيرًا.

أرسله والده فى سن الخامسة إلى كُتّاب مسجد فاضل باشا فى درب الجماميز فى منطقة السيدة زينب، حيث تولى الشيخ محمد حميدة تعليمه، حتى حمل كتاب الله عز وجل، وفى سن التاسعة أتم الحفظ وبدأ بتعلم التجويد مع الشيخ محمد البغدادى والشيخ السمالوطى، ودرس القراءات السبع ونال إجازته، كما كانت له عناية واهتمام بدراسة التفسير.

عانى قيثارة السماء من اليتم، حيث توفى والده وهو لا يزال فى التاسعة من عمره، فوجد نفسه مضطرًا لتحمل مسئولية عائلته، وتولى القراءة بمسجد فاضل باشا بحى السيدة زينب سنة ١٩١٨م وهو فى سن الخامسة عشرة ليصرف على أسرته، فنال شهرة بين الأوساط المختلفة ومحبة الناس.

افتتح الشيخ محمد رفعت بث الإذاعة المصرية سنة ١٩٣٤م، وذلك بعد أن استفتى شيخ الأزهر محمد الأحمدى الظواهرى عن جواز إذاعة القرآن الكريم فأفتى له بجواز ذلك فافتتحها بقول من أول سورة الفتح «إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا»، ولما سمعت الإذاعة البريطانية بى بى سى العربية صوته أرسلت إليه وطلبت منه تسجيل القرآن، فرفض ظنًا منه أنه حرام لأنهم غير مسلمين، فاستفتى الإمام المراغى، فشرح له الأمر وأخبره بأنه غير حرام، فسجل لهم سورة مريم.

فى عام ١٩٤٣م أصيب بمرض «الزغطة» وحار فيه الأطباء ولم يجدوا له علاجًا، وفى البداية كانت تلازمه الزغطة لساعات، ولمّا اشتد مرضه كانت تهاجمه أغلب ساعات يومه دون انقطاع، ما جعله غير قادر على التلاوة أو حتى الكلام، وقد كان سبب الزغطة ورمًا فى حنجرته يُعتقد أنه سرطان الحنجرة، ثم توالت عليه الأمراض فأصيب بضغط الدم، والتهاب رئوى حاد.

وقد جمع له أصدقاؤه ومحبوه تبرعات مالية بلغت ٥٠ ألف جنيه لينفقها على علاجه، كما ألح عليه الملك فاروق للتكفل بالعلاج؛ فرفض قبول أى أموال، حتى فارق الحياة فى عام ١٩٥٠.

محمد عُمران.. سلطان الابتهالات

«فكم لله من لُطفٍ خفى، يَدِقُّ خَفاهُ عَن فَهمِ الذَكى، وَكَم يُسرٍ أَتى مِن بَعدِ عُسرٍ، فَفَرَّجَ كُرْبَةَ القَلْبِ الشَجىّ».. ابتهال عاش وسيظل أبد الدهر عالقًا فى أذهان المصريين، يونس ليلهم ويشحذ نهارهم، يعلق آمالهم بالله ويجعلهم دائمًا واثقين أن كم لله فى ابتلائه من ألطاف خفية لا يعلمها إلا هو، ابتهال صدحت بها سماء المحروسة على لسان الشيخ محمد عُمران، ابن الصعيد الجوانى، حيث ولد فى جنوب مصر وبالتحديد فى محافظة سوهاج فى العاشر من أكتوبر من العام 1944.

حفظ القرآن فى العاشرة وتعاون مع محمد عبدالوهاب

تحدى الشيخ عمران إعاقته البصرية منذ الطفولة، وتمكن من حفظ القرآن الكريم فى العاشرة من عمره، والتحق بمعهد المكفوفين بالقاهرة وعمره ما زال ١١ عامًا، حيث تلقى علوم القراءات والابتهالات والمقامات على أيدى كبار المشايخ، وتلقى دروس الإنشاد والموشحات الدينية على يد الشيخ سيد موسى، ومن هنا بدأت رحلته فى عالم التلاوة، حتى تم تصنيفه من ألمع قراء مصر والعالم العربى.

التحق الشيخ محمد عمران بشركة حلوان للمسبوكات قارئًا فى مسجدها، وفى أوائل السبعينيات اعتمدته الإذاعة المصرية مؤديًا ومبتهلًا للموشحات، وبدأ بألحان الموسيقار حلمى أمين، ثم شاركه بصوته فى ألحان برامج دينية، كما أدى الشيخ ألحانًا أخرى للشيخ سيد مكاوى، وحين سمعه موسيقار الأجيال الراحل محمد عبدالوهاب أعجب بصوته كثيرًا وسجل معه بعض الابتهالات، وبدأت بصمات الشيخ تظهر عبر الابتهالات الإذاعية.

اختير الشيخ محمد عمران قارئًا بمسجد أحمد عبدالمنعم بالجيزة، وحرصت إذاعات عربية عدة على تسجيل القرآن والابتهالات بصوته، ومنها إذاعة المملكة العربية السعودية والبحرين وعمان، وغيرها من الدول.

الشيخ محمد عُمران أحيت وزارة الأوقاف المصرية العام الماضى ذكراه، حيث قالت إن اسم الشيخ محمد عمران مقترن بمحطات مهمة فى خدمة كتاب الله، إذ سجّل العديد من الأناشيد والابتهالات للإذاعة المصرية، منها «أسماء الله الحسنى» و«أدركنا يا الله»، كما شارك فى الاحتفالات الدينية الكبرى، بما فيها المولد النبوى الشريف وآل البيت، والأمسيات الدينية بدار الأوبرا المصرية، ليترك بصمة واضحة فى المشهد الدينى المصرى والعربى، كما لم يقتصر عطاؤه على مصر فقط، بل وصل صوته إلى العالم الإسلامى، ليكون قدوة للأجيال فى الالتزام بدقة التلاوة وجمال الأداء، مؤسسًا مدرسة خالدة تجمع بين الأصالة والابتكار فى التلاوة والابتهال.

للشيخ والمبتهل محمد عُمران عدة ابتهالات شهيرة ظل المصريون يسمعونها ويرددونها، منها ابتهال: سبحان من عنت الوجوه لوجهه فهو الكريم يجيب من ناداه هو أول هو آخر هو ظاهر هو باطن ليس العيون تراه.

وكذلك الابتهال الشهير: «الله ربى للهدى يهدينى وهو الذى من فضله تكوينى، قد جئت للدنيا لطاعة ذاته، أدعوه دومًا أن يكون يقينى، وإليه أخشع قانتًا متبتلًا فعبادة الرحمن أصل الدين».

كما قدم الشيخ عمران الابتهال الأشهر: «الليل أقبل والوجود سكون بالليل راحت تستريح جفون وهناك أحلام الخيال توافدت، تترى فتسبح فى الخيال عيون والروح تمضى فى مجالات العلا وهناك فى نهر الصفاء تكون فضل من الله العظيم».

الشيخ محمد عمران توفى ٦ أكتوبر ١٩٩٤ عن عمر يناهز ٤٩ عامًا، تاركًا إرثًا صوتيًا نادرًا رغم ندرته، حيث نجح فى احتلال مساحة ومكانة فى عقول وقلوب المصريين لم ولن ينسوها.

على محمود.. كروان المنشدين

علي محمود

من حى الجمالية الشعبى والتراثى فى قلب القاهرة التاريخية ومن درب الحجازى أنعم الله فى العام 1878 بصوت جاء ليُنير سماء المنشدين وقراء القرآن الكريم، حيث ولد الشيخ على محمود صاحب الحنجرة الذهبية والذى شكل فيما بعد الموسوعة الحية للمقامات العربية، حيث كانت حنجرته لا تكتفى فقط بتلاوة آيات كتاب الله، بل كان يفسر القرآن فى تلاوته، ويشكل الوجدان الإسلامى بالابتهال.

 اكتشف طه الفشنى وزكريا أحمد ورفعت والبهتيمى خرجا من عباءته

الشيخ على محمود مثله مثل باقى من أنعم الله عليهم بنعمة البصيرة وحُرم من نعمة البصر نتيجة مرض أصابه فى سن مبكرة من طفولته ليجد نفسه زائرًا دائمًا للكُتاب، حيث تعلم تلاوة القرآن الكريم على يد الشيخ هاشم الشبراوى فى كتاب مسجد السيدة فاطمة أم الغلام بمنطقة الحسين، وأتم حفظه فى سن الحادية عشرة، كما أخذ قراءاته على يد الشيخ مبروك حسنين، ثم درس الفقه على يد الشيخ عبدالقادر المزنى، ولشدة حبه للقرآن الكريم تعلم المقامات الموسيقية على يد الشيخ محمد عبدالرحيم المسلوب، ليستخدم المقامات فى رفع الأذان، وكذلك الموشحات والإنشاد الدينى، وكانت طريقته المميزة فى رفع الأذان والابتهالات فى مسجد الحسين سببًا فى أن يتحول المسجد إلى ملتقى لمريدى سماع تواشيح وابتهالات وتلاوات الشيخ من شدة روعتها وبريقها.

التحق الشيخ على محمود بالأزهر الشريف، وهناك لم يكتفِ بالحفظ والتلقين للمواد التى يدرسها، بل تعمق فى علوم التجويد والقراءات السبع على يد كبار المقرئين فى ذلك الوقت مثل الشيخ مبروك حسنين، كما درس علوم الفقه والتفسير واللغة العربية وتعمق فى دراسة علوم الموسيقى الشرقية والمقامات.

تم تعيين الشيخ على محمود فيما بعد قارئًا ومؤذنًا رسميًا بمسجد الإمام الحسين، وهو المنصب الذى كان يُعتبر هرم القراء فى ذلك الزمان، وكان يقيم ليلة أسبوعية يقرأ فيها القرآن وينشد الابتهالات ويأتى إليه المريدون من شتى أنحاء البلاد، كما كان إحدى الركائز الأساسية فى إذاعة القرآن الكريم حين التحق بالإذاعة فى العام ١٩٣٩، سواء بتلاوته التى كانت تُطرب الأذان أو عبر تواشيحه وابتهالاته.

الشيخ على محمود لم يكتف بموهبته، التى أنعم الله بها عليه، بل عمل على اكتشاف نجوم وأعمدة لدولة التلاوة فى مصر، ومن أشهرهم القارئ الشيخ محمد رفعت الذى استمع إليه الشيخ على مرة سنة ١٩١٨م يقرأ وتنبأ له بمستقبل زاهر، للدرجة التى بكى عندما عرف أنه كفيف، كما كان الصوت العذب طه الفشنى عضوًا فى بطانة الشيخ على محمود حتى صار سيد فن الإنشاد بعد الشيخ على محمود، وكذلك القارئ العملاق كامل يوسف البهتيمى، الذى خرج من عباءة الشيخ على محمود، مرورًا بالشيخ محمد الفيومى وعبدالسميع البيومى، حتى إن الشيخ والملحن الكبير زكريا أحمد كان من اكتشف الشيخ على محمود وأحد أعضاء بطانته.

وفى العام ١٩٤٦ غادر سيد المنشدين وإمام القراء الشيخ على محمود الدنيا تاركًا أثرًا لا يُمحى مشكلًا إحدى أركان دولة التلاوة فى مصر التى لن يستطيع أن يضايها أحد مهما مر الزمان.

عبدالعزيز فرج.. النداء الخاشع

لُقب بـ«القارئ الخاشع» و«الصوت الزاهد»، فهو ابن قرية ميت الوسطى التابعة لمركز الباجور بمحافظة المنوفية، حيث أراد له الله أن يخرج إلى الدنيا فى 22 يناير من العام 1927 كفيفًا لا يبٌصر إلا نور القرآن الكريم، ليتعلم القراءات على يد الشيخ أحمد الأشمونى، فى كُتاب القرية فى سن مبكرة من حياته، قبل أن يترك القرية والمحافظة التى ولد فيها تاركًا كل شىء إلا ما حمله من آيات كتاب الله عز وجل، الذى ترسخ فى وجدانه وذاكرته.

أول قارئ فجر فى الإذاعة.. وتفوق على 170 متسابقًا فى اختبارات الأصوات

بعد انتقال «فرج» إلى العيش فى القاهرة، وبالتحديد فى منطقة حكر أبودومة فى حى شبرا، بدأ العمل كمقرئ للقرآن الكريم فى الإذاعة المصرية وفى المساجد الكٌبرى بالقاهرة وشارك فى العديد من الاحتفالات، وخاصة فى شهر رمضان المبارك، كما قام بتسجيل عدد من السور والابتهالات بصوته، وبعد زواجه استمر فى العيش بحى شبرا ليتخذ من مقهى الفقهاء فى شارع أبوالعلا ملتقى للقاء القراء والمبتهلين، وأصبح من بعدها صاحب صوت مُميز له العديد من المريدين الذين ينتظرون الليالى التى يُحييها الشيخ عبدالعزيز على فرج ليستمعوا فيها إلى آيات الذكر الحكيم بصوته.

فى عام ١٩٦٢ تقدم «فرج» لاختبار الإذاعة المصرية، وكان عدد المتقدمين وقتها ١٧٠ قارئًا، لم يُقبل منهم إلا أربعة منهم الشيخ عبدالعزيز على فرج، لتبدأ رحلته مع الإذاعة المصرية وبالتحديد إذاعة القرآن الكريم.

«اللقاء الأول سوف يكون مع تلاوة مباركة من آيات الذكر الحكيم مع الشيخ عبدالعزيز على فرج».. هكذا قدمته الإذاعة المصرية عبر أثير راديو القرآن الكريم فى أول بث وتلاوة لصلاة الفجر عبر الإذاعة، التى انطلقت من مسجد الحُسين، حيث سطع صوته فى سماء القاهرة بقول الله تعالى فى الآية ٧٣ من سورة الحج: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ»، ليخلد الشيخ عبدالعزيز على فرج اسمه بحروف من نور فى تاريخ التلاوة المصرية بعد أن نال شرف تلاوة كتاب الله فى أول قرآن فجر، يبث عبر إذاعة القرآن الكريم من القاهرة.

«الصوت الزاهد» كما لُقب حينها جاء من ترفع وزٌهد الشيخ عبدالعزيز على فرج، حيث ووفقًا لشهادات مقربين منه فى ذلك الوقت كان شخصًا متواضع الحالة المادية، بسيطًا فى معيشته، يرى أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون مصدرًا للتربح والكسب، بل يكتفى بقوت يومه دون إسراف، ولم يذكر أنه طلب أجرًا محددًا طوال مسيرته لإحياء ليلة رمضانية أو تلاوة فى مناسبة ما، بل كان يترك الأمر تقديريًا لأصحاب الشأن.

عُرف عن الشيخ عبدالعزيز على فرج عبقريته وسلاسته فى الانتقال بين المقامات المختلفة دون تمهيد، حيث يفاجئ المستمع بانتقاله من مقام إلى مقام آخر بصوت به من الخشوع والرزانة، ما جعله مميزًا بين أقرانه من القراء دون الإخلال بالأحكام التى هى أساس تلاوة القرآن الكريم، يحلق فى أعلى المقامات حيث الجواب وجواب الجواب وغيرهما من القدرات التى تثبت كفاءتها كقارئ من أركان دولة التلاوة المصرية ومؤسسيها.

توفى القارئ الشيخ عبدالعزيز على فرج ١٧ مارس عام ١٩٧٧، عن عُمر يناهز الـ٥٠ عامًا، متأثرًا بمضاعفات مرض السكرى، بعد رحلة حافلة فى خدمة كتاب الله، ترك فيها إرثًا واسمًا سيخلدان عبر السنوات ويكونان خير عمل وسيرة له.

عبدالعزيز حصّان.. بشارة يوم العبور

هو محمد عبدالعزيز حصّان، ابن قرية الفرستق التابعة لمركز كفرالزيات بمحافظة الغربية، والذى ولد فى العام 1928 ليتم حفظ القرآن الكريم ويتقن القراءات السبع قبل بلوغه العاشرة من عمره، كما حفظ متن الشاطبية فى فترة وجيزة، ليبرز نبوغه المبكر فى علوم التلاوة وأحكام القرآن، ليصبح فيما بعد أحد أعمدة دولة التلاوة ليس فى مصر فحسب ولكن فى العالم العربى بشكل عام.

 قرأ فجر انتصار أكتوبر بالصدفة وكافأه السادات بـ«السيد البدوى»

أصيب الشيخ محمد عبدالعزيز حصّان بمرض مفاجئ خلال مرحلة الطفولة، وبالتحديد فى سن السادسة من عمره جعله يفقد بصره ليتجه بعدها والده إلى ضرورة تحفيظه آيات كتاب الله فالتحق بكُتّاب الشيخ عرفة الرشيدى بقريته فى كفرالزيات، وأتم حفظ القرآن الكريم وأتقن القراءات السبع كما ذكرنا سابقًا.

منذ سن الخامسة عشرة، بدأ الشيخ محمد عبدالعزيز حصّان قراءة وتلاوة القرآن الكريم فى المحافل والسهرات الدينية، واشتهر بصوته العذب والرصين، حتى نجح فى تأسيس مدرسة مستقلة بفن التلاوة أصبحت فيما بعد نبراس للقراء والباحثين، لما له من أداء خاشع وصوت قوى وحنجرة فولاذية تجمع بين جمال النغم ودقة الأحكام دون إخلال بالمعنى.

اجتاز الشيخ محمد عبدالعزيز حصّان اختبارات لجنة القراء بالإذاعة فى يناير عام ١٩٦٤ بدرجة امتياز، ليصبح أحد أعمدة إذاعة القرآن الكريم فيما بعد خلال تلك الفترة، كما شارك حفلات تلاوة بدول الخليج وعدد من الدول العربية والإسلامية، ونال تقديرًا واسعًا من الجماهير والمؤسسات الدينية فى مختلف دول العالم العربى والإسلامى.

اشتهر الشيخ حصان بأنه صاحب الاستهلال المميز والتلوين النغمى، لأنه يبتكر أسلوبًا جديدًا فى البدء والوقف، وتدريج طبقات الصوت وتنويعها بما يجعل المستمع فى قمة التركيز والإعجاب بصوته.

عندما وقعت نكسة ٥ يونيو ١٩٦٧ كان للشيخ عبدالعزيز حصّان أمنية ودعوة دائمًا يرددها ويطلبها من الله، وهى أن يقرأ قرآن فجر اليوم الذى تحارب فيه مصر العدو الإسرائيلى وتحرر سيناء من دنس الصهاينة، حتى جاء اليوم الموعود وهاجمت مصر سيناء وعبر الجيش المصرى خط بارليف يوم السادس من أكتوبر من العام ١٩٧٣، ووقع حينها الاختيار على الشيخ محمود البيجرمى ليقرأ قرآن فجر هذا اليوم، إلا أنه ولظرف خارج عن إرادته اعتذر الشيخ البيجرمى وطلب من الشيخ حصّان أن يحل بديلًا عنه، وبالفعل تم اختياره ليقرأ قرآن فجر يوم العبور لتتحقق أمنيته فى فجر السابع من أكتوبر من العام ١٩٧٣ بعد أن عبرت القوات المصرية خط بارليف واستعاد الجيش المصرى سيناء.

عُين الشيخ عبدالعزيز حصّان قارئًا للقرآن الكريم فى المسجد الأحمدى بمدينة طنطا بقرار جمهورى من الرئيس محمد أنور السادات وذلك فى عام ١٩٨٠، ويعتبر عبدالعزيز حصان القارئ الوحيد فى تاريخ الإذاعة والتليفزيون الذى قرأ قرآن الفجر وقرآن الجمعة فى يوم واحد فى الإذاعة المصرية فى مدينتين مختلفتين، وكان ذلك فى عام ١٩٨٥.

توفى الشيخ محمد عبدالعزيز حصّان فى يوم الجمعة الثانى من مايو عام ٢٠٠٣، تاركًا للإذاعة للمصرية والعربية وللمسلمين فى جميع بقاع الدنيا كنوزًا من التلاوات التى بها من الخشوع ما جعله إحدى ركائز رجال دولة التلاوة فى مصر.

كنوز المستقبل.. لسه صوت مصر بخير

الشيخ حسن عبدالنبى: قرأوا القرآن من أجل القرآن.. ولم يبتغوا التباهى أو التفاخر

العالم الأزهرى مصطفى الدسوقى: حولوا فقدان البصر من محنة إلى منحة