الأحد 07 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

شفرة محمود عبدالعزيز.. المزاجنجى الذى سطر تاريخه بمنتهى الجدية

حرف

- فى أسبوع واحد فقط ظهر له اثنان من أهم أفلامه هما «الكيف» و«عفوًا أيها القانون» وبعدهما ظهر فيلم «البرىء» فى مهرجان القاهرة السينمائى الدولى

- «الكيف» كان بمثابة هدية لكل المشاركين فيه

- فى عام 1985 تمرد محمود عبدالعزيز على صورة شاب السبعينيات الوسيم.. وقرر أن يكون صورة من المواطن البسيط

- اكتشفتُ أنه عندما ظهر إعلان فيلم «المجنونة» كان بجواره خبر عن سيدة تضرب زوجها وتُلقى ملابسه من البلكونة!

قدم المزاجنجى لكنه لم يكن مزاجيًا، ولعب دور العربجى متخليًا عن وسامته، وتقمص شخصيتى الضابط والجاسوس، وأتقن دور الطبيب، وبرع فى أدائه كمريض نفسى، ووضع بصمته على شخصية الموظف الذى يضطر للعمل سائقًا، وجعلنا نتعاطف مع النصاب!

كل تلك الأدوار قدمها النجم الكبير محمود عبدالعزيز فى عام واحد فقط هو 1985. ربما لذلك تذكرت الإعلان الشهير فى التسعينيات الذى يقول: «محمود.. إيه ده يا محمود».

صحيح، إيه ده يا محمود؟! كيف جمعت بين تلك الأدوار الخالدة والمؤثرة والجريئة والملهمة فى عام واحد فقط؟

لكن قبل أن أصل إلى هذا العام تأملت ما فعله محمود عبدالعزيز طوال مسيرته الفنية، وتوقفت أمام أكثر من عام مهم فى مسيرته.

فى البداية ظننت أن عام 1978 هو الأنسب، فقد قدم فيه محمود عبدالعزيز 10 أفلام من بينها: «شفيقة ومتولى» مع سعاد حسنى وأحمد زكى، و«امرأة بلا قلب» مع سهير المرشدى، و«وادى الذكريات» مع شادية، و«ضاع العمر يا ولدى» مع رشدى أباظة، و«امرأة فى دمى» مع سهير رمزى.

لكن عام 1978 رغم كونه الأكثر إنتاجًا، فإنه لم يكن الأكثر جودة وتأثيرًا وتنوعًا فى مسيرة محمود عبدالعزيز.

وتركتُ عام 78، وقفزت عشر سنوات إلى الأمام نحو عام 1988 حين ظهر رأفت الهجان، أحد أهم الأعمال فى تاريخ الدراما العربية، لكن هذا العام لم يقدم فيه محمود عبدالعزيز سوى فيلمين هما «نهر الخوف» و«سمك لبن تمر هندى» ورغم احتفاء كثير من النقاد بهما فإنهما لم يكونا الأكثر تأثيرًا فى مسيرته.

وألقيت نظرة على عام «الكيت كات» أو بمعنى أدق عام 1991، لكن لم يصمد أمام الزمن سوى الشيخ حسنى الذى رغم عظمته لم يكن كافيًا لصناعة العام الأهم.

وهنا وجدت ضالتى فى عام 1985 الذى تمرد فيه محمود عبدالعزيز على صورة الشاب الوسيم، وقرر أن ينحاز للمواطن البسيط بأحلامه وكوابيسه، ولعب بطولة تسعة أفلام- بعضها صار علامة فى تاريخه وتاريخ السينما المصرية- هى «الكيف» و«الشقة من حق الزوجة» و«إعدام ميت» و«الطوفان» و«عفوًا أيها القانون» و«الصعاليك» و«الدرب الأحمر» و«المجنونة» أما الفيلم التاسع فهو «البرىء» الذى عُرض لأول مرة فى ديسمبر 85 بمهرجان القاهرة السينمائى، لكنه لم يعرض لجمهور السينما إلا فى أغسطس عام 1986.

الشقة من حق الزوجة

فى صباح أول أيام عام ١٩٨٥ وفى الصفحة الأخيرة من جريدة الأخبار ظهر إعلان عبارة عن سؤال: «هل الشقة من حق الزوج أو الزوجة؟».

لم يقل الإعلان شيئًا آخر، وترك السؤال كلغز يحير القراء حتى يوم السابع من يناير.

وانشغل الناس بأسعار الدولار الذى انخفض من ١٣٣ قرشًا إلى ١٢٧ قرشًا، ومعه صار سعر كيلو الطماطم ٤٠ قرشًا فقط.

وأصدرت محكمة النقض مجموعة من المبادئ التى تخص قانون الأحوال الشخصية من بينها الطلاق للضرر إذا عجز القاضى عن الإصلاح بين الزوجين.

وفى يوم الإثنين السابع من يناير ظهر إعلان فيلم «الشقة من حق الزوجة» بطولة محمود عبدالعزيز ومعالى زايد وجورج سيدهم، قصة وسيناريو وحوار فراج إسماعيل وإخراج عمر عبدالعزيز، وإنتاج مطيع زايد خال الفنانة معالى زايد.

وفى نفس الصفحة ظهرت إعلانات أفلام أخرى من بينها «عندما يبكى الرجال» لمديحة كامل ونور الشريف وفريد شوقى، و«جبروت امرأة» لنادية الجندى، و«لا تسألنى من أنا» لشادية ويسرا وفاروق الفيشاوى، و«الحدود» لدريد لحام ورغدة.

أما عادل إمام فقد ظهر له فى نفس الصفحة ثلاثة إعلانات لثلاثة أفلام هى «مين فينا الحرامى» و«خلى بالك من عقلك» و«حتى لا يطير الدخان.. الفيلم الذى شاهده حتى الآن أكثر من مليون و٢٠٠ ألف شخص».

ورغم صعوبة المنافسة فإن فيلم «الشقة من حق الزوجة» استطاع أن يجمع بين إقبال الجمهور وإشادة النقاد، وقدم محمود عبدالعزيز- من خلال شخصية سمير الموظف فى إحدى المصالح الحكومية- واحدًا من أفضل أدواره رغم أنه فى البداية رفض الدور، ورأى أنه غير مناسب له، ورشح له صديقه سمير غانم باعتباره الأنسب.

لكن بعد إلحاح المخرج عمر عبدالعزيز وافق «محمود» وأصبح الفيلم بمثابة نقطة تحول كبيرة فى مسيرته الفنية.

الصعاليك

وبعد شهر واحد فقط من عرض فيلم «الشقة من حق الزوجة»، وأثناء انشغال الصحف بقضية فتاة المعادى التى أثبت تقرير الطب الشرعى أنها ما زالت عذراء رغم الاعتداء عليها من مجموعة من الشباب ظهر لمحمود عبدالعزيز فيلم «الصعاليك» تأليف وإخراج داود عبدالسيد وشارك فى بطولته نور الشريف ويسرا.

ولم يكن محمود ونور هما الترشيح الأول، فقد ذهب الفيلم أولًا إلى عادل إمام وسعيد صالح، وبعد أن اعتذرا صار من نصيب نور الشريف ومحمود عبدالعزيز.

و«صلاح» فى الصعاليك لا يشبه «سمير» فى الشقة من حق الزوجة، فكلاهما ينتمى لعالم مختلف تمامًا عن الآخر مثلما تختلف رؤية داود عبدالسيد عن عمر عبدالعزيز.

فسمير موظف، وصلاح نصاب ومُهرب استطاع صعود أعلى درجات السلم الاجتماعى عن طريق عمليات مشبوهة مع صديقه مرسى الذى صار يفكر فى دخول البرلمان بعد أن كان مسجونًا بتهمة القتل.

محمود عبد العزيز، ساحر السينما المصرية الذي أبكاه فيلم "إعدام ميت" مرتين

إعدام ميت

وفى الثالث من مارس عام ١٩٨٥ نشرت الصحف المصرية تصريحات الرئيس ياسر عرفات التى أشاد فيها بموقف الرئيس مبارك من القضية الفلسطينية.

وفى نفس اليوم ونفس الصحيفة ظهر إعلان واحد من أهم أفلام العام وهو «إعدام ميت» تأليف إبراهيم مسعود وإخراج على عبدالخالق وبطولة محمود عبدالعزيز وفريد شوقى ويحيى الفخرانى وبوسى وليلى علوى.

والفيلم مأخوذ عن قصة «الصفقة» التى تم تقديمها أولًا كمسلسل إذاعى لعب بطولته النجم صلاح قابيل ومديحة سالم.

ولعب محمود عبدالعزيز فى فيلم «إعدام ميت» دورين لاثنين يشبهان بعضها إلى حد التطابق رغم أنهما لا يمتان إلى بعضهما بصلة، أحدهما ضابط، والآخر جاسوس محكوم عليه بالإعدام، ليقدم «محمود» لجمهوره خلال ثلاثة أشهر فقط أربعة أدوار شديدة التباين. 

وفى اليوم التالى لعرض الفيلم فرح محمود عبدالعزيز ببراءة ثلاثة من أصدقائه بعد صدور حكم محكمة جنح بولاق الدكرور مستأنف ببراءة النجم عادل إمام والمخرج رأفت الميهى والمخرج يوسف شاهين «موزع الفيلم» من تهمة سب المحامين فى فيلم الأفوكاتو بعد أن قضت محكمة أول درجة بمعاقبة المتهمين بالحبس سنة مع الشغل.

حكاية دور رفضه يحيي الفخراني فصنع نجومية محمود عبدالعزيز (تقرير) | المصري  اليوم

الكيف

بعد أسبوع واحد فقط من تقديم محمود عبدالعزيز شخصية «على» بكل عُقدها، قدم واحدًا من أهم الأدوار فى مسيرته الفنية وهو دور «مزاجنجى».

و«جمال» الذى يشتهر بين الناس بـ«مزاجنجى» الشاب الذى يتعاطى المخدرات، ويقرر العمل مطربًا يُحيى الأفراح الشعبية، ويحاول شقيقه الكيميائى صلاح إقناعه بالإقلاع عن المخدرات فيقوم بإعطائه قطعة حشيش صُنعت فى المعمل من مواد عطارة غير ضارة وينصحه باستخدامها وتقديمها لأصدقائه بدلًا من الحشيش، وتنال التركيبة إعجاب أحد تجار المخدرات، ويسقط صلاح مثلما سقط جمال.

وفى يوم الإثنين ١٦ سبتمبر نشرت صحيفة الأخبار خبرًا عن سائق أتوبيس حاول تفادى سيارة معطلة فاختلت عجلة القيادة فى يده، وحطم ٢٤ سيارة تحت كوبرى أكتوبر بالعجوزة.

وفى نفس الصفحة خبر آخر عن مصرع تاجر بالدقى بعد أن تناول جرعة كبيرة من الهيروين، وبجوار هذا الخبر ظهر إعلان فيلم «الكيف» بطولة محمود عبدالعزيز ونورا ويحيى الفخرانى وجميل راتب، قصة وسيناريو وحوار ومنتج فنى محمود أبوزيد وإخراج على عبدالخالق.

«الكيف» كان بمثابة هدية لكل المشاركين فيه، وعلى رأسهم محمود عبدالعزيز الذى برع فى أداء شخصية «مزاجنجى» وتفوق على نفسه، ووضع بصمة على الشخصية صار من المستحيل أن يتم تجاوزها.

لكن من أكثر المستفيدين من الفيلم الفنان جميل راتب الذى تردد كثيرًا قبل الموافقة على أداء دور «البهظ بيه»، وذلك لابتعاد الشخصية تمامًا عن شخصيته، واستخدامها ألفاظًا لم يسمع بها من قبل، وتعجب من اختيار المُخرج والمؤلف له، لكنه قبل الدور دون اقتناع تام، وفوجئ بالنجاح الكبير الذى حققه، وبالجوائز التى حصل عليها.

ويُحسب للكاتب محمود أبوزيد وللمخرج على عبدالخالق أنهما جعلا كل من مر أمام الكاميرا يترك بصمته الخاصة، لذا ما زال الجميع يذكر «الكرف» و«بيصى» و«ستامونى». 

لكن رغم أن الفيلم يسخر من الأصوات النشاز التى يمثلها «المزاجنجى» لكن نهاية الفيلم انتصرت له حين وجد أن سائق التاكسى ينسجم مع الأغانى بعد أن اعتاد عليها.

وخرجت الأغانى من شاشة السينما إلى أرض الواقع، وصار محمود عبدالعزيز مغنيًا ينافس المطربين بعد أن أُنتج له شريط كاسيت يحمل اسم «الكيمى كيمى كا» ويحتوى الشريط على أشهر أغانى الفيلم، وحقق الشريط نجاحًا كبيرًا فى سوق الأغنية الشعبية.

وظلت إعلانات الفيلم تنشر فى الصحف، وتصادف وجودها بجوار خبر يقول: «أرسلت شرطة مكافحة المخدرات عشرة كلاب بوليسية مدربة إلى نادى الجزيرة لضبط المدمنين حيث تتمكن الكلاب من معرفة كل أنواع المخدرات التى يخفيها الشباب».

محمود عبد العزيز مع سهير رمزى - الدرب الأحمر 1980

الدرب الأحمر

وبعد أقل من شهر من تقديم محمود عبدالعزيز دورى الضابط والجاسوس فى «إعدام ميت» يقدم دور الطبيب فى فيلم «الدرب الأحمر».

وظهر «الدرب الأحمر» فى الأول من أبريل حين نشرت الصحف إعلانًا تصدرته عبارة مثيرة: «وأخيرًا صرحت الرقابة بعرض الفيلم الكبير»، ويُعرض اليوم بسينما ليدو بعماد الدين ومصر بالزقازيق والثقافة ببنها وشبين الكوم.

والفيلم هو «الدرب الأحمر» بطولة سهير رمزى ومحمود عبدالعزيز وتوفيق الدقن ومحمود إسماعيل، تأليف منى حجازى وسيناريو وحوار إبراهيم الدروانى، وإخراج عبدالفتاح مدبولى.

وتدور قصة الفيلم عن المعلم سلطان «محمود إسماعيل» الذى يسعى إلى طرد سكان عماراته ليبنى مكانها مشاريع استثمارية، ويرفع عليهم قضية طرد بحجة أن العمارة آيلة للسقوط، وتتصدى له المحامية نعمة «سهير رمزى» وزوجها الدكتور كمال «محمود عبدالعزيز» مع أهل الحى لمنعه من تنفيذ مخططه. وشاركت فى الفيلم الفنانة نعيمة الصغير لتقف أمام محمود عبدالعزيز للمرة الثانية فى نفس العام، فبعد أن لمعت فى دور حماته «نظلة» فى «الشقة من حق الزوجة»، لعبت دور أمه فى «الدرب الأحمر»، واللافت أن الست «نعيمة» فى عام ١٩٨٥ شاركت فى ١١ فيلمًا و٣ مسلسلات. لكن الصدفة أن إعلان فيلم «الدرب الأحمر» الذى يناقش أزمة الإسكان وعلاقة المالك بالمستأجر نُشر فى صفحة الحوادث متزامنًا مع حكم المحكمة بعدم جواز طرد مالك العقار للسكان، وخبر آخر عن القبض على أصحاب العقارات الذين يحصلون على «خلو رجل».

صورة 42 من فيلم المجنونة - مها أبو عوف - محمود عبد العزيز - الدهليز - قاعدة  بيانات الفن العربي والفنانين

المجنونة

وقبل أن ينتهى شهر سبتمبر وتحديدًا يوم ٣٠، نشرت الصحف خبرًا يقول: «أصدرت محكمة القاهرة للأحوال الشخصية لغير المسلمين حكمًا قضى بتطليق مهندس من زوجته».

وقد أقام زوج دعوى قضائية ضد زوجته قال فيها إنه تزوجها منذ خمس سنوات وخلال تلك السنوات تعدت عليه بالضرب عدة مرات خاصة أنها تتمتع بقوة بدنية فائقة وقوة عضلية اكتسبتها من عملها كمدرسة تربية رياضية، بينما يعانى هو من ضآلة حجمه، وضعف جسده.

وتقدم الزوج إلى المحكمة بشهادة طبية تفيد دخوله أحد المستشفيات لعلاج آثار اعتداء الزوجة عليه، وأقر الشهود بأن الزوجة طردت زوجها من البيت أكثر من مرة، وألقت ملابسه من شرفة المسكن.

وبجوار هذا الخبر الغريب ظهر إعلان فيلم جديد للنجم محمود عبدالعزيز اسمه «المجنونة» سيناريو وحوار إسعاد يونس،وإخراج عمر عبدالعزيز، وموسيقى تصويرية عزت أبو عوف.

والفيلم مأخوذ عن قصة «اعزف لحن الغموض» للكاتب الأمريكى جوهايمز، ويلعب محمود عبدالعزيز دور سيف المذيع المشهور بالتليفزيون، وتربطه صداقة بالمخرج محمود الذى يحل دائمًا مشاكل سيف مع خطيبته، ويتقابل سيف مع سعاد التى تعجب به وببرامجه وتتردد على شقته، ويفاجأ بأنها تعلم عنه كل شىء، ولها أسماء مختلفة!

فيلم عفوا ايها القانون

عفوًا أيها القانون

بعدما قدمه محمود عبدالعزيز فى أربعة أفلام صار من الصعب أن يجد دورًا مختلفًا، لكنه وجده وبسهولة فى شخصية «على» بفيلم «عفوًا أيها القانون».

و«على» هو رجل يعانى عقدة نفسية تجعله غير قادر على الاندماج مع الجنس الآخر، وتحاول زوجته مساعدته وعرضه على أطباء إخصائيين لمعالجته، وتنجح بالفعل فى علاجه، وبمجرد أن تزول العقدة النفسية، يخون زوجته مع صديقتها.

وفى التاسع من سبتمبر عام ١٩٨٥ ظهر على واجهة السينمات فيلم «عفوًا أيها القانون» بطولة نجلاء فتحى ومحمود عبدالعزيز، تأليف إبراهيم الموجى، وإخراج إيناس الدغيدى.

لكن قبل بداية الفيلم، وقبل كتابة أسماء أبطال الفيلم تظهر على الشاشة عبارة شكر، جاء فيها: «نشكر الفنان القدير فريد شوقى على تقديمه دور عبدالقوى فى هذا الفيلم».

وهذا الشكر سببه صغر حجم الدور الذى قد يشعر البعض بأنه لا يناسب مكانة فريد شوقى، لكن فى الوقت ذاته الدور كان فارقًا فى أحداث الفيلم.

إعلان فيلم الطوفان محمود عبد العزيز , فاروق الفيشاوي 1985

الطوفان

وفى يوم ١٨ نوفمبر ١٩٨٥ يظهر على شاشة السينما فيلم اسمه «الطوفان» بطولة محمود عبدالعزيز وفاروق الفيشاوى وسمية الألفى ومحمود الجندى وأمينة رزق، تأليف أيمن أحمد وسيناريو وحوار وإخراج بشير الديك.

وتدور قصة الفيلم «الذى تحول إلى مسلسل فيما بعد» عن أرض ورثها الأبناء عن أبيهم تساوى مليون جنيه، قبل بيعها يقدم العم عقدًا يفيد بأنه اشتراها من الأب قبل وفاته، وتقر الأم بصحة العقد وترفض محاولات الأبناء للشهادة الزور لصالحهم. فماذا يفعل الأبناء؟

ويقدم محمود عبدالعزيز دور أبو الفتوح عربجى الكارو الذى يتاجر فى مواد البناء المغشوشة، ويصبح من أغنياء القرية، ويطمع فى الحصول على العمودية.

ولم تكن شخصية «أبوالفتوح» فى الطوفان تشبه الشخصيات التى قدمها طوال العام سواء الدكتور كمال فى الدرب الأحمر، أو منصور وعزالدين فى إعدام ميت أو صلاح فى الصعاليك أو مزاجنجى فى الكيف، أو سيف فى المجنونة، أو سمير فى الشقة من حق الزوجة، أو على عبدالقوى فى عفوًا أيها القانون.

لعب محمود عبدالعزيز أدوارًا شديدة التعقيد بين ضابط المخابرات، والجاسوس، والطبيب، والفاشل فى دراسته الذى يدمن المخدرات وينجح كمطرب، والموظف الذى يضطر أن يعمل سائق التاكسى، والمُعقد من الخيانة الذى يصير خائنًا.

فيلم البرىء

البرىء

ربما تلك القائمة من الأدوار المتعددة والمُعقدة التى قدمها محمود عبدالعزيز فى عام ١٩٨٥ لا تحتاج إلى إضافة عمل آخر إليها، لكن قبل نهاية العام عُرض له فيلم آخر شارك فى بطولته، لكنه لم يُعرض فى السينما، بل ظهر فى «مهرجان القاهرة السينمائى». 

هذا الفيلم هو «البرىء» بطولة أحمد زكى ومحمود عبدالعزيز وإلهام شاهين وممدوح عبدالعليم قصة وسيناريو وحوار وحيد حامد وإخراج عاطف الطيب. 

وشاهده فى ديسمبر ١٩٨٥ كبار النقاد، ومع كل مشهد كان الحاضرون يتساءلون: هل شاهدت الرقيبة نعيمة حمدى هذا الفيلم؟ وهل شاهدته الأجهزة المعنية؟!

لم يصدق غالبية النقاد ما رأوا، وتحدث بعضهم عن شجاعة صُناع الفيلم، وأشادوا جميعًا بأداء أبطاله، لكن بعض النقاد لم تعجبهم رسالة الفيلم وهاجموه، وتساءل أحدهم: كيف أسهمت الدولة فى تقديم المساعدات الفنية لإخراج فيلم يحمل وجهة نظر مناهضة لها؟

وانطلقت سهام النقد صوب وحيد حامد، وأصبح المتهم الأول بخرق القانون وتحدى الرقابة والمشاغب الأكبر- مثلما وصفته الصحف- وردّ عليهم ساخرًا: «إذا كان الدفاع عن الأعمال الفنية يعد نوعًا من المشاغبة... فأهلًا بالشغب من أجل سينما أفضل على قدر المستطاع».

وواصل وحيد دفاعه عن نفسه قائلًا: «لا أعتقد أننى مشاغب، أنا فقط لا أستسلم، بل أدافع عن أعمالى بالطرق المشروعة».

وظل فيلم البرىء لمدة ثمانية أشهر فى معركة كبيرة مع الرقابة حتى تم التصريح بعرضه فى صباح يوم الحادى عشر من أغسطس عام ١٩٨٦، بعد يومين فقط من انتهاء عيد الأضحى، وظهر إعلان الفيلم فى الصفحة الأخيرة من جريدة «الأخبار»، وكُتب اسم محمود عبدالعزيز بمفرده أعلى يسار الإعلان بوصفه الأعلى أجرًا فى الفيلم، بينما ظهر اسم بطل الفيلم أحمد زكى على اليمين ثم جاءت بقية أسماء المشاركين فى الفيلم، وبعدهم، ولكن بحجم أكبر، اسما وحيد حامد وعاطف الطيب، وعلى الجانب الآخر اسما المنتجين: سميرة أحمد وصفوت غطاس.

وقدم محمود عبدالعزيز واحدًا من أعقد أدواره، واستطاع أن يضع بصمته الفنية على شخصية توفيق شركس المُركبة، ليكون هذا الدور بمثابة مسك ختام لعام ملىء بالأعمال الخالدة فى ذاكرة السينما، ووجدان المصريين.