التشورتشخيلا.. سيرة جديدة للطعام بتوقيع هايدى فاروق
- الكتاب إضافة نوعية ذات بعد جمالى لا تخطئه عين لأدب الرحلة
إذا أردنا توصيفًا علميًا، دقيقًا لكتاب «التشورتشخيلا وحكايات أخرى»، للقاصة والصحفية المصرية هايدى فاروق، والصادر فى القاهرة حديثًا «مؤسسة غايا للنشر»، سنجد أننا أمام تنويعة من تنويعات «أدب الرحلات»، وأدب الرحلات نمط إبداعى، يصف فيه الكاتب تجاربه أثناء السفر، وما يراه من أمكنة، وثقافات، وعادات شعوب مختلفة، ومن النماذج الدالة والمؤسسة لأدب الرحلات شرقًا وغربًا، نجد كلًا من «تحفة النظار فى غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» لابن بطوطة، ورحلات ماركو بولو، التى دونها فى كتاب «العجائب».
ويجدل أدب الرحلات فى بنيته بين كل من السرد القصصى، والوصف الجغرافى، والتأملات الاجتماعية والثقافية.
وهذا عين ما نراه فى كتاب «التشورتشخيلا.. وحكايات أخرى»، الذى قدم له الأكاديمى البارز الدكتور محمد رفعت الإمام، وربما بدا العنوان علامة دلالية، إذ يحوى إحالة على أحد أشهر أنواع الحلوى الجورجية «التشورتشخيلا»، متبوعًا بتكملة فى عنوانه الرئيسى «التشورتشخيلا وحكايات أخرى»، حيث تتجاوز الحكايات الأطعمة، والمأكولات؛ لتشير إلى أنماط الحياة، والبشر، من خلال تبئير مفهوم الطعام، أى جعل ثقافة الطعام فى كل من جورجيا، وأرمينيا مركزًا للسرد والحكايات داخل الكتاب.
ثم يأتى العنوان الفرعى «مائدة الجبال القوقازية»، مشيرًا إلى المكان المركزى داخل الكتاب، وجبال القوقاز سلسلة جبلية تقع بين قارتى آسيا وأوروبا، وتمتد بين البحر الأسود غربًا، وبحر قزوين شرقًا، وتشكل حدًا جغرافيًا وثقافيًا مهمًا بين القارتين.
وبذا لسنا أمام مكان عابر، لكنه مؤثر فى خارطة العالم على نحو ما، وإذا كانت سلسلة جبال القوقاز تمتد عبر دول عدة بينها جورجيا «الطرف الأول من الكتاب»، فإنها تؤثر فى الطرف الثانى من الكتاب «أرمينيا».


يتكئ الكتاب على التجربة الشخصية للكاتبة، حاويًا وصف الأماكن «الطبيعة، المعالم، الأكلات المختلفة...»، ومن ثم فهو يعتمد على نحو أساسى على آلية السرد الذاتى، ومن ثم نجد مدخلًا سرديًا ذاتيًا تفتتح به الكاتبة فصول كتابها «فى عام ٢٠١٩، وعلى غير ما كنت أطمح، اضطررت لصرف البوصلة عن دول شينجن أوروبا بعد شهور من محاولات تجهيز الأوراق وحجز موعد للحصول على التأشيرة».
فقد أصبح الأمر معقدًا للغاية والزحام شديدًا إلى حد بات أشبه باليانصيب .انسحبتُ بصمت تاركةً خلفى قائمة الأمنيات متخمة ببلدانٍ لم أرَ منها سوى القليل.
وبقى البعض على تخوم الذاكرة يصرخ توقًا وشوقًا لاستكمال المسير.
قال لى زوجى- شريكى فى العمل أيضًا–: «يكفينا ما رأيناه فى إيطاليا وإسبانيا وأثينا».
وهمست لنفسى: «يكفينى أننى رأيت فينيسيا».
كنت قد زرت روما فى شهر العسل، ولم أتمكنْ حينها من الذهاب إلى فينيسيا. ظلّت زميلاتى فى العمل يناديننى بـ«العروسة»، قالت إحداهن ذات يوم: «سأناديكِ عروسة حتى تنجبى، فتصبحين ماما»، وقلت فى نفسى: «سأظل عروسًا حتى أرى فينيسيا».. ثم تحقق الحلم الذى فاق كل خيال، ومنذ ذلك الوقت أصبحت أسيرة لفتنتها.
لا أعرف لماذا أستحضر سيرتها الآن، وأنا بصدد الحديث عن بلاد القوقاز.
المهم أننى قررت، ولو مؤقتًا، أن آخذ استراحة قصيرة من شينجن أوروبا، ومن اليورو تحديدًا، الذى ظل يواصل الصعود، ويقزّم أحلامى فى رؤية العالم.
بل واتخذت قرارًا لا يتفق مع طبيعة عملى كصحفية: تجاهلت تمامًا أخبار العملة الصعبة. كنت أغض بصرى عن منشورات مواقع التواصل التى تتحدث عن الارتفاع الجنونى لها، لا تنزل عيناى إلى أسفل شاشة التليفزيون، حيث تمر الأخبار الاقتصادية على مهلٍ لتشعل فى قلبى النيران، وإن ذهبت للبنك أدير ظهرى عن اللوح المضىء بأسعار العملات. أصم أذنىّ عن تعليقات أمى عن غلاء الفول والعدس واللحم بسبب صعود الدولار. وحين كانت تسألنى باستنكار: «كيف تعملين صحفية ولا تطلعين على هذه الأخبار؟!»، كنت أجيبها أنا فقط متشبثة بحلمى فى رؤية العالم مهما كان الثمن. بينما كنا نبحث عن وجهات بديلة عن دول أوروبا، غصنا فى القراءة عن جمال تايلاند وسحرها ثم أسرتنا أساطير ماليزيا وكهوفها، فأصرخ من أعماقى ثمة شىء ناقص يتجاوز الشواطئ والجبال فأضبط نفسى متلبسة بالتفتيش عن الحكايات.
ومن اللافت فى المقطع السردى السابق، أنه ينهض على آلية التوالد الحكائى، ويرتحل بين أمكنة مختلفة، ويستدعى ماضيًا قريبًا من لحظة القص الراهنة عبر توظيف تقنية Flash back، كما نرى استخدامًا لآليتى المونولوج الداخلى: «سأظل عروسًا حتى أرى فينيسيا»، والتعليق السردى «لا أعرف لماذا أستحضر سيرتها الآن، وأنا بصدد الحديث عن بلاد القوقاز»، فضلًا عن كون المقطع الافنتاحى، الذى يعد بمثابة التقديمة الدرامية للكتاب Dramatic Introduction أقرب ما يكون إلى السرد السير ذاتى، خاصة حين يحيل إلى الزوج، ورفاق العمل الصحافى، وهكذا.


وينقسم الكتاب إلى قسمين مركزيين: القسم الأول يختص بالمائدة الجورجية، ويتشكل من ٢٣ فصلًا سرديًا، أولها «بداية الحكاية»، وينتهى بفصل «الفوضى الشهية»، ثم يأتى القسم الثانى «المائدة الأرمينية»، ويتشكل من ٢٩ فصلًا سرديًا، ويبدأ من فصل «خارج الصندوق»، والمدينة الرمادية، وينتهى بفصل «غامر ولا تستسلم»، ومن الواضح جمالية العناوين المستخدمة.
تصدر الكاتبة لكتابها بعبارة دالة للروائى الأمريكى جيمس ميشنر: «إذا رفضت الطعام، وتجاهلت العادات، وخفت من الدين، وتجنبت الناس، فالأفضل أن تبقى فى بيتك».
وينهض الكتاب على ما يسمى «سردية الحواس»، بوصفها مفهومًا جماليًا يشير إلى اتكاء النص على التجربة الحسية، وعدها محورًا للسرد، إذ ليس ثمة حكاية للحدث فحسب، بل ثمة معايشة له من خلال الحواس المختلفة: البصر، السمع، الشم، التذوق، واللمس؛ ولذا نجد حضورًا لتجليات العلاقة بين الأطعمة والعادات، والثقافات المحلية، وتوصيفات بصرية للأكلات ووصفاتها، وروائح الأطعمة، والأمكنة، والبشر، ولذا يعد الكتاب تمثيلًا لما يسمى «سوسيولوجيا الطعام»، حيث الاهتمام بدراسة العلاقة بين الإنسان والطعام من منظور ثقافى، واجتماعى، وتاريخى، ففى «صراع السلوجونى»، نرى هذا المقطع الدال على الفكرة المشار إليها:
«عند الظهيرة كان موعد الورشة، تُعلمنا طريقة خبز «الخاتشابورى» تحدثت مضيفتنا باللغة الجورجية، فغمزتُ لزوجى هامسةً بالعربية أننا لن نفهم شيئًا، وأن أموالنا قد ضاعت هباءً. تجاهل نظراتى، وحاول التقاط الوصفة بالأوزان الدقيقة، ثم أخرج هاتفه ليسجل بعض الملاحظات.
ألقيتُ عليه حفنة من الدقيق، فضحك «الجروب» المشارك معنا، وانتشرت العدوى بين الجميع. تساقط الطحين من حولنا كأنه زوبعة بيضاء، وامتلأت الغرفة بصيحات المرح.
أذبنا الخميرة والسكر وانتظرنا بضع دقائق حتى ارتفع العجين. صفّقت زميلتى فى الورشة فرحًا بنجاح الوصفة، وكنتُ وقتها أبشُر نصف قرص مسطّح من «جبن السلوجونى» sulguni، وهو الجبن الأشهر فى جورجيا والمكون الأساسى لكثير من الفطائر والأطباق التقليدية، ويتميز الجبن بقوامة المرن الذى يجعله مميزًا فى المخبوزات.
ومكانتها فى الثقافة الجورجية تتجاوز كونها مجرد طعام، إذ يُنظر إليها كأحد الإنجازات البارزة فى التراث الغذائى الوطنى، حتى أنها أصبحت موضوعًا لنزاعات حول ملكيتها مع عدد من دول الاتحاد السوفييتى السابق والتى حاولت نسب هذا الجبن إليها، بحجة أنه كان يُنتَج فى مصانع سوفييتية بمناطق مختلفة، لكن جورجيا قدمت الأدلة التاريخية والجغرافية التى تؤكد أن إنتاج السلوجونى ارتبط حصريًا بها، وتحديدًا فى سهول كولخيس المنخفضة غرب البلاد. كما كان يصدر منذ تسعينيات القرن الـ١٩ من ميناء بوتى بإيطاليا إلى أوروبا كلها. وأن تلك النسخ لم تكنْ سوى محاولات تصنيع صناعى للجبن الأصلى فى إطار سياسة التوحيد الغذائى السوفيتية آنذاك، معتبرين أنَّ النسخة الحقيقية لا توجد إلا فى جورجيا.
وتشكل اللوحات التشكيلية التى رسمها الفنان أحمد جعيصة بعدًا إبداعيًا بصريًا موازيًا، منح الكتاب خصوصية لافتة، تجدل بين الكتابة، والرسم.
ثمة إحالة إلى قصص الكاتب الإسبانى خوسيه مياس «الأشياء تنادينا»، وتضفير تيمتها فى أحد مقاطع الكتاب، ضمن إحالات أخرى تعزز المنحى الأدبى لكتاب «التشورتشخيلا»، والذى لم ينطلق من انبهار كلى بالآخر، وهذا ما بدا فى المقارنة بين الشواطئ المصرية التى لا مثيل لها، ونظيرتها فى البلدان الأخرى.
وربما احتاج الكتاب إلى تخفيف الإحالة على الوصفات التفصيلية للأطعمة، وأنواعها التى قد تشتت المتلقى، وتوسعة المنظور الثقافى الشامل فى رؤية الجغرافيا المشار إليها، والسياقات السياسية والاجتماعية الحاضرة داخلها.
وبعد.. هذا كتاب ممتع، وإضافة نوعية ذات بعد جمالى لا تخطئه عين لأدب الرحلة، عبر معاينة جغرافيا سردية واعدة، ووصل الأطعمة بالبشر، والثقافة، والعالم، والأشياء.


