الجمعة 12 أبريل 2024
المحرر العام
محمد الباز

«حرف».. الخيال الجديد في مواجهة الفوضى الفكرية

حرف والخيال الجديد
حرف والخيال الجديد

ربما ونحن نتحدث عن دراما الثقافة المصرية، ودواماتها المتلاحقة، عن إشكالياتها، وعثراتها، عن تاريخها، وطموحها اللا نهائى، كثيرًا ما يتبادر إلى أذهاننا ذلك «الخيال الجديد»، خيال واعد، فاعل، استثنائى، يحاول أن يعيد لها جانبًا من مكانتها التى أهدر بعضها الأداء الوظيفى المترهل فى التعامل معها، وإبعاد الخيال الإبداعى، والعقل النقدى عن صياغة الثقافة بوصفها ممثلة لهذا العقل العام الذى يشكل وجدان وذهنية الأمة المصرية.

إن الخروج بالثقافة من خنادق الاقتتال الفرعى الفارغ من المعنى، حيث غياب القضية الثقافية، وإحلال الصراعات الشخصية محل المعارك الأدبية والثقافية الخلاقة التى تعزز من مركزية الدور الثقافى المصرى، فى لحظة من السيولة اللا نهائية تتعدد فيها مراكز إنتاج الثقافة فى المحيط العربى والعالمى. 

وفى «الآن وهنا» لا بد أن نطرح ذلك السؤال القديم/الجديد: ما الذى يعيد الاعتبار للقوة الناعمة المصرية بوصفها قيمة مضافة إلى متن الدولة المصرية، وفى ظل تطلعات الجمهورية الجديدة صوب عالم أكثر جمالًا وإنسانية، وعلى الرغم من جميع التحديات التى تواجهها الدولة المصرية فى لحظتها الراهنة. 

ربما يتساءل قارئنا العزيز: ما الذى ستصنعه «حرف» فى ظل تلك الفوضى الفكرية، ومحاولات أسلفة الثقافة، وتغييب معناها التقدمى الإيجابى الدافع بمجتمعه إلى الأمام، والذى يبنى الوعى العام، ويخوض معركة الأمة المصرية ضد قطعان التطرف، وجماعات الإرهاب. هل يمكن أن نقول إننا بمثابة كوة فى الجدار، نافذة حيوية ومتجددة تسعى إلى وصل الثقافة بالجمهور المستهدف.

افتقدت الصحافة الثقافية جسارة اكتسبتها من قبل، تحول بعضها إلى «جيتو» ثقافى، يدعم منطق «الشللية» أكثر مما يبحث عن المعنى. وربما أتخفف كثيرًا حين أستخدم لفظة «الشللية»، فيمكن أن تكون هناك مجموعة تحمل تصورات موضوعية وتسعى إلى تغليب المصلحة العامة، وهذا لا بأس به، لكن الكارثة الحقيقية حين يصبح «الجيتو» أساسًا للعمل الثقافى. وحين تغيب قيم الكفاءة، والنزاهة، والشفافية لتحل محلها قيم الولاء للأشخاص وليس للأفكار فإن الثقافة ساعتها تتجه وبمحض إرادتها إلى العدم والفناء. 

تتعدد عناصر إنتاج الثقافة من الكتب الفكرية، والأدبية، إلى السينما، والمسرح، والموسيقى، والفن التشكيلى، وتتمدد لتصبح معبرة عن جوهر السلوك اليومى، وفى المتن منها أيضًا المطبوعة الثقافية التى شهدت ازدهارًا وانحسارًا على فترات متباينة. 

لذا تعد الصحافة الثقافية عنصرًا مركزيًا من عناصر إنتاج الثقافة، وإشاعة دورها، وتوسيع مناخاتها؛ كى تغادر منطقة الأبراج العاجية إلى قطاعات حية من الجمهور. 

«للأفكار أجنحة»، كم لهذه المقولة من أصداء تجعلها تقاوم الزمن، والعواصف، وبما يوجب علينا أن نحررها من ظلها الإنشائى المجازى، لتصير واقعًا يمكن تلمسه، فالوعى الحقيقى هو ما يجب أن نبنيه معًا، أن نخرجه من دوائر ما يسمى «الوعى الزائف» إلى ذلك الوجود الأصيل، إلى حيث جدارة المعنى، وصناعة الجمال. 

إذا أردت أن تصنع تعريفًا للثقافة يتجاوز ما طرحه الغربيون وبعض مفكرينا الذين مثلوا لنا مصابيح فى قلب الظلام؛ فإنك يمكنك أن تراها كما أرى «صناعة الجمال».

يجب أن نكون فى الثقافة مع تعزيز الفرح بالوجود الإنسانى، مع تنمية كل ما هو حر، وإنسانى ونبيل، مع المعنى وليس مع ظله. 

هنا يمكننا أن ننطلق مع الشاعر والناقد الأمريكى «إليوت» حين يرى الثقافة بحثًا عن عالم أفضل، أو مع الناقد والمفكر الإنجليزى البارز تيرى إيجلتون، حيث الثقافة توكيدًا للمعنى، وتحقيقًا للذات، وعلى الرغم من تعدد التعريفات وتنوعها قديمًا وحديثًا؛ فإننا نراها صناعة للجمال، فالجمال غايتها ومرادها، وتحرير الوعى الإنسانى من الخوف، والخرافة، والأفكار المتطرفة بكل أشكالها هى ما تسعى إليه. 

وفى هذا السياق جميعه، تأتى «حرف» منحازة إلى قيم التقدم، والاستنارة، والتنوع الثقافى الخلاق، والمعبر عن هذه الروح المصرية الوثابة، والمتجددة.

إن توسيع مدارات التلقى للثقافة عبر الصحافة الثقافية الخارجة من رحم المعنى؛ والفكرة، أصبح أمرًا لا غنى عنه فى عالم مسكون بتحولات لا نهائية، وإعلام رقمى يسيطر على نوافذ التلقى.

حين قدمت الجمهورية الجديدة مفهوم القوة الشاملة، معتمدة على مفهوم القدرات المتعددة، كان من بين غاباتها وروافدها القوة المعنوية التى تصنعها الثقافة بتنويعاتها المختلفة وروافدها اللا نهائية.

إن الكشف عن الوجه الإبداعى المتجدد للثقافة المصرية، وإبراز روحها الخلاقة، وتقديم نخب جديدة تقاوم ما أسميه دائمًا «تآكل النخبة»، والاهتمام بالفن والكتابة والأفكار فى ربوع المحروسة أمر لا غنى عنه، تعزيزًا لذلك النهر الإبداعى الذى لن يجف، وللمعنى الذى لن يتوارى. 

«حرف» خطوة لا بد منها على الطريق، مبنية على جدل الصحافة والثقافة، الفكر والإبداع، بطريقة تواكب عصرنا المتغير كل «فمتو» ثانية.