المحرر العام
محمد الباز

كرادلة مجمع اللغة العربية.. حُراس للضّاد أم أصحاب مصالح شخصية؟

حرف

- انتخابات المجمع توقفت منذ 2020 بسبب أخطاء جسيمة فى تحديد عدد الأعضاء 

- عبدالحميد مدكور لم يُكلف رسميًا من وز ير التعليم العالى بالمنصب حتى الآن

كتب الشاعر الأستاذ فاروق جويدة، مقالًا فى بابه «هوامش حرة» بجريدة الأهرام عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة، تحت عنوان «المجمع اللغوى بلا رئيس»، فهل أزمة مجمع اللغة العربية بالقاهرة أنه بلا رئيس، أو أن رئاسة اتحاد المجامع اللغوية سوف تنتقل من القاهرة إلى عواصم عربية أخرى؟

فى الحقيقة قبل أن نسأل هذا السؤال علينا أن نسأل عن: ماذا ترتب على احتفاظ مجمع القاهرة حاليًا برئاسة الاتحاد؟ فهل هناك أسوأ من أن أهم مشروعات المجمع، وأن أول غرض جاء فى إعلان المرسوم الملكى للملك فؤاد الأول بتأسيس المجمع، عام ١٩٣٣م، وهو إنشاء معجم تاريخى للغة العربية، قد تم التنازل عنه تحت نظر رئيس الاتحاد وأمينه العام والمدير العلمى للمشروع لصالح مجمع ناشئ.

أهل ثقة لا أهل كفاءة

هناك عدة أمور نود أن نوضحها أولًا، جاء عنوان المقال مجمع اللغة العربية بالقاهرة بلا رئيس، وهو عنوان يفهم منه أن أكبر مشكلات مجمع اللغة العربية بالقاهرة هو أنه بلا رئيس، ولكن مشكلة المجمع فى حقيقة الأمر أكبر من ذلك، على النحو الذى يمكن بيانه تفصيلًا على النحو الآتى: 

إن الانتخابات توقفت فى المجمع منذ عام ٢٠٢٠م، بسبب خطأ جسيم فى حصر عدد الأعضاء الذين شاركوا بالتصويت لصالح الأستاذ الدكتور حسن الشافعى، وترتب على ذلك أن جاء لأول مرة- منذ إقرار قانون المجمع انتخاب أعضائه، ورئيسه ونائبه، وأمينه العام، عبر ترشيح من عضوين على الأقل- الأستاذ الدكتور صلاح فضل رئيسًا للمجمع بالتعيين، ومن بعده الأستاذ الدكتور عبدالوهاب عبدالحافظ رحمهما الله.

عبدالوهاب عبدالحافظ

ومنذ وفاة الأستاذ الدكتور عبدالوهاب عبدالحافظ فى نوفمبر ٢٠٢٤م، وحتى يومنا هذا والمجمع بلا رئيس، ولا نائب، ولا أمين عام، لأن الدكتور عبدالحميد مدكور لم يكلف تكليفًا رسميًا من وزير التعليم العالى بهذا المنصب، ولكنه كلف من مكتب المجمع بالقيام بأعمال السلطة المختصة، وأيضًا منصب وكيل الوزارة بالمجمع يقوم به قائم بالأعمال منذ أكثر من ثمانى سنوات، ومنصب مدير عام الشئون المالية والإدارية كذلك، وكان الدكتور عبدالوهاب عبدالحافظ قد جَد فى اقتراح هيكل تنظيمى للمجمع بهدف تعظيم الاستفادة من شباب الباحثين بالكادر الجامعى بالمجمع، وهم طبقًا للقانون ١٤ لسنة ١٩٨٢م، ولائحته الداخلية، ووفقًا لقرار رئيس الجمهورية الصادر عام ١٩٨٧م تساوت وظائفهم بوظائف أعضاء هيئة التدريس بالجامعات، ويتبع فى معاملتهم ماليًا ووظيفيًا وعلميًا ما يتبع فى أمر نظرائهم بالجامعات.

عبدالحميد مدكور

ولكن نظرًا لتعارض مصالح الأعضاء مع نمو الكادر البحثى من داخل المجمع، لأنه مع مرور الوقت سيكون منوطًا بهم حمل المسئولية عن الأعضاء، وهو الأمر الذى حدث بالفعل من قبل استحداث الكادر الجامعى فى قانون ١٤ لعام ١٩٨٢م، فعدد من العاملين الفنيين بالمجمع صاروا أعضاءً بالمجمع ومنهم الأستاذ مصطفى حجازى، والأستاذ إبراهيم الترزى، وغيرهما، وبعض الأعضاء الذين جاءوا من الجامعات المصرية منتخبين كانوا فى الأصل محررين بالمجمع قبل أن ينتقلوا إلى الجامعات، ومنهم الأستاذ الدكتور محمد حسن عبدالعزيز، رحمه الله.

المشكلة ليست فى توقف الانتخابات، بل فيما وصل به أعضاء مجمع اللغة العربية الحاليين بآلية ديمقراطية هى الانتخابات إلى تحقيق مآرب تتعارض مع ما يبتغى من وراء نزاهة الانتخابات، فقد هيمنت كتلة عددية من هؤلاء الأعضاء على مجريات الأمور، فصار بيدهم ترشيح من يريدون، ومن ثم اختيار الأعضاء بناءً على معايير غير علمية، وتشوبها العلاقات الشخصية.

ولعل أكبر دليل على ذلك أن أحد هؤلاء الأعضاء ليس له أى إنتاج علمى معروف، أو كتاب واحد يمكن أن يكون علامة أو سطرًا جديدًا فى تاريخ مجاله المعرفى، ومع ذلك اختير عضوًا فى الوقت نفسه الذى رسب فيه الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم.

ويكفى أن نقول إن الأستاذ الدكتور حسين نصار وهو من هو رسب فى انتخابات مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ونجح بعض الأعضاء الذين لا يعرف لهم أى أمارة فى العلم، وأحد هؤلاء استغل قربه من رئيس المجمع فى الفترة من ٢٠١٢م إلى ٢٠٢٠م فاستحدث له منصب المدير العلمى للمعجم التاريخى باتحاد المجامع، والذى نتج عنه إهدار حق مجمع اللغة العربية بالقاهرة التاريخى فى هذا المشروع، وحقه العلمى والأدبى وحق أبنائه فيما أسهموا به من جهود علمية كانت هى الأعظم، ليصبح المشروع بعد إتمامه فى حوزة أحد المجامع الناشئة، ولم يعد لمجمع القاهرة ذكر فى هذا المشروع، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل توسع الأمر فى اتحاد المجامع ليصبح المسمى الوظيفى الجديد لهذا العضو فى اتحاد المجامع اللغوية هو مدير المشروعات العلمية باتحاد المجامع، وهو الأمر الذى ينذر بأن هناك مزيدًا من المشروعات فى طريقها إلى أن تنسب إلى مجامع لغوية أخرى ناشئة، وهو ما يترتب عليه مزيد من التنازلات عن الحقوق التاريخية والمادية مقابل تحقيق مآرب خاصة.

عوار قانونى

ورد بمقال الأستاذ فاروق جويدة أن أعضاء المجمع تقلصوا إلى النصف، أى عشرين عضوًا، وهو الحد الأدنى من الأعضاء الذين يمكن أن تنعقد بهم جلسة صحيحة قانونًا، إذ ينص قانون المجمع على أن جلسات المجلس لا تكون صحيحة إلا إذا حضرها نصف عدد الأعضاء وهم أربعون.

ولكن مجلس المجمع منذ أكثر من عام يجتمع ويتخذ قراراته بعدد أقل من العشرين، وهو ما يؤكد أن معظم هذه القرارات يشوبها عوار، وعلمنا أن الأستاذ الدكتور محمد سليم العوا قد فسر مفهوم الأعضاء بأنهم نصف الأحياء الموجودين على قيد الحياة.

وهو ما يعنى أن المجلس يمكن أن ينعقد بأى عدد، حتى لو كان عضوًا واحدًا، فى حال كون الأحياء اثنين فقط، وهو أيضًا يعنى أن المشرع حين وضع تلك المادة التى نص فيها على ضرورة أن يكون نصف الأعضاء حاضرين كان لديه فائض لغوى لا لزوم له، إذ كان بإمكانه أن يصوغ المادة على النحو الآتى: ويجوز أن تنعقد جلسات مجلس المجمع بأى عدد من الأعضاء، أو كان بإمكانه أيضًا ألا ينص على مسألة عدد أعضاء المجلس بوصفها شرطًا من شروط انعقاده! وفى الحقيقة إن تفسير الدكتور العوا لمواد القانون على هذا النحو يؤكد النهج الذى يتبعه أعضاء المجمع الحاليون فى إدارة شئونه ومسئولياته، وهو توجيه الأمور لما يخدم المصالح الضيقة فقط.

مكتب المجمع وهو بمثابة مجلس جامعة وفقًا للقانون من المفترض أن يتكون من سبعة أعضاء هم الرئيس والنائب والأمين العام، وأربعة أعضاء ينتخبهم مجلس المجمع، وللأسف مكتب المجمع ليس به لا رئيس ولا نائب ولا أمين عام، ويجتمع أحيانًا بأقل من أربعة أعضاء وتتخذ فيه قرارات مالية وإدارية يشوبها عوار من الناحية القانونية.

فى أى مؤسسة علمية أو أى هيئة بحثية لا يجوز أن يتولى منصب الرئيس أو الأمين العام من تجاوزوا سن المعاش، وذلك لأن القرارات المالية والإدارية يجب أن تصدر عن أشخاص يمكن محاسبتهم بوصفهم تابعين للجهاز الإدارى للدولة.

ولكن للأسف فى مجمع اللغة العربية بالقاهرة كل أعضاء المجلس والمكتب، ومن تولوا مناصب قيادية هم فوق سن السبعين، وغالبًا ما يكون الأمين والنائب والرئيس أكبر الأعضاء سنًا، مما يعنى أنهم يتجاوزون سن الثمانين ويظلون فى مناصبهم حتى الوفاة، مع العلم بأنهم يجرى انتخابهم من الأعضاء أحياءً، أو بصفة عامة لاعتبارات شخصية وغير موضوعية، وهو الأمر الذى يترتب عليه اتخاذ قرارات كارثية نظرًا لظروف السن، وعدم القدرة على الإحاطة والمتابعة والتقييم، واتخاذ القرارات بناءً على ما يترامى إلى الأسماع من الدوائر المحيطة.

منطق الشللية

هل المشكلة هى أن الانتخابات متوقفة؟ وهل أكبر أزمات المجمع أن رئاسة اتحاد المجامع اللغوية العربية قد تنتقل من القاهرة؟

هذا ما يصدره المستفيدون الحاليون من الوضع القائم، الذى يتمنون أن يعيدوا إنتاجه من جديد، فى كل حين، المشكلة أن المجمع وهو كيان علمى مستقل، له هيئة بحثية علمية، وله كذلك هيئة إدارية، لا يجد من هؤلاء الأعضاء من يدعمون نموه العلمى والإدارى، وذلك لأنهم يتخذون من مواقعهم ومراكزهم ذرائع لتبادل المصالح بمن يستقدمونه من الخبراء، الذين يؤدون لهم فى المقابل خدمات فى كلياتهم، حسب ما يشغله هؤلاء الخبراء من مناصب قيادية أو إدارية، فقد نص قانون المجمع على أنه يجوز الاستعانة بخبراء من خارج المجمع عند الاقتضاء، ولكن واقع الحال أن معظم الخبراء الذين استقدمهم أعضاء المجمع لا يتوافر فيهم شرط الاقتضاء، وذلك لأن تخصصاتهم موجودة بالفعل، فى أبناء المجمع من الباحثين.

كان من الواجب على من تولوا مناصب الرئيس والنائب والأمين العام وأعضاء مكتب المجمع أن يكونوا حريصين على استكمال الهيكل التنظيمى للمجمع، وألا يتركوه دون رئيس شئون قطاع أو مدير عام الشئون المالية والإدارية أو مدير إدارة الموارد البشرية، أو مدير مالى أو مدير إدارى لمدة تزيد على ثمانى سنوات، وكان من الواجب أن يعملوا على الإعلان عن هذه الوظائف.

فى ظل تناقص عدد الأعضاء وزيادة الأعباء العلمية، وتعدد المشروعات العلمية كان من الواجب أن يعلن المجمع عن وظائف متعددة التخصصات فى الكادر البحثى، ابتداءً من معيد ثم باحث مساعد ثم باحث وباحث أول وكبير باحثين، ليفتح باب التعيين أو الانتداب لشغل هذه الوظائف.

ولكن للأسف الشديد هذا لم يحدث لأن كل ما يشغل الأعضاء الحاليين الأمور التى لا يمكن أن تكون هى الحلول المثلى لأزمات مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وهى يقينًا ليست كون المجمع بلا رئيس، ولا كونه بلا نائب، ولا أمين، ولا كون رئاسة اتحاد المجامع اللغوية سوف تنتقل إلى دولة أخرى، ولكن أزمة المجمع أن أعضاءه لم يرعوا كوادره العلمية والإدارية ليكونوا قادرين على النهوض بأعبائه، وظلوا منشغلين بالبحث عن مآربهم الخاصة بتحويل الانتخابات المجمعية إلى شللية، يختارون بها من يشاءون، ويبعدون بها من لا يوافق أهواءهم.

مع العلم أن وزارة التعليم العالى والبحث العلمى لم ترفض الانتخابات المجمعية على إطلاقها فى أول الأمر، ولكنها اشترطت لضمان عدم تكرار التجاوزات والأخطاء التى حدثت فى انتخاب الدكتور حسن الشافعى أن تكون تحت إشراف الهيئة العليا للانتخابات، وتحت إشراف وزارة التعليم العالى، وهذا ما رفضه أعضاء المجمع لأسباب غير معروفة، أو ربما تكون مفهومة.