الإثنين 09 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

محمد سلماوى يحذر: الإخوان ما زالوا يعيشون بيننا!

محمد سلماوى
محمد سلماوى

- الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة حرّكت مشاعرى بقوة

- خبر فى جريدة هو الشرارة التى دفعتنى لكتابة الرواية

- غزة ليست قضية فلسطينية بل قضية عربية شاملة

أصدر الكاتب الكبير محمد سلماوى مؤخرًا رواية «السماء الثامنة»، عن دار «الكرمة» للنشر والتوزيع، والتى يعيد من خلالها القضية الفلسطينية إلى الواجهة عبر شخصية الطبيب المصرى «عمر المهدى»، الذى يستشهد فى غزة، لتلحق به حبيبته فى رحلة تحمل الكثير من الرموز والدلالات. 

وتكشف الرواية عن أبعاد سياسية وفكرية، بداية من تأكيد أن غزة ليست قضية فلسطينية بل قضية عربية شاملة، مرورًا بموقف مصر من القضية الثابت تاريخيًا، ولا مجال للتشكيك فيه، مع الإشارة أيضًا إلى خطر جماعة «الإخوان»، التى ما زالت متغلغلة فى بعض مؤسسات الدولة.

عن هذه القضايا، وما تحمله الرواية من رموز وإشارات أخرى، أجرت «حرف» الحوار التالى مع محمد سلماوى.

■ بداية.. كيف جاءت فكرة الرواية عن فلسطين؟ هل كان هناك باعث محدد، مشهد لقوافل الإغاثة مثلًا، أم ماذا؟

- هذا سؤال صعب، لأن الكتابة فى جوهرها فعل إبداعى لا يخضع لمعادلة واضحة. لكن لا شك أن القضية الفلسطينية والحرب الأخيرة حرّكت مشاعرى بقوة، وكان انفعالى بما جرى من مآسٍ دافعًا لإلهام روائى يجسد فكرة التضحية من أجل القضية. 

فى الرواية، البطلة ليست سيدة من الطبقة الكادحة، بل من قمة السلم الاجتماعى، لكنها تهبط إلى قاع المأساة لتعايش أحداثها من قتل واغتيال وكل ما يرافقها من آلام. 

وهنا تكتشف أن حياتها المرفهة فارغة، وأن القضية الكبرى بمثابة مصباح يضىء جوانب لم تكن تراها أو تنتبه إليها. فى الحقيقة، مجرد خبر فى جريدة كان الشرارة التى دفعتنى لكتابة هذه الرواية.

■ وماذا عن الناحية الحرفية فى الرواية؟ فهى تبدو وكأنها تتحرك فى زمنين متوازيين فى آن واحد؟

- هذا صحيح، فالأحداث تتقدم فى كل من الزمنين بالتوازى، هناك زمن متجه إلى الأمام يبدأ منذ لحظة قراءة البطلة للخبر فى الجريدة وصولًا إلى مشهد دخولها غزة فى نهاية الرواية. 

وفى الوقت نفسه هناك زمن آخر يعود إلى الماضى، يتطور مع قصة حب البطلة لعمر المهدى منذ أيام الجامعة، ثم بعد أن تركته وسافرت للخارج وتزوجت. 

كل زمن له أحداثه الخاصة، ويمتد ويتطور من محطة إلى أخرى، حتى يلتقيان فى الذروة النهائية بمشهد العبور إلى غزة.

■ من الملاحظ أن الرواية تزخر بالعديد من الرموز التى أوردتها للتدليل على رؤية أوسع، هل يمكن أن توضح ذلك؟

- هناك بالفعل جوانب رمزية متعددة، من بينها رواية «أميرة كليف» الفرنسية الشهيرة التى كانت تقرأها إيمان، بطلة الرواية. 

هذا الاختيار ليس عابرًا، هو رمز يعكس مأساة البطلة وصراعها الداخلى بين مشاعرها تجاه زوجها ومشاعرها تجاه حبيبها، فالقصة الفرنسية تتوافق مع حالتها وتكشف عن أزمتها العاطفية والنفسية دون أن أقول ذلك بشكل مباشر، لتصبح مرآة لصراعها الداخلى وتجسيدًا لحالتها الإنسانية.

■ ماذا عن تحكم الأهل، خاصة أنك أبرزت أن بعض العادات والتقاليد لا تزال راسخة لدى بعض أسر الطبقات العليا فى المجتمع؟

- هذا الجانب حاضر بالفعل فى الرواية، وهو يوازى ما حدث فى الرواية الفرنسية أيضًا، حيث أُرغمت البطلة إيمان على الزواج من رجل لا تحبه، تمامًا كما أُجبرت الأميرة هناك على الزواج من أجل اكتساب لقب الإمارة. هذا الرمز يعكس أن تلك النظرة ما زالت قائمة لدى الكثير من العائلات المصرية.

■ فى «السماء الثامنة» تناولت قضية فلسطين وأشرت إلى امتدادها الكبير، هل قصدت أنها ليست قضية فلسطينية بقدر ما هى قضية عربية؟

- قضية فلسطين فى الرواية ليست مرتبطة بغزة وحدها، بل هى قضية عربية شاملة. قد تكون فلسطين هى بؤرة الصراع الآن، لكن قبلها كانت سوريا ولبنان، وبعدها جاءت اليمن. 

إنها قضية استقلال الإرادة العربية فى مواجهة محاولات السيطرة الأجنبية على مقدرات العالم العربى، ومساعى تفكيك دوله لإضعاف قوته التى لا تتحقق إلا من خلال وحدته. 

فلسطين، فى هذا السياق، تمثل أحد أبرز مظاهر هذا الصراع المستمر بين الوطن العربى والقوى الساعية للهيمنة عليه، وهو صراع ممتد منذ أيام محمد على مرورًا بجمال عبدالناصر وصولًا إلى اليوم.

■ الكل يتحدث عن سماوات الحب السبع، لكن روايتك تتناول «السماء الثامنة».. ما الذى قصدته بهذا العنوان؟

- فى الرواية، كان عمر- بطل العمل- يقول لإيمان- البطلة- إن هناك مرتبة ثامنة من السماوات، وهى مرتبة يرتقى فيها الحب بين العاشقين ليصبح مرتبطًا بقضية الوطن. 

وبلغ عمر هذه المرتبة حين استشهد فى غزة، فيما لحقت به إيمان عندما قررت أن تتطوع لخدمة الأطفال الفلسطينيين هناك. وهكذا جاء اللقاء بينهما فى «السماء الثامنة»، حيث يتجاوز الحب معناه الفردى ليصبح تضحية وارتباطًا بالقضية الكبرى.

■ حين ذهب عمر إلى غزة وضحت إيمان بكل شىء، كانت هناك نقطة فاصلة يتحول فيها المرء وتصبح السماء الثامنة أقرب إليه من نفسه.. هل ترى أن الحب هو وقود الرحلة؟

- نعم، الحب هو وقودها، وما ذكرته يمثل جوهر الرواية فى الأساس. فالحب فى صورته العادية يقوم على مشاعر دنيوية بين أى عاشقين، لكن الفكرة التى تطرحها الرواية هى ارتقاء هذا الحب حين يرتبط بالتضحية من أجل القضية الوطنية. فى هذه المرحلة تجسدت القضية فى مأساة غزة، وفى مراحل أخرى يمكن أن تتخذ شكلًا مختلفًا، لكنها تظل فكرة التضحية من أجل الوطن. وهنا ترتقى مشاعر العاشقين لتتجاوز حدود العلاقة الشخصية، وتصبح جزءًا من قضية الوطن الكبرى.

■ لم تكتب إهداءً للرواية، كأنك تقول إنها موجهة للجميع بلا استثناء؟

- بالفعل، فالقضية التى تتناولها الرواية هى قضية عامة، ولو كان علىّ أن أكتب إهداءً فسأهديه للأمة العربية كلها. نحن جميعًا شاهدنا المشهد المهيب لقوافل الإغاثة وهى تدخل عبر معبر رفح إلى فلسطين، حيث بدا وكأن كل حافلة تمحو الخط الفاصل بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية، لتصبح رفح مدينة عربية واحدة. وهذا يرمز إلى أن القضية فى جوهرها قضية عربية واحدة، وليست محصورة فى حدود جغرافية بعينها.

■ هناك الكثير من الأقاويل المغرضة التى تشكك فى موقف مصر من قضية فلسطين، وكأنك ترد عليهم جميعًا فى الرواية؟

- موقف مصر ثابت تاريخيًا ولا مجال للتشكيك فيه. فالقوافل المصرية دخلت غزة مرارًا، وفى أحيان أخرى لم تتمكن من الدخول لأن المعبر كان مغلقًا من الجانب الآخر، أو بسبب السيطرة الإسرائيلية التى منعت فتح المعابر حتى تعفنت المواد الغذائية التى كانت تحملها تلك القوافل. لكن من المعروف أن مصر كانت دائمًا حاضرة، وقد صورتُ إحدى هذه اللحظات فى الرواية لتأكيد هذا الدور التاريخى والإنسانى.

■ حذرت فى الرواية من «الإخوان» وتغلغلهم فى المجتمع.. لماذا؟

- كما قالت أم البطلة: «سقطوا من الحكم، لكنهم ما زالوا موجودين ويعيشون بيننا»، أحذر فى الرواية من وجود أعوان لهم داخل بعض مؤسسات الدولة، وهو ما عبرت عنه بشخصية المقاول الإخوانى، الذى قال للسيدة التى كان يريد شراء فيلتها وهدمها إنه سيستخرج كل التصاريح اللازمة بالمخالفة للقانون، والمسألة هنا رمزية: فيلا ذات معمار خاص تمثل جزءًا من التراث المعمارى، وهو يريد هدمها لبناء عمارة للمنفعة المادية. فكرة الهدم أيضًا رمزية.

■ ماذا عن الماضى الذى يبرز فى الرواية كأنه شبح يطارد البطلة؟

- هذه نقطة مهمة، لأن كل ما تحدثنا عنه سياسى، إنما الرواية والأدب عمومًا مادته الأساسية هى العواطف الإنسانية، وقيمة القضايا السياسية حين ترتبط بهذه العواطف وتحركها وتؤثر فيها، لدينا قصة إنسانية لفتاة أحبت زميلًا لها فى الجامعة، ولم تجد فى نفسها القوة التى تمكنها من الدفاع عن هذا الحب، حين اعترضت والدتها لأنه لم يكن لديه وظيفة بعد.

الفتاة لم تجد لديها القوة للدفاع عن حبها، وهذا ما جعله  يتخلى عنها بعد أن أُصيب بخيبة أمل فيها، ثم تأتى القضية الوطنية فتعود بها مرة أخرى إلى هذا الماضى، وتجد فيها القوة التى تمكنها من العودة إلى هذا الحب، والذى تعود به إلى مرحلة الاكتمال، فتتحد مع حبيبها الذى ذهب إلى غزة، وتذهب هى الأخرى معه، لتتمكن أخيرًا من أن تجد الشجاعة لتتخذ القرار الذى عجزت عنه فى بداية حياتها.

■ تبدأ الرواية بحياة تبدو أمامنا مستقرة وهادئة وسعيدة، ثم يأتى حدث طارئ مفاجئ فتنهار، وتكتشف الزوجة أن كل الحياة التى تعيشها زائفة.. كيف حدث هذا الانقلاب؟

- الانقلاب فى الحياة قد يأتى من أحداث بسيطة، فمن خلال خبر فى الجريدة تدرك «إيمان» أن مصيرها مرتبط بهذا الحبيب، الذى لم تتمكن من الدفاع عن حبها له فى البداية، فتضحى بكل الحياة التى تعيشها، وتذهب إلى غزة فى المشهد الختامى للرواية.

تمر البطلة بتحول كامل فى حياتها من بداية الرواية إلى نهايتها، تلك هى المفارقة الأساسية فى العمل، الفارق بين الحياة التى كانت تعيشها وتتصور أنها سعيدة، بينما هى حياة فارغة تقضيها فى لعب «البريدج»، وحين سُئلت عن ذلك قالت «أقتل بها الوقت»!

ومن هذه الحياة التى «تقتل الوقت» إلى تحول كبير فى شخصية «إيمان»، حيث إنسانة تعمل وتجتهد من أجل قضية قومية، وتدافع عن الأطفال، وتمشى مسافات طويلة وهى تحمل الطفل الفلسطينى وهو ينزف كأنها شخصية أخرى وحياة أخرى.

■ «إننا نستمد قوتنا ممن نحب».. ما الذى قصدته من هذه الجملة الواردة فى الرواية؟

- فى حالة «إيمان»، كان حبيبها إنسانًا قويًا عرف طريقه، وهى كانت معتمدة عليه فى كل شىء، فكان هو الذى يحدد الطريق الذى يسيران فيه، لذا، حين وُضعت فى موقف تتخذ فيه قرارًا بمفردها لم تستطع. لو كان أجبرها على اتخاذ القرار لانساقت معه تمامًا، لكنه قال لها إنه قرار يجب أن تتخذه وحدها وبنفسها، ولم تتمكن من ذلك إلا بعد ٢٠ عامًا، والحرب فى غزة هى التى أعطتها القوة لتتخذ القرار الذى عجزت عنه فى السابق.

■ فى المشهد الأخير حين سألوا «إيمان» عن الطفل، والاسم الذى تريده له، قالت «عمر».. هل الاسم هنا امتداد لكل من يرحل؟ 

- هناك مستويان لهذا الرمز، المستوى الذى قلته، وهو الاستمرارية، والآخر هو ارتباط مصر وفلسطين، فالولد الفلسطينى اتخذ اسمه من اسم الطبيب المصرى، و«عمر» هو اسم عربى يسرى على المصرى والفلسطينى معًا. البُعد العروبى واضح فى الرواية جدًا، وكذلك البعد الإنسانى.

■ خبراتك المعرفية تظهر على ألسنة الشخوص الذين يتمتعون بثقافة فى الرواية.. هل قصدت ذلك؟

- هذه خاصية موجودة فى رواياتى كلها، وهى أن هناك رصيدًا معرفيًا يخرج به القارئ من الرواية، ولكن المهم هل تم توظيفه لصالح الموقف الذى نتحدث عنه، أم هو مُقحَم على الرواية. حين تجد مثلًا تصوير الحياة السياسية والصراعات بين مختلف رجال السياسة فى «أوديب فى الطائرة»، فهذا ليس مُقحمًا فيها، ولكنه من طبيعة الموضوع، ويضيف إلى معناها، ولو أزلته لأصبحت رواية مسطحة، وفقدت الكثير جدًا من معناها.

البعض يقول إن رواياتى يخرجون منها بمعلومات ومعارف لم تكن مُتاحَة لهم، ولكن هى ليست منى، هى من الشخوص نفسها: البطلة فى «زهرة النار» تعلق على اللوحات، لا أقول أنا المعلومة، لكن هى من يقولها لأن هذا ببساطة عملها، والشاب الذى معها يتوق لهذه المعرفة، وهى تمده بها، ويعد ذلك إحدى الوسائل التى تجعله ينبهر بها، المهم هناك رصيد معرفى يتم توظيفه دراميًا.

والرواية، أى رواية، تستند إلى قدرة الكاتب على تحويل الفكرة إلى جزء من حياة الأبطال، وكيف تؤثر فى حياتهم وقراراتهم، وتوجه مسارهم، وتحدث انقلابًا فى حياتهم كما حدث مع «إيمان»، فلا تصبح القضية الفلسطينية هنا قضية سياسية كما هى فى مقالات الصحف، وإنما تصبح جزءًا من حياة الأبطال، تؤثر فيهم ويتأثرون بها.

■ هل ترى أن الرواية تأتى بلغتها الخاصة؟

- لكل رواية عالمها الخاص، فى «زهرة النار» هناك عوالم الفن والتحف، بخلاف العالم السياسى فى «أوديب فى الطائرة»، وأجواء الثورة فى «أجنحة الفراشة»، اللغة أداة لتوصيل المشاعر والأحاسيس والأفكار التى تقوم عليها الرواية، لذلك، كل رواية تستدعى نوعًا مختلفًا من المفردات، وأسلوب السرد. لا يمكن أن تجد كاتبًا له أسلوب واحد يكتب به جميع أعماله أيًا كان موضوعها، فكل رواية تمثل عالمًا مستقلًا يختلف عما سواها.