هشام الخشن: أنا مجرد «هاوى».. و لست صاحب مشروع أدبى
- أحب التجريبولا أخشى المغامرة فى الكتابة
- أنا محترف فى عملى الهندسى ولكن لست كذلك فى الكتابة
- زدت جرعة التفاعلية فى «نكلة فاروق» ليكون قارئى جزءًا من مجريات السرد
- قصدت خداع القارئ فى كل حرف بالرواية
يعود الروائى والمهندس هشام الخشن إلى الساحة الأدبية بروايته الجديدة «نكلة فاروق»، الصادرة حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية، ليأخذ القارئ فى رحلة سردية تبدأ من قصة عملات «الليبرتى نيكل» النادرة التى سُكّت عام 1913 ووصلت قيمتها إلى ملايين الدولارات، ثم ينطلق منها إلى فضاء أوسع من الحكايات والمراوغات.
الرواية لا تقتصر على تاريخ العملات بقدر ما تُمارس لعبة التشكيك والخداع مع القارئ، حيث يتوجه الراوى مباشرة إلى قارئه الضمنى ليطالبه بألا يثق فى شىء، قبل أن ينقل الأحداث إلى العصر الحالى عبر أربع شخصيات تنسج حكاية عجيبة، بلغة مكثفة لا تقل تشويقًا عن بداياتها.
حول هذه التجربة السردية الجديدة، وما تحمله من ألعاب لغوية وسردية، وحول العلاقة بين التاريخ والخيال، أجرت «حرف» مع الروائى هشام الخشن، الحوار التالى.

■ تحفل رواية «نكلة فاروق» بالكثير من الأحداث الملضومة فى بعضها بما يشبه العقد.. كيف جاءتك فكرة هذه الرواية؟
- أنا بطبعى أحب القراءة فى مناحى شتى، وفى فترة من فترات قراءتى بدأت القراءة عن سيكولوجيات النصب والخداع، وهذا الموضوع شدنى جدًا، وحين رحت أفكر وجدت أن الأمور تبلورت فى شكل فكرة رواية تدور فى فلك النصب والخداع.

■ بالتأكيد سبقتها قراءات كثيرة جدًا عن العملات لاختيار عملة «الليبرتى نيكل» للحديث عنها؟
- نعم هذا حقيقى، والكثير من القراءات والبحث التاريخى حين بدأت الفكرة تتبلور، ومع تخمر الفكرة فى ذهنى استمر البحث التاريخى والقراءات المتعددة.
■ هذا يعنى أنك استندت على مصادر بعينها؟
- بالطبع بحثت كثيرًا واعتمدت على عدة مصادر ودراسات مختلفة حتى استمديت المادة العلمية والتاريخية للرواية من مصادر حقيقية، وكى أتحقق مما أوردته فى السرد من وقائع تاريخية.

■ المفترض أن تلك العملة قد سُك منها ٥ قطع.. هل اختلقت أنت القطعة السادسة؟
- فى الحقيقة لا لم أختلقها، لأن هناك شائعة قوية تدّعى أنه كانت هناك قطعة سادسة من قطع «الليبرتى نيكل» التى سُكت عام ١٩١٣، لكن هذه الشائعات لم تؤكَد إلى يومنا هذا، ولكن المؤكد هو الخمس قطع ولكن بالفعل لم تظهر القطعة السادسة، وعدم ظهورها كان هو مادة لروايتى وتمحورت حولها بالكامل.

■ إذن حديثك عن شخصيتى «إديث وفريدى» من وحى خيالك؟
- نعم هذا من وحى خيالى، أنا بنيت قصة سك العملات، وشخصيتا إديث وفريدى جزء تخيلى، لكن صموئيل براون حقيقى وعلاقته بـ«الليبرتى نيكل» حقيقية تمامًا كما هو مثبت فى كل المراجع التى تدور حول تلك العملات وكما أوردت فى الرواية.

■ استخدمت جزءًا حقيقيًا ومعلومًا حول العملات القديمة التى سُكت عام ١٩١٣ وقدمت تبريرًا لما حدث من خلال قصة «إديث».. هل ترى أن وظيفة الروائى هنا هى إكمال الحكاية؟
- نعم أرى أن مهمة الروائى هى تخيل الناقص من الحكاية والبناء عليه، بغرض إكمال ما هو ناقص، وليس المفروض أن يؤخذ ما كتب على أنه واقع تاريخى، لأن الواقع التاريخى موجود ومسجل، ولكن ممكن أن نتخيل ما حدث، يمكن أن تكون «إديث» هى من سكت العملات، ويمكن ان يكون صموئيل براون هو من سك العملات، ولكن الرخصة الروائية هنا تجعلنا نتخيل ما تم ونستخدمه على الوجه الذى يريده الروائى كاتب العمل.
■ طريقتك فى استخراج «الليبرتى نيكل» للعلن واللعب على سيكولوجيات الشخصيات كان أمرًا مهمًا كأنه جزء أصيل من الحكاية.
- هذه هى الرواية ومحورها، لا أحاول أن أكتب قصة مسلية ولكن هناك بُعد نفسى أحاول توصيله من أول شخصية سام براون، لكل المشاركين الباقين فى الرواية، و«أناند» نفسه، كل هؤلاء لهم بُعد نفسى وإنسانى ونفوس بشرية، يهمنى إبراز ما بها.

■ أظهرت أن هناك جانبًا من الضوء فى كل شخصية ولم تتوقع ما يمكن أن تفعله.. بمعنى هل هناك جزء خفى لا نراه فينا وقد يراه شخص ما كما حدث مع «سام» مثلًا؟
- بالطبع، ويمكن أن يكون هناك ما يختفى فينا لا ندركه ويستطيع غيرنا استخراجه منا، بشرط امتلاكه الأدوات التى تعينه من الغوص فينا ومعرفة قدرتنا على الفعل.

■ جاء السرد مراوغًا مشككًا فى كل ما يحدث.. وهنا على القارئ أن يعيد تشكيل الأمور بنفسه كأنها رواية تفاعلية حديثة.. هل هذا صحيح؟
- هذا بالفعل المستهدف من طريقة السرد، وقد اخترت ذلك تواؤمًا مع كون الرواية تتمحور حول الخداع. وأنا بالفعل أسعى لتفاعل القارئ معى، ولذلك لجأت فى روايات سابقة للنهايات المفتوحة، لأترك للقارئ حرية إنهائها كما يتراءى له. فى هذه الرواية طورت أو زدت لجرعة التفاعلية رغبة منى أن يكون قارئى العزيز جزءًا من مجريات السرد.

■ حدث هذا فى أكثر من رواية لك مثل «تلال الأكاسيا».. هل تحب تجريب الألعاب السردية فى كل أعمالك؟
- بالطبع انا أجرب وأحب محاورة القارئ، والحقيقة أنا أرتب هذه الألعاب السردية أثناء كتابة الرواية، وتأتى وتسيطر على الحدث فتكون جزءًا أصيلًا منه.
■ كل شخصية تصلح لأن تكون رواية وحكاية لها صوتها الخاص.. حتى الراوى تشعر بأنه يخفى شيئًا عنك.. أليس كذلك؟
- هذا صحيح لأننى قصدت كتابة رواية عن الخداع، حين كتبت «تلال الأكاسيا» مثلًا كتبت رواية عن النسيان فجعلت الراوى نفسه ينسى أحيانًا ويترك الحديث ليدخل فى موضوع آخر، كأنه جزء من الحكاية نفسها. وهنا فى رواية «نكلة فاروق» كان هناك الكثير من الخداع عبر الشخوص والراوى والكثير من التشكيك وغيره، والحقيقة قصدت خداع القارئ فى كل حرف فى هذه الرواية.
■ هل تعمدت أن تجعل الشخصية تتمرد على راويها برغم إدراكها؟
- نعم، كل الشخصيات مدركة لكل ما يحدث ويتحققون من خلال اللعبة ماديًا ونفسيًا، وكان هناك رد لشخصية الرسام بالذات مثلًا. قصدت تمردًا للشخوص واستحضرتها بشكل مغاير.
■ برغم منح كل شخصية صوتها الخاص مرة واحدة، طرحت الحقائق على فترات.. لماذا؟
- كما قلت نحن بصدد رواية عن الخداع، ولذلك كان لزامًا أن يكون الشك واستمراره هو الخط الرابط فى السرد وفى تركيبة الشخصيات، والأهم من ذلك فى مجريات الحكاية ذاتها.
■ جاءت اللغة تغوص وتستبطن الشخوص كأنها عامل مشارك وحقيقى فى الرواية ولا يمكن تجاهلها.. لماذا فعلت ذلك؟
- اللغة دائمًا قلب وروح أى رواية. نحن حين نكتب نستعيض عن التصوير بالصوت، والصوت ما هو إلا لغة ترن فى آذاننا. لذلك فالمكون الأهم فى أى كتابة إبداعية هى اللغة، الحقيقة أن اللغة وسيلة وليست مجالًا للاستعراض. أنا شخص قليل الكلام جدًا، وهذا هو البعد الهندسى فى حياتى لأنى تعلمت أن أقرب مسافة بين نقطتين هى الخط المستقيم، لا أحب الإسهاب والوصف دون داع، نصف حين نحتاج هذا الوصف، لذلك الوصف فى الجزء الأول كان بطيئًا لأنه يعبر عن زمن رجعنا إليه بمعطياته.
وحين وصلنا إلى الزمن الحاضر أصبحت اللغة أسرع تماشيًا مع الزمن، لا يصح أن نتحدث عن من يخترق حسابات على الكمبيوتر، ونسهب فى شرح دون داع لأنه ببساطة يعمل على كمبيوتر وكل شىء يتم بسرعة، فحاولت أن تكون اللغة متوازنة مع الأزمنة ومع الشخصية. هناك شخصية سريعة الطلقات كما يقولون وهناك شخصية بطيئة، وهناك شخصية تشرح وأخرى تتحدث. شخصية كاميليا مثلًا تسهب كثيرًا، وحتى حينما قابلت كاميليا أناند، ظلا يتحدثان كثيرًا لأن شخصيتيهما هكذا، الرسام توفيق لا يصح أن يثرثر لأن الفنان يريد أن يرسم لا أن يتكلم، وسام يحب الكلام عن نفسه فأعطيته هذه المساحة.
■ بعد خداع «أناند» فى الأخير لـ«سام» ورفاقه.. هل أردت أن تقول إن كل فرد يدير الأمر بطريقته؟
- بل كل ينجح بمعايره، أو ليست هذه هى الحياة؟ ألا ننجح أو نفشل بمقاييس شخصية نحاسب أنفسنا بناء عليها؟ الكل ينجح أو يفشل من منظوره، فقط الضعيف من يتأثر بحكم الآخرين عليه، وما أوقع سام يمكن أن تكون ثقته المفرطة فى ذاته، أى أنه كان يراقب «أناند» لكن «أناند» هو من كان يراقبه فى الواقع دون أن يدرى.
■ أوردت العديد من الأقوال للمشاهير تؤيد الحكاية وتمعن فى المراوغة.. وكلها على لسان سام.. لماذا؟
- قصدت ذلك وتعمدته، وفى نفس الوقت حاولت أن يكون موزونًا دون مبالغة. أحب التجريب ولا أخشى المغامرة فى الكتابة. هى نوع من بناء شخصية سام هو يرى نفسه عبقريًا ومطلعًا، وواضح أنه لديه ذكاء، بالتأكيد، ولديه قدرة على استعادة ما يقرأه ويسجله فى ذهنه، فكانت نوعًا من بناء شخصيته. بالإضافة إلى أنه مغرور، فهو يتباهى أنه يعرف أقوال هذا وذلك ومتبحر.
■ تعمل مهندسًا مدنيًا وبناء الرواية هندسى وتم تخطيطه بعناية.. كيف ترى ذلك؟
- فى كل الروايات حين نبدأ الكتابة نعرف البداية والنهاية ونتخيل الوسط، ولكن يمكن أن يحدث تطور أثناء الكتابة، مثل شخصية تحبها، أو شخصية تحب توضحيها أكثر، فتظهر الكثير من الأمور لم تكن تتوقعها أثناء التفكير فى الرواية وقبل الكتابة، ولكن الأكيد أن هناك رسمًا للخط السردى أولًا، ولا بد أن تعرف كيف ستبدأ الحكاية وأين تنتهى.
■ لماذا تنشر كل أعمالك فى دار واحدة هى «المصرية اللبنانية»؟
- أنا أنشر مع أكبر دار نشر فى مصر وإحدى أكبر دور النشر فى العالم العربى، وهذا رقم واحد، وكنت محظوظًا بأن بدايتى كانت معهم، وهناك تفاهم وثيق بينى وبينهم، وليس هناك ما يعكر صفو العلاقة الصحية والجميلة، فلماذا أغيّر دار النشر؟.
■ كيف تخلق شخصياتك؟
- بالتأكيد كلنا نكتب من واقع خبرات، وأوجه من قابلناهم ومواقف حضرناها، ولكن هل هناك شخصية معينة أقول عنها إننى أعرف أن هناك شخصًا يشبهها؟ لا بالطبع! ولكن هى تركيبة من خبراتك، بالإضافة إلى أن الشخصية الواحدة تركبها من أجزاء ممن قابلتهم فى حياتك.
■ فى أعمالك تعتمد بقوة على استكشاف النفس البشرية كأن هذا مشروع كتابى كبير يضم العديد من الروايات.. هل هذا صحيح؟
- أنا مُصر أننى لست صاحب مشروع أدبى. أنا كاتب هاو أجرب وأحاول أن أجدد كتاباتى وأن أعطيها مناحى مختلفة فى كل عمل أقدمه.
■ لكن فكرة المشروع تظهر فى أعمالك؟
- ربما لكن الحقيقة فعلًا أنه ليس لدى مشروع، ليست لدى خطة أننى أريد أن أقول للعالم كذا أو كذا. أنا تحضرنى فكرة أمشى وراءها وأتابعها، وأحاول كتابتها بشكل جيد، وأحترم القارئ، وأجعله سعيدًا ومنتظرًا لعملى القادم، ولكن ليس لدى تخطيط لمشروع أدبى متكامل ولا أدعى ما ليس عندى.
أنا وصلت للقوائم الطويلة للبوكر، وهناك الكثير من التقدير أتلمسه لما أكتب، ولكن وبرغم البوكر وغيرها فأنا هاوٍ، محترف فى عملى الهندسى ولكن ليس فى الكتابة، أكتب لأكون سعيدًا بما أكتبه، وحين أكتب وأنا سعيد عادة ما يسعد القارئ.
■ هل تُحضّر جيدًا قبل النشر؟
- بالطبع هناك تحضير جيد، لأننى على مدار ١٦ عامًا أصدرت ١١ رواية، ومجموعتين قصصيتين.







