زمن عبدالحليم حافظ.. العندليب يكتب مذكراتى العاطفية!
تعلقت بالمطرب عبدالحليم حافظ منذ أعوام عمرى المبكرة، ربما قبل أن ألتحق بالمدرسة، شدتنى الأغانى الوطنية كثيرًا ومنها: «الله يا بلادنا الله»، و«إحنا الشعب»، وغيرهما، وكان راديو الجيران يدويًا فينتشر صوته عبر الغرف والأماكن، ورحت أبحث عنه كى أسمعه، لم أكن قد عرفت السينما بعد، حفظت بعض أغنياته ولم أنتبه إلى العاطفى منها إلا فى مرحلة تالية.

أذكر وأنا فى سن الثامنة اشتريت له صورة مطبوعة على ورق كرتون وعلقتها أسفل صورة جدى، وبسبب هذه الصورة لم أتمكن من النوم فترة طويلة، كان يضحك ذلك الشاب المتألق وكنت أنام جنب الصورة فإذا أغمضت عينى انتبهت أننى ارتكبت جرمًا وكيف أنام أنا وهذا المطرب الضاحك مستيقظ إلى جانبى كأنه ملاكى الذى يحرسنى، فى تلك الفترة كانت أغنية «ظلموه» قد ملأت الأسماع، وعندما أتى فيلم «بنات اليوم» للعرض فى سينما الجمهورية تزاحمت مع الصبية الآخرين ودخلت لأشاهد عبد حليم من فوق دكة خصصت للمُشاهد الشعبى، رأيته حائرًا بين شقيقتين وقعتا فى حبه، الأولى خطبها ولم تقدر قيمته، والثانية كتمت مشاعرها وعبرت عنها فى وريقة صغيرة قالت فيها: «أهواك وأتمنى لو نساك، وأنسى روحى وياك، وإن ضاعت تبقى فداك، لو تنسانى»، كانت سينما الجمهورية تعرض الفيلم لأسبوع واحد فقط، فلم أتمكن من العودة لمشاهدته، لكننى رحت أطارده فى كل مكان، وكنت سعيدًا جدًا حين غنيت أغنية «أهواك» لأستاذتى فى اللغة الفرنسية بجامعة سويسرا عام ٢٠٠١، طوال هذه السنوات لم أحب أحدًا مثل عبدالحليم حافظ، ليس كمطرب عاطفى فقط، لكنه أيضًا المطرب الأول الذى كان يغنى كل عام أغنية جديدة للاحتفال بثورة يوليو: «المسئولية»، «يا أهلا بالمعارك»، «على راس بستان الاشتراكية»، «ولا يهمك يا رئيس من الأمريكان»، كان يريد أن يسمعه الناس طوال ساعاتهم، ولم يكن يطيق أن ينافسه أحد من أجياله، عندما أصابنى مرض الحب وأنا فى الصف الأول الإعدادى غنيت بينى وبين نفسى أغنية «أول مرة تحب يا قلبى»، ورحت أتابع أفلامه التى كان يؤدى فيها دور الشاب العاطفى الرقيق المغلوب على أمره، الباحث عن سلامة النفس، الذى يعانى من ظلم الأخرين، وتألمت جدًا من المواقف التى تعرض لها فى فيلم «الخطايا»، وكان مثيرًا للبهجة فى فيلم «يوم من عمرى»، وكان مركز الدائرة بين العديد من الممثلين والشخصيات فى فيلم شارع الحب، ورحت أعد القبلات التى تبادلها مع مريم فخر الدين فى «حكاية حب»، ثم مع نادية لطفى فى «أبى فوق الشجرة».
صار هذا المطرب هو مؤرخ حياتى، أعيش مع أغانيه، وصار هو ذكرياتى غير المكتوبة وأنا أسمعه يغنى «لست قلبى» فى فيلم «معبودة الجماهير»، صحيح أننى أحببت المطرب الأمريكى الفيس بريسلى لأسباب كثيرة، ولكن هذا الأخير كان أمريكيًا جدًا، أما عبدالحليم فهو مكتوب فى دمى، وأشعر أننى محظوظ لأننى عشت ذلك الزمن أغلبه، تأثرت جدًا بوفاته وصنعت مجلة حائط علقتها على جدران الشعبة القومية لليونسكو بسبب وفاته، وأبلغتنى السيدة تيسير أن كلامى المؤثر جعلها تبكى، السيدة تيسير هذه قوية الشكيمة، وذات شخصية قوية ومعنى أنها بكت أنها تأثرت بما قرأت، كان عبدالحليم هو عنوان مواد كثيرة كتبتها، منها أننى بعد نشر رواية «وقائع سنوات الصبا» حول كيف أرخت السينما لحياتنا الماضية، بدأت فى كتابة رواية أخرى بعنوان «زمن عبدالحليم حافظ»، استوحيت العنوان من إهداء محمد خان على فيلم «زوجة رجل مهم»، وكتبت فى مقدمة روايتى حين نشرت أننى أشكر الناقد المؤلف للفيلم رءوف توفيق، وفيما بعد أصابتنى رعشة الكتابة عن عبدالحليم حافظ، قمت بكتابة موسوعة تضم معلومات وافية عن كل ما قدمه الرجل من أغنيات وأفلام، ومن عرفه من الفنانين فى مجالات مختلفة، وسعيت من ناحيتى إلى إعادة طباعة رواية «زمن عبدالحليم حافظ» أكثر من مرة، ذات يوم وصلتنى مجلة أدبية لبنانية رصينة قرأت فيها عرضًا لرواية باسم «زمن عبدالحليم»، يبدو أن المؤلف المغربى رجع إلى عنوان روايتى، وكتب رواية أخرى تخصه هو، فلست الوحيد الذى شغف بهذا المطرب الذى رحل منذ خمسين عامًا، لكنه لم يمت أبدًا ولن يموت قط مهما مر الزمن، كل الأجيال ستحبه، وأعتقد أنه ترك أثرًا فى أجيال المطربين الذين جاءوا بعده والذين لم يستطع أحد الاقتراب من قامته الفنية.
ضمت الرواية سبعة فصول، أسوة ببقية أعمالى الإبداعية، فالفصل الأول كان بعنوان «طول عمرى قلبى خال ويخاف من الغرام» التى تحكى عما فعلته بى أغنية «ظلمونى»، وعن البنات فى حياتى وكيف غنيت لشبح كل واحدة تلك الأغنية، وتعمدت أن يكون عنوان الفصل باللغة العربية كما كتبها حسين السيد، أما الفصل الثانى فهو عن الأغنية الوطنية «يا جمال يا حبيب الملايين» حكيت فيه كيف شاهدت عبدالناصر فى الإسكندرية متجهًا بموكبه نحو الاستاد فأحسست أنه ينظر لى ويخصنى بالتحية بإشارات من أصابعه، هذا المشهد شد انتباه الكاتبة فريدة الشوباشى والمخرج السورى محمد ملص الذى تمنيت لو أخرج هذه الرواية عن كيف توغل المطرب فى حياتنا الشخصية، كل بطريقته، وهناك فصل عن أغنية «نداء الماضى» التى تبدأ بقوله:
«يا ليالى الغرام عودى إلينا وخذى الصفو والمُنى من يدينا»
هذه واحدة من الإبداعات العظيمة المبكرة لعبدالحليم حافظ، لكنها تركت فىّ أثرًا كبيرًا حين سمعتها بالمصادفة وأنا فى غرفتى وحدى، تلك الغرفة التى كم شاهدتنى مع حبيبتى فى لقاءات كثيرة، أحسست أن كل الذكريات تخرج من الراديو وتبحث لنفسها عن فتحة هواء كى تخرج إلى الأبد من غرفتى التى صارت مبعث حزنى.
وفى الرواية أيضًا فصول عن أغنيات كثيرة أحببتها من خلال مشاعرى الخاصة تجاه بنات فى حياتى مثل: «حاول تفتكرنى» وما أروعها رغم أنها من تلحين بليغ حمدى، وختمت الرواية بفصل ملىء بالشجن عن قارئة الفنجان التى جعلتنى أشعر خاصة بالطريقة التى شدى بها المطرب، أن هذه الأغنية مكتوبة عنى وعن مشاعرى خاصة عندما يقول:
«فحبيبة قلبك يا ولدى ليس لها وطن أو أرض أو عنوان ما أصعب أن تهوى امرأة ليس لها عنوان».







