التخيل العلمى.. انتظار ما لا ينتظر.. وحضور ما لا يمكن حضوره
الحمد لله أن هناك موضوعات ثقافية بعينها اهتممت بالكتابة فيها، وقدمت حول هذه الموضوعات دراسات وافية جدًا صارت مرجعًا موثوقًا فيه، وكنت دائم البحث وأضيف إليه من أجل طبعات مقبلة، ومن بين هذه الموضوعات «أدب التخيل العلمى»، و«الأدب العربى المكتوب بالفرنسية»، و«الاقتباس فى السينما المصرية»، و«الأدب والسينما فى مصر»، و«الفيلم الدينى فى مصر»، وقد ظلت هذه الموضوعات تؤرقنى من أجل الإضافة.

أنا أذكر هنا بالتحية اسم المثقف السكندرى أحمد فؤاد البسيونى الذى أكد لى أن التسمية الحقيقية هى «التخيل العلمى»، ولا أعرف لماذا تمسكت بالمصطلح السيار وهو الخيال العلمى، وهو عنوان كتاب أعددته فى بداية التسعينيات، متمنيًا أن أنشره فى سلسلة «عالم المعرفة» بالكويت وصدمت حين تم رفضه بلا سبب، ربما لأننى لا أحمل درجة علمية عليا، لكن للأسف الشديد فإن هذا الكتاب بعد نشره صار مرجعًا لكل الباحثين الذين حصلوا على درجات الدكتوراه والماجستير فى هذا الشأن، والمضحك أن الأساتذة المشرفين على تلك الرسائل لم تكن لدى أى منهم أى معرفة عن هذا الموضوع قبل مناقشة الرسائل، والحمد لله أيضًا أننى كنت أمتلك ثقة كبيرة فيما أكتب، خاصة فى المنهج الذى أتبعه فى الكتابة، وقد اهتممت بهذا العنوان لأنه نوع أدبى منتشر ومتواجد بقوة، ومن هنا جاء اسم الكتاب على النحو التالى «الخيال العلمى- أدب القرن العشرين»، باعتبار أن أكثر الأنواع الأدبية المنتشرة فى الغرب كانت تنتمى إلى الخيال العلمى خاصة فى الولايات المتحدة وأوروبا، وقد ساعدت السينما فى إكساب هذا النوع جماهيرية كبيرة فى كل أنحاء العالم، ورغم انتشاره فى اللغات الأخرى فإنه ولد خجولًا فى اللغة العربية، وكل ما يفهمه الكاتب العربى أنه يدور حول رحلات إلى الفضاء أو المستقبل، ولذلك جاءت أعمال الكتاب العرب وهى قلة وكأنها تدور فى أطر ضيقة للغاية.
لهذا السبب تعمدت أن يكون الكتاب معرفيًا فى المقام الأول، بالإضافة إلى تحليل النصوص المنشورة، والتعرف على المراحل العديدة التى مر بها هذا النوع، وأشهر الكتاب والروايات فى كل إطار.

الآن، وبعد كل هذه العقود فإننى أكتب أن الخيال العلمى هو نوع من الأدب، فهو امتداد للكتابات الشعبية التى تعتمد على المغامرات، والغموض، مثل الروايات البوليسية وروايات التجسس، وأغلب من كتب فى هذا الشأن كان ماهرًا فى قصص المغامرات، ولحسن الحظ فإن أسماء قليلة هى التى منحت للتخيل العلمى قيمة، وللأسف الشديد فإن هذا النوع من الكتابة لم يحصل أبدًا على جوائز مثل نوبل، رغم أن بعض المؤسسات الثقافية خصصت لهذه الروايات جائزة باسم «جول فيرن»، كما أن هناك جائزة سينمائية لأفلام التخيل العلمى معروفة باسم «أفورياز» ما يعنى أن التخيل هنا هو نوع أدبى، أو ما أطلقت عليه اسم هذا النوع لا يوجد عندى سبب لعدم انتشار هذا النوع فى لغتنا، وأن أغلب من كتبوا فيه لم يخلصوا له، ولكن هناك سلاسل روائية شعبية تصدر باللغات الأخرى تؤكد مدى انتشار التخيل العلمى، هذه الروايات تحولت إلى أفلام ومسلسلات تليفزيونية، وأفرزت عن كتاب من الطبقة الثالثة لكنهم يبيعون كتاباتهم بأرقام فلكية، لذا لا يمكن تجاهل هذا النوع من الكتابة ومن المهم تحليله، ولذا فإن كتابى الذى نشر للمرة الأولى فى هيئة الكتاب عام ١٩٩٣ وأيضًا فى الدار العربية للكتاب بليبيا فى العام نفسه قد حاولت فيه أن أتحدث عن كل ما يتعلق بهذا النوع من الكتابة: تعريف هذا النوع، وقراءة فى أدب الكتاب، وعلى سبيل المثال فإن المرحلة الأولى من ازدهار التخيل العلمى قد برع فيه كل من جول فيرن، هيربيرت جورج ويلز، أما المرحلة الثالثة فكان من أجود كتابها إسحاق أزيموف.
وجدت نفسى أنجرف مع تيار المعرفة، وأنا أكتشف أن التخيل العلمى قد تراكم فى تاريخ ثقافى كبير، وزحف ليجد أدباء جددًا فى بلاد كثيرة منها اليابان وأوروبا والهند، واكتشفت أن هناك أنواعًا أدبية منبثقة ظهرت أيضًا فى القرن العشرين مثل الخيال السياسى أو أدب الفانتازيا العلمية، وأدب الظواهر الخفية، كل هذه الأنواع صار كل منها نوعًا مستقلًا بنفسه، مثلًا التخيل السياسى نبع من حروب القرن العشرين والصراعات السياسية بين الأقطاب الكبرى، ما أسفر عن توهج نشاط الجاسوسية، وهذا فى حد ذاته شهد ازدهارًا ملحوظًا، وكم رأينا الكتاب الكبار مثل أنطونى بيرجيس صاحب رواية «البرتقالة الآلية»، وهو كاتب له روايات فى كل أنواع الخيال العلمى وغيرها، وأيضًا الكاتب الأمريكى كيرت فون جوت صاحب رواية «السلخانة رقم ٥»، وأغلب هذه الأنواع استخدمت أساليب الرواية البوليسية وعلى رأسها الغموض، المطاردات، والنهاية الطبيعية لكشف الأسرار، وانتصار الخير، ولهذا السبب فإن هذا النوع من الروايات ظل يتأرجح بين الجودة الفنية وبين سطحية قصص المغامرات والمطاردات، وفى الغالب فإن هذه الروايات تحتل مكانة ثابتة فى الثقافات الشعبية التى يهتم بها القراء والباحثون عن التسلية عن القراءة. وهكذا جاء كتابى ليكون شاملًا للتعرف على أنواع الروايات الأكثر شيوعًا فى القرن العشرين ، وهى النوعيات الموجودة نفسها حتى الآن، وفى المكتبات التجارية هناك أرفف كبيرة تستقبل يوميًا عشرات القراء الباحثين عن العناوين الجديدة فى هذا الشأن، ولعل النجاح الذى حققته روايات عن هارى بوتر خير عنوان لازدهار هذا النوع من الكتابة، إنها ثقافة الفشار كما كتبت أكثر من مرة، وانتشارها بهذه الصور لا يعنى أنها أعمال عظيمة، بل هى أعمال أشبه بتناول حبات الفشار بدلًا من التهام وجبة صغيره مفيدة، هذا النوع من الروايات انتشر أيضًا فى مصر ووجد له كتابًا كبارًا صاروا يتمتعون بشعبية كبيرة، ويجب أن أعترف بأن هذه المؤلفات قد ساعدت الشاب إلى العودة إلى القراءة، أى أنها قراءة سطحية، لذا سوف تجد الكاتب يهتم بشخصية بعينها وبتكثيف أكبر قدر من المعلومات.
حرصت على قراءة الروايات البارزة فى عالم الخيال العلمى، وأيضًا على اكتشاف كل كاتب جيد يضيف إلى هذه الأنواع فى أعماله الجديدة، خاصة أن القارئ العادى لا يمكنه استيعاب كل العناوين الموجودة فى مكتبات البيع، وهى روايات شعبية مطبوعة فيما يشبه كتاب الجيب، لكنه جيب ضخم، والقراءة هنا حالة خاصة جدًا لدى أصحابها، ما يدفع المرء مثلى أن يغبط كل هؤلاء الكتاب للشعبية التى حصلوا عليها والمبالغ التى حصلوا عليها من البيع المتضاعف.
لم أقصد أبدًا أن أطبع كتابًا مرتين فى أكثر من دار نشر، ولكن يبدو أن فحوى موضوعه قد جعل إدارات النشر تقبل عليه فى مصر وليبيا، وكان عزائى أن الكتب المطبوعة فى ليبيا لا تأتى إلى القاهرة، ولكنها توزع بشكل جيد فى المغرب العربى، كان هذا سببًا أن تتولد صداقة قوية للغاية مع الشاعر الليبى الكبير خليفة محمد التليسى، الذى ظللت مرتبطًا به حتى بعد وفاته، وفيما بعد تمت إعادة طباعة الكتاب فى مكتبة الأسرة، ولم أتوقف عن الكتابة فى هذا الموضوع فى المجلات، وكانت النتيجة أن أعددت موسوعة باسم «موسوعة التخيل العلمى» ضمت كل ما تمكنت من الوصول إليه من معرفة حول هذه الظاهرة: المؤلف، المصطلحات، الجوائز المتخصصة لهذا النوع من الكتابة، فقرات عن أشهر المجلات التى كانت تصدر حول هذه الموضوعات وغيرها.
كان هناك تيار من شبق الكتابة يدفعنى دومًا للغوص فى أعماق بحر المعرفة حتى لا أصبح متخلفًا فى استيعاب هذه الأنواع من الآداب، والآن بعد هذه العقود من النهم لا يزال التخيل العلمى مجهولًا فى البلاد العربية خاصة مصر، ولا شك أن نبيل فاروق، وأحمد خالد توفيق قد أعطيا لهذه الأنواع روح التواجد، لكن رحيلهما فى سن شبه مبكرة قد أصاب هذا النوع بانكسار ملحوظ، خاصة أن دور النشر التى كسبت وطبعت الكثير من هذه الأعمال قد رحل أيضًا أصحابها وبدت الساحة خاوية إلا قليلًا.



