بركان التجديد الهادئ.. قراءة جديدة لأفكار أحمد بهاء الدين
- أولى بهاء الدين اهتمامًا فريدًا بنقد التراث الدينى ومراجعة التاريخ الإسلامى فى مؤلفات من يسميهم «فقهاء الفروع والمصالح المرسلة»
- استخدام العقل واتباع المناهج العلمية أمور تفتح أمام شعوبنا باب الإبداع
- عاش الإسلام قرونه الأولى وليس فيه وظيفة رجل الدين بل كان الأئمة الكبار ناسًا عاديين يكسبون أرزاقهم من شتى الأعمال
- فى العصر الحديث نجد أن «الأفندية» فى مقدمة مَن تصدى لإحياء التراث الإسلامى
- رأى أحمد بهاء الدين أن التراث ينبغى إعادة انتقائه واختياره
- الذين يعملون على رقى بلادهم أعرف بروح دينهم من محترفى التلاعب بالنصوص
لم يكن أحمد بهاء الدين «1927 - 1996» مجرد كاتب صحفى تولى رئاسة تحرير ومجلس إدارة عدد من الصحف والمؤسسات الكبرى، ولكنه كان مفكرًا حظى بإجماع المتفقين والمختلفين معه عليه، فلا تجد أحدًا يخوض فى سيرته بما لا يليق، ولا تجد أحدًا يشتبك معه اشتباكًا حادًا أو متجاوزًا، وحتى من خرجوا عليه كانوا ينزلونه المنزلة التى يستحقها.
كانت لدى بهاء فلسفته الخاصة التى أعتقد أنها أخرجته من بين عواصف السياسة وتعقيداتها، وهى الفلسفة التى مكنته من مواصلة الكتابة فيما يريد حتى آخر حياته، فقد كان يرى أن الكاتب فى البلاد المتخلفة تحديدًا عليه أن يكتب تحت كل الظروف فى التاريخ والجغرافيا، فى الفن، فى الأدب، فى أى شىء، فى كل ما هو تثقيف عام.
ولأنه كان كذلك فقد كان عليه إجماع بأنه لم يتخلَ أبدًا عن القضايا التى يؤمن بها، فلم يفرض عليه أحد شيئًا، ولم يتطوع هو بكتابة شىء لمجرد أن هناك من يريده أن يكتب.
بحثت كثيرًا فى سر هذا الإجماع الذى ندر أن يحظى به كاتب ليس فى عالمنا العربى بل فى العالم كله، وصادفنى مقال كتبه جلال أمين فى مجلة الهلال، عدد أكتوبر 1996 بعد شهرين فقط من وفاة بهاء، والصدفة الأكبر أن عنوان المقال كان «سر الإجماع على أحمد بهاء الدين».
يرصد جلال الإجماع على بهاء بأنه لم يكن بسبب الحزن على وفاته، ولكنه كان مختلفًا فى مداه وشموله لطوائف متعددة من الناس، سياسيين ومثقفين وصحفيين وفنانين وقراء عاديين، ومنتمين إلى مختلف الأحزاب حاكمة ومعارضة، ومختلف الاتجاهات السياسية محافظين ويساريين، متحمسين للعروبة أو متحمسين للمصرية، ومختلف الاتجاهات الفكرية، علمانية وإسلامية.
يستعرض جلال عددًا من الأسباب التى يمكن أن تفسر لنا الإجماع على بهاء، مثل أنه كان وطنيًا شديد الاعتداد بوطنه، أو بسبب تعدد مواهبه، فهو يكتب فى الأدب والتاريخ والموسيقى والسينما والفنون الشعبية، ويهوى تخطيط المدن ويهتم بالاقتصاد ومختلف القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية، وقد يكون بسبب انتشار قرائه بين مختلف طوائف المجتمع، وقد يكون السبب هو أدبه وشرفه.
لكنه فى النهاية ينحاز إلى سبب يراه أكثر منطقية وربما شمولية أيضًا للإجماع على بهاء.
يقول جلال: التفسير الذى ارتحت إليه هو أن أحمد بهاء الدين كان يتمتع بصفة هى النادرة حقًا بين الموهوبين من الناس، وهى عدم تضخم الشعور بالذات أو عدم المبالغة فى تقديرها، وقد ترتب على ذلك بعض الصفات الأخرى المهمة للغاية فى الكاتب والرجل العام، منها تغليب الصالح العام على الصالح الخاص، والنفور الشديد من الكلام عن النفس بأكثر مما يجب، ومن الانشغال بالصغائر وتوافه الأمور بمبرر ودون مبرر، والقدرة على التعبير الصادق عن الموضوع حتى لو أصاب الكاتب نفسه بعض الأذى، وعلى التمييز بين المهم وغير المهم، والزهد فى أى محاولة للتظاهر بما ليس فيه، بما فى ذلك انتهاج أسلوب معقد وملتوٍ فى الكتابة لإخفاء ما لا يجب أن يخفى أو للإيهام بما ليس حقيقيًا، فضلًا عن الأدب الجم فى الكلام عن الناس، وعدم المبالغة فى الهجوم والنقد، وسرعة السيطرة على النفس عند الغضب، والميل إلى رؤية المغزى العام للحدث، والتغاضى عن آثاره الفردية والخاصة وتشجيع الموهوبين من غير المشهورين وإفساح مجال الشهرة أمامهم، والشعور بالفرح الحقيقى لدى رؤية نجاحهم ومساهمتهم فى النفع العام.

من بين ما كان يشغل أحمد بهاء الدين وداوم على الكتابة عنه ما يتعلق بعلاقتنا بالتراث، وكان لديه منهج واضح فى التعامل معه، منهج يقوم على إعمال العقل بشكل واضح.
فى مقاله «الملتزم الرصين» الذى يعدد فيه إسماعيل صبرى عبدالله الأصول الفكرية لدى أحمد بهاء الدين يشير إلى أنه كان حريصًا على المعرفة العلمية وإعمال العقل فى كل شىء.
يقول صبرى: استخدام العقل واتباع المناهج العلمية والدعم الثابت لجهود البحث العلمى أمور تفتح أمام شعوبنا باب الإبداع وليس فقط باب المحاكاة، إن كل حضارة لا تنتج معارف ومهارات جديدة تتجمد ثم تتدهور ثم تتمزق ثم تندثر.
ويضيف: وهذا ما يظهر فى كل ما كتب أحمد بهاء الدين، فهو يمتحن صحة الخبر قبل أن يعلق عليه، وهو يقلب الأمر على وجوهه المختلفة، ثم ينتقى العبارة الدقيقة التى تشبه أن تكون لغة علمية، وإن كانت لبهاء قدرة فائقة فى باب ما قلّ ودلّ، الجملة القصيرة والفكرة الواضحة والنص المحكم الذى لا يدخل فى أى استطراد.

ويرصد نجيب محفوظ ملاحظة ذات دلالة وهى إعجاب أحمد بهاء الدين بطه حسين.
يقول نجيب: طه حسين كان رمزًا للاستنارة الفكرية والعقلانية الرشيدة، أشعل ثورة فى الفكر والأدب مثل ثورة ١٩١٩ فى السياسة، ونادى بحرية التعبير وحرية البحث العلمى، متفتحًا على ما أنجزته الحضارات الأخرى، وكل من يتطلع لحرية الفكر يجد طه حسين مثله الأعلى، ولا يمكن أن يذكر رفاعة الطهطاوى والشيخ محمد عبده إلا ويذكر طه حسين، لذلك ليس غريبًا إعجاب أحمد بهاء الدين بطه حسين كل هذا الإعجاب.

هذا الإعجاب بطه حسين دفع أحمد بهاء الدين إلى زيارة مكتبة طه حسين، وهى الزيارة التى سجلها فى مقال نشره فى مجلة صباح الخير فى مارس ١٩٥٨.
توقف بهاء خلال زيارته لمكتبة طه حسين عند مجموعة ضخمة من كتب الفقه، وآراء أبى حنيفة ومالك وابن حنبل والشافعى، وسبب توقفه أن هذه الكتب تهم فى الدرجة الأولى رجال الفقه والشريعة والقانون ولا تهم المؤرخ أو الأديب.
سأل بهاء طه حسين عن سبب اهتمامه بهذه الكتب.
فأجاب طه بأنه كثيرًا ما تعترضه فى أثناء كتابة موضوع ما قضية من القضايا الفقهية التى يجب أن يتخذ فيها موقفًا.
طلب بهاء من طه حسين أن يضرب له مثلًا على ذلك.
فقال: مثلًا.. وأنا أكتب الجزء الثانى من كتاب «الفتنة الكبرى» عن على بن أبى طالب، واجهت واقعة إلحاق معاوية لزياد بنسبه، وجعله أخاه، يحمل اسم «زياد بن أبى سفيان»، مع أن زياد له أب آخر معروف، كان عبدًا روميًا لامرأة فى الطائف، وهنا واجهنى سؤال مهم: هل التبنى جائز فى الإسلام أم لا؟ القرآن يقول إنه غير جائز بنص سورة الأحزاب «ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه وما جعل أزواجكم اللائى تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم»، فمعنى هذه الآية أن التبنى ممنوع، ولكن قراءة الآية القرآنية وحدها لا تكفى لتقرير حكم الإسلام، فلا بد من قراءة كتب تفسير القرآن، واستعراض مختلف الآراء وشتى وجهات نظر الفقهاء، قبل أن أصل إلى نتيجة أخيرة هى: أن معاوية خرج على حكم الإسلام عندما ألحق زيادًا بأبيه.
يعلق بهاء على كتاب «الفتنة الكبرى» ويصفه بأنه من الكتب النادرة فى أدبنا العربى الحديث، فهو مزيج رائع من الدراسة والتاريخ والأدب والفن، وهو من المحاولات القليلة لفهم تاريخنا العربى بالمقاييس العلمية الحديثة.
يقول: قال لى الدكتور طه حسين إنه من الكتب التى كلفته مجهودًا عنيفًا فى البحث والقراءة، كان عليه أن يقرأ كل ما كتبه المستشرقون، وكتب المستشرقين فيها تعصب ولكن فيها فائدة كبيرة، فهى تقدم لنا منهجًا جديدًا فى البحث، ونظرة على هذا التاريخ غير نظرتنا، ثم كان عليه أن يقرأ كل المخطوطات التى وجدها فى دار الكتب عن أبى بكر وعمر وعلى وعثمان ومعاوية، إلى جانب كل الكتب المطبوعة عن هذه الفترة الحرجة المضطربة من التاريخ.

ويسأل بهاء: هل تذكر مرجعًا من هذه المراجع، كان له أثر بارز فى بحثك؟
ويجيب طه: نعم.. أذكر مثلًا كتاب «أنساب الأشراف» للبلاذرى، ووجه امتيازه، أن كل كتب التاريخ الإسلامى كُتبت فى العراق، وكان مؤلفوها متأثرين بسياسة الدولة العباسية، ما جعلهم يتعصبون تعصبًا شديدًا على أهل الشام بعكس البلاذرى، فبالرغم من أنه كتب كتابه هذا فى بغداد، فى القرن الثالث للهجرة، إلا أنه كان يذهب إلى الشام ويجلس إلى علمائها ويسمع منهم الأخبار، فإذا كتب، روى القصة كما يتناقلها الرواة فى العراق، ثم قال وحدثنى بعض شيوخنا فى الشام قالوا: هذا كله حديث أهل العراق، والذى نرويه هو... ذلك أن الشام ظلت زمنًا متعصبة لبنى أمية ضد العباسيين، فكان البلاذرى يروى الواقعة من وجهتى النظر المختلفتين على السواء.

ويعود بهاء للتعليق، يقول: وكتاب «الفتنة الكبرى» يختلف عن كتاب آخر لطه حسين فى التاريخ الإسلامى، هو كتاب «على هامش السيرة»، فكتاب «الفتنة الكبرى» طابعه البحث والتاريخ والتحليل، أما «على هامش السيرة» فطابعه الخيال، وتصوير الجو النفسى والإنسانى والعاطفى الذى ولدت فيه الدعوة، وأذكر أننى كنت طالبًا عندما كانت أجزاء هذا الكتاب تصدر، فكنت أقرأ سطوره وكأننى أترنم بقصائد من الشعر، فأسلوب الكتابة فيه أسلوب شاعرى، عاطفى لا عقلى، أسلوب رفيق رقيق، بلغ من رقته أنه جعل كل شخصيات هذا العصر، الذى أتصوره خشنًا، شخصيات تسيل رقة.
وقال طه حسين: إن فكرة هذا الكتاب خطرت لى وأنا فى باريس، حين قرأت كتابًا اسمه «على هامش الكتب القديمة» من تأليف جول ليمتر، وهو عبارة عن حكايات مخترعة، وتدور حول أبطال بعض الكتب القديمة كالإلياذة والأوديسة وغيرهما، فسألت نفسى: هل من الممكن القيام بنفس التجربة باللغة العربية، وفى جو إسلامى صرف؟ ثم أجبت على هذا السؤال بتأليف كتاب «على هامش السيرة».
ويسأل بهاء: سمعت أن هناك كتابًا آخر تكتبه عن هذه الفترة نفسها؟
ويجيب طه: نعم.. إننى أستعد الآن لكتابة كتاب اسمه «مرآة الإسلام»، عبارة عن صور من الحياة الإسلامية فى أيام النبوة والخلفاء، بعد أن تعقد الإسلام وأصبح علمًا، بل علومًا فيها مناظرات علمية وجدل عقلى.
ويتحدث بهاء عن الكتاب الذى يقرأه طه حسين استعدادًا لكتابة «مرآة الإسلام»، وهو كتاب اسمه «جامع الأصول فى حديث الرسول»، ويقع فى اثنى عشر مجلدًا، ويقول طه حسين إنه لا يقرأه لكى يعرف أحاديث الرسول فقط، فهى موجودة فى غير هذا الكتاب، ولكنه يقرأه لكى يتمثل بوضوح كيف كان يعيش الناس أيام النبى، وكيف كان النبى يختلط بأصحابه ويعلمهم ويناقشهم، أى لكى يتمثل صورة الحياة العقلية والصراع الفكرى فى ذلك العصر.
وينقل بهاء رأى طه حسين فى الكتب العربية القديمة التى ليست معروفة لكل المثقفين من الشباب، وليست مقدرة حق قدرها، مع أنها تنطوى على كنوز عقلية وفنية لا نظير لها.
يقول طه حسين: حتى الكتب القديمة فى الفقه التى كثيرًا ما أقرأ فيها لا على أنها مناقشات فقهية وشرعية، ولكن على أنها أدب رفيع، هناك مثلًا كتاب «الأم» للإمام الشافعى، وهو الكتاب الذى أملاه هنا فى القاهرة، وفى جامع عمرو بن العاص فى مصر القديمة بالذات، إنه من أروع ما يمكن أن يقرأ الإنسان من حيث الأسلوب، وهو ثانيًا مرجع ممتاز نفهم منه تاريخ العقلية الإسلامية فى تلك الأيام، ثم هل تعرف أن الجامعة العربية تنشر هذه الأيام أول كتاب عربى قديم فى القانون الدولى؟ إنه كتاب «السيد الكبير» تأليف محمد بن الحسن الشيبانى، وهو يتحدث عن تاريخ الحرب وأنواع العلاقات فى الحرب والسلم بين الدول الإسلامية وغيرها من الدول، وقد تعجب إذا قلت لك كيف قررنا طبع هذا الكتاب، إن فى ألمانيا جمعية من المستشرقين والفقهاء الدوليين اسمها «جمعية الشيبانى» نسبة إلى مؤلف هذا الكتاب، واعترافا بعظمته، وقد عرف الفقهاء الدوليون هذا الكتاب من نسخة طُبعت فى الهند من زمن بعيد، ومنذ قليل، اتصلت هذه الجمعية فى ألمانيا بالدكتور عبدالحميد بدوى القاضى بمحكمة العدل الدولية وسألته هل يمكن إعادة طبع هذا الكتاب فى مصر، وأخبرنى الدكتور بدوى بالقصة فعملت على أن تقوم الجامعة العربية بطبعه.
سعى بهاء وراء العقل وتأصيل ضرورة الاعتماد عليه يظهر لنا بوضوح فيما كتبه فى مقاله بمجلة العربى عدد ديسمبر ١٩٧٩ «كلمات فقدت سمعتها فى حياة لغتنا الجميلة».
من بين فقرات المقال وتحت عنوان «هذا العقل المظلوم»، يقول: إن الشعب العربى هو الذى نزل القرآن بلغته، والقرآن أكثر كتاب مقدس وغير مقدس، تحدث عن العقل والتفكير والتذكير، فمن المستحيل أن تكون هذه اللغة بالذات هى اللغة التى تفقد فيها هذه الكلمات سمعتها.
ويرصد بهاء أن الغرب يتباهى علينا ويعلمنا أنه أقام نهضته على أساس سيادة العقل ويذكر لنا ديكارت وقبل ديكارت، وكتابنا السابق على هذا كله بقرون هو أول من أقام للعقل سلطانًا عظيمًا، وهو أول دين تجىء معجزته فى شىء واحد فقط هى كتاب، وأول كلمة فى وحيه كانت «اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذى علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم».
ويضيف بهاء: وأكثر ما يخاطب القرآن فى سطوره وآياته يخاطب العقل، ويفرق بين ذوى العقول وسواهم «وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون» و«وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير»، و«كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون» و«تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى، ذلك بأنهم قوم لا يعقلون» و«ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرًا كثيرًا» و«فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» و«قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون».
بهذه النظرة تمجيد العقل وإنزاله المنزل الذى يستحقه، تناول بهاء قضية التراث.
فى حديثه المطول عن الصحافة وثورة يوليو فى حواره مع الكاتب الكبير رشاد كامل، ورغم أن ما دار بينهما كان يخص كواليس العمل الصحفى إلا أن رشاد سأل بهاء، قال له: إحدى مشكلات البلاد النامية ومن بينها مصر مشكلة «الأصالة والمعاصرة» أى كيف نكون معاصرين دون أن نفقد أصالتنا، كيف ترى الخروج من هذا المأزق الفكرى؟
ويجيب بهاء: هذا سؤال يصعب الرد عليه ببساطة، لأنه فى الواقع هذه مشكلة المشاكل التى تواجه مصر والعالم العربى وتواجه العالم الإسلامى، فهذه القضية طرحت منذ أيام الشيخ محمد عبده، والأسئلة التى طرحت منذ مائة سنة وأكثر لم يجب عليها بعد، لم يجب عليها بمعنى أن المجتمع لم يصل إلى حل فيها، بالطبع هناك آراء، فأنا لى رأى وغيرى له رأى، لكن لم تصبح هناك صيغة مقبولة لدى المجتمع أنه كيف يجمع بين الأصالة والمعاصرة، أو ما هى الترجمة الحقيقية لهذا.
ويضيف بهاء: كل إنسان يقبل من حيث المبدأ الجمع بين الأصالة والمعاصرة، ولكن المشكلة كيف، المشكلة ما الذى تعتبره أصيلًا وغير أصيل، فمثلًا هناك من يعتبر كل ما سلف فى الزمان أصالة سواء مصرية أو إسلامية أو عربية فى كل هذه الحضارات المتداخلة، هى فى بعض القيم الأساسية، وهناك قيم أخرى كثيرة جدًا لحقت هذا التراث كله فى عصور الاضمحلال والضعف والانحلال التى كانت هى أغلب الوقت، فالـ١٤٠٠ سنة إذا أخذنا التاريخ الإسلامى سنجد أن معظم تلك الفترة كانت فترة حروب وانحلال واضمحلال وتخلف مئات السنين والقرون، فهنا سنجد قيمًا كثيرة، إذن لا يمكن أن نتقدم دون إعادة نظر إلى هذا التاريخ نظرة موضوعية جريئة وصريحة، تنظر للأشياء فى علم وتميز بين ما هو حقيقة أساسية وهو القيم الأساسية فى أى تراث أو أى حضارة أو أى جيل وبين التطبيقات والتفسيرات التى لحقت به فى قرون مختلفة.
ويوضح بهاء: فمثلًا أنا حقى فى التفكير بالنسبة لهذه القضايا - فى رأيى - لا يختلف عن حق أى شخص فى التفكير ابتداء - ولنقل - منذ عصر معاوية، فإذا كان هناك فقيه أو مفكر بعد الخلفاء الراشدين ونحن نعتبرهم فترة خاصة وهى فترة قبل قيام الدولة بمعناها المعقد - إذا كان من حقه أن يفكر ويفسر فأنا من حقى - خصوصًا المجتهدين - الآن نفس الأحقية فى التفسير ربما أكثر لأننا نعرف الظروف الجديدة، أما اعتبار كلام فقهاء أو أناس مهما كانت قيمتهم ولكنهم بشر وكانوا فى ظروف مختلفة وتعرضوا لكل ما يتعرض له بشر من إغراءات أو من الإرهاب أو القوة أو الضعف، أن نعتبر هذه أشياء مقدسة فأنا ضد هذا.
ويختم بهاء رؤيته: هنا كل إنسان يقبل الأصالة ولكن نختلف فى تفسيرها، هناك من يعتبرون أن العصر الذهبى هو الذى كان، أنا أقول الذى كان لم يكن كله عصرًا ذهبيًا، وإنما كان فيه وفيه، هذه إذن قضية خلافية كبيرة، وأنا أرى أن الحياة الواقعية ستحلها رغم أنف كل أصحاب الآراء.
ويرصد أحمد عبيدة اهتمام بهاء بتجديد التراث واقتحام قضاياه فى مقاله «أحمد بهاء الدين.. مواقف لها تاريخ».
يقول: أولى بهاء الدين اهتمامًا فريدًا بنقد التراث الدينى ومراجعة التاريخ الإسلامى فى مؤلفات من يسميهم «فقهاء الفروع والمصالح المرسلة»، وخصص كثيرًا من يومياته فى عموده الثابت بجريدة الأهرام لهذا العمل، فتعرض لقضية تطبيق الشريعة وأحكامها مفرقًا بين خطاب المرجعية والخطاب التاريخى، كما تناول مرارًا قوانين الأحوال الشخصية وقضايا المرأة والمواريث داعيًا للنزوع عن التقليد إلى مواكبة العصر والتجديد، كذلك توقف طويلًا أمام حقبة زمنية قصيرة تحولت فيها الرموز الدينية للمجتمع من الفكر المستنير الذى يناصب العداء للأصولية الإسلامية كفكر الشيخ محمد عبده إلى زمن آخر اتسمت رموزه الدينية بالرجعية والأصولية ومعاداة الفكر التنويرى والليبرالى.
وكان من رأى بهاء أن الذين يعملون على رقى بلادهم وتحرير مواطنيهم وتطوير مجتمعهم أعرف بروح دينهم من محترفى التلاعب بالنصوص وتلبيسها معانى مزورة تلائم عقدهم النفسية لا أكثر ولا أقل.
بهذا المنهج يمكننا أن نرصد جانبًا مهمًا من جوانب عبقرية أحمد بهاء الدين، وهو جانب اهتم فيه بتجديد الخطاب الدينى، لم يكن المصطلح حاضرًا عنده، لكن ما كتبه يصب فى مساره بشكل مباشر، وعلى كثرة ما كتبه وأضافه إلى الفكر الإنسانى فى هذا الخصوص فإننا سنتوقف عند محطات محددة فى مسيرة كتاباته.
ولتكن المحطة الأولى من عند كتابه المهم «أيام لها تاريخ».
صدر الكتاب لأول مرة فى العام ١٩٥٤.
ومن بين ما اهتم به كان قضية كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، والتى أعتقد أنه قصد اقتحام الفكرة التى تقوم عليها التيارات الدينية من رغبة ملحة فى استعادة الخلافة الإسلامية كنظام حكم، وقد أخذ من كتاب على عبدالرازق ليقول ما يريده، وليثبت رأيه فى قضية جدلية كانت كذلك ولا تزال.
يرصد بهاء المقولات الأساسية فى كتاب «الإسلام وأصول الحكم» على النحو التالى:
أولًا: لم يرد فى القرآن والأحاديث أى نص على الخلافة كنظام للحكم يجب أن يلتزم به المسلمون، ويبقى سندًا شرعيًا ثالثًا هو الإجماع، أى اتفاق المسلمين على شىء، ولم توجد الخلافة أبدًا بالإجماع، فباستثناء الخلفاء الثلاثة الأولين، أبوبكر وعمر وعثمان، لم تقم الخلافة الإسلامية أبدًا على أساس الاختيار الحر، بل قامت بقوة السيف، وعلى أسنة الرماح، فذلك الذى يسمى عرشًا لا يرتفع إلا على رءوس البشر ولا يستقر إلا فوق أعناقهم، وذلك الذى يسمى تاجًا لا حياة له إلا بما يأخذ من حياة البشر، ولا قوة إلا بما يغتال قوتهم.
ثانيًا: لا يريد الله جل شأنه لهذا الدين الذى كفل له البقاء أن يجعل عزه وذله مرتبطين بنوع من الحكومة، ولا بصنف من الأمراء، ولا يريد الله جل شأنه بعباده المسلمين أن يكون صلاحهم وفسادهم رهن الخلافة ولا تحت رحمة الخلفاء.
ثالثًا: القرآن لم يحدد شكلًا معينًا للحكومة بل اشترط مجرد حكومة أيًا كان نوعها، ملكية أو جمهورية أو ديمقراطية أو اشتراكية، أما الخلافة بالذات فليس بنا من حاجة إليها لأمور ديننا ولا أمور دنيانا، فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين.
رابعًا: الرسالة شىء والملك شىء آخر، وقد حدث كثيرًا أن وجد الرسول والملك فى وقت واحد، وعلماء المسلمين ليس لهم رأى واضح فى شأن النبى، ولكن الاعتقاد الشائع بين المسلمين أن النبى كان رسولًا حاكمًا، وأنه أسس دولة سياسية، ثم أخذ يناقش هذا الاعتقاد.
خامسًا: النبى مرسل بهذه الدعوة إلى العالم كله، إلى الناس جميعًا، ولو كانت الدعوة لإقامة حكومة سياسية لما اتجهت إلى الناس جميعًا، معقول أن يؤخذ العالم كله بدين واحد، وأن تنتظم البشرية كلها وحدة دينية، لكن أخذ العالم كله بحكومة واحدة، وجمعه تحت سياسة مشتركة فذلك مما يوشك أن يكون خارجًا عن الطبيعة البشرية ولا تتعلق به إرادة الله.

سادسًا: النبى مات ولم يعين بعده خليفة ولا حاكمًا، ولم يحدد نظامًا للشورى أو البيعة أو غيرها، فكيف إذا كان من عمله أن ينشئ دولة، أن يترك أمر تلك الدولة مبهمًا على المسلمين ليرجعوا من بعده حيارى يضرب بعضهم رقاب بعض، كيف يتركهم عرضة لتلك الحيرة القاتمة السوداء التى غشيتهم وكادوا فى غسقها يتناحرون، وجسد النبى بينهم لما يتم تجهيزه ودفنه.
سابعًا: الرسالة انتهت بموت النبى، فمن يأتى بعده ليس خلفًا له فى الرسالة، ولا فى هذه الزعامة الدينية، لأن تبليغ الرسالة قد تم ولا يمكن إضافة شىء إليها بعد، فالزعامة التى تأتى بعد النبى زعامة جديدة من نوع جديد، ليست قائمة على الدين، هى إذن زعامة مدنية سياسية، هى حكومة وسلطان لا رسالة دين.

يعلق بهاء الدين على الكتاب بقوله: هذا هو الكتاب واضح فى سطوره أنه لا يهاجم الخلافة فقط، ولا الحكومة الدينية وحدها، بل والنظام الملكى أيضًا، فلم يكد يخرج إلى النور حتى هبت فى وجهه الزوابع، ومن جميع الاتجاهات، الملك وأذنابه ثاروا، لأن الكتاب فيه حملة هائلة على الملوك، وفيه تحطيم شامل لحلم الخلافة البراق، ورجال الدين ثاروا لأنهم رأوا فى هذا المنطق ما يزعزع سلطانهم، ويعطل منافعهم فى الاتجار بالدين، ويكشف عن حقيقة هذه العمائم الضخمة، التى لا ترتفع إلا لتستر وراءها الظلم والاستبداد، ثم هناك الرجعيون بتفكيرهم والذين يتملقون مشاعر الجماهير ولو بمجاراة الجهل والظلام.
فى عدد مارس ١٩٧٦ من جريدة العربى الكويتية التى كان أحمد بهاء الدين يرأس تحريرها كتب بهاء عن «إعادة كتابة التاريخ الإسلامى».. وسأل بوضوح: مَن لهذه المهمة الصعبة؟
كان بهاء يتحدث عن فتنة لبنان التى بدأت فيها الحرب الأهلية فى العام ١٩٧٥، نوه هو عن ذلك بأنه يكتب سطوره وقد بلغ عدد القتلى عشرة آلاف، والجرحى أضعاف هذا العدد، والحرب ما زالت تهدأ يومًا ويستعر أوارها أيامًا أخرى وأسابيع، والصراع بين الأخيار والأشرار مستمر، بين الذين يريدون أن يبقى لبنان الذى نعرفه والذين يريدون تقسيمه، بين الذين يحاربون معركة الحاضر والمستقبل، والذين يحاربون معارك الماضى.

يخرج بهاء من حديثه عن الحرب اللبنانية إلى قضية مهمة عندما يقول: إن العودة إلى دراسة التاريخ مفيدة وهامة، ولكن لكى نستفيد من دروسه ومجمل عبره، لا لكى نعود القهقرى ونحارب معارك فات أوانها وتخطاها الزمن، وكل أمة لا بد أن تكون لها ذاكرة، وإلا انقطعت عن جذورها، ولكنها ذاكرة تساعدها على تفهم المستقبل، ولا تغرقها فى دوامة الماضى.
يقول: لا شك أن الحضارة العربية الإسلامية قد عرفت بداياتها الطاهرة، المثالية، وينابيعها الصافية الأولى على عهد النبى وخلفائه الراشدين، ثم بعد ذلك، وبعد أن اكتملت الأسس والقيم والمبادئ، عرفت الحضارة العربية الإسلامية طريقها إلى تكوين الدولة الحديثة بمعايير ذلك العصر، على عهد الأمويين ثم العباسيين، فضلًا عن عهود الفاطميين فى مصر، والحضارة الأندلسية الفذة، ولكن، لا شك أيضًا أن هذه الحضارة عرفت كل ما عرفته الحضارات الأخرى بعد ذلك من عهود الاستبداد والظلم، ومن الصراعات السياسية التى ارتدت ثيابًا دينية، حتى دخلت مراحل الجمود ثم الاضمحلال والتحلل والضعف، حتى تبارى فى نهبها الطغاة من الحكام، والأقوياء من الأجانب.

ويمسك بهاء بالتراث الإسلامى الذى مر بدوره بكل هذه المراحل، وسطعت أنواره فى عصور النهضة، وخبا ضياؤه فى عصور الاضمحلال، وجاءت أوقات كانت حتى الفتاوى الدينية خاضعة لهوى الحاكم، مبررة لمظالمه وانحرافاته.
يقتحم أحمد بهاء الدين القضية الساخنة مباشرة، عندما يقول: هذا التاريخ ينبغى إعادة كتابته بسلبياته وإيجابياته، هذا «التراث» ينبغى إعادة انتقائه واختياره، ففى الذهن العربى العام، نجد أن كل ما حدث خلال خمسة عشر قرنًا هو كتلة واحدة مضيئة من التاريخ، وكل كتاب مضى على وضعه مئات من السنين تراث.
ويرصد بهاء أن كثيرين من الأجانب المتخصصين يركزون على الجوانب السلبية من هذا التاريخ والتراث ويستخرجون منها استنتاجاتهم عن الإسلام والعرب، وكثيرًا ما ترتد هذه الآراء إلينا وإلى الشباب المثقف القارئ للغات الأجنبية بالذات على أنها النظرة الصحيحة للأمور.
ويضيف بهاء: هكذا يدرس التاريخ والتراث فى المدارس، وهذا غير صحيح، فكما أن هناك أمثلة الحرية والتقدم الكبرى فهناك محنة أحمد بن حنبل مثلًا أيام فتنة «القرآن هل هو قديم أم مخلوق»، وكما أننا نجد «أبا إيبان» وزير خارجية إسرائيل السابق، وأستاذ التاريخ والأدب العربى السابق، يقول فى آخر كتاب له «شعبى» إن اليهود عرفوا خلال تاريخهم مرحلتين ذهبيتين: الأولى فى الأندلس العربى الإسلامى، أيام ظهر ابن ميمون «اليهودى» وغيره، وأن تسعة أعشار التراث اليهودى مكتوب باللغة العربية، والثانية هى حياة اليهود اليوم فى الولايات المتحدة الأمريكية- فإننا نجد مراحل ضاقت فيها حلقة الفكر على المسلمين أولًا، ونزل الظلم والتزييف بالمسلمين العرب قبل غيرهم.
ويسأل بهاء: مَن لهذه المهمة الكبرى؟
ويجيب: لقد عرفنا فترة ظهر فيها أمثال محمد عبده وطه حسين والعقاد، قاموا خلالها بجهود فردية فى هذا المجال، وكانت ميزتهم أنه قد تهيأ لهم رسوخ القدم فى دراسة التراث القديم من جهة ورسوخ القدم فى فنون النقد والكتابة والفكر الحديث من جهة أخرى، وبعدهم جاءت أجيال قل فيها من يجمع بين الأمرين، فهو إما خريج الدراسة الدينية المحضة وإما نتاج التكوين الأوروبى المحض، فوقع الانقسام الفكرى، ونقص عدد القادرين على التكامل.
ويختم بهاء مقاله بقوله: لا أقول إن هؤلاء غير موجودين، ولكن الأمر صار أكبر وأهم، بحيث يحتاج إلى جهد جماعى، ترعاه هيئة أو دولة تدرك قيمة هذا العمل.. فمن، لهذه المهمة الكبرى؟
خلاصة فكرة تجديد الخطاب الدينى أجدها عند أحمد بهاء الدين فى مقاله «مسلمون لا دراويش»، الذى نشره فى مجلة العربى الكويتية عدد يوليو ١٩٨١.
تعرض بهاء فى مقاله لما سُمى بالصحوة الإسلامية التى بدأت فى الربع الأخير من القرن العشرين، وكان هناك ما نبهه لها.
يقول: من يقرأ الصحف والدوريات العالمية، ويحضر ندوات البحث العالمية، يجد أن العالم كله بعد أن كان لا يسترعى انتباهه فى بلادنا ولا يعنيه منّا إلا البترول، صار الآن ليس أقل انتباهًا إلى ظاهرة الصحوة الإسلامية، يتساءلون عنها، ويبحثون فيها، وبعد أن كانوا لا يملكون إلا القلة الأكاديمية التى تقرأ كتب كبار المستشرقين، صارت الكتابة عن الإسلام والمسلمين الآن من أكثر الموضوعات رواجًا بين الكتب العلمية والشعبية فى كل اللغات، لا تقف أمام المكتبة فى أى مطار- حيث لا تعرض إلا الكتب الخفيفة للقراءة أثناء رحلة الطائرة- دون أن تجد كتابًا جديدًا أو أكثر عن الإسلام أو عن المسلمين. ومعنى ذلك أن الاهتمام جاوز المختصين والدارسين إلى القراء العاديين بالملايين، وطبعًا يجد المرء بين هذه الكتب الغث والسمين، والطيب والخبيث، وحسن النية وسيئ النية، وكل من زار يومًا بلدًا إسلاميًا، أو عمل فيه، هو عندهم خبير، يحكى ما عنده بصرف النظر عن ما لديه من دراية أو عدم دراية بالموضوع.
هذا الاهتمام العالمى بما يسمى بالصحوة جعل بهاء يتصدى للأمر بالدراسة، ليس على طريقة الغرب الذى يفعل ذلك من باب الفضول والتسلية، أو معرفة انعكاس ذلك على مصالحهم البترولية والاستراتيجية، ولكن من باب الجدية المطلوبة والمسئولية البعيدة عن استغلال الموضوع لأغراض صغيرة.
يعترف بهاء بأن هناك جوانب سلبية اقترنت بظاهرة الصحوة الإسلامية، وقرر أن يسجلها ويتأملها، بسماحة فى الضمير وسعة فى الأفق، فلا يكون اللدد فى الخصام، ذلك اللدد الذى نهى عنه الإسلام، والذى كان- مع قفل باب الاجتهاد- أحد أهم أسباب ما حل بالعالم الإسلامى من تمزق وتشرذم وانقسام.
وقبل أن يقف بهاء وقفة المتأمل مع هذه الظاهرة يقدم لنا اعترافًا آخر عن اهتماماته واهتمامات مجلة العربى تحت رئاسته، فهو يهتم بإعادة النظر فى معنى التراث، وكيف يجب أن يكون موقفنا منه انتقائيًا، يفرق عن معرفة وعلم واجتهاد بين جوهر الإسلام وتراثه الرفيع وفترات مجده وازدهاره، وبين ما علق بالإسلام من غبار فى فترات الظلام والاستبداد والانحلال، فليس كل كتاب اصفرت أوراقه من طول الزمن يعتبر تراثًا نعيد تقديمه وتمجيده إلى الأجيال الحاضرة والمستقبلة.
فى مقاله يبدد بهاء الدين كثيرًا مما يعتبره ليس من الإسلام بل من قبيل الدروشة.
وأول ذلك ما يقال عن أن كل ما يقوم به رجال الدين فهو صواب، وأن الأفندية ليس لهم الحق فى الخوض فى هذه القضايا.
يقول بهاء: نحن نحترم رجال الدين ونجلهم بقدر احترامهم وإجلالهم لأنفسهم، ولكننا نعرف- فى الوقت نفسه- أن رجل الدين فى الإسلام ليس كما فى غيره، الإسلام ليس فيه رهبان وكرادلة وبطاركة وبابوات، العلاقة فى الإسلام بين الإنسان وخالقه، وقيمة رجل الدين أنه رجل عالم تفرغ لهذه الدراسة وصارت له أستاذية فيها يجب احترامها، إنه أستاذ فى علوم الدين وليس «رجل دين» بالمعنى الحرفى المباشر للتعبير، وبالتالى فإن من حق أى «أفندى» أن يقرأ ويبحث ويطلع ويجتهد، إذا توافرت له تلك المقومات، وقد عاش الإسلام قرونه الأولى وليس فيه وظيفة رجل الدين، بل كان الأئمة الكبار ناسًا عاديين يكسبون أرزاقهم من شتى الأعمال، وما عظم تأثيرهم إلا بقدر عظمة علمهم واعتراف الناس لهم بهذا الفضل.
ويضيف بهاء: فى العصر الحديث نجد أن «الأفندية» فى مقدمة مَن تصدى لإحياء التراث الإسلامى، ونفض الغبار عنه وإخراجه من الكتب القديمة إلى حيث يستطيع أن يقرأه ويتأثر به الناس كافة، «عبقريات» عباس محمود العقاد، «إسلامیات» طه حسين، دراسات الدكتور محمد حسين هيكل، ومؤلفات مالك بن نبى المتخصص أساسًا فى الرياضيات.. إلى آخره من كل الآراء والاتجاهات.
ويدخل بنا بهاء إلى مساحة مباشرة عندما يقول: ألا يعرف الناس أن كليات الحقوق مثلًا، تدرس لطلابها مواد أساسية فى الشريعة الإسلامية، وعلوم الفقه، وعلم الكلام، وعلم الأصول يدرسها أساتذة أجلاء من أساتذة الدين، وهى بالتالى تعطى- لمن يشاء أو لمن لديه القدرة- الأدوات الكافية لكى يمضى قدر طاقته فى دراسة هذه العلوم والتبحر فيها، ألا يعرف الناس أن كل الذين حاولوا- بالسيف أو بالدعوة- بعث الإسلام وإعادة القوة إليه لم يتخرجوا من كليات الأزهر ولا معاهد النجف، مثل محمد بن عبدالوهاب والمهدى الكبير فى السودان والسنوسى الكبير فى ليبيا.. وغيرهم؟
ويضيف بهاء: يجب أن نعترف بأن هناك وهمًا شائعًا بين البسطاء، وهو أنهم إذا رأوا «أفنديًا» يتحدث فى قضايا الإسلام، لا ينجذبون إليه كما قد ينجذبون إلى من أطلق لحيته، وغيّر ثيابه، حتى ولو كان الأول قد قرأ ألف كتاب والثانى ليست لديه القدرة على قراءة كتاب واحد، وهى جزء من تركة عصور التخلف، وعلينا أن نعترف بوجودها، وأن نتجاوزها، فالمتصدى لتفسير أحكام الدين ومناقشاتها لا بد أن يكون على علم بما يتصدى له، بل وعلى علم أيضًا بالاجتماع والاقتصاد والتاريخ واللغة، وهذه الكفاءة ليست مقصورة على لابسى العمائم وحدهم، إنما على كثير من «الأفندية» أيضًا.
يصل بنا بهاء إلى قضية أخرى مهمة، تحت عنوان «التكفير بعد التخوين» يقول: كنا نظن أننا على وشك التخلص، فى حياتنا السياسية والفكرية من تهمة «التخوين» بعد أن ضمر الفكر العربى ضمورًا حقيقيًا نتيجة اتهام كل طرف لمن لا يتفق معه بالخيانة، وإذا بنا ندرك مرحلة أخرى تلقى فيها بنفس الخفة تهمة أشد وأنكى وهى «التكفير» التى كان قد اعتبرها الإمام الغزالى «أول بدعة فى الاسلام»، وهذا سلاح أشد إرهابًا، ولكن لا يخشاه إلا الضعفاء، الضعفاء عقلًا أو علمًا أو إيمانًا، ولكن الأمر هنا هو أن مجرد استخدام سلاح التكفير يبلبل عقول الناس، ويربى الشباب على التعصب وعلى الانقياد الأعمى، وربما كان هذا مقصورًا فى بعض التنظيمات الأشبه فى تكوينها بالتنظيمات الفاشستية، والمسلمون يدخلون ما اصطلح العالم على تسميته بمرحلة الصحوة الإسلامية، وهم مثقلون بتركة هائلة من الماضى، تركة من الانشقاقات والحروب، السُنة والشيعة والخوارج والقرامطة والمعتزلة واليزيدية والأباضية وعشرات المذاهب والمناهج الأخرى.
لم يكن أحمد بهاء الدين يطرح أفكاره بشكل صاخب، بل كان يعمد إلى ما يقترب من عملية العصف الذهنى، فهو يحرض المجتمع على التكفير، يتحدث بهدوء شديد، ويمكننى أن أصفه بأنه كان أقرب إلى البركان الهادئ، فرغم قوته فى طرح أفكاره إلا أنه كان فى ذلك هادئًا وبشكل مدهش.
لم يسلم أحمد بهاء الدين من الأذى، بل وصل الأمر إلى الوقوف به أمام القضاء.
فى العام ١٩٨٣ ثار حديث عن العبادات فى شهر رمضان، والمبالغة فيها زيادة عن شهور العام جميعًا، ووصف بهاء ذلك فى مقال له بأنه أقرب إلى أن الله يقيم أوكازيون العبادة فى رمضان بسعر الجملة، وقد غضب كثيرون من هذا التعبير، وتقدموا ببلاغات ضد بهاء إلى النيابة، وتوالت عليه مقالات تنتقده وتطعن فى دينه.
لم يكن هذا ما لاقاه فقط أحمد بهاء الدين، ففى كتاب «أعلام وأقزام فى ميزان الإسلام» وهو أحد الكتب الجديرة بالاهتمام والنقد، لأنه شكّل وعى أجيال بشكل زائف تجاه الكتّاب والمفكرين ويتعامل معهم باعتبارهم خصومًا للإسلام.
يقول الكتاب: وقعت مجموعة جريدة الأهرام «هيكل، لويس عوض، توفيق الحكيم، حسين فوزى، نجيب محفوظ، أحمد بهاء» فى المرحلة الناصرية فى مواجهة الدعوة لاتخاذ الإسلام أساسًا لقيام نهضة حضارية عصرية فى البلاد العربية تكون هى منطلق نداءات الوحدة والتضامن، مع بروز الطابع اليسارى الماركسى العلمانى الذى كشفته الندوات ورفض التيار المطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية وجعلها أساسًا لقيام مفهوم جامع للأمة العربية الماركسية والرأسمالية على أى انتماء أصيل، وكانت روح الحقد والكراهية للإسلام واضحة فى مختلف الكتابات، فضلًا عن محاربتهم المجلات الإسلامية والعربية والدعوة إلى إيقافها «الرسالة والثقافة»، وكان طابع العمل الصحفى واضحًا فى عبارات محددة كتبها أحمد بهاء الدين كأنما هى دستور للصحافة العربية فى هذه المرحلة.
يدّعى مؤلف الكتاب أن أحمد بهاء الدين قال: لا بد من مواجهة الدعوات الإسلامية فى أيامنا مواجهة شجاعة بعيدًا عن اللف والدوران، وإن الإسلام كغيره من الأديان يتضمن قيمًا خلقية يمكن أن تستمد كنوع من وازع الضمير، أما ما جاء فيه من أحكام وتشريعات دنيوية فقد كانت من قبيل ضرب المثل ومن باب تنظيم حياة نزلت فى مجتمع بدائى إلى حد كبير، ومن ثم فهى لا تلزم عصرنا ومجتمعنا.
لا يقول لنا مؤلف الكتاب أين قال بهاء الدين ذلك، لكنه يفترى عليه كما يفترى على غيره، لكنه يتوقف عند مقاله الشهير «لا يا شيخ» الذى كتبه ردًا على هجوم الشيخ محمد أبوزهرة عنه، ويأخذ من بهاء ما قاله فيه من أن بعض رجال الدين يريدون أن يحتكروا تفسير الدين، وبالتالى يحتكروا تفسير الحياة، ووصف عقولهم بأنها متحجرة فى أغلب الأحيان لأنهم عاشوا حياتهم العقلية أسرى بين جدران كتب محددة، ووصف معارضة الشيخ أبوزهرة للمفاهيم الماركسية المنحرفة فى شأن المرأة بأنها مطالبة بموت هذه الأمة.
ولأن هذا المقال كاشف ومهم، فقد رأيت أن ننشره بنصه، ليس لأنه وثيقة مهمة فقط فى مسألة تجديد الخطاب الدينى، ولكن لنعرف أيضًا كيف حاول أعداء التجديد إفساد كل الكتابات المستنيرة ووصمها بأنها تعادى الإسلام.

لا يا شيخ
فى أغسطس 1961 كتب أحمد بهاء الدين مقالًا، تناول فيه دور المرأة فى المجتمع، وحدد لها ما يجب أن تقوم به، وهو ما لم يعجب الشيخ محمد أبوزهرة، فكتب مهاجمًا بهاء فى مقال مطول نشره فى مجلة منبر الإسلام، فقرر أن يرد عليه بهاء بمقال عاصف، وضع له عنوانًا صار مثلًا بعد ذلك فى مخاطبة الشيوخ وهو «لا يا شيخ».. ولأن هذا المقال يصلح طول الوقت لمناقشة الشيوخ ونقد منهجهم وتفكيك خطابهم، فإننا نعيد نشره مرة أخرى.
كثيرًا ما يحار المرء كيف يعامل هؤلاء الناس، وهؤلاء الناس هم بعض رجال الدين الذين يريدون أن يحتكروا تفسير الدين، وبالتالى يحتكرون تفسير الحياة، الذين يحسبون أن الآيات القرآنية عجينة فى أيديهم، يكيفونها كيفما تشاء لهم عقولهم المتحجرة فى أغلب الأحيان.
أقول إن المرء يحار فى طريقة معاملة هؤلاء الناس، فالواحد منا يحترم فيهم أحيانًا سنهم الكبيرة، ويعذرهم فيما بينه وبين نفسه، لأنهم عاشوا حياتهم العقلية أسرى بين جدران كتب معينة محدودة، لم يعرفوا سواها، ولم يدركوا من التجارب الإنسانية غيرها، ولهذا يؤثر الإنسان حتى إذا ناقشهم ألا يخرج معهم عن حدود الأدب.
ولكن بعض رجال الدين هؤلاء، يبرهنون من الوهلة الأولى على أن الدين لم يترك فيهم أول أثر من آثاره وهو الأدب والمناقشة المهذبة والمجادلة بالتى هى أحسن، ويحار المرء كيف يعاملهم، هل يكيل لهم بنفس الكيل، أم يقدر أن التطور يحطم رءوسهم فتثور أعصابهم، ويطير صوابهم على هذا النحو الذى نراه أحيانًا.
النموذج الذى أثار فى الذهن هذه الخواطر هو الأستاذ الشيخ محمد أبوزهرة.
فقد خرجت مجلة «منبر الإسلام» تحمل مقالًا للشيخ أبوزهرة يسبنى سبًا مقذعًا، ويستعدى علىّ الله والدولة وأصحاب المؤسسة التى أعمل بها، طالبًا بأن تطردنى من عملى، وأن تضعنى الدولة فى سجونها، وأن يسوقنى الله إلى جهنم يوم القيامة.
والأستاذ أبوزهرة لم يذكر اسمى صريحًا فى هذا المقام، أغلب الظن لأنه خشى أن أنال على يديه شهرة لا أستحقها، ولكنه اكتفى بأن يشير إلىّ بأوصاف مثل هذا المنحرف الذى اشتهر بانحراف التفكير وفساد الغايات والتمرد على الحقائق الدينية، والذى ينادى بآراء هى آثام يحمل وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة؟
لماذا؟
لأن الشيخ لم يعجبه بعض ما كتبت فى الأسابيع الأخيرة، محاولًا أن أشرح ما أفهمه من المبادئ الاشتراكية والقيم الاشتراكية والأخلاق الاشتراكية، ما الذى لم يعجبه، ما الذى جعله يلبس ثياب قضاة محاكم التفتيش ويطالب بإلقائى إلى النار؟ ما الذى أثاره وجعل الدم يغلى فى عروقه من هذه المحاولات فى الكتابة عن الاشتراكية والقيم الاشتراكية والأخلاق الاشتراكية؟
المرأة.. دائمًا المرأة.. فقرة عابرة كتبتها عن الأسرة وعلاقة الرجل بالمرأة ووضع المرأة فى المجتمع الاشتراكى.
المشايخ والنساء
ألا تلاحظون معى أن هؤلاء المشايخ لا يكاد يعنيهم شىء فى الوجود إلا المرأة؟ ألا تلاحظون أنهم أكثر الناس تفكيرًا فى المرأة؟ أليس هذا غريبًا حقًا، ألا يحتاج هذا إلى محلل نفسى أكثر مما يحتاج إلى جدل عقلى؟
الأغرب من ذلك أن ما يعنى هؤلاء المشايخ من المرأة ليس الإنسانية ولكن العورة، المرأة فى عقلهم الباطن مخلوقة حقيرة مستعدة أن تبيع عرضها لأول عابر سبيل إذا غفل الرجل لحظة واحدة عن حراستها، المرأة فى مفهومهم لا تصلح إلا لشىء واحد، وهو أن تسلم نفسها للرجال، ولهذا يجب أن تقام حولها الأسوار، وتتفتح حولها العيون الحمراء، حرية المرأة ليس لها معنى إلا الفساد، مسئولية المرأة عن نفسها لا نتيجة لها إلا الانحلال، خروج المرأة من بيتها لا يؤدى إلا أن ينقض عليها الرجال، الجنس والجنس وحده يدوى فى عقولهم دائمًا وباستمرار.
التفسير الجنسى للتاريخ هو التفسير الوحيد الذى يفهمونه ويدورون حوله دون انقطاع، قصة الحياة على الأرض هى قصة رجال يقومون بحراسة النساء من خطر الرجال الآخرين.
تفكير مكبوت منحرف!
وإلا فبماذا يمكن أن نفسر هذا الذى يقوله الشيخ؟
لقد تحدثت فى المقال الذى يهاجمه الشيخ عن المساواة بين الزوج والزوجة، والمساواة بين الأخ والأخت، أى المساواة بين الرجل والمرأة، فكيف فهم الشيخ هذا الكلام؟
فهمه على أننى أقول إن لها أن تخرج من البيت كما تشاء وفى أى وقت تشاء، كما للرجل أن يخرج من البيت فى أى وقت يشاء، ثم قال عنى: «ويكاد يقول لها أن تصاحب من تشاء».
هكذا وصل الشيخ فى فهم المساواة إلى أن معناها أن للمرأة أن تصاحب من تشاء من الرجال، وليس لها سوى معنى واحد هو أن الرجل فى رأى الشيخ من حقه أن يصاحب من يشاء من النساء؟
أليس كذلك يا شيخ؟ أليس معنى كلامك هذا أن الرجل من حقه أن يصاحب من النساء من يشاء؟ لماذا؟ لأنه رجل، لأنه سيد، لأنه فحل، أما أنا فأفهم المساواة على معنى آخر تمامًا، لأننى لا أشارك الشيخ فى الرأى الذى تورط فيه من حيث لا يدرى، الرأى القائل بأن من حق الرجل أن «يخبص» كما يشاء.
أنا لا أفهم المساواة على أن كلًا من الرجل والمرأة يهرج على هواه وكيفما شاء، ولكننى أفهمها على أن كلًا منهما مقيد فى دخوله وخروجه وتفاصيل حياته برأى الآخر ومشورته واقتناعه، وعلى أن الأخلاق الكريمة مطلوبة من الرجل ومقيدة له كالمرأة سواء بسواء، وبهذا يكون الرجل والمرأة طبقة واحدة، ليس فيها غاشم مطلق ومخلوقة خاضعة ذليلة ضائعة.
الشيخ لايطيق حكاية الطبقة الواحدة
ولكن الشيخ لا يطيق حكاية الطبقة الواحدة والمجتمع الذى ليست فيه طبقات، ويقول إن المساواة معناها أن تكون المرأة «من غير عاصم يعصمها، ولا راع يرعاها، ولا حام يحميها، ولا بيت يؤويها.
ألم أقل لكم؟
ألم أقل لكم إن الشيخ يعتقد أن المرأة بغير القيود والسدود، لو تركت نفسها، فهى ستتحول إلى بهيمة سائبة لا حامى يحميها من الرجال الآخرين، ولا عاصم يعصمها من أن تفرط فى نفسها، ولا بيت يؤويها، لأنها سوف تعرض نفسها فى الشوارع؟
ألم أقل لكم إن هذا هو رأى هذا النوع من المشايخ فى المرأة؟ وإنها تنتظر لحظة انكسار القيد والخوف والبطش لكى تسلم نفسها لأول عابر طريق؟
هذا هو المرض العميق الذى يمنعهم من فهم المساواة، إنهم لا يرون فى المرأة مخلوقة إنسانية، يمكن أن تكون شريفة عفيفة متوازنة مرتبطة بالبيت باختيارها وبإرادتها.
على أن هذا كله- بكل بشاعته وإهانته للمرأة- أقل أهمية وخطرًا مما سيجىء.
الشيخ يفضح نفسه
فلو كان الأمر فى خروج المرأة أن تذهب إلى السينما مع زوجها وصاحباتها، أو ما شابه ذلك لهان الأمر، ولكن الشيخ يفضح نفسه، ويكشف عن مكنون سخطه حين يصل بحديثه إلى مربط الفرس وهو عمل المرأة.
هذا الموضوع الذى يحسب أحيانًا أنه انتهى وتقرر، وأن الجدل فيه تكرار ممل فات أوانه، ولا أظن أن كلام الشيخ- فى هذا الموضوع- سوف يمنع فتاة واحدة من العمل، ولكنى أقف عند هذا الكلام لأنه نموذج يكشف لنا حقيقة الفكر الكامن فى تلافيف مخ هذا الشيخ وأمثاله، لا ما يقولونه باللسان يدارون به أمورهم.
يقول الشيخ: إن عمل الرجل خارج المنزل وعمل المرأة داخل المنزل فقط، وإنه يجب منع المرأة من أن تخرج وتعمل إلا لضرورة ملحة لا مناص منها، كأن تفقد العائل، أو أن يعجز الزوج عجزًا مطلقًا فإنه فى هذه الحالة فقط لها أن تتولى عملًا لمصلحة البيت ولسد الخلل فيه، وذلك استثناء، والاستثناء لا يصح أن يكون قاعدة.
هذا هو نص كلام الشيخ بلا زيادة ولا نقصان.
ومعنى ذلك أن الشيخ يريد لبلادنا أن تعود إلى الوراء بسرعة مخيفة.
انهيار القوة العاملة
ما معنى ذلك؟
معناه أن القوة العاملة المستقبلية فى هذه البلاد يجب أن تهبط إلى النصف أو إلى الثلث على الأقل، وبينما كل بلاد الدنيا تعمل بقوتها البشرية الكاملة، نميل نحن بنصف قوتنا، لأن نساءنا فى رأى الشيخ إذا خرجن سوف ينقض عليهن الرجال ويفسد الأمر!
فمن المقرر المعروف أن عجلة الإنتاج والتصنيع والتوسع الزراعى حين تندفع إلى الأمام، سوف تستوعب كل الرجال، سوف تمتصهم الأعمال الشاقة فى المصانع والمناجم والأراضى المستصلحة، فتخلو مئات الآلاف من الأعمال الأقل صعوبة، وتصبح فى حاجة ماسة إلى أن تشغلها النساء، وظائف السكرتارية وعاملات المهن الخفيفة كالنسيج وعاملات المحلات إلى آخره، هذه الطاقة الإنتاجية الضخمة يريد الشيخ إلغاءها والحكم عليها بالشلل، ولو أدى الأمر إلى استمرار بقاء الفقر والتخلف، فلا الفقر يهم ولا التخلف يهم ولا الجهل يهم، ما دامت كل امراة معصومة فى بيتها، معصومة من الخروج، إلى الخطيئة الحتمية التى تتربص بها فى الشارع والمكتب والمصنع.
ولكن الجنس والخطيئة لا يستبدان بعقول آلاف الرجال والنساء كما يعتقد الشيخ.
إن لدينا الآن عشرات الآلاف من الموظفات والعاملات فى جميع المستويات دون أن تخرب بيوتهن أو يتمردن على أزواجهن، إنما اكتسبت كل منهن فى بيتها نفسه كرامة جديدة واحترامًا جديدًا.
عشرات الآلاف من الموظفات والعاملات، وسوف يزيد عددهن بسرعة كبيرة.
ومن غير المتصور أن يكون إنجاز مضاعفة الدخل- مثلًا- ممكنًا فى عشر سنوات، لو أننا طبقنا موعظة الشيخ واستبدت بنا أفكار الخطيئة والجنس، ومنعنا عمل المرأة.
منطق القناعة وتمجيد الفقر
هذا على المستوى الاجتماعى، وتعالوا ننظر إلى الأمر على مستوى الفرد والبيت والأسرة، إن السبب الوحيد الذى يبيح عمل المرأة فى رأى الشيخ هو الضرورة الملحة كأن تفقد عائلها أو يعجز الزوج عجزًا مطلقًا، مؤكد أن «هذا استثناء والاستثناء لا يصح أن يكون قاعدة».
لا بد أن يموت أبوها أو زوجها، وأن تصبح مهددة بالجوع لكى تعمل.
أما إذا كان أبوها أو أخوها أو زوجها موجودًا، وإذا كانت تعيش على الكفاف فلا يصح لها أن تعمل.
وليبق البيت كله فى مستوى الكفاف، لأنه لا يصح لها أن تطمح إلى حياة أحسن لبيتها، فتعمل لكى تضيف إلى دخل زوجها أو أبيها أو أخيها دخلًا.
هذا المنطق فى القناعة بالكفاف وتمجيد الفقر وتبريره، هو الذى حكم على مجتمعنا بالتأخر مئات السنين المظلمة الطويلة.
المجتمع ينهزم من الداخل فقط
هذا المجتمع العربى والإسلامى لم يتأخر، ولم ينحدر، ولم يتردَ فى هوة الفاقة والذلة والمهانة بسبب حراب الإنجليز أو الفرنسيين أو الأتراك أو التتار.. كلا، إنما تأخر وتردى وانحدر مئات السنين المظلمة الطويلة بفعل هذه الأفكار المظلمة المتردية، المجتمع ينهزم من الداخل قبل أن ينهزم من الخارج، العفونة الداخلية التى نشرها هذا النوع من التفكير هى التى أوجدت الفراغ، والفراغ هو الذى استدعى الأجنبى.
لا يلزم أن نتقدم
لا يلزم أن يرتفع مستوى الفرد والبيت والمجتمع.
يجب ألا نترك سعادة الفقر والإملاق والتخلف، ما دامت النساء فى البيوت، وما دام الرجال يقومون بمهمتهم الكبرى، وهى حراسة النساء حتى لا ينحرفن إلى الرذيلة الكامنة فى طبيعتهن والتمرد الذى ينتظر لحظة الانطلاق.
هذا هو منطق الشيخ وأمثاله.
ومنطق الشيخ يصل فى نتيجته الحتمية إلى عدم تعليم البنت.
سيقول لكم: كلا.. التعليم شىء آخر.
ولكن أذكر أن بعض المشايخ أمثاله عارضوا تعليم المرأة فى بداياته، وفى تاريخ المشايخ أن الشيخ «القابسى» الفقيه القيروانى القديم أفتى بأن يقتصر تعليم البنت على «ما يرجى له سلامة، ويؤمن عليها من فتنة، وسلامتها من تعلم الخط أنجى لها» فحتى تعليم المرأة الخط فيه خطر عليها، فقد تجد معه طريقًا إلى بيع نفسها!
وحتى إذا أباح الشيخ تعليم المرأة دون عملها فهو لن يكون منطقيًا مع نفسه.
فالتعليم بقصد المعرفة فقط، يكفى فيه أن تتعلم البنت القراءة والكتابة وبعض المعارف العامة، ولكنها إذا كانت لا تعمل فلا مبرر لأن تتعلم حرفة أو مهنة، كالطب أو الهندسة أو التدريس أو المحاماة أو غيرها، إذ من غير المعقول أن تدرس فتاة الطب مثلًا فى سبع سنوات مضنية لمجرد الاستعداد للحظة التى قد يموت فيها زوجها أو أبوها وتحل بالبيت كارثة فتفتح عيادة.
النشرة الجوية حرام والتخطيط حرام
وإننى أستأذن القارئ لحظة أترك فيها الشيخ أبوزهرة إلى شيخ آخر لا يقل عنه طرافة.
ولا أريد أن أسمى الشيخ الآخر، لأنه ليس طرفًا فى هذا النزاع، وإنما أردت أن أضرب به المثل وأقدم نموذجًا فذًا عجيبًا.
هذا الشيخ أستاذ أزهرى ومن العلماء، وعندما كنت مسئولًا عن تحرير إحدى الصحف منذ سنوات قليلة، أرسل شكوى ضدى إلى السلطات، لأننى أنشر فى تلك الصحيفة الانحلال والإلحاد والفسق.
وفى جلسة لا أنساها شهودها ما زالوا أحياء، ناقشنا الشيخ الذى أؤمن بإخلاصه وصدقه مع نفسه فى هذا الذى يراه إلحادًا وانحلالًا وفسقًا.
وكانت الحقيقة أغرب من الخيال، وكانت قائمة الاتهامات لا تخطر على بال.
فى مقدمتها مثلًا أن الجريدة تنشر النشرة الجوية كل يوم بجوار مواقيت الصلاة، والنشرة الجوية فى رأى الشيخ تنجيم ورجم بالغيب، والتنجيم كفر، وقد كذب المنجمون ولو صدقوا.
تهمة أخطر أننى كنت أكتب بحماسة أكثر من اللازم عن التخطيط وخطة مضاعفة الدخل، وكانت فى أول عهدها، والتخطيط هو تدخل فى قدرة الله، ولذلك فهو رجس من عمل الشيطان.
نعم التخطيط كفر، هذا ما قاله أستاذ الأزهر بالحرف الواحد، إذ كيف نقول إن الدولة تضع أساسًا علميًا للمستقبل؟ كيف نقول إن الفرد يستطيع بناء على ذلك أن يحدد رزقه وزيادته خلال كذا سنة مقبلة، فى حين أن المستقبل علمه عند علام الغيوب، والأرزاق من عند الله، يعطى من يشاء ويحرم من يشاء بغير حساب؟
ولقد يظن القارئ أن هذا الذى أرويه قصة فكاهية ولكنه حقيقة أليمة.
حقيقة أليمة أن يقف أستاذ يحمل لقب عالم إزاء الطقس كما كان يقف الإنسان البدائى، لا يعرف أن هناك علومًا حديثة وأجهزة حساسة وأساليب محددة لمعرفة تقلبات الجو، وأن بهذه الأجهزة تطير الطائرات وتسترشد السفن.
حقيقة أليمية أن يقف أستاذ شيخ ذاهلًا أمام كلمة «علام الغيوب» لا يفسر فى حدودها المعقولة، بل يفسرها على أنها إلغاء لكل مجهود بشرى، وكل عمل إنسانى، وكل محاولة لتغيير الواقع المادى الذى يحيط بنا، ومرة أخرى بهذا الاستسلام الجاهل بل أقول استسلام الكافر الذى لم يقل به دين قط، عرفت الأمة العربية والشعوب الإسلامية قرونًا طويلة من أتعس أيام الانحطاط والضعف.
ما رأيك فى هذه الحقائق؟
وأعود مرة أخرى إلى الشيخ أبوزهرة أختم به هذا الحديث.
أعود لأقول له: إنها طريقة هزيلة أن تنتهز فرصة حديث عابر فى مقال كاتب مثلى، لكى تنفجر هذا الانفجار، منفسًا عن حقدك الدفين على إلغاء الطبقات ونشر المساواة وتحرير المرأة.
إننى أضعك هنا لا أمام مقال من المقالات، ولكن أمام عدة حقائق مادية ضخمة فى حياة هذا البلد، لتقول لنا موقفك منها على ضوء هذا الرأى الذى سجلته فى مقالك، لأنها حقائق أولى بسخطك وغضبك وانتحالك صفة التحدث باسم الدين وسلطة تكفير الناس، والحكم عليهم بدخول الجنة أو النار.
إن هذه الدولة تبيح للمرأة حق الخروج والمشاركة فى الانتخاب والترشيح أو عضوية الهيئات النيابية على جميع المستويات، وإن لك فى مجلس محافظة القاهرة زميلات أعضاء، فما رأيك فى هذا الخروج؟
إن التليفزيون الذى تتصدر فيه المجالس يذيع كل يوم ساعات طويلة من التمثيليات التى تشترك فيها النساء، والبرامج التى تقدمها النساء، والأغانى التى تغنيها المطربات وصورهن ظاهرة للجميع، فكم ساعة من ساعات الكفر فى رأيك يعرضها التليفزيون كل يوم.
إن الدولة ترسل إلى الخارج وفى جميع أنحاء العالم بعثات من البنات، البنت تذهب بمفردها إلى أوروبا أو أمريكا لتدرس العلوم أو الهندسة أو الذرة، رغم أن عائلها لم يمت ولم يصب بكارثة، فما رأيك فى هذا الخروج؟
إن الأندية الرياضية والحفلات الرسمية فيها آلاف من الفتيات يقدمن التمرينات والألعاب والاستعراضات، فما رأيك فى هذا الإلحاد؟
إن المعامل والمصانع والمتاجر والوزارات والمؤسسات فيها عشرات الآلاف من النساء العاملات، وأغلبهن يمكنهن ترك العمل دون أن يمتن جوعًا، ولكنهن يعملن إما مساهمة فى الحياة العامة، وإما بحثًا عن تعبير سام لوجودهن، وإما لرفع مستوى معيشتهن إلى أحسن، فهل ترى انسحاب الجميع من هذه الحياة، أم أنهن جميعهن ذاهبات إلى النار؟
أترى أيها الشيخ إلى أى حد أنت معزول عن موج الحياة؟ أترى إلى أى حد تقف فى مكانك مطالبًًا بموت هذه الأمة لا بحياتها؟ أيكون هذا هو ما يحرج صدرك ويثير حفيظتك، فتنفجر هذه الانفجارات الطائشة منفسًا من كربك الشديد؟
إن الذين يعملون على رقى بلادهم وتحرير مواطنيهم وتطوير مجتمعهم أعرف بروح دينهم من محترفى التلاعب بالنصوص، وتلبيسها معانى مزورة تلائم عقدهم النفسية لا أكثر ولا أقل.







