السبت 14 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

تفكيك أسطورة جمال حمدان.. القصة الكاملة للعبقرى الذى ظلم نفسه

حرف

- أغلق على نفسه باب مكتبه وظل يعيش وحيدًا تمامًا بين جدرانه الضيقة ثلاثين عامًا طويلة

- الدكتور جمال حمدان كان يعيش بمفرده فى شقته الصغيرة بشارع أمين الرافعى بالدقى

- بينما يلمح البعض إلى دور للموساد فى موت الدكتور جمال حمدان فإن وقائع التاريخ تقول إن إسرائيل لا تستهدف إلا علماء وخبراء الطاقة النووية

- الأمر المريب أن التقرير الطبى يشير إلى وجود ضربة فى رأسه من الخلف

- جمال حمدان اعتزل احتجاجًا على ممارسات عديدة فى عصر عبدالناصر

- كان جمال فائق الحساسية والكبرياء والإحساس بأنه لم يلقَ التقدير الذى هو جدير به

قبل أن يتشنج أحد، ويدعى أننى أسعى بتفكيك أسطورة الدكتور جمال حمدان إلى إفقاد الرجل عبقريته وتميزه وإنجازه العلمى والفكرى، أحب أن أثبت هنا أن التفكيك لا يعنى أبدًا الإساءة أو الانتقاص من قدره. 

فمنهج التفكيك هو منهج علمى أسسه الفرنسى «جاك دريدا» فى الستينيات، ونقوم فيه بمقاربة نقدية وفلسفية ما بعد بنيوية، تهدف إلى زعزعة النصوص وتقويض الثنائيات الضدية «دال ومدلول- خير وشر»، ونكشف بها التناقضات الداخلية لإنتاج معان متعددة ومنفتحة بدلًا من معنى واحد ثابت، ويركز هذا المنهج على اللعب بالدوال وإبراز المسكوت عنه والمهمش فى النص، الذى لا يملك فى النهاية دلالة نهائية. 

لقد تحول الدكتور جمال حمدان المولود فى 4 فبراير 1928، والمتوفى فى 17 أبريل 1993 إلى أسطورة، وشكلت هذه الأسطورة نصًا متكاملًا تم بناؤه على مدار العقود التى تلت وفاته، وهو نص يحمل وجهًا واحدًا، وهو أن العالم الكبير اعتزل المجتمع احتجاجًا عليه، وهى العزلة التى مكنته من إنتاج مشروعه الفكرى الكبير الذى تقف على قمته موسوعته «شخصية مصر» التى صدرت فى أربعة أجزاء، واستعان لإنجازها الذى استمر لعشر سنوات بـ250 مرجعًا عربيًا و791 مرجعًا من اللغات المختلفة. 

هذه القراءة الجديدة لنص جمال حمدان لا تستسلم بسهولة لما قيل عن أسباب عزلته الاختيارية، ولا ما تردد عن أسباب وفاته، ولكنها تسعى إلى بناء نص موازٍ تستحقه هذه الظاهرة الأسطورية التى لا يستطيع أحد أن ينكر عظمتها، أو يتنكر لأهميتها فى تاريخنا الفكرى المعاصر.

جمال حمدان يشارك فى إحدى الفعاليات

والسؤال الأول الذى لا بد أن نطرحه فى محاولتنا لتفكيك ظاهرة جمال حمدان هو: هل كان الرجل أسطورة حية؟ أم أن أسطوريته تكونت بعد وفاته التى أراد البعض لها أن تكون مريبة وملغزة وغامضة فى آن واحد؟

لقد توفى جمال حمدان وعمره يزيد على الـ٦٥ عامًا بثلاثة أشهر، فهل كان فى اللحظة التى مات فيها يمثل قيمة فكرية كبيرة لدى المجتمع المصرى، أم أنه كان باحثًا كبيرًا وكاتبًا مهمًا وفقط، صدرت له عدة كتب، وينشر بعض المقالات فى المجلات المتخصصة؟ 

يمكننا أن نعرف ذلك من طريقة الاستجابة لخبر وفاته. 

واسمحوا لى أن نفتح معًا كتابًا مهمًا للأديب والروائى محمد جبريل، وهو كتاب «قراءة فى شخصيات مصرية». 

يقول جبريل: قرأت خبر وفاة جمال حمدان فى جريدة الأحد ١٨ أبريل ١٩٩٣، فتحت جهاز التليفزيون ربما أستمع إلى تفصيلات أكثر، ذلك ما يفعله التليفزيون عندما يرحل عن عالمنا شخصية عامة، بصرف النظر عن مطاطية الصفة أحيانًا، ومع تقديرى للفنانين الراحلين عبدالله غيث وصلاح قابيل وأحمد فؤاد حسن، وغيرهم ممن ودعناهم فى الفترة الأخيرة، فلعلى أتصور أن جمال حمدان فى حياتنا أهم وأعمق تأثيرًا. 

لم يجد محمد جبريل شيئًا عن وفاة جمال حمدان فى التليفزيون. 

يقول: لكن التليفزيون لم يشر إلى وفاة الرجل من قريب أو بعيد، وعدت إلى الجريدة فلم أجد نعيًا من أى نوع، ولا حتى نعى الأسرة، وتابعت مواد الإذاعة، فخاب أملى، وانتظرت إلى اليوم التالى، ربما مأساوية الحدث فاجأت الجميع، وربما لأن محبى الرجل وعارفى قدره لا يشغلون مواقع مؤثرة فى أجهزة الإعلام، لكن صحف اليوم التالى ألقت بمهمة المتابعة على محررى الحوادث، فيما عدا مقالة وحيدة للمثقف الكبير السيد ياسين، تحدث فيها عن كتاب جمال حمدان «شخصية مصر» واعتبره معلمًا من معالم الإبداع المصرى، وأنه سيظل شاهدًا على أهمية دور العالم الاجتماعى الملتزم بقضايا أمته، القادر بناء على دراسته العميقة أن يشخص الحاضر، ويستشرف آفاق المستقبل. 

يمسك محمد جبريل بضوء خافت فى نفق الرحيل المظلم فيقول: ويبدو أن أحد الناشرين الذين لم يكن جمال حمدان يتعامل معهم، قد أشفق على الرجل رحيله الصامت، فكتب نعيًا وحيدًا، يودع به العبقرية العربية الراحلة. 

لكنه يتراجع قليلًا بعد ذلك فيقول: أما اتحاد الكتاب والجمعية الجغرافية والهيئات التى تسرف علينا بكليشيهات التاريخ، فتكتفى بتسجيلها محاضر الشرطة، وتنقلها عنها أقلام محررى الحوادث. 

كانت وفاة جمال حمدان إذن خبرًا عاديًا بالنسبة للمجتمع المصرى، لم يتصدر الصفحات الأولى من الصحف، ولم يكن الخبر الأول فى نشرات الأخبار، ولم يعكف الكتاب والمفكرون على كتابة المقالات المطولة فى رثائه وإظهار فضله، والسبب أن جمال حمدان فيما يبدو لم يكن حتى وفاته يمثل للمجتمع أكثر من باحث له بعض الكتابات التى لا يعرف أهميتها إلا المتخصصون ومن اطلعوا عليها، وهم فى الغالب قليلون. 

بدأت الأسطورة تتكون بعد أيام قليلة من وفاة جمال حمدان. 

وهنا يمكننا أن نعود إلى مقال مهم كتبه الناقد الكبير فاروق عبدالقادر فى جريدة «السفير» اللبنانية» فى ٦ مايو ١٩٩٣، أى بعد أقل من شهر من وفاة حمدان. 

كان عنوان مقال عبدالقادر «فى رحيل جمال حمدان» وقال فيه: أثار الرحيل الفاجع للعالم والمفكر الكبير عديدًا من الاستجابات، عمت الكآبة جموع المثقفين الذين يعرفون قدره، وسالت أنهر الصحف بكلمات كثيرة تتحدث عن عظمته وتفرده والرهبانية التى اختارها لنفسه، ومضت فى تفسير هذا الاختيار مذاهب شتى. 

ويمسك عبدالقادر بأغرب الاستجابات وأكثرها إثارة للدهشة والغضب، وكان ذلك فيما نشره محرر بأسبوعية «الشعب» فى ٢٠ أبريل ١٩٩٣ تحت هذا العنوان الاستفزازى «الدكتور جمال حمدان مات محترقًا أم مقتولًا؟»، ونشرت الصحيفة ذات العنوان فى صفحتها الأولى، والدليل الذى يقدمه المحرر لتكذيب حقيقة أن أنبوبة البوتاجاز قد انفجرت فمات الرجل محترقًا، هو أن الذين دخلوا الشقة بعد الحادث وجدوا خرطوم الأنبوبة منزوعًا. 

هنا يمكننا أن نترك فاروق عبدالقادر قليلًا، لنذهب إلى ما قيل عن وفاة جمال حمدان، والتشكيك الذى أحاط بها. 

الثابت أن الدكتور جمال حمدان الذى كان يعيش بمفرده فى شقته الصغيرة بشارع أمين الرافعى بالدقى قام ليعد لنفسه كوبًا من الشاى، وضع الإناء على النار، وعاد لمتابعة ما يقوم به حتى يغلى الشاى، لكن تسرب الغاز من الأنبوية، ما تسبب فى حريق الشقة واختناق الدكتور حمدان الذى لقى مصرعه لهذا السبب الذى يمكن أن يعتبره البعض بسيطًا. 

لم يتعجب كثيرون من وقائع النهاية التى لحقت بالدكتور حمدان. 

فى مقاله «جمال حمدان.. القاعدة والاستثناء» الذى نشره صلاح عيسى فى جريدة «الأيام» البحرينية فى ٢٩ أبريل ١٩٩٣ يقول: دهمنى خبر وفاة الدكتور جمال حمدان، وشعرت بأسف بالغ وحزن عميق وأنا أقرؤه، وبدت لى تفاصيله غريبة وغير مألوفة، مع أنها كثيرة التكرار، على صفحات الصحف، فلا يكاد يمر يوم دون أن تنشر نبأ عن اشتعال مفاجئ فى أحد المواقد التى تستخدم غاز البوتاجاز يودى بحياة فرد أو عدة أفراد، وهو ما حدث للدكتور حمدان. 

ويعزز صلاح عيسى فرضية موت جمال حمدان بتسريب الغاز، بقوله: وعلى عكس ما بدا لى لأول وهلة، فلعل الدكتور جمال حمدان كان من الناحية المنطقية المجردة يعيش فى ظل ظروف تجعل احتمال موته بهذه الطريقة أو ما يناظرها وارادًا، فقد أغلق على نفسه باب مكتبه وظل يعيش وحيدًا تمامًا بين جدرانه الضيقة ثلاثين عامًا طويلة، لا يغادره ولا يستقبل فيه أحدًا، ولا يتصل بأحد، فليس لديه هاتف لا سلكى ولا سلكى، وهو لا يمتلك تلكسًا أو فاكسًا، وليس لديه جهاز تليفزيون يشاهد الناس على شاشته ليخفف برؤياهم من إحساسه بالوحشة، ولا فائدة من الضغط على جرس بابه، لأنه لا يستمع إشاراته، أو بمعنى أدق لا يستجيب لها، إلا بشفرة متفق عليها بينه وبين حارس العقار الذى يشترى له طلباته، والطاهى الذى يمر عليه مرتين فى الأسبوع لكى يعد له طعامه، أما صلته الوحيدة بالعالم فهى عن طريق الرسائل، يقذفها الراسل من تحت باب المنزل، ثم يعود فى اليوم التالى ليجد الرد بالطريقة نفسها. 

ويؤكد صلاح ما يذهب إليه، يقول: أما وهذا هو نمط حياة جمال حمدان فقد كان منطقيًا من الناحية الحسابية الباردة أن يكون نمط موته هو ما حدث فعلًا، إذ ما أكثر المخاطر التى يمكن أن تتعرض لها حياة رجل وحيد مثله تمامًا، لا يستطيع أن يستعين بغيره، إذا ما داهمه حادث مفاجئ يهدد حياته، لصوص متسللون، أو أزمة قلبية، أو تسرب لغاز سام، أو حريق نشب بصدفة سيئة. 

ما رأيكم أن نعود مرة أخرى إلى فاروق عبدالقادر الذى كان يستعرض لنا ما فعلته جريدة الشعب التى شككت فى وفاة جمال حمدان، وتساءلت: هل كان موته حادثًا عاديًا أم أنه مات مقتولًا؟ 

يقول عبدالقادر: لماذا يطرح محرر «الشعب» هذا التساؤل؟ 

ويجيب: لأن ناشر كتب الدكتور حمدان ذكر أنه كان على موعد معه فى اليوم التالى للعمل على إنجاز موسوعة «جغرافيا الإسلام». 

ويستعين فاروق لتأكيد معلومته بالحديث الوحيد الذى أدلى به جمال حمدان لمجلة «الشباب وعلوم المستقبل» التى كانت تصدرها مؤسسة الأهرام، وتحولت بعد ذلك إلى مجلة «الشباب»، وكان حمدان قد اضطر لعمل هذا الحوار بسبب الحرج الذى تعرض له، فقد طاردته محررة المجلة ووقفت على بابه أيامًا حتى استجاب لإلحاحها، ونشر الحوار فى عدد مارس ١٩٩٢، أى قبل وفاته بما يقرب من العام. 

فى هذا الحوار ذكر الدكتور حمدان: حاليًا أعد عددًا من المؤلفات منها كتاب سميته «جغرافيا الإسلام»، وهى فكرة فى رأسى منذ سنوات، ولم تنته بعد، وسيكون عبارة عن مجلدين فى حوالى الألف صفحة، وهو مشروع كبير سيخرج للنور قريبًا، أما بقية ما كتبه المحرر فكلها مستمد من الحديث السابق. 

ويعلق عبدالقادر: المتابعون يعرفون أن للدكتور جمال عملًا سابقًا بعنوان «العالم الإسلامى المعاصر» تناول فيه هذا العالم بأبعاده وأعماقه سياسيًا وحيويًا وحضاريًا وجغرافيًا، موضوعًا كاملًا متكاملًا عن الإسلام الذى يراه دينًا عالميًا أو كوكبيًا، على الرغم مما يدعيه البعض من أنه جزئى أو إقليمى، وليس لنا سوى توقع أن يكون عمله فى «جغرافية الإسلام» تعميقًا وتطويرًا وتفصيلًا لأفكاره الرئيسية تلك، وفى كل الأحوال ما الذى يجعل أحدًا من الناس- كائنًا من كان- لأن يقتل رجلًا اعتزلهم وما يعبدون منذ أكثر من ربع القرن، منصرفًا إلى جهده الفكرى الرائع. 

يفسر عبدالقادر ما فعله محرر «الشعب» بأنه يريد أن يوحى بأن القتلة عملوا بفعلتهم كى يحولوا دون صدور هذا العمل، لكنه التفسير التآمرى والسعى إلى الإثارة أكثر من أى شىء آخر. 

لم يكن محرر الشعب وحده من حاول تصوير وفاة جمال حمدان على أنها عملية اغتيال، ولم يكن جمال حمدان وحده هو من تحدث عن أعماله التى يستعد لنشرها. 

الكاتب الكبير يوسف القعيد الذى كان قريبًا من جمال حمدان، وله كتاب مهم عنه هو «عاشق المستحيل.. جمال حمدان قال لى» يقول: كان حمدان قد انتهى قبل وفاته من ثلاثة كتب أولها عن «الصهيونية وإسرائيل، ويقع فى ألف صفحة، وكان من المفروض أن يأخذه ناشره يوسف عبدالرحمن، والثانى «العالم الإسلامى المعاصر» الذى كان أصدره عام ١٩٦٥، ثم توسع فيه حتى صار كتابًا ضخمًا، أما الكتاب الثالث فهو عن «علم الجغرافيا». 

ويضيف يوسف: فور علمنا بوفاته ذهبنا إلى شقته وعايناها، فوجدت أن هذه الكتب التى كانت موجودة وشاهدتها أنا بنفسى قد اختفت. 

جمال حمدان على الشاطئ

وفى لقاء تليفزيونى كان إبراهيم المعلم يتحدث مع الإعلامى محمد على خير عن معرفته بجمال حمدان. 

قال المعلم إنه عندما دخل بيت جمال حمدان وجده رقيق الحال جدًا، فقد كان بيتًا شديد البساطة، لم يكن فيه سوى بوتاجاز بسيط، وملابس معلقة على مسمار. 

فى هذا اللقاء أخبر حمدان المعلم بأنه يعمل على تأليف كتابين أحدهما موسوعة والآخر عن العلاقات العربية- الإسرائيلية، وأكد المعلم أن هذين الكتابين لم يعثر عليهما لاحقًا. 

شكك شقيق جمال اللواء عبدالعظيم حمدان وصرح للصحف بأنه فوجئ بأن الطباخ الذى كان يطبخ له انكسرت قدمه وسافر إلى قريته، وأن جارة له كانت تسكن فى البيت قالت إن هناك رجلًا وامرأة خواجات سكنا فى الشقة التى تعلو شقته شهرين ونصف الشهر قبل اغتياله ثم اختفيا عقب قتله. 

كان هذا ما دفع اللواء عبدالعظيم حمدان لأن يقول: المؤكد أن الموساد الإسرائيلى هو الذى قتل جمال. 

حكاية تورط الموساد فى موت جمال حمدان أثيرت بعد وفاته بثمانى سنوات على صفحات «أخبار اليوم». 

فى ١٨ أغسطس ٢٠٠١ قرر الكاتب الكبير محمد وجدى قنديل تحت عنوان «لغز الموساد.. ومقتل جمال حمدان» فتح ملف وفاة حمدان التى اعتبرها لغزًا. 

بدأ مقاله بمجموعة من التساؤلات: فى الساعة الثالثة بعد ظهر السبت ١٧ أبريل عام ١٩٩٣ ماذا حدث بالضبط؟ وماذا تقول التحقيقات وأقوال شهود العيان؟ ولماذا التناقضات فى الوقائع؟ هل مات جمال حمدان مقتولًا؟ وهل هناك أصابع خفية- من جهة مخابراتية- وراء الحادث؟ وهل كان الحريق الصغير فى المطبخ مفتعلًا للتغطية على الجريمة؟ ولماذا كان مصابًا بضربة فى رأسه من الخلف؟ وهل فقد الوعى بحقنة بفعل فاعل؟ ولماذا لم يستغث الدكتور حمدان بالبواب والجيران عندما اشتعلت النار فى البوتاجاز وعلقت بملابسه؟ ولماذا لم يغادر الشقة التى تقع فى الطابق الأرضى على الفور؟ من القاتل؟ هل هو جهاز الموساد الإسرائيلى؟ ولماذا العودة إلى «نظرية المؤامرة» فى موت جمال حمدان، خصوصًا بعد اختفاء مسودات من كتابه الذى لم ينشر عن «اليهودية والصهيونية»؟

.. ويستقبل زيارة منزلية

بعد هذه المجموعة الكبيرة من التساؤلات يبدأ وجدى قنديل فى تقديم الإجابات التى يقتنع بها. 

يقول: لقد حدثت وفاة عالم الجغرافيا العبقرى جمال حمدان بشكل مفاجئ، وبما يثير الشبهات والشكوك حول سببها، وبما يوحى بوجود فاعل مجهول من جهة معينة، ارتكب الجريمة بأسلوب العمليات القذرة لأجهزة المخابرات، وافتعل الحريق فى الشقة للتغطية عليها، وعندما نعيد فتح ملف القضية فإننا نجد دلائل تشير إلى نظرية المؤامرة- من خلال تحريات وأقوال جديدة، وتستوجب تقصى الحقائق وتجميع الخيوط المتناثرة حول مصرع جمال حمدان من منظور التحقق مما حدث لعالم مصرى عبقرى وهب حياته لوطنه وعاش راهبًا زاهدًا لكى يضىء الطريق، ونتوقف أمام مؤشرات محددة:

أولًا: جمال حمدان لم يمت محترقًا ولا مختنقًا من اشتعال البوتاجاز، ولم يكن مصابًا سوى بحروق طفيفة فى الساق اليمنى وحتى الركبة، ولم تصل إلى النصف الأسفل من جسده، وقيل إنه أصيب بهبوط حاد فى الدورة الدموية.

ثانيًا: الدكتور حمدان لم يغلق باب الشقة- كعادته- وتركه مواربًا حتى يعود السايس أو البواب ويحضر الكراريس واللوازم التى طلبها من محل البقالة المجاور، ولكن أقوال البواب المتناقضة تقول إنه كسر باب الشقة مع الجيران بعدما تصاعد الدخان من نافذة المطبخ، والغريب أن الحريق كان محدودًا، وبقيت محتويات الشقة سليمة. 

ثالثًا: بعد نقل جثمان الدكتور حمدان إلى مستشفى أم المصريين تبين لأفراد أسرته أنه مصاب بضربة فى رأسه من الخلف، وقد تكون أفقدته الوعى حتى يتمكن الفاعل من تنفيذ جريمته، وكما أن خرطوم البوتاجاز كان منزوعًا- مسلوتًا- من مكانه لتصوير الحادث على أنه تسرب للغاز وحريق فى المطبخ. 

رابعًا: لم يعثر على أى نقود أو أموال فى الشقة- حسب أقوال زوجة أخيه الأستاذ محمد حمدان- للإيحاء بشبهة السرقة، ورغم أن الدكتور حمدان كان قد قبض مبلغًا من العربون قبل الحادث من الناشر لكتابه الجديد عن «اليهودية والصهيونية» الذى اختفى معظم مسوداته، ولم يعثر على أوراق من أبحاثه التى تعود تدوينها. 

ويتوقف محمد وجدى قنديل عند شهادة «إيمان محمد حمدان» ابنة شقيقه الأكبر التى قالت له: توجهنا فور إبلاغنا إلى مستشفى أم المصريين، حيث نقل جثمان عمى الدكتور جمال حمدان، وكان هناك عمى اللواء عبدالعظيم حمدان، وأخبرنا أنه لا توجد آثار أى حروق فى جسده، وقال الأطباء الموجودون وقتها إن الوفاة حدثت بسبب هبوط فى الدورة الدموية، ولكن الأمر المريب أن التقرير الطبى يشير إلى وجود ضربة فى رأسه من الخلف، وهو ما يوحى بأن شخصًا ما فاجأه بتلك الضربة وانتهز وجوده فى الشقة، والنقطة الأخرى أنه لم يحدث حريق بالمعنى المفهوم، ولم يأت على محتويات الشقة، ولم تمتد النيران إلى غرفة النوم والمكتب، وإنما حدث تسرب من خرطوم البوتاجاز أثناء إشعاله وأدى إلى احتراق جزء منه ولم تنفجر الأنبوبة. 

يقول وجدى: الغريب أن الدكتور جمال حمدان كان يتمتع بصحة جيدة، وكان رياضيًا ويمارس رياضة «اليوجا» التى تعود على التحمل والصبر والقدرة على مواجهة أى حادث، ولذا لم يكن ليهتز من اشتعال صغير فى البوتاجاز، أى أنه لم يقع حريق فى الشقة بالمعنى الجنائى، وإلا كان قد استغاث واستنجد بالجيران والبواب لإخماد النار لو كان واعيًا لنفسه. 

ويضيف: ولكن يبدو أن العملية مخابراتية ومخططة من جهة خارجية، ولم يتم فحص الضربة الموجودة فى الرأس بشكل دقيق ومدى تأثيرها على الوعى والمخ، وربما تكون قد أدت إلى صدمة عصبية قاتلة وقام الجانى بالتغطية بحريق مفتعل، وكان هناك قصور فى التحقيقات وقتها، ولم يهتم المحققون بالنظر إلى البعدين السياسى والجنائى وبما يتناسب مع أهمية الدكتور حمدان ومكانته العلمية وموقفه من اليهود والصهيونية. 

ويستشهد وجدى قنديل بما قالته ابنة شقيقه مرة أخرى، حيث تؤكد: لم يكن عمى جمال من النوع الذى يهتز أو يخاف، بدليل أنه عاش حياته بمفرده وبدون زوجة ولا أولاد ولا خادمة، وكان بواب العمارة هو الذى يقضى له طلباته، وكان يعتكف معظم الوقت فى بيته، خصوصًا عندما يكتب مؤلفًا جديدًا، وقد اتصلت به قبل الحادث وعرضت الحضور لترتيب الشقة ولكنه اعتذر لانشغاله بالكتاب الجديد ولم أثقل عليه. 

ويسأل وجدى قنديل من جديد: ماذا ورد فى محضر الشرطة عن حادث مصرع الدكتور جمال حمدان؟

ويجيب: فى ذلك اليوم تلقى العميد فريد حسنين مأمور قسم الدقى بلاغًا من بعض سكان العقار رقم ٢٥ بشارع أمين الرافعى المتفرع من شارع هارون عن انبعاث دخان فى الشقة بالطابق الأرضى، وانتقل العقيد فريد شرف مفتش المباحث والمقدم أمجد شافعى رئيس المباحث، حيث عثر على الدكتور جمال حمدان ملقى بجوار الباب المؤدى إلى المطبخ، والنار مشتعلة فى الجزء الأسفل من جسمه وتم إطفاؤها، إلا أنه كان قد فارق الحياة متأثرًا بالحروق. 

نفى ذلك شقيقه اللواء عبدالعظيم عندما شاهد الجثمان فى المستشفى، فلم تكن هناك حروق فى بطنه والنصف الأسفل، وتبين من المعاينة المبدئية وجود تآكل فى خرطوم أنبوبة البوتاجاز داخل المطبخ، حيث عثر على أوانٍ ما يدل على أنه كان يعد الطعام لنفسه. 

ويتوقف وجدى قنديل أمام أقوال بواب العمارة محمود عثمان أبوزيد عن وقائع ذلك اليوم، حيث قال: اعتاد الدكتور جمال حمدان عدم الخروج من الشقة والاعتكاف بها للقراءة والكتابة، وفى يوم الحادث الساعة الثانية بعد الظهر طلب منى شراء بعض اللوازم من محل البقالة المجاور فأحضرتها له، وفى الرابعة عصرًا فوجئت بانبعاث الدخان ورائحة البوتاجاز، طرقت باب الشقة ولم يرد أحد، فاستدعيت الجيران والشرطة وقمنا بكسر الباب وعثرنا على جثة الدكتور حمدان ملقاة فى المطبخ ونار البوتاجاز أحرقت ساقه. 

تقرير المعمل الجنائى- الذى أشرف عليه اللواء إبراهيم موسى مساعد وزير الداخلية وقتها- يشير إلى أنه لم يتيقن من وجود شبهة جنائية فى الحادث أم لا، ويتحدد ذلك بعد فحص ملابس الدكتور حمدان. 

وفى التقرير: إن محتويات الشقة بسيطة ومتواضعة ووجدت سليمة عدا البوتاجاز والمنضدة، وكما تبين سلامة التوصيلات الكهربائية وعدم علاقتها بالحريق، وكشفت المعاينة عن أن بواب العمارة هو أول من اكتشف الحادث ومعه أحد الجيران عندما تصاعد الدخان، ووجد الدكتور حمدان بعد كسر الباب ملقى على أرض المطبخ محترقًا من نصفه الأسفل. 

يستند وجدى قنديل إلى شهادة زوجة شقيقه الأكبر التى تنفى ذلك. 

قالت: كان هناك جرح فى الساق اليسرى وحروق طفيفة فى الساق اليمنى وحتى الركبة، ولم تكن هناك أى حروق فى بطنه والنصف الأسفل، وهو ما يؤكد أن الوفاة حدثت بفعل فاعل، وقد يكون بالتواطؤ مع السايس والبواب. 

يجزم وجدى قنديل بأن العمليات القذرة لجهاز الموساد ليست مستغربة، ولا يمكن اعفاء المخابرات الإسرائيلية من الشبهات، كما حدث للدكتور يحيى المشد عالم الذرة المصرى الذى كان يشرف على بناء المفاعل العراقى فى بغداد، حيث تم اغتياله فى غرفته بفندق ميريديان فى باريس ولم يخلف الجانى وراءه أى أثر ومحضر الشرطة الفرنسية يشهد على ذلك، والوارد أن يكون مقتل جمال حمدان مدبرًا بدقة وبأسلوب مخابراتى، وتشير آثار الضربة فى رأسه من الخلف إلى عمل جنائى بحيث يفقد الوعى ويحقن بمادة تؤدى إلى هبوط حاد فى الدورة الدموية، ويتم التمويه والتغطية على جريمة القتل بإشعال حريق صغير فى المطبخ وقبل أن يهرب الجانى. 

ويتساءل وجدى قنديل من جديد: مَن المستفيد من موت جمال حمدان؟ ومن صاحب المصلحة فى قتل العالم المصرى الذى يحلل اليهود من الناحية الأنثروبولوجية ويفضح إسرائيل والصهيونية ويكرّس أبحاثه لكشف المخططات التآمرية الإسرائيلية ضد العرب وفلسطين؟ ومن المستفيد من اختفاء مخطوطات آخر أعماله عن الصهيونية؟

ويجيب فى نهاية مقاله: بنظرة على صفحات من مسودات بخط جمال حمدان- التى جمعها شقيقه الدكتور عبدالحميد حمدان فى كتاب من أوراقه الخاصة- فإنه تتضح رؤيته الاستراتيجية للخطر الإسرائيلى على العالم العربى من منظور عالم الجغرافيا ويقول مثلًا: لقد نجحت الصهيونية فى إنهاء وإخفاء القومية العربية التى لم تكن قد بدأت بالكاد وكانت فى مرحلة التكوين والنمو، إذ يبدو أن إسرائيل لن تزول أبدًا فإذا ما بقيت فهذا حتمًا هو زوال القومية العربية، لأنهما نقيضان مستحيل اجتماعهما، وإذا كان اليهود يقولون: لا معنى لإسرائيل بدون القدس، فنحن نقول لهم: لا معنى للعرب بدون فلسطين. 

ويطرح قنديل سؤاله الأخير: ألا يكفى ذلك الفكر المضاد للصهيونية وإسرائيل، لكى يحاول الموساد إسكات صاحبه إلى الأبد؟.

لكنه هذه المرة يترك السؤال دون إجابة، وأغلب الظن أنه تركها للقراء، الذين سيميلون حتمًا إلى تبنى وجهة نظره، وهى أن جهاز الموساد هو من قتل جمال حمدان. 

لم تغلق «أخبار اليوم» الملف بمقال محمد وجدى قنديل، ولكنها نشرت تعليقًا لمحمد صالح أحمد بعنوان «جمال حمدان.. والموساد» قال فيه: قرأت مقالًا فى أخبار اليوم بعنوان «لغز الموساد ومقتل جمال حمدان» ملخصه أن الموساد هو الذى دبر ونفذ نهاية رجلنا العظيم داخل مصر وفى سكنه، واعتمد فى تخميناته على عدة عوامل منها أن جمال حمدان كان وقتها يكتب مولفًا عن إسرائيل. 

ويضيف صاحب التعليق: أود هنا أن أجيب عما جاء بالمقال بأقوال أخرى وتحليلات واستنتاجات مختلفة علّى أصيب ونصل معًا إلى القارئ بجملة مفيدة.

أولًا: إذا كان اغتيال جمال حمدان بسبب أنه كان يكتب مؤلفًا عن إسرائيل، وهذا ما لا ترضاه ولا يرضى الموساد، فإن كل ما يترتب عن هذا السبب بعيد عن الحقيقة تمامًا، وعن علم ويقين أن ما كان يكتبه وقتها، وكان قد قارب على الانتهاء منه، هو كتاب «العالم الإسلامى المعاصر ومصر والعرب»، وكان فى سبيل تسليمه للناشر قبل أن يحدث ما حدث وعلى وعد بالانتهاء منه خلال أسبوع فقط.

ثانيًا: أما موضوع أنه يكتب عن التاريخ اليهودى، فهذا تمت كتابته ونشره وتوزيعه من عشرات السنين، وما زال يطبع إلى الآن، وما هو إلا كتيب صغير عنوانه «اليهود أنثروبولوجيا»، فكان الأولى أن يُغتال وقتها منذ زمن بعيد. 

ثالثًا: كمتابع للدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية فإن المفهوم الصحيح للاستراتيجية الإسرائيلية، وهو مبدأ ثابت ومعلن، أن دولة إسرائيل لن تسمح لأى دولة عربية أو إسلامية بأن تمتلك أى سلاح نووى فى المنطقة العربية أو فى أى منطقة فى العالم، وهو ما تعمل على إجهاضه قبل إتمامه كما حدث مع العراق ومتربصة بدول أخرى لا تغيب عنها ولا تغفل، فإن ما يهم إسرائيل بالدرجة الأولى ولا قبلها ولا بعدها هو علماء الأبحاث النووية والصواريخ فى الدول العربية والإسلامية، وهو تم سابقًا، وكانت لهم معنا ومع غيرنا من العرب وغير العرب الذين يتعاونون جرائم نجحوا فى تنفيذها، وليس الأمر بأنهم يأتون بالمعجزات وليس كل جريمة قتل تقع فى أى جزء من العالم تكون من فعل الموساد وتروج عن ذلك وتجعل منهم يأتون بخوارق الأفعال. 

رابعًا: إننا نتحمل القدر الأكبر من إعطائهم الفرص السهلة لقنص العلماء منّا، وكلما غفلنا لحظة صادوا منا الغالى والثمين، لكن ليس أبدًا هم وحدهم الأذكياء، وعيب علينا أن نفعل وننسى ولا نحتاط، إن الصهيونية يهمها كما ذكرت علماء الذرة، مثل الدكتور المرحوم حامد ربيع الذى كان قد بدأ فى كتابة تاريخ واستراتيجية المؤسسة النووية الإسرائيلية فى أوائل الثمانينيات وتوفى قبل أن يتمها فى حلقات كانت تُنشر بجريدة الوفد، هنا يمكن أن يكون للموساد دور فى وفاته، ولكن إلى الآن لا نجزم ولا نخمن لكن نعود لتحليل الممكن، لأنه حين كتب كان قد اقترب وبشدة من محظوراته السرية للغاية.

خامسًا: لا نذهب بعيدًا وأمامنا حاليًا موسوعة الدكتور عبدالوهاب المسيرى عن تاريخ اليهودية، وكانوا على علم بما يقوم به من تجميع المعلومات الموسوعية قبل طباعتها بسنين، وإلى اليوم لم يقربوه أو يغتالوه، لأنه لم يقترب من المؤسسة النووية لأنه ليس من علماء الذرة، فهمّهم الأكبر هو السلاح النووى، يبقى وقفًا عليهم، حرامًا على العرب.

سادسًا: التكوين البشرى الإنسانى لجمال حمدان يقول لنا إن أى لحظة خوف أو مفاجأة مفزعة له عنده رد فعل مميت لنفس بشرية صافية رقراقة لا تعرف الشر ولا تتوقعه، فكان الفزع من هول النار هو خوف النفس والروح منه رحمه الله، وكفانا نفخًا فى بالونة الوهم الكاذبة عن عبقرية هذا الموساد، والذى لو عرفت أغواره وحقيقته لوجدته حثالة الفكر والرذيلة، ونحن بأيدينا نجعل منه بطلًا ووحشًا وأخطبوطًا لا نقدر على مقاومته، وهو بهذا جذلان فرح نشوان مرح، ونحن نقول ولا نفعل، نرفض ونشجب، وفى النهاية هو الذى يبنى تحليلاتنا الخاطئة ويحولها بلا أى جهد إلى نجاحات لم يكن له فيها أبدًا أى رأى، كل ما فى الأمر أنه ينتظر ما نقدمه على طبق من ذهب. 

الأسطورة الثانية فى حياة جمال حمدان والتى سبقت أسطورة وفاته كانت أسطورة عزلته الاختيارية. 

فى حديثه إلى مجلة «الشباب وعلوم المستقبل» نجد إشارات من جمال حمدان نفسه عن أسباب عزلته، لم يتكلم بوضوح ولكنه اختار التلميح. 

فمرة يقول إن المجتمع المصرى أصبح غريبًا فى تناقضاته، فهو لا يعترف بعبقرية أحد إلا بعد وفاته، فتظهر أفضاله، ويتم الحديث عنه والاعتراف بفضله. 

ومرة أخرى يشير إلى أن هناك أشياءً كثيرة فى المجتمع دفعته لهذه العزلة التى فرضها على نفسه، وأنه لن يخرج حتى ينصلح حال المجتمع، وإن كان يتصور أن هذا لن يحدث. 

ورغم أن العزلة التى فرضها جمال حمدان على نفسه كانت موقفًا فكريًا ونفسيًا، إلا أننا نجد اجتهادات كثيرة فى تفسيرها. 

فى مقاله «جمال حمدان.. النجم الذى هوى» الذى نشره نبيل سليم فى مجلة «الجسرة الثقافية» فى عدد ربيع ١٩٩٩ يقول: فى محاولة للبحث عن الأسباب التى جعلت هذا العالم الفذ يزهد كل شىء ويلقى بأبسط الاحتياجات الإنسانية خلف ظهره، ويأخذ نفسه بتقشف أليم وهو الذى ينحدر من أسرة ميسورة تقطن فى أرقى أحياء القاهرة، والذى كان قادرًا على تحصيل ملايين الدولارات لو أراد، يقول شقيقاه عبدالعظيم ومحمد حمدان: كان جمال فى إنجلترا إنسانًا آخر، لقد راح يلتهم متع الحياة يعشق ويحب، قرأ كل ما وقع تحت يديه من روائع الأدب والشعر، وتعلم ودرس الموسيقى الكلاسيكية حتى أصبح واحدًا من أهم عازفيها وعاشقيها، وهناك فى إنجلترا عاش قصة حب، وجمال عندما يحب يتحول إلى عاشق مرهف، ويتصوف فى موضوع عشقه، كانت أخباره تصلنا من هناك، وكنا نزوره أحيانًا ورأيناهما معًا، جمال ومحبوبته الإنجليزية، الباحثة فى علم المصريات، كانا يقرآن معًا، ويسهران معًا، ويتنزهان معًا فى أيام الإجازات، وكانت الإنجليزية مفتونة بعبقريته ونبوغه المبكر وإلمامه المتبحر فى فروع عديدة من المعارف، وفجأة عاد جمال من إنجلترا صامتًا، ولم يفلح أحد فى إخراجه من هذا الصمت المؤلم، وكان من السهل أن ندرك عمق الجرح وألم الطعنة، وفداحة الأحزان التى نهشت قلبه، ولكنه تمكن- كعادته- من الاستمرار فى عمله، فقد كانت هذه المحبوبة فى قلبه دائمًا وكان قادرًا على أن يعيش بجرحه وكأن شيئًا لم يكن.

لم تكن المحبوبة هى سبب عزلته، فقد عاد إلى مصر وباشر عمله فى الجامعة، ولكن ما دفعه إلى العزلة وكما يقول نبيل سليم: اكتملت الضربة عندما تخطته الجامعة وقامت بترقية أستاذ مساعد آخر إلى درجة الأستاذية قبله، وكان محقًا فى إحساسه الفادح بالظلم، وصمم على الاستقالة وعاد إلى شقته ليتوحد مع جوهر القضية التى كان مرتبطًا بها إلى حد التصوف، إنها شخصية مصر. 

ويضيف اللواء عبدالعظيم حمدان: لقد كنت فى البدء من أشد المعارضين لطريقته فى الحياة، ولكنه استطاع أن يقنعنى بروعة وصفاء عالمه النبيل، الخالى تمامًا من أى أطماع شخصية، ومن الأحقاد، وكان يكره كل ما له صلة بالماديات، وأثبت لنفسه أولًا وللذين ظلموه أن الإنسان الحقيقى المجتهد يستطيع أن ينجز الكثير دون ضجيج إعلامى أو نفوذ. 

لقد حاول أشقاؤه أن يخرجوه من عزلته، وأن يعالجوا جرحه من محبوبته الإنجليزية بفتاة فرنسية أحبته بالفعل. 

ففى الستينيات جاءت إلى مصر باحثة فرنسية فى علم المصريات بصحبة شقيقه عبدالحميد وزوجته الفرنسية، والتقت بجمال، وكانت مولعة بالحديث معه، ومن الوهلة الأولى أدركوا أنها وقعت فى حبه، وحاولوا إقناعه بأن يراجع موقفه من الزواج، وأن يفكر فى هذه الباحثة التى تحبه، ولكنه رفض بإصرار غريب وعاد إلى صومعته وأغلق عليه باب شقته. 

يمكننا أن نضع جانبًا قصة غرامه بمحبوبته الإنجليزية، ففى الغالب لم تكن سببًا فى عزلته، فقد عاد من بعثته فى العام ١٩٥٣ ولم يدخل عزلته إلا فى العام ١٩٦٣، أى أنه قضى عشر سنوات كاملة فى عمل متواصل فى الجامعة، ولو كانت سببًا فى أزمة عاطفية ونفسية دمرته، لكان من الأولى به أن يعود من إنجلترا إلى صومعته مباشرة. 

وهو ما يجعلنا نميل إلى أنه ما حدث معه فى الجامعة كان السبب فى عزلته، وما حدث يمكننا أن نجده فى وقائع بتفاصيل مختلفة، فبينما يقول أشقاؤه إنه استقال بسبب تخطيه فى الترقية، فإننا نجد تفاصيل أخرى عند آخرين. 

يقول جهاد فاضل فى مقاله «جمال حمدان أعظم عالم جغرافى عربى فى العصر الحديث» المنشور فى جريدة الراية القطرية فى ٢٩ فبراير ٢٠٢٠، نقلًا عن شقيقه الدكتور عبدالحميد حمدان: ساءت الأمور بين جمال وبين بعض زملائه فى قسم الجغرافيا بكلية الآداب جامعة القاهرة، وبدأ الكل يتربصون به، وكان من سوء طالعه أن التقى بتلك الديناصورات التى كانت محمية ممن كانوا فى السلطة، وقد وصل الأمر إلى حد حرمانه من تدريس مادته المفضلة وهى «جغرافية المدن»، وتكليفه بتدريس مادة الخرائط لطلبة السنة الأولى التى عادة ما يكلف بتدريسها المعيدون، وبعدها قاسى من هذه الأمور الكثير، إلى أن انتدب للتدريس فى جامعة القاهرة فرع الخرطوم. 

هناك حدثت االمشكلة الكبرى التى دفعته إلى الاستقالة، يقول عبدالحميد حمدان: وجد أحد زملائه ممن سبقوه إلى التدريس فى فرع الخرطوم قد سطا على كتبه ومحاضراته وطبعها ووزعها على الطلبة على أنها من بنات أفكاره، أصيب بالدهشة، وعندما استيقظ من صدمته أثبت للطلبة أنه صاحب هذه الدراسات، وعندما عاد إلى القاهرة لاحقًا وجد أن هذا الأستاذ المزوِّر ينافسه على الترقية ويحصل عليها قبله، عندها وجد أنه لا يستطيع مواجهة هؤلاء الديناصورات ولا سبيل لمثل هذه المواجهة إلا بالعلم. قدم استقالته من الجامعة ولاذ ببيته رافضًا الانخراط فى تفاهات الحياة اليومية. 

ويقول صلاح عيسى: ما حدث هو أن الجامعة قد تخطته فى الترقية إلى درجة أستاذ، ومنحت الدرجة لغيره، لأنه كان أكثر ولاء من الناحية السياسية، وإن كان أقل كفاءة من الناحية العلمية، ومع أن الجامعة استدركت خطأها بعد قليل، فأنشأت درجة أستاذية أخرى رقته إليها، إلا أنه لم يقبل تلك المساواة، ولم يوافق على أن يسبقه زميله فى كشف الأقدمية فى الدرجة، فانقطع عن إلقاء دروسه على طلابه، وبعد شهور استقال من الجامعة وعاد إلى مسكنه وأغلق بابه عليه، ولم يغادره إلا إلى القبر. 

وفى الذكرى الثانية لوفاة جمال حمدان، وفى مجلة الهلال عدد أبريل ١٩٩٥ يكتب مصطفى نبيل الذى كان يعرف حمدان جيدًا: لم يعتزل الناس مرة واحدة، إنما حدث هذا على مراحل، وأخذت ظاهرة العزلة تتزايد مع تطورات تمر بها البلاد وتنعكس عليه، كنت ألمحها وأشعر بخطورتها عليه وعلى صحته النفسية، وربما كانت تجربته فى الجامعة من أهم هذه الأسباب، فكثيرًا ما انتقد الجامعة وما آلت إليه من تدهور، وأدهشه ما تشهده من مجاملة وفساد، وأخذت تتصدع الصورة التى رسمها، فها هو ذا أحد زملائه الذى حصل على الليسانس- قسم الجغرافيا بدرجة مقبول، ثم عمل رسامًا للخرائط فى القسم، وأخذ يساعد الأساتذة فى إعداد كتبهم، فيحصل على الدبلوم ثم على الدكتوراه ويصبح زميلًا له ينافسه فى المجال العلمى، ومن ناحية أخرى كان يلاحظ الأثر السلبى للسياسة على الجامعة واستقلالها، وأصبح الحلم الذى يداعب خيال أستاذ الجامعة أن يشغل منصبًا سياسيًا يتقدم عليه أحد أقرانه الذى يرى أنه أقل منه علمًا، بل والذى سبق وسطا على بعض أبحاثه. 

ويضيف نبيل: كان يرى أن ما آلت إليه الجامعة يفرض على العالِم الابتعاد عنها، وهذا ما يبدو السبب المباشر لاستقالته من الجامعة وتفرغه الكامل للكتابة فى محرابه. 

ويكشف لنا فاروق عبدالقادر هوية هذا الأستاذ الذى دفع جمال حمدان إلى العزلة. 

فبينما يعدد أسباب عزلة حمدان، يقول: كان هناك كلام يدور مواربة وغمزًا، وهو يفسر اختيار الرجل العزلة بأنه كان احتجاجًا على عبدالناصر ونظامه وتنظيمه الطليعى. 

ويضيف عبدالقادر: ولست أرى لهذا القول وجهًا لأسباب عديدة منها ما يعرفه الجميع أن قرار الاستقالة من الجامعة جاء بعد إحساسه بأنه سلب حقًا هو له، سلبه زميل فى قسم الجغرافيا هو الدكتور صفى الدين أبوالعز، وقد كان على صلة بالنظام بما أتاح له صعودًا سريعًا حتى أصبح وزيرًا للشباب فيما بعد، ولم يستطع الدكتور جمال أن يفعل شيئًا إزاء هذا، فقرر الاستقالة، وتدريجيًا بدأ يعتزل الحياة والناس، وعمقت هذه العزلة بعد ١٩٦٧، واكتملت تمامًا مع السبعينيات. 

يهوّن فاروق عبدالقادر من عزلة جمال حمدان، إذ يرى أنها كانت تتناسب مع تكوينه النفسى الفريد. 

يقول: كان جمال فائق الحساسية والكبرياء، والإحساس بأنه لم يلقَ التقدير الذى هو جدير به، فهذا جانب، ومن الجانب الآخر يقول جمال نفسه بوضوح: التاريخ القديم والحديث على السواء يعرف مفكرين وفنانين اختاروا العزلة بقدر أو بآخر من أجل تحقيق مشاريعهم الفكرية والفنية، ويعرف مفكرين يرون العالم فاسدًا، فلا يليق بهم أن ينغمسوا فيه حتى لا يعلق بهم بعض هذا الفساد. 

ويعود صلاح عيسى ليضع عزلة جمال حمدان فى حجمها، إذ يقول: المبررات المعلنة لموقف جمال حمدان كانت معروفة فى حياته وأعيد التذكير بها بوفرة بعد مماته، وليس فى ظاهرها ما يدفعه إلى اتخاذ هذا الموقف القاسى من نفسه أو من الناس.

ويضيف صلاح: سوف يقول البعض إن العقبة التى واجهت جمال حمدان هى أمر عادى لا يدعو إلى تلك القسوة مع النفس، فلم يكن أول الذين أُهدرت حقوقهم فى الجامعة أو فى غيرها من المؤسسات أو آخرهم، وقد كان فى استطاعته أن يكون أكثر عملية فيحنى رأسه للعاصفة، إلى أن يتمكن من الالتفاف حولها، وهو الأسلوب العادى الذى درج كثيرون على أن يواجهوا به هذه العقبات العادية التى تعترض مسار حياتهم، أما وقد أصر الدكتور حمدان على أن يغادر الجامعة احتجاجًا على هذا العادى الذى ليس نادر الحدوث، فإن الأمر لم يكن يتطلب اعتكافه الطويل المتواصل، ذلك أن كثيرين ممن جرى لهم ما جرى له، قد احتجوا عليه بطريقة مماثلة لاحتجاجه فاستقالوا من الجامعة اعتراضًا على إهدار قيم العلم والمعرفة والعدالة، لكنهم لم ينسحبوا من الدنيا ولم يقاطعوا البشر، ولم يعتزلوا الدور الذى أهلوا له، بل انتقلوا من الجامعة الحكومية إلى أخرى غير حكومية، أو تركوا البلد إلى بلد مجاور أو إلى جامعة أوروبية، وهناك عوملوا بما يليق بمكانتهم وبعلمهم، فلمعوا وبرزوا وأصبحوا معروفين على نطاق العالم كله، ولم يكن شىء من ذلك عسيرًا على الدكتور حمدان. 

ورغم ذلك فإن صلاح عيسى يقدر ما فعله جمال حمدان ويفسره بأنه اختار أسلوبًا فريدًا واستثنائيًا للاحتجاج الذى بدا آنذاك أمرًا عاديًا، وكأنه قصد منذ البداية أن يؤكد لنا مقولة الكاتب المسرحى الشهير «بريخت» فى مسرحيته القاعدة والاستثناء: لا تقولوا على كل شىء، هذا شىء عادى، حتى لا يأتى يوم يصبح فيه الاستثناء هو القاعدة. 

انتبه الناصريون مبكرًا إلى أن جمال حمدان اعتزل احتجاجًا على ممارسات عديدة فى عصر عبدالناصر، ورفض مبدأ الصعود المدفوع بالولاء فقط، فحاولوا أن يعتذروا له بأثر رجعى، ولكن كعادتهم فعلوا ذلك بطريقتهم، إذ جعلوا منه ناصريًا قحًا، محاولين بذلك بناء أسطورة متكاملة له. 

فى ٣٠ يوليو ٢٠٠٠ ينفرد ماجدى البسيونى على صفحات جريدة العربى الناصرى بما قال إنها أوراق خاصة من ملف جمال حمدان تركها قبل الرحيل، وفى عناوينه قال على لسان حمدان: أنت مصرى فأنت ناصرى. 

وفى التفاصيل نقرأ. 

فى بداية الصفحة ٩٤ من المخطوط كتب جمال حمدان لأول مرة بعد مراجعة كل ما صدر له وطبع، عن معنى الناصرية: 

يقول حمدان: لم تكن الناصرية لغزًا أو طلسمًا أو فلسفة غامضة محلقة معقدة، ولعلها شعار كبير رنان لمبدأ بسيط أولى، وهو مصر كما ينبغى أن تكون، مصر المثالية، فالناصرية ببساطة هى مصر العظمى، ولذا فالناصرية هى مصر الطبيعية، وكل مصرى طموح يريد صالح مصر قوية عزيزة غنية مستقلة بكل ما يعنى هو ناصرى قبل الناصرية وبعدها وبدونها. 

وعن الزعيم جمال عبدالناصر خطّ جمال حمدان فى صفحة ١١٠ فكتب: عبدالناصر فى جوهره هو مجرد مسودة للمستقبل، بروفة، تجربة، مجرد بداية لا نهاية، هو أول حاكم أو زعيم مصرى يكتشف جوهر شخصية مصر السياسية، ويضع يده على صيغة السياسة الخارجية لمصر كما ينبغى فى التخطيط السياسى الأمثل، لم يخترعها بالطبع، ولا كان هو أول من شخّصها وتعرف عليها نظريًا، ولكنه كان أول من بلورها فكريًا ثم طبقها عمليًا إلى أقصى حد فينقلها من الفكر السياسى إلى التطبيق السياسى أو السياسة التطبيقية، ومن هناك كان أول- وللأسف- آخر حاكم أو زعيم مصرى جغرافى، ولا ننسى أن دوائره الثلاث هى صيغة جغرافية تصنع خريطة جيوبوليتيكية أصيلة، معنى هذا أنه كان جغرافيًا بالطبع والحدس، ولكنها الحاسة الجغرافية الكامنة فى كل من يتصدى للعمل الوطنى القومى بالضرورة باعتبار أن الجغرافيا ليست فقط بعدًا أساسيًا من أبعاد السياسة الخارجية الوطنية، ولكن هى أساس من أصولها وجذورها وأهم عناصرها وقواعدها جميعًا، الجغرافيا فى نظرة عبدالناصر كانت حتمية تلقائية، ذلك رغم أن عبدالناصر قل إن تكلم عن الجغرافيا أو أشار إليها، بعكس التاريخ الذى كان دائمًا بصلته مصدر وحيه ومعلم درسه. 

ويضيف حمدان: الناصرية ليست مجرد نظرية خاصة أو نظرة شخصية، ولكنها ليست أكثر ولا أقل من مجمل الاستراتيجية العليا والخطة العظمى والفكر الأساسى لوجه مصر السياسى فى العالم كما ينبع من طبيعة أرضها ووضعها وموقعها وكتعبير استراتيجى عن شخصية مصر الكامنة. 

لا يمكن لنا التشكيك فيما نقله ماجدى البسيونى عن جمال حمدان، خاصة أنه نشر وثيقة بخط يده تقول هذا الكلام، لكن السؤال هو لماذا ترك الناصريون جمال حمدان حتى مات بهذه الطريقة، لماذا لم يتدخلوا لإخراجه من عزلته؟ 

وإن قلت إنه كان سيرفض. 

سأقول: لماذا تركوه حتى مات، وبعد ذلك تحدثوا عن ناصريته وعن غرامه الشديد بعبدالناصر؟ 

لا يستطيع أحد أن ينكر عبقرية جمال حمدان، ولكنى لا أستطيع أن أتجاهل كذلك أن الرجل تم استخدامه سياسيًا بشكل كبير، ولا أدرى لماذا تم حصره فى كتابه الموسوعى «شخصية مصر» رغم أن له كتابات كثيرة مهمة، لكن يبدو أننا استرحنا إلى أسطرته بالطريقة التى تريحنا، وتجعلنا قادرين على استيعابه. 

لقد تركنا جمال حمدان يموت، ثم اجتهدنا فى إخراج مشهد نهايته، واستفدنا جميعًا مما فعله، أما هو فقد قنع بما ربحه فى الحياة، فقد ربح نفسه وأعتقد أنه هذا مكسب كبير جدًا، أعتقد أننا لا نقدره ولا نقدر على استيعابه. 

إننى أفتح بهذا التفكيك لمسارين من مسارات أسطورة جمال حمدان مساحة للمناقشة حول قيمة الرجل الحقيقية، وحول قيمة إنتاجه العلمى بعيدًا عن الهالات الأسطورية التى عادة ما تخفى حقيقة من نحاول أن نصنع لهم صورة على هوانا.

فهل نفعلها.. أم يستمر احتفاؤنا الظاهرى لعالم مهم أضعنا قيمته عندما ذهبنا نلتمس عنده القشور وتركنا قلب ما أنتجه؟

أتمنى أن نلتفت.. وأن نخلص فى التفاتنا إليه.