الأحد 01 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

يعيش نجيب محفوظ.. قراءة فى فقه التحريض والقتل فى حياة أديب نوبل

حرف

- القاتل: هكذا كانت الفتوى بالقتل ونحن نفذنا ما طلب منا وشرف لأى مسلم يقتل نجيب محفوظ!

- نجيب: رواياتى لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون القصد منها التعرض لأى دين من أديان السماء أو ازدرائه

- القاتل: قمت بمحاولة الاغتيال لأنى كنت أنفذ أوامر أمير الجماعة والتى صدرت بناءً على فتاوى الشيخ عمر عبدالرحمن

- نجيب عن قاتله: سامحته عما يخصنى أما ما يخص المجتمع فالعدالة يجب أن تأخذ مجراها

- الغزالى أسير تربيته الإخوانية حيث كان دائمًا ضد حرية الفكر والإبداع

- الغزالى كان سببًا واضحًا ومباشرًا فى محاولة ذبح رجل ظل يتعامل معه باحترام وتقدير

قبل عام دفعت بكتابى «أيام الألم.. كيف قتلنا نجيب محفوظ؟» إلى المطبعة. 

كان ذلك قبل معرض الكتاب الماضى بأيام قليلة، تحمس الناشر والكاتب الصديق حسين عثمان للكتاب، وبالفعل كان بين أيدى القراء مع أول يوم فى المعرض. 

هذا العام عاد هذا الكتاب ليطل برأسه من جديد علىّ وعلى قرائه، فقد كانت مناقشته هى مفتتح ندوات «كاتب وكتاب» فى معرض الكتاب، الذى قرر منظموه أن يكون نجيب محفوظ هو شخصيته الرئيسية. 

شاركنى فى مناقشة الكتاب الصديق العزيز الدكتور يسرى عبدالله، والدكتور ياسر قنصوة، وأدار الحوار الإذاعى اللامع محمد عبدالعزيز، ولا أخفيكم سرًا أننى أعدت اكتشاف الكتاب مرة أخرى، عندما عدت لقراءته بعد مرور عام كامل على إنتاجه، وبدأت أسترجع الأجواء التى أحاطت بى وأنا أعمل به. 

جدد هذا الكتاب أحزانى وغضبى على ما فعلناه بنجيب محفوظ.

لقد فرطنا فيه، لم نحمه بما يكفى، فمرة يحاول جاهل قتله، ومرة تتركه ممرضات يسقط من فوق سريره فتزداد آلامه حتى الموت، لكن الأهم من ذلك أننا فرطنا فى قيمته، ولم نُنزله المنزلة التى يستحقها. 

لا أتحدث عن الاحتفالات أو الكرنفالات التى نقيمها لنجيب محفوظ، ومنها ما يحدث فى معرض نجيب محفوظ نفسه، لكننى أفتح ملفًا مهمًا هو: هل استطعنا أن نتعامل مع إنتاج نجيب بما ينبغى له ويستحقه؟ هل صححنا الصور المغلوطة التى لحقت به ولا تزال عند أجيال جديدة؟ هل جعلناه جزءًا من التكوين الثقافى للأجيال الجديدة؟ 

لم نفعل شيئًا من هذا، وأعتقد أننا لن نفعل، وهو ما يجعلنا مدانين لنجيب محفوظ، وهو الدين الذى لن نوفيه، طالما نعتبره مزارًا نزوره بين الحين والآخر.. نجيب يستحق أن يكون حاضرًا بمشروعه وأفكاره وتنويره ورغبته فى بناء مجتمع إنسانى يقوم على الحب والتسامح والعدالة الاجتماعية. 

من بين فصول الكتاب التى لم تنشر قبل ذلك اخترت فصلين، وضعت نجيب محفوظ من خلالهما بين من حرض على قتله ومن نفذ القتل. 

وستكون المفاجأة عندما تعرفون أنى أتمسك بأن المحرض عليه ليس عمر عبدالرحمن ولا الشيخ كشك، كما يشيعون، ولكنه الشيخ محمد الغزالى الذى كان قد أمسك بزمام التحريض على نجيب محفوظ وقدمه لقمة سائغة على مذبح من حاولوا قتله. 

أما كيف حدث هذا؟

فيمكننا أن نعرف بعد أن نقرأ. 

القاتل.. محمد ناجى: لو خرجت من السجن سأحاول قتله مرة أخرى 

ليس فى هذا العنوان أى خطأ. 

فما جرى لنجيب محفوظ لم يكن محاولة اغتيال نجا منها، فقد تم قتله معنويًا رغم إفلات الجسد من الهلاك، وهو ما يجعلنى أعتبر الإرهابى محمد ناجى «قاتل نجيب»، وليس مجرد مجرم حاول إنهاء حياة الكاتب الكبير. 

كتب الله لنجيب العمر الطويل رغمًا عن أنف قاتله، الذى أعدم وهو لا يزال فى الثلاثين من عمره، وعاش نجيب حتى الخامسة والتسعين، ولا يعرف أحد مشاعره وما كان يحس به خلال السنوات التى قضاها فى حياة ما كان ليختارها أو يفضلها. 

فقد عاد بعد الحادث كطفل يتعلم الكتابة من جديد، فقد قدرته على القراءة والمشاهدة، وأصبح لا يتحرك إلا بمساعدة الآخرين. 

عندما زاره يوسف القعيد بعد جلسة التحقيق التى جرت فى ٢٠ أكتوبر ١٩٩٤، سأله سؤالًا ذكيًا، قال له: كيف وقعت على أقوالك؟ 

فرد نجيب: يدى اليمنى ما زالت تحت العلاج، أنا أحركها الآن، وأحرك أصابعى أيضًا، ولكن مسألة التوقيع ما زالت صعبة، لذلك بصمت بيدى اليسرى. 

قال له يوسف: قل كلامًا غير هذا؟ 

فرد عليه نجيب: وماذا فى الأمر، كان معهم ختامة غمست إصبعى فيها وبصمت فى نهاية كل صفحة من صفحات محضر التحقيق معى، ولا تنس أننى موظف سابق وأفهم هذه الأمور جيدًا وأعرف الدوافع إليها وأهمية قبولها. 

يعلق يوسف على ما سمعه من محفوظ بقوله: تهت.. رحت أفكر طويلًا، نجيب محفوظ يبصم؟ يغمس إصبع يده اليمنى فى ختامة، وهو لا يحرك اليد، ولكن يحملها الموظف الذى كان يدون المحضر، وهكذا كتب على نجيب محفوظ أن يفعل هذا الفعل الذى كان لا يقدم عليه سوى الأميين، وفى ظروف قهرية وصعبة وقاسية، وكتب علينا نحن أن نعاصر الظروف التى تصل إلى حد الاستحالة. 

ويضيف يوسف: أعرف أنه كان لا بد من توقيع نجيب محفوظ على أقواله، وأنه من دون هذا التوقيع كانت الأقوال تصبح لاغية، وأن التوقيع عليها بصورة قانونية أعفى الرجل فيما بعد من الحضور أمام المحكمة بنفسه، وهذا ما كان يخشاه نجيب محفوظ بسبب ظروفه الصحية، ولكن يظل فى معنى الختم والختامة والبصمة بالنسبة لنجيب محفوظ شهادة على العصر وما جرى فيه. 

ولأن رواية «أولاد حارتنا» كانت حاضرة فى المشهد، فقد سأله يوسف عما إذا ككان التحقيق قد تطرق إليها. 

قال له: هل هناك كلام عن أولاد حارتنا؟ 

فأجاب نجيب: طبعًا وهذا مطلوب من وجهة نظرى، لقد تحدثت طويلًا عن هذه الرواية، أليس غريبًا أن البعض يتكلم عنها الآن؟ مع أنها منشورة منذ سنة ١٩٥٩، أى منذ حوالى ٣٥ سنة، إن معظم الذين يتحدثون عن هذه الرواية لم يقرأوها، البعض سمع عنها وصدق ما سمعه دون قراءة، وبنى حكمًا، بعد هذا التحقيق نمت نومًا عميقًا، لقد أراحنى التحقيق، ومنذ الحادث تحدث لى هذه الحالة من النوم الطويل والعميق، يبدو أننى استرحت نفسيًا.

حاول يوسف أن يأخذ نجيب إلى نقطة مفصلية، فحتى هذا الوقت كان نشر «أولاد حارتنا» ممنوعًا فى مصر بشكل رسمى. 

قال له: تتجه النية الآن إلى التصريح بنشر «أولاد حارتنا» فى مصر. 

فرد نجيب: أنا لا أرحب بهذا، يمكن أن أوافق عليه ولكن بعد فترة من الوقت، ليس الآن على أى حال، إن المطلوب هذه الأيام أن يتكلم الأزهر الشريف، أن يعلن موقفه من هذه الرواية المحبة للدين، ولو حدث هذا لكان أفضل من التصريح بطبعها فى مصر، يمكن أن يكون الطبع بعد هذا. 

بعد التحقيق مع نجيب محفوظ بـ٦ أيام، بادرت جريدة «الأهالى» بنشر النص الكامل لرواية «أولاد حارتنا» فى عدد كامل، دون انتظار لموافقة الأزهر، أو حتى الحصول على إذن من نجيب محفوظ، فقد كان الحادث دافعًا أكبر من أى موافقة أو أى إذن. 

وبررت الجريدة نشرها الرواية بقولها: «ننشر الرواية ليقرأها الناس جميعًا، لأن مبدعها الأصيل يرقد فى مستشفى الشرطة، مصابًا بمطواة فى رقبته، طعنه بها شقى من الأشقياء الذين قال لهم فقهاء الحاكمية إنها رواية ملحدة وصاحبها ملحد لا بد من قتله». 

وبعد المحاكمة التى أدين فيها قتلة نجيب محفوظ، والتى وقف فيها أحد المحامين ليقول إن نجيب محفوظ قد قال فى أقواله أمام النيابة عندما اكتشف نجاته من الموت وبعد أن أفاق من العملية لزوجته: «ما دمت نجوت من القتل، إذن فالجبلاوى راضى عنى». 

وقال المحامى: هذا الاعتراف فى أقواله يرقى لمرتبة الدليل على إلحاده، وهكذا يكون ما فعله محمد ناجى أنه ينفذ شرع الله. 

سأل يوسف القعيد محفوظ: هل قلت ذلك فى أقولك فعلًا؟ 

فرد عليه: قلت ذلك على سبيل المزاح والمداعبة، وضحكت بعد هذه الجملة، وكان هدفى السخرية من الذين يقولون إن الجبلاوى فى الرواية هو الله. 

على هامش «أولاد حارتنا» جرت ثلاث مواجهات بين نجيب محفوظ وقاتله، وهى المواجهات التى تمت بشكل غير مباشر، فلم يقابل نجيب محمد ناجى وجهًا لوجه أبدًا. 

المرة الأولى كانت من خلال تحقيقات النيابة. 

دارت التحقيقات مع ناجى على النحو التالى: 

المحقق: كيف تريدون تطبيق شرع الله بالسلاح، وهل الإسلام يقر القتل؟ 

ناجى: هذه وسيلة نلجأ إليها لإرهاب كل من يحاول منعنا من أداء رسالة الجماعة التى ننشدها، والغاية تبرر الوسيلة، وسوف نحاسب يوم القيامة على النية، ولا يهم سقوط ضحايا أبرياء عند تنفيذ أهدافنا. 

المحقق: اغتيال نجيب محفوظ لمصلحة من؟ 

ناجى: أولًا كان هناك تكليف باغتيال نجيب محفوظ بحجة مهاجمته الدين الإسلامى فى رواية «أولاد حارتنا»، ولم نناقش مثل هذه الأمور، فكل ما علينا إطاعة الأوامر وتنفيذها فقط، والفتاوى حسب علمى صدرت من الشيخ عمر عبدالرحمن وقادة الجماعة داخل السجون، فهؤلاء أباحوا دمه مثلما حدث منهم تجاه الدكتور فرج فودة، وتلك العمليات تهدف لخدمة الجماعة فى تنفيذ مخططها الذى تضعه أمام خلاياها المختلفة. 

المحقق: موقف الإسلام معروف من قتل كبار السن وغيرهم.. أى دين يقر ذلك؟ 

ناجى: هكذا كانت الفتوى بالقتل، ونحن نفذنا ما طلب منا، وشرف لأى مسلم يقتل نجيب محفوظ، وقد نلت هذا الشرف، نعم كنت أريد قتله، ولو قدر لى الخروج من السجن حيًا ما ترددت لحظة فى قتله مرة أخرى، نعم الأعمار بيد الله، لكننى طعنته وغرزت المطواة فى رقبته وتحديت زملائى أن تكتب له النجاة، لكن الله سبحانه وتعالى كتب له عمرًا طويلًا، كنت ثابتًا وأنا أنفذ جريمتى ولم تتحرك مشاعرى وأنا أرى الدماء تنزف منه وسمعت تأوه الرجل من شدة الطعنة، وتوقعت موته مثل فرج فودة. 

المحقق: «أولاد حارتنا» وكتابات وروايات وكتب كاتبنا الكبير.. هل قرأتها؟ 

ناجى: لم أقرأ «أولاد حارتنا»، لكنى قرأت له ٤ كتب، ولكنى نسيت عناوينها، لا أعرف بالضبط ما تذكره الرواية، لكن حسب ما أفتى به الشيخ عمر عبدالرحمن وغيره من الفتاوى التى قرأتها أن محفوظ تعرض فى روايته للدين الإسلامى. 

المحقق: ولكن هذا غير صحيح؟ 

ناجى: ليس لى دراية بالرواية، إننى أنفذ ما اتفقنا عليه. 

المحقق: هل كنت تدرك أنت وشركاؤك الصدى الذى سيحدث من محاولة اغتيال الكاتب الكبير نجيب محفوظ؟ 

ناجى: بالطبع كنا نخطط لذلك، وهذا أحد الأهداف الرئيسية التى تسعى إليها الجماعة فى عملياتها. 

فى التحقيق معه، رد نجيب محفوظ على ما قاله ناجى. 

بعد أن استعرض نجيب ما جرى له أثناء الحادث، بادر هو للحديث عن «أولاد حارتنا». 

قال للمحقق: أحب أن أوضح شيئًا مهمًا بخصوص «أولاد حارتنا»، اللى بيتخذها الإرهابيون كسند أو دليل لهم على استباحة دمى، أو على أننى مرتد، على حد قولهم، وهو أن الرواية ألفت قبلها روايات كثيرة بتطبع ككتب، ورواية «أولاد حارتنا» كانت بداية اتصالى بالصحافة، وكانت تنشر مسلسلة فى جريدة الأهرام، وبداية مش معقول يكون رواية فيها مجازفة فكرية أو اجتراء على الذات الإلهية وأختارها لكى تنشر على عناوين الصحف. 

ويضيف: هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى «أولاد حارتنا» مثل «كليلة ودمنة» تخلق عالمًا متطورًا لتوحى بعالم وراءه، فنحن بين حيوانات عاشت فى غابة، ولكن نعرف الحكم والعلاقات بين الأفراد، وحكمة الحكماء وسفاهة السفهاء، ولكن ما دام التزمنا إن إحنا نكون فى الغابة، فلازم يكون أبطالنا حيوانات، لأننا بنعامل المرموز له بالحيوان، وعلى نفس النمط مشيت فى «أولاد حارتنا» بعرض فيها لحياة المصريين فى حارة وأسلوب حياتهم والظلم بكل ما فيه، ثم يجىء الناس اللى رمزت لهم برمز الرسل وغيره ليدافعوا عن الحارة، وعلشان وصية الجبلاوى تنفذ، علشان يحسن هذا الرمز فى الحارة فى صراع بين الأشرار التى فيها، اللى بينهبوا الوقف ويظلموا العباد، حتى ينتصر الحق فى النهاية كرمز لانتصار دين من الأديان. 

ويستكمل نجيب رؤيته، يقول: الرواية بتصور إن الدين لعب دورًا فى تطوير البشرية والدفاع عن أبنائها باسم المبادئ الإلهية، وفى ذات القصة يجىء واحد اسمه عرفة معجبانى بنفسه وادعى إن هو اللى يقدر يصلح الحارة مش الجبلاوى ولا غيره، وادعى كمان إن الجبلاوى مات وراح لحاله، وإذا به يقع تحت سيطرة ناظر الوقف، وكل علمه يسخره فى خدمة الناظر وليس فى خدمة الحارة، لذلك هو بنفسه قال يجب إحياء الجبلاوى، وموت الجبلاوى وإحياؤه رمز للكفر والعودة للإيمان بإحياء الجبلاوى. 

وينهى نجيب كلامه بقوله: وأنا عايز أقول إن الرواية دى من وجهة نظرى أنا ككاتب أول تبشير لضرورة التحام العلم بالإيمان، والرواية تقول بصريح العبارة إن الدين أنقذ البشرية من المظالم، وإن العلم قادر أيضًا على أن يرتقى بها ويحسن حالتها، لكن بشرط ألا يحيد عن مبادئ الدين، وهناك دليل آخر على أن هذه الرواية لا تتضمن ارتدادًا أو كفرًا أو طعنًا فى الأنبياء والرسل، إن هذه الرواية كتبت سنة ١٩٥٩ وتم نشرها وحجبت عن النشر، إلا أن العقاب عليها يأتى بعد فوات هذه المدة الطويلة، وبعد حصولى على جائزة نوبل؛ مما يدل على أن هذا القصد من الاعتداء علىَّ ليس هو أخذى بما ورد بهذه الرواية، وإنما اتخذوها وسيلة أو مبررًا لقتلى بدون سبب. 

ويسأل المحقق نجيب: ما قولك فيما جاء بأقوال أحد المتهمين «محمد المحلاوى» و«محمد ناجى» بالتحقيقات من أن رواية «أولاد حارتنا» التى قمت بتأليفها تدور باختصار فى مضمونها حول قصة الكون والخلق، وأنك قمت بتصوير الذات الإلهية فى هذه الرواية فى شخص الجبلاوى، وأنك انتهيت فيها إلى أن إخراج الجبلاوى من التكية يؤدى إلى إصلاحها، بل هو الحل الوحيد لإصلاحها بما يعنى أن الناس يجب أن تعيش من غير إله ولا دين؟ 

ويجيب نجيب: أولًا هؤلاء الذين يدعون ذلك لا يقرأون القصص الأدبية بعين أدبية أو إنسانية تريد أن تعرف الحقيقة وصراع الخير والشر، إنما المهم العمل فى نظرهم يكون خاضعًا حرفيًا لتعليمات الدين، وحتى فى ذلك هم يغالون؛ لأن الدين نفسه عرض قصة الخير والشر وقصة عصيان إبليس على الذات الإلهية، ورواياتى كلها بتدور حول مفاهيم واضحة لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون القصد منها التعرض لأى دين من أديان السماء أو ازدرائه. 

ويضيف: والقول أننى كافر أو مرتد افتراء، بل إنه فى اعتقادى قول صادر عن أشخاص لا يعرفون أمور دينهم الصحيح، لأنهم لو يعرفون ذلك لا يحكمون على رجل مثلى من رواية واحدة، فإن لى الكثير من الروايات والمؤلفات ولم يقل أحد عنها أنها تنكر الذات الإلهية أو تتعرض بالتهوين من شأن الدين، وحتى على فرض أننى فى رواية «أولاد حارتنا» تعرضت للذات الإلهية، أو كفرت كما يقولون، فما الذى أدراهم أننى قد أكون قد عدت لصوابى، وأنى فى هذا العمر الطويل منذ كتابتى هذه الرواية لم أغير موقفى، هذا على فرض صحة ما يدعون وهو فرض جدلى. 

ويختم نجيب أقواله: ولماذا لو أن عندهم القدرة على الحوار والفهم والوصول إلى المعانى والمضامين لم يأتوا ليناقشونى فيما كتبت، حتى يكون حكمهم علىّ بالقتل بعد سماع أقوالى على الأقل بدلًا من أنهم يأخذونى غدرًا وغيلة.. وفى النهاية أحمد الله وحسبى الله ونعم الوكيل. 

المواجهة الثانية كانت من خلال أحد المحققين فى القضية. 

لم يكن المستشار والروائى أشرف العشماوى هو المحقق الرئيسى، لكنه كان موجودًا وشهد على كثير مما جرى، وكان قد كتب شهادته ونشرها فى عدد خاص من مجلة الهلال عن القضاة المبدعين، وهو العدد الذى صدر فى يونيو ٢٠٢٢. 

كانت شهادة العشماوى بعنوان «الأستاذ يعرف أكثر». 

ويبدأها بقوله: عندما خطوت أولى خطواتى بغرفته بمستشفى الشرطة، شعرت على الفور أننى أمام شخص مختلف، كان يبتسم بوهن وقد اعتدل برقدته مرحبًا بى بمودة، عرفت الأستاذ بنفسى ووظيفتى وسبب وجودى، فلمحت ضيقًا كطيف عابر على ملامحه سرعان ما طرده بلطف وهو يقول بعفوية: أنا الحقيقة معرفش اللى ضربنى لكن أنا مسامحه على كل حال ومعنديش حاجة أضيفها. 

يقول العشماوى: يوم لقائى معه كان قد مر على محاولة الاغتيال وقت كاف، ظللت أحدثه فى أمور عادية وبدا لى أنه مسرور لعدم استجوابه، كان يكفى أن ألقى سؤالًا بسيطًا أو أفتح موضوعًا عامًا ليفضفض بتلقائية، تركت له المساحة ليتكلم وحده، فنحن فى حضرة الأستاذ، وكان مجمل حديثه يدور حول قلقه على حال مجتمع ينزلق نحو هاوية التخلف والرجعية، وقد طال الحديث وتشعب، فى النهاية كان لابد من إجراء التحقيق وسماع أقواله لكن وقتها أخبرنى الطبيب بأن بقائى أكثر من ساعة معه يرهقه، فغادرت كما أتيت بأوراق بيضاء لم أدون فيها حرفًا، عدت لمكتبى وأجلت التحقيق ليوم آخر.

فى اليوم المحدد ذهب العشماوى بصحبة محقق وزميل آخر، تولى رئيس النيابة مهمة سؤال محفوظ عن متهمين لم يرهم الأستاذ ولا يعرفهم ولا حتى يريد تذكر ملابسات الحادث برمته، وتفرغ هو لمراقبته وتأمل تعبيرات وجهه، وما بين التأثر والانفعال والحزن والمرارة وعمق النظرة والقراءة لحادث رأى أنه بداية لإرهاب قادم لا نهاية قريبة له إذا ما خفتت شمس التنوير. 

قبل أن ينصرف المحققون ظن نجيب محفوظ أن العشماوى هو رئيس المحققين مع أنه كان أصغرهم، ويبدو أن الأمر قد اختلط عليه، فسأله باهتمام: هم ليه ضربونى يا حضرة الوكيل؟ 

يقول العشماوى: كنت على يقين من أنه يعرف إجابة سؤاله، وأن الأدباء والأصدقاء الذين التفوا حوله منذ اليوم الأول قد أخبروه بكل التفاصيل، حتى رئيس النيابة قالها له فى التحقيقات، ووقتها رفض الأستاذ بشدة أن تقرأ روايته من منظور دينى، لكننى لمحت بريقًا غريبًا فى عينيه كمن يريد أن يسمع أمرًا مختلفًا أو لا يريد أن يصدق ما قيل له.

أجاب العشماوى بما اعتقد أنه سيريح نجيب، وقال إن من حاول قتله فعل ذلك لإصلاح المجتمع.

فسأله نجيب بنفس الاهتمام: وما وجهة نظره فى ذلك؟

فرد بتحفظ: لأنهم يرون أن المجتمع لن ينصلح حاله إلا بقتل الكفار.

اعتذر العشماوى عما قاله، وأكد لنجيب أن هذه العبارة وردت بأقوال المتهم الذى كان يستجوبه. 

ابتسم نجيب بمودة طالبًا ألا يعتذر العشماوى، ثم فاجأه سائلًا: أنا أعلم أنهم لم يقرأوا الرواية، لكن أريد معرفة ما إذا كانوا قد قرأوا غيرها.

يقول العشماوى: أسقط فى يدى فأنا أخفيت عنه أنهم لا يعرفون القراءة حتى لا أزيده ألما لرقة مشاعره، فأجبته بأننى غير متذكر. 

لم ييأس نجيب محفوظ واستأذن من العشماوى أن يسمح له بإهداء المتهمين بعض كتبه، وطلب من زوجته إحضار ثلاث روايات من منزله الملاصق للمستشفى، إحداها كانت «بداية ونهاية» والثانية «اللص والكلاب» و الثالثة «الحرافيش»، يومها أملى الأستاذ الإهداء ولم يستطع الامساك بالقلم ليوقع، فكتب ووقع بدلًا منه الناقد رجاء النقاش الذى تصادف وجوده وقتها. 

فى نهاية اللقاء صافح نجيب العشماوى بحرارة وقال له بجدية: لا بد وأن أحدهم يقرأ. 

يختم العشماوى شهادته بقوله: عدت لمكتبى وقرأت الإهداء، شعرت بعظمة الرجل وازداد انبهارى به ووجدت أن من واجبى تحريز الروايات المهداة على ذمة القضية لتكون تحت بصر القاضى الذى سينظر القضية بالمحكمة لتشكل وجدانه وتريح ضميره، ويرى بوضوح الفرق بين العالم والجاهل، بين الأديب المبدع المتسامح والهمجى صاحب الأفكار الرجعية المتخلفة، بين من يريد إعادتنا قرونًا للوراء ومن يريد إصلاحًا حقيقيًا، يومها أملى أستاذنا الكبير على رجاء النقاش جملة الإهداء حسبما دونت بأوراقى الخاصة: «إلى من يخالفنى الرأى أهدى سطورًا كتبتها لمصلحة مجتمع لن ينصلح حاله إلا بالثقافة». 

المواجهة الثالثة كانت من خلال الكاتب محمد سلماوى. 

فى حديثه معه وهو لا يزال فى المستشفى قال له نجيب: كم كنت أود أن أتحدث إلى ذلك الشاب الذى لم أر وجهه ولا أعرف اسمه.

سأله سلماوى: لو أنك تحدثت إليه، ماذا كنت ستقول؟

قال نجيب: إننى أريد أن أعرف دوافعه، أن أفهم عقليته، أن أدرس شخصيته.. لقد كان شابًا فى مقتبل العمر. 

سكت نجيب قليلًا، ثم عاد يقول وكأنه يحدث نفسه: ماذا فعلوا بشباب البلد؟

يقول سلماوى: ظلت الأسئلة الأخيرة التى طرحها الأستاذ تسيطر علىّ وتدفعنى دفعًا إلى أن أسعى للقاء ذلك الشاب، وحين قابلت الشاب محمد ناجى محمد مصطفى كان يعالج من الإصابات التى لحقت به وقت القبض عليه هو وزملاؤه فى منطقة عين شمس، وجدته شابًا قمحى اللون، عوده رفيع، فى العشرينات من عمره، وعلمت أنه من ملوى بالمنيا، وأنه حاصل على دبلوم صنايع ويعمل فنى إصلاح أجهزة إلكترونية.

وفى غرفة ضيقة دار بينهما هذا الحوار: 

سلماوى: كيف بدأت هذا الطريق؟ 

ناجى: لقد التجأت إلى الله منذ أربع سنوات عن طريق أحد أصدقائى، وأخذت أتردد معه على بعض المساجد فى عين شمس حيث نقيم، وقرأت كتبًا كثيرة خاصة بالجماعة الإسلامية إلى أن قبلونى.

سلماوى: ماذا قرأت؟

ناجى: قرأت كتبًا للشيخ عمر عبدالرحمن وعبد الآخر حماد وناجح إبراهيم وعبود الزمر. 

سلماوى: هل قرأت لنجيب محفوظ؟

ناجى: أستغفر الله. 

سلماوى: لو أنك قرأت له لما حاولت قتله. 

ناجى: ليس بى حاجة لقراءته. 

سلماوى: ألم تحاول اغتياله بسبب كتاباته؟

ناجى: قمت بمحاولة الاغتيال لأنى كنت أنفذ أوامر أمير الجماعة، والتى صدرت بناء على فتاوى الشيخ عمر عبدالرحمن وبقية من هم فى السجون الآن، ولو أننى قرأت هذه الأعمال أو لم أقرأها لم يكن ذلك سيؤثر فى الموضوع.

سلماوى: هل تعلم أن نجيب محفوظ سامحك على جريمتك؟ 

ناجى: هذا لا يعنينى ولا يغير من الأمر شيئًا، لقد هاجم نجيب محفوظ الإسلام فى كتبه، لذا أهدر دمه، وقد شرفتنى الجماعة بأن عهدت إلىّ بتنفيذ الحكم فيه، فأطعت الأوامر. 

سلماوى: دون تفكير؟

ناجى: هناك مَن هم مكلفون بالتفكير، أما أنا فكنت مكلفًا بالتنفيذ. 

سلماوى: لكن إرادة الله كانت غير إرادتكم، ألم تحاول إعمال عقلك أو تسأل نفسك لماذا أفشل الله سبحانه وتعالى مخططكم؟

ناجى: لله فى ذلك حكمة لا أنا ولا أنت نعرفها، لقد كان الهدف هو ذبح نجيب محفوظ داخل منزله بالسكين، أما المسدس فكان لتهديد أفراد أسرته حتى لا يطلبوا النجدة، لكن الله لم ييسر الأمر، لذلك قررنا ذبحه فى اليوم التالى، وقد قمت بتنفيذ العملية وحدى وهربت إلى زملائى فى عين شمس وأخبرتهم بأننى غرست السكين فى رقبة نجيب محفوظ فأخذونى بالأحضان وأخذوا يقولون لى: مبروك.

سلماوى: قال لى محفوظ إنه كان يتمنى لك أن تكون عالمًا أو بطلًا رياضيًا، لا أن ترتكب جريمة قتل، فلو قابلته ماذا كنت تود أن تقول له؟

رد ناجى: ليس بينى وبينه كلام، ولو أننى قابلته ثانية لنفذت فيه مرة ثانية الأمر الذى صدر إلىّ. 

لم يكن ما قاله سلماوى ووثقه عن هذه المواجهة كافيًا بالنسبة لى، لذلك انتهزت فرصة أنه كان ضيفى فى برنامج «الشاهد» الذى خصصت موسمه الثانى- أذيع فى أغسطس ٢٠٢٣- لنقاش مطول مع سياسيين ومفكرين ومثقفين كبار عن الجماعات التكفيرية، وسألته عن كواليس ما جرى، ودار بيينا الحوار: 

الباز: تحدث معك الأستاذ نجيب عن الشباب الذين حاولوا قتله. 

سلماوى: طبعًا.. بعد أن حكى لى ما جرى، صمت قليلًا، ثم سألنى: ماذا فعلوا فى شبابنا؟ فالشاب الذى طعننى فى العشرينات، وبعد أن غرز السكين فى رقبتى رأيته ينط ويجرى بقوة، كان يمكن أن يكون بطلًا رياضيًا أو دكتورًا أو مهندسًا، كيف قاموا بغسيل دماغه بهذه الطريقة، إننى أتعجب أن يختار شاب أن يكون قاتلًا وهو لا يزال فى مقتبل حياته، فقلت له: يا أستاذ أنت تتحدث عنه وأراك مشفقًا على الحال الذى وصل إليه وكأنه ضحية. 

الباز: كان يرى أن من حاول قتله بكل هذه القسوة ليس أكثر من ضحية؟ 

سلماوى: كان متعاطفًا معه، رأى أنه مجرد ضحية لآخرين لعبوا برأسه، وقلت له: هل أفهم من ذلك أنك سامحته يا أستاذ نجيب؟ فقال لى: سامحته من اللحظة الأولى، فعدت أسأله: يعنى ترى ألا تتم محاكمته؟ فقال بسرعة: لا.. لا بد أن تأخذ العدالة مجراها، لكنى سامحته لأنى أعرف أنه تم التغرير به. 

الباز: أعرف أنك قمت بمقابلة الشاب محمد ناجى.. هل لنا أن نعرف كواليس ما جرى؟ 

سلماوى: لقد سعيت بالفعل لمقابلة من ارتكبوا هذه الجريمة، كان هذا قرارى، وقد تصورت أننى يمكن أن أنقل للشاب الذى حاول اغتياله رسالة من الأستاذ، يمكن أن تهزه أو تعيده إلى رشده مرة ثانية، أردت أن أقول له إن من حاولت أن تقتله يسامحك، كنت حريصًا أنا أرى رد فعله، وقتها كان فى المستشفى يتلقى العلاج، لأنه أثناء القبض عليه قاوم قوات الأمن وأصيب إصابات سطحية. 

الباز: ما هو الانطباع الأول الذى رسمته لمحمد ناجى عندما رأيته؟ 

سلماوى: رأيت أمامى شابًا شكله مثل أى شاب مصرى عادى، لونه قمحى وتقاطيعه مصرية صميمة، ليس فظًا، بل على العكس رأيته هادئًا وساكتًا، لكن شعرت بأنه مغيب عما حوله تمامًا. 

الباز: وكيف بدأ الحوار بينكما؟ 

سلماوى: قلت له أنت لا تقرأ أليس كذلك؟ قال: لا أنا أقرأ، فقبل أن أدخل الجماعة قرأت ٢٠ كتابًا، فسألته عن هذه الكتب؟ فقال: قرأت لسيد قطب وحسن البنا وعمر عبدالرحمن، قلت له: وهل قرأت لنجيب محفوظ؟ فرد علىّ وكأن حية لدغته: أستغفر الله العظيم؟.. كيف أقرأ لمن يهاجم الإسلام؟ فقلت له: ألم يكن هناك احتمال أن يكون ما تقوله خطأ، كان يجب أن تقرأ بنفسك، وأن تفكر فيما قرأت، فقال: عندنا ناس تفكر وتقول لنا ما يجب أن نفعله ونحن ننفذ فقط، ومن يفكرون قالوا لنا إن نجيب محفوظ كافر ويهاجم الإسلام، فقلت له: هل تعرف أن نجيب محفوظ يسمع القرآن باستمرار، لكنه لم يرد ولم يعلق على ما قلته، فقد كان واضحًا أنه خضع لعملية غسيل مخ شديدة. 

الباز: نحن أمام شاب قرر أن يقتل لأن هناك من قال له: اقتل. 

سلماوى: قلت لا بد أن ألقى على رأسه قنبلة وأراقب رد فعله، قلت له: هل تعرف أن الأستاذ نجيب سامحك على ما فعلته به، فوجدت أمامى شخصًا لا يبالى بما أقول، فقلت له: إنه مشغول بك وبما وصلت إليه حتى أصبحت قاتلًا، فرد علىّ بأنه ليس قاتلًا، ولكنه كان ينفذ أوامر أمير جماعته والتى هى أوامر الله، فقلت له: هل تريد أن تبعث برسالة إلى الأستاذ؟ فقال لى بعنف: لا أريد أن أتحدث معه، أنا أريد أن أقتله، ولو أتيحت لى الفرصة مرة ثانية فسوف أفعل ذلك. 

الباز: يعنى أنت تقول له إن الأستاذ نجيب يسامحك.. وهو يقول سوف أقتله مرة أخرى. 

سلماوى: كان هذا الشاب ينفذ أوامر صدرت إليه، وهى بالنسبة له أوامر إلهية، فقلت له: ربنا الذى تدعون أنكم تفعلون ذلك باسمه ليس راضيًا عما تفعلون، بدليل أنه كتب السلامة للأستاذ نجيب، كانت هذه إرادتكم، أما الله فكانت له إرادة أخرى، وقد أفشل إرادتكم لحكمة يعلمها وحده، لكننى شعرت بأن المسألة مغلقة، وأدركت وقتها أن ما يقوله البعض- من أننا لا بد أن نتحاور مع هؤلاء الإرهابيين يمكن أن يكون مجديًا- كلام نظرى بحت لا ظل له فى الواقع، فلو لم يكن الشخص عنده استعداد للتفكير، فمهما تحدثت معه أو أجريت معه حوارًا أو طلبت منه مراجعة، فلن يسفر ذلك عن شىء له قيمة. 

الباز: هل نقلت ما نقله محمد ناجى إلى الأستاذ نجيب محفوظ؟ 

سلماوى: لم أنقله إليه إلا بعد أن خرج من المستشفى، فأنا لم أخبره بأننى ذاهب إلى مقابلته، فقد قابلته لأننى كنت أريد أن أفهم عقلية هذا الشاب، وكيف له أن يقدم على هذه الجريمة فى حق أكبر اسم فى مصر أدبيًا وثقافيًا، وتتباهى به مصر أمام العالم، ولما نقلت للأستاذ ما قاله ناجى، بدا حزينًا.. ولم يعلق. 

الباز: عندما عرفت أنه تم إعدام محمد ناجى بما شعرت؟ 

سلماوى: لم أشعر بشىء، فعندما قابلته لم أشعر بأن هناك أى تواصل إنسانى بينى وبينه، فقد خرجت من اللقاء معه غاضبًا، فتخيل أنك تقول له: الأستاذ يسامحك، فيرد عليك بأنه لو خرج من السجن فسوف يحاول أن يقتله مرة أخرى. 

 

المحرّض.. محمد الغزالى يُهدر فرصة اعتذار عن التحريض على رقبة أديب نوبل

كان طبيعيًا أن يتوافد أصدقاء ومريدو نجيب محفوظ على مستشفى الشرطة لزيارة الأستاذ والاطمئنان عليه بعد نجاته من حادث الاغتيال. 

وكان طبيعيًا أن تتواجد الحكومة بقياداتها ورموزها إلى جانب الأستاذ. 

وكان طبيعيًا أن يسعى المواطنون البسطاء إليه ليستطلعوا آخر أخبار الرجل الذى أسعدهم ورفع رأسهم عاليًا فى العالم كله. 

دخل عليه محمد سلماوى، وبعد أن استمع منه إلى تفاصيل ما جرى سأله عن مشاعره تجاه ما حدث. 

قال نجيب: إن شعورى مزدوج، فمن ناحية أشعر بالأسف لتكرار جرائم الرأى، فهناك الشيخ الذهبى والأستاذ مكرم محمد أحمد، والسيد فرج فودة، وأقول إن هذا ليس الطريق للتعامل مع الرأى، إنه لشىء مؤسف جدًا ومسىء جدًا لسمعة الإنسان فى العالم أن يؤخذ أصحاب الرأى، وأصحاب القلم هكذا ظلمًا وبهتانًا. ومن ناحية أخرى، فإننى أشعر بالأسف أيضًا من أن شبابًا من شبابنا يكرس حياته للمطاردات والقتل فيطارد ويقتل، وذلك بدلًا من أن يكون فى خدمة الدين والعلم والوطن. 

وأضاف نجيب: إن الشاب الذى رأيته يجرى كان شابًا يافعًا فى ريعان العمر، كان من الممكن أن يكون بطلًا رياضيًا، أو عالمًا، أو واعظًا دينيًا، فلماذا اختار هذا السبيل؟.. لست أفهم. 

سأله سلماوى: ما شعورك تجاه ذلك الشاب؟ 

فقال نجيب: إنه ضحية، شعورى نحوه هو شعور الأب تجاه الابن الذى ضل الطريق، إنه شعور أكثر إيلامًا مما يمكن أن تشعر به تجاه أى مجرم عادى. 

قال سلماوى: ألا يحدث أن يغضب الأب على ابنه، ولا يستطيع أن يسامحه أو يغفر له خطاياه؟ 

رد نجيب: أنا سامحته.. سامحته عما يخصنى، أما ما يخص المجتمع فالعدالة يجب أن تأخذ مجراها. 

علق سلماوى: هناك حساب الرب لمن قتل نفسًا بغير حق. 

وقال نجيب: الحمد لله.. والشكر لله. 

فى اليوم نفسه، دخل الكاتب الكبير ثروت أباظة إلى غرفة العناية المركزة بمستشفى الشرطة بعد انتهاء العملية التى حاول الأطباء بها إنقاذ حياته، قابله نجيب بابتسامته الهادئة الوديعة، وقال له: أنت بتسأل عليا يا ثروت.. وأنا المفروض أسأل عليك. 

ثم تنهد وقال: شوف بيعملوا فينا إيه فى آخر العمر. 

لم يستطع ثروت أباظة الحديث وأجهش بالبكاء، فقال له نجيب محفوظ مداعبًا: أنت بتطمن علىّ.. والا أنا اللى حطمن عليك، الله هو إنت جى تعيط هنا.. هو إنت اللى انضربت والا أنا. 

بعد ١٢ يومًا من دخوله المستشفى زاره يوسف القعيد، الذى يقول: كنت عنده فى التاسعة والنصف صباحًا، فى أول يوم يخلع فيه ملابس المستشفى الخضراء، ويلبس بيجاما مقلمة من الكستور أحضروها له من منزله، وهذا أول يوم أيضًا يحلق فيه ذقنه، بعد أن رفض أن يقوم له أحد بذلك، والشعر الذى يحيط بالجرح كما هو لم يقترب منه موس الحلاقة، وكان بالقرب من السرير منضدة عليها صحف الصباح. 

يبدو ساهمًا يفكر، وتعبير غرفة العناية المركزة أقرب إلى المجاز منه إلى الحقيقة، فهو عنبر كبير فيه أكثر من مريض، والعناية المركزة لا تزيد على توافر ما يطلبه القلب والضغط، أى مواجهة كل ما هو طارئ من الأمور. 

همسوا له باسمى، فقال لهم: إننى أعتبره من أهل بيتى، وأرحب به فى أى وقت يشاء. 

ضحك وهو يسلم علىّ: منذ أن انقطع لقاء الثلاثاء الأسبوعى وأنا لا أعرف من أخبار الدنيا الكثير. 

أشرت إلى الصحف الكثيرة إلى جواره. 

قال لى: أستمع إلى العناوين فقط كل صباح، ولكن من يقول إن هذه العناوين تكفى، إنها تستثير رغبة الإنسان فى أن يعرف المزيد أكثر من أن تروى عطشه للمعرفة. 

قلت له: إنها جرائد فقط، ولكن أين المجلات؟ 

قال: منذ دخولى المستشفى وأول طلب لى من زوجتى كان شراء الصحف والمجلات وتجميعها فى البيت، فى انتظار عودتى لكى أعيش معها الجانب الآخر من الحادث. 

سأل نجيب القعيد: أين جمال الغيطانى؟ 

فرد يوسف: خيانة بسيطة. 

فضحك نجيب- الذى تعوّد أن يرى القعيد والغيطانى معًا دائمًا- ضحكته الصافية، وإن كان المرض قد منع الضحكة من الانطلاق كما تعود عليها أصدقاؤه. 

يقول القعيد: سألنى عن عماد، وباقى شلة يوم الثلاثاء، حيث كنا نلتقى أسبوعيًا، ثم توقف وسألنى: إن كنا قد ذهبنا إلى توفيق صالح من أجل تقديم العزاء لزوجته فى وفاة شقيقتها؟، قلت له إننا لم نعلم سوى يوم الحادث نفسه، وما جرى سرقنا جميعًا حتى من الواجبات التى لا بد من القيام بها، قال إن زكى سالم زارنى وفتحى هاشم حضر إلىّ، وهذا أسعدنى دون حدود. 

كانت الدولة كلها موجودة فى جناح نجيب محفوظ بمستشفى الشرطة. 

زاره رئيس الوزراء الدكتور عاطف صدقى، ورحب به نجيب: كتر خيرك دى خطوة عزيزة، فداعبه الدكتور صدقى: اللى عملوا كده يا أستاذ نجيب خفافيش ولا حرافيش. 

فرد نجيب: لا دول أكيد خفافيش، لأن الحرافيش أصحابى. 

وزاره وزير الداخلية اللواء حسن الألفى. 

قال له نجيب: أنتم تخوضون معركة للدفاع عن الإسلام، وإننى أدعو الله أن يطهّر البلاد من الإرهاب. 

فرد عليه الوزير: سوف ينال كل إنسان جزاءه الذى يستحقه. 

وعندما اقترب منه الدكتور محمد الرزاز وزير المالية ليصافحه، ابتسم له الأستاذ نجيب، وقال له: مسددين الضرايب اللى علينا والله يا دكتور رزاز. 

حتى الآن لا يمكن أن نلحظ شيئًا غريبًا، فكل من ذهبوا إلى نجيب محفوظ لا يمكننا أن نستغرب زيارتهم له، لكن الغريب كان فى زيارة الشيخ محمد الغزالى لنجيب بعد الاعتداء عليه، خاصة أن الشيخ الغزالى كان طوال الوقت متهمًا بأنه من بدأ التحريض على نجيب محفوظ، عندما أعد تقريرًا عن روايته «أولاد حارتنا» فى العام ١٩٥٩، وهو التقرير الذى أخذت الدولة، ممثلة فى جمال عبدالناصر، قرارًا بمنع الرواية فى مصر على أساسه. 

كان أول من كشف ما فعله محمد الغزالى هو الكاتب الموسوعى سليمان فياض. 

بعد تخرجه فى جامعة الأزهر تم تعيين فياض سكرتيرًا فى مكتب وزير الأوقاف بتوصية من صديقه وبلدياته الشيخ محمد الغزالى. 

بحكم عمله كان فياض يحضر اجتماعات لجنة دشنها الغزالى أطلق عليها اسم «الدفاع عن الإسلام»، وفى واحدة من جلسات هذه اللجنة استمع فياض إلى الشيخ الغزالى وهو يهاجم رواية «أولاد حارتنا» بقوة، ويصفها بأنها عبث بتاريخ الديانات وإلحاد. 

كتب الغزالى تقريرًا كاملًا عن رأيه فى الرواية ورفعه إلى الجهات العليا، وتوالت الأحداث بعد ذلك عاصفة على رأس نجيب محفوظ ورأس روايته. 

بعد الاعتداء على نجيب محفوظ، كتب رجاء النقاش مقالًا غاضبًا وحزينًا، كان عنوانه: «تكلم يا شيخنا الغزالى.. تكلم يا شيخ كشك». 

بدأ رجاء مقاله بقوله: من الصعب أن نسيطر على مشاعرنا ونحن نتحدث عن محاولة اغتيال نجيب محفوظ، وأصعب من ذلك أن يستطيع شخص مثلى عرف نجيب محفوظ عن قرب واتصل به اتصالًا دائمًا منذ العام ١٩٥١، أن يسيطر على مشاعره وهو يرى مع الملايين ذلك الرجل العظيم على شاشة التليفزيون راقدًا على سريره يتكلم ويتألم. 

ويضيف رجاء: تألمت وأنا أرى هذا المشهد وبكيت، ورغم ذلك فقد قمت بتسجيل هذا المشهد على شريط فيديو، لعلى أستطيع أن أعود إليه مرة أخرى، وأنا أحاول أن أفهم فى هدوء حقيقة هذا الحادث الغريب. 

ويتحدث رجاء بعيدًا عن الفن. 

يقول: إن الذين عرفوا نجيب محفوظ عن قُرب، يدركون بوضوح أنه مثال للرجل الطيب المتسامح الذى لم يفكر يومًا فى إيذاء أحد، ولم يخطر الشر يومًا واحدًا على باله، وهو رجل مجامل شديد الحرص على مشاعر الآخرين، لا يعرف الغضب ولا التوتر، وينظر باحترام إلى أبسط الناس وأقلهم شأنًا، وهو رجل شعبى إلى أبعد الحدود، يحب المقاهى ويمشى فى الشوارع، ويشعر بالأمان المطلق فى وطنه وبين أهله، فكيف يثير مثل هذا الإنسان حقدًا مريرًا فى قلب شخص من الأشخاص، حتى يقوم هذا الشخص بطعنه فى رقبته، قاصدًا بذلك أن يقتله ويقضى على حياته؟

بعد أن فرغ النقاش من مشاعره وألمه، بدأ يناقش ما جرى، وهنا بدأت تتجه السهام إلى الشيخ محمد الغزالى. 

قطع النقاش بأن الشاب الذى حاول قتل نجيب محفوظ لم يقرأ رواية «أولاد حارتنا»، وبالتالى فإنه لم يدرسها ولم يفهمها، ولكن الذى حدث أن هذا الشاب قرأ تفسيرًا للرواية على لسان علماء لهم مكانتهم، ومن هؤلاء العلماء الشيخ محمد الغزالى الذى وقف عند «أولاد حارتنا» فقدم لها هذا التفسير الخاطئ، وهو أنها ضد الدين، وأنها رواية تدل على كفر وإلحاد كاتبها. 

ويؤكد رجاء: يدهشنى أن يصدر ذلك عن ذهن عظيم مستنير واسع الأفق مثل ذهن الشيخ محمد الغزالى، ما نتج عنه أن هؤلاء الشباب المتطرفين أخذوا عنه الفكرة وعدّوها أمرًا مسلّمًا به، وحكموا على نجيب بالإعدام وحاولوا اغتياله. 

وفى أدب ربما لا يتناسب مع الموقف، يقول رجاء: أنا لا أحمّل الغزالى مسئولية هذه الجريمة، ولكننى أحاول أن أنبه إلى خطورة ما يقوله علماء الدين الأجلاء الذين ندعوهم إلى أن يتقوا الله فينا، وأن يحذروا من خطورة ما يقولونه وينشرونه بين الناس. 

وينتقل النقاش من الغزالى إلى الشيخ كشك. 

يقول: ومن بين الذين حملوا حملة شعواء على «أولاد حارتنا»، فخطب ضدها فى المساجد وأصدر عنها كتابًا مطبوعًا يكفرها ويكفر معها كاتبها نجيب محفوظ، كان الشيخ كشك، ثم هناك فتوى الشيخ عمر عبدالرحمن الخطيرة بتكفير نجيب محفوظ وإباحة دمه بسبب هذا التفسير الخاطئ لرواية «أولاد حارتنا».

وفى أسف شديد، يقول رجاء: هل هذا كلام يا أهل الدين والعلم، ويا مَن تخافون الله وتحسبون ألف حساب ليوم الحساب؟.. إن آراء علماء الدين فى الأدب على هذه الصورة باب مفتوح إلى الفتنة وإسالة الدماء، وهى تهدد بالقضاء على كل من حمل قلمًا، واجتهد فى التفكير والبحث حتى لو أخطأ، ولا أظن أن علماءنا قد حسبوا حسابًا لهذه النتيجة المأساوية. 

ويمسك رجاء بلحظة مهمة جدًا، وهى زيارة الشيخ محمد الغزالى لنجيب محفوظ فى ١٦ أكتوبر ١٩٩٤، أى بعد محاولة قتله بيومين فقط. 

المفارقة التى يرصدها النقاش، أن الشيخ الغزالى زار نجيب محفوظ واستنكر اغتياله، وعده عملًا خارجًا على الإسلام، فى حين أن تفسير العلماء لرواية «أولاد حارتنا» هو الذى شاع بين المتطرفين من الشباب، فأخذوا به وحكموا على نجيب محفوظ من خلاله، دون أن يقرأوا له شيئًا، بل دون أن يكون لديهم أى استعداد لقراءة الأدب وفهمه بأدواته الصحيحة. 

ويختم النقاش مقاله بقوله: لقد وقعت جريمة تهدد كل صاحب قلم وصاحب فكر، فماذا نحن فاعلون الآن؟ تكلم يا شيخنا محمد الغزالى، وتكلم يا شيخ عبدالحميد كشك، قول لنا: ماذا نفعل؟ وكيف نتصرف فى هذه المصيبة وهذا البلاء؟ 

تعجبت من منطق رجاء النقاش، واندهشت من فرط أدبه وهو يتحدث مع محمد الغزالى، فالمشكلة ليست فى التقرير الذى قدمه عن الرواية فى العام ١٩٥٩، ولكن كان فيما فعله فى يونيو من العام ١٩٩١. 

كان الشيخ محمد الغزالى ضيفًا على صالون «إحسان عبدالقدوس» الذى تنظمه مؤسسة روزاليوسف، وخلال النقاش طرح عليه مصطفى عبدالله المحرر بصفحة «أخبار الأدب» بجريدة الأخبار سؤالًا حول موقفه من رواية «أولاد حارتنا»؟ 

قال الغزالى: إن الأستاذ نجيب محفوظ كاتب ثرى، ولديه أعمال أخرى كثيرة رفيعة القيمة غير «أولاد حارتنا» التى غلّب فيها الحضارة المادية على الدين، ورسّخ فيها أن الحضارة المادية محت الدين، وكنت أحد الذين طالبوا بمصادرة الرواية. 

فى ندوته الأسبوعية، قابل مصطفى عبدالله نجيب محفوظ، وعرض عليه ما قاله الغزالى، فرد نجيب: هذه التهمة ستظل معلقة حتى يناقشنى فيها صاحبها ويصدر فيها حكم. 

قال له مصطفى: إذن عندك استعداد يا أستاذ نجيب لمناقشة معارضيك فى «أولاد حارتنا»؟

فقال نجيب: آه طبعًا.. كان الأستاذ صبرى الخولى الذى يشغل مدير عام النشر أيام عبدالناصر أبلغنى بأن الأزهر منع «أولاد حارتنا» بعد أن نشرت منها حلقات ولم تكتمل بعد، ولم تظهر فى كتاب، وقال لى إنه لا مانع عنده من أن تُطبع خارج مصر، ثم قال لى: هل عندك استعداد أن يناقشوك فى الرواية فى مكتبى؟، فأبديت استعدادى، لكن مرت ٣٠ سنة ولم يحضر أحد. 

فى ندوة نجيب محفوظ، كان مصطفى عبدالله قد حمل معه الترجمة الروسية لرواية «أولاد حارتنا» التى أرسلتها المستعربة الروسية «فاليريا كربتشينكو» إلى جريدة الأخبار لتسليمها إلى نجيب، وعندما أمسك بها الأستاذ وجد أحد الحاضرين يعلق بقوله: عقبال ما تصدر الترجمة العربية لها يا أستاذ نجيب. 

كان محمد الغزالى قد أحيا الحديث عن «أولاد حارتنا»، ما يعنى أنه أعادها إلى الأضواء مرة أخرى، ومعها ما قاله عن إلحاد صاحبها وعدائه للدين. 

ما رأيكم أن نذهب الآن معًا إلى لقاء محمد الغزالى ونجيب محفوظ؟ 

أمامى تغطية مجلة «المصور» للقاء الذى اعتبره الكثيرون لقاءً تاريخيًا، وكانت عناوينه دالة: لقاء نجيب محفوظ والشيخ الغزالى.. مصافحة أم مصالحة؟.. نجيب محفوظ: لن أنشر «أولاد حارتنا» بدون موافقة الأزهر.. الشيخ الغزالى: أدنت محاولة الاغتيال والشيخ كشك جاهل وعمر عبدالرحمن مريض 

كان يوسف القعيد قد أنهى زيارته إلى نجيب محفوظ، وقبل أن يودعه قال له: على فكرة الشيخ الغزالى سيزورنى هنا. 

سأله القعيد: مَن أبلغك بذلك؟ 

فرد نجيب: محمد عبدالقدوس، ابن المرحوم إحسان، لقد زارنى هنا فى المستشفى أكثر من مرة. 

خرج القعيد من المستشفى، وهو يسأل نفسه: الشيخ الغزالى يزور نجيب محفوظ فى المستشفى؟ كيف.. ولماذا؟

يوم اللقاء، وفى الساعة السادسة تمامًا وفى الغرفة ٩٣٠، دخل يوسف القعيد ليجد عند نجيب جمال الغيطانى والقاص يحيى مختار، وبعد قليل وصلت زوجته السيدة عطية الله ومعها ابنتاها. 

فى الساعة السابعة إلا عشر دقائق كان باب الغرفة يفتح ليدخل منه الشيخ محمد الغزالى ومعه أحمد بهجت ومحمد عبدالقدوس، ونجل الشيخ الغزالى المهندس ضياء.

وبدأ الحوار فى غرفة نجيب محفوظ بعد كلمات المجاملة والترحيب المعتادة على النحو التالى: 

محفوظ: أنا أعرفك منذ نصف قرن من الزمان.. دون أن نلتقى، وذلك من خلال الشيخ سيد زهران. 

الغزالى: هو الذى قام بتعيينى بعد التخرج.

محفوظ: كنت أعمل فى مكتبه، لقد عملت فى وزارة الأوقاف منذ سنة ١٩٣٨ حتى ١٩٤٢، وعملت أيضًا مع الشيخ مصطفى عبدالرازق.

الغزالى: كامل كيلانى- يرحمه الله- كان يعمل أيضًا فى وزارة الأوقاف وهو من الأدباء النابهين، وأذكر أن الشيخ على عبدالرازق كان يصلى معى فى أحد المساجد بعد ثورة يوليو، وقد قال لى مرة إننى أطيل فى خطبة الجمعة، فقلت له معك حق وقصرت الخطبة بعد ذلك.

الغيطانى: كان يعانى من مرض فى البواسير يجعله لا يقدر على الجلوس طويلًا.

الغزالى: كان للشيخ على عبدالرازق كتاب «الإسلام وأصول الحكم» فيه تجاوز من وجهة نظرى، وقد كتبت عنه عندما كنت أكتب عن كتاب لخالد محمد خالد، وقد رفض أن يطبعه فى حياته، ولم يطبع الكتاب إلا بعد رحيله عن عالمنا، وكان لخالد محمد خالد موقف من الإسلام كتب «من هنا نبدأ»، وكتبت أنا «من هنا نعلم»، وكانت لديه الشجاعة أن يعترف بأنه تجاوز وأن يعود إلى الصواب، وإن كانت صداقتى معه لم تتأثر أبدًا طوال فترة الخلاف الفكرى، وقد كتب بعد ذلك «الإسلام دين ودولة» يعدل فيه عن آرائه السابقة.

محمد عبدالقدوس: كان لك موقف رافض لنشر رواية أولاد حارتنا يا مولانا؟ 

الغزالى: هذا موقف قديم جدًا.. يعود إلى ٣٥ سنة مضت. 

محفوظ: كان هناك موقف من قسم النشر فى الأزهر الشريف من الرواية، وكان من المفروض أن تتم مناقشة الأمر، ولكن هذه المناقشة لم تتم، ومن يومها وأنا أقول إن نشر هذه الرواية لا بد أن يكون بموافقة مسبقة من الأزهر.

عطية الله إبراهيم: قرار نشر الرواية صاحب الحق فيه نجيب محفوظ، وهى الآن منشورة بالفعل والناس تقرأها. 

الغزالى: السموم أيضًا تُنشر خلسة والناس تقبل عليها.

القعيد: إذن ما رأيك فى الذين أهدروا دم نجيب محفوظ بسبب رواية أولاد حارتنا؟

الغزالى: مَن هؤلاء؟

القعيد: الشيخ عبدالحميد كشك له كتاب هو «كلمتنا فى الرد على أولاد حارتنا»، والرسم الذى على غلافه يكاد يكون بروفة أولى لعملية الاغتيال.

الغزالى: الذى يفتى فى الناس لا بد أن يكون من العلماء الذين يعلمون أصول الدين، والشيخ كشك رجل جاهل، وقد كتبت عنه ووقف ضدى.

القعيد: وعمر عبدالرحمن؟

الغزالى: هل أفتى بشىء؟ 

القعيد: أحل دم نجيب محفوظ باعتباره مرتدًا عن الإسلام، وعندما ظهر سلمان رشدى عاد وقال: إننا لو ردعنا نجيب محفوظ فى حينه لما ظهر لنا سلمان رشدى. 

الغزالى: عمر عبدالرحمن إنسان مريض.

الغيطانى: وما موقفك من محاولة اغتيال نجيب محفوظ؟

الغزالى: لقد أدنت محاولة الاغتيال فى اليوم التالى لوقوعها، أنا ضدها على طول الخط. والمحاولة لا يُقرها شرع ولا دين، والإسلام دين السماحة والعقل والتفكير.

القعيد: هل ما زلت عند موقفك القديم نفسه من أولاد حارتنا؟

الغزالى: نعم أنا ضدها، أنا أرى أنها رواية تؤرخ للبشرية والأنبياء الذين أرسلوا إلى جميع البشر، ولكن هذا الموقف من الرواية لم يمنعنى من زيارة صاحبها، وها آنذا أفعل.

كان الشيخ الغزالى يتحدث ببرود شديد، وأدرك نجيب محفوظ أنه لا فى فائدة من الحوار معه، ولذلك قرر أن ينهيه، أشار إلى جمال والقعيد وزكى سالم بأن يتوقفوا عن الحوار، وقال بأدب مبررًا ذلك بقوله: 

أولًا: أنا مريض ومتعب. 

وثانيًا: الشيخ فى زيارة لى.

وثالثًا: لا أحب أن يتحول الأمر إلى استجواب له، وأنا أعرف، وهذا هو الأهم، موقف الشيخ الغزالى من الرواية، وأحترمه، لكن المشكلة فى هؤلاء الذين يقتلون.

الغزالى: الذين يقتلون هم الخوارج.

محفوظ: الخوارج كانوا أفضل.

الغزالى: إنهم يشتركون معهم فى القتل، الخوارج قتلوا عليًا بن أبى طالب، كرم الله وجهه، وهل يُقتل على؟، والخوارج قتلوا عثمان الذى كانت تستحى منه الملائكة، لقد تزوج عثمان من امرأة كانت مسيحية يُقال لها «نائلة»، بعد مقتله طُلبت للزواج أكثر من مرة، فسألوا مَن يطلبونها للزواج عن الحكاية، فقيل: بسبب جمال ثغرها، فكسرت أسنانها حتى لا تتزوج، فظلت هكذا حتى ماتت، فهل يُقتل عثمان؟ وعمومًا الدنيا الآن قسمان أساسيان، الذين يؤمنون بالله سبحانه وتعالى، وقسم آخر ينكر وجود الله، تلك هى التقسيمة الأساسية بعد أن انهارت كل التقسيمات والغلبة والنصر لمن يقول لا إله إلا الله، حتى الذين يقولون إن الدين نوع من الغيب لا بد أن يراجعوا أنفسهم، فعندما أنام ما الذى يجعل القلب يعمل ويضخ الدماء فى الجسم كله؟ إنه الله.. والله أكبر.

محفوظ: المقصود بالمدرك من الأمور هو كل ما تدركه الحواس الخمس، وكل ما لا تدركه الحواس هو الغيب. 

توجه نجيب بعد ذلك بالحديث إلى محمد عبدالقدوس. 

محفوظ: كنت أنا ووالدك إحسان عبد القدوس- يرحمه الله رحمة واسعة- من منطقة واحدة فى العباسية ومن شارع واحد، وإن كان التعارف بيننا لم يتم إلا بعد أن أصبحنا كاتبين، إحسان من أقرب الناس إلى قلبى، وهو الوحيد الذى كان يقيم لى حفلات جميلة كلما حصلت على جائزة من الجوائز، وكان يفعل ذلك بدرجة عالية من الصفاء النفسى قلما نجدها عند آخرين.

القعيد: أثناء أزمة «أنف وثلاثة عيون» يا أستاذ نجيب كان هناك موقف من إحسان على المستويين الرسمى والدينى، كنت ضيف برنامج «شريط تسجيل» التليفزيونى الذى كان شهيرًا فى ذلك الوقت، وعندما سئلت إلى مَن تهدى الشريط كله قلت: إحسان عبدالقدوس، وكان هذا موقفًا جيدًا منك فى ذلك الوقت.

سأل الغيطانى الشيخ الغزالى: لماذا تتحامل على ابن عربى مع أنك ترحب بغيره من المتصوفة؟

الغزالى: ليس ابن عربى وحده، ولكن الحلاج أيضًا، لست ضد التصوف، ولكن ضد هذين الاثنين، ابن عربى يبدأ فى النصوص العدد من الرقم ثلاثة، فأين واحد واثنان، أما الحلاج فحدّث ولا حرج.

استمر اللقاء لخمس وأربعين دقيقة، لم يتحدث خلالها الكاتب الكبير أحمد بهجت بكلمة واحدة، ما جعل يوسف القعيد يسأله: هل لك نفس موقف الشيخ الغزالى من ابن عربى؟

فرد بهجت: نعم أؤيده. 

فسأله: وهل تؤيده أيضًا فى موقفه من رواية أولاد حارتنا؟ 

فقال بحسم: لا.. لست معه. 

لقد حاول كثيرون تجميل صورة الشيخ محمد الغزالى، وهو بالنسبة لى رجل ملتبس تمامًا، فهو من ناحية صاحب آراء فقهية تقدمية جدًا، لكنه من ناحية ثانية أسير تربيته الإخوانية، حيث كان دائمًا ضد حرية الفكر والإبداع، ولدىّ انحياز واضح ضده فيما يتعلق بما جرى لنجيب محفوظ، فقد كان الشيخ الغزالى واحدًا ممن حرّضوا على الكاتب الكبير، ولم يكن الخنجر الذى تم غرسه فى رقبة محفوظ إلا بعضًا من نتائج أفكاره وآرائه وفتاويه. 

الغريب أن الشيخ الغزالى كان يمكن له أن يتطهر، أن يغسل يديه من ذنب التحريض على نجيب محفوظ عندما جلس بين يديه فى مستشفى الشرطة، إلا أنه لم يفعل ذلك، بل ظل متمسكًا بالرأى الذى كان سببًا واضحًا ومباشرًا فى محاولة ذبح رجل ظل يتعامل معه باحترام وتقدير. 

لقد ذهب الشيخ الغزالى ليحصل على براءة من دم نجيب محفوظ الذى سال، أن يغسل يديه من ذنب التحريض عليه. 

لكن شيئًا من هذا لم يحدث.

فهو لا يزال متهمًا عندى بأنه كان واحدًا من القتلة.