المجدد الرومانسى.. كيف عرف إحسان عبدالقدوس الله؟
- قال: أعتبر أن أول أسباب نجاحى ككاتب هو القرآن الكريم لأن القرآن يعتبر الموسيقى الكلاسيك للأسلوب العربى الخالص
- أحاول اكتشاف أسرار تعاليم الديانة اليهودية والديانة المسيحية لأفهم منهم وأجادلهم
- الإيمان بالله ذخيرة كبيرة لو عرف المسلمون.. ذخيرة تستطيع أن تجمعهم للعلم وللفن وللحرب والسياسة
- إحسان هو أول صحفى مصرى يجرى حوارًا صحفيًا مع حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان الإرهابية فى العام 1943
- محمد عبد القدوس: الذى وافق منذ البداية على زواجى من نجلة الشيخ الغزالى كان والدى
- الغزالى كثيرًا ما هاجم إحسان وطعن فى كل ما تفعله مجلة روزاليوسف
- الشيخ الغزالى تأثر كثيرًا بإحسان عبدالقدوس وهو الأثر الذى دفعنى لأن أقول إن منطق الأديب تفوق على منطق الداعية
- إحسان عبدالقدوس كان معاديًا للإسلام فى فقه الغزالى
يقف الكاتب الصحفى الكبير والروائى الأسطورى إحسان عبدالقدوس على خريطتى فى مكان وحده لا يشاركه فيه أحد.
وضعته أقداره منذ ولادته فى أول يناير من العام 1919 فى ظروف ملتبسة، ظل يدفع ثمنها طوال عمره.
لا أحدثكم عن كونه ابنًا لرائدة من رائدات الصحافة المصرية، وهى السيدة فاطمة اليوسف، ما جعل كثيرين يلقبونه طويلًا بـ«ابن الست»، فرغم أنه كان يضيق بهذا اللقب، إلا أنه مع توالى نجاحاته تخلص من هذا الضيق، وتعامل مع نفسه بأريحية، فحتى لو كان هناك من يتعاملون معه على أنه مجرد «ابن الست»، فهى سيدة تستحق أن يُنسب إليها.
لكن الظروف الملتبسة التى أحدثكم عنها هى ظروف نشأته وتربيته، فقد كان والده، وهو الفنان محمد عبدالقدوس، ابنًا لواحد من علماء الأزهر هو الشيخ أحمد رضوان، ولما انفصل عن والدته، وجد إحسان نفسه ممزقًا بين عالمين، تركا فى نفسه أبلغ الأثر.
نشأت فى بيت جدى لأبى الشيخ أحمد رضوان وقد كان من خريجى الأزهر ومن رجال القضاء الشرعى
نشأ إحسان فى بيئة تجمع كل التضاربات والألوان المتنافرة فى المجتمع المصرى.

يحدثنا هو عن ذلك يقول: نشأت فى بيت جدى لوالدى المرحوم أحمد رضوان، وكان من خريجى الأزهر، وكان يعمل رئيسًا لكتاب المحاكم الشرعية، وهو بحكم ثقافته وتعليمه متدين جدًا، كان يفرض على كل أفراد الأسرة الالتزام بأوامر الدين وأداء فروضه، والمحافظة على التقاليد بلا أدنى تساهل، وفى نفس الوقت كانت والدتى، السيدة روز اليوسف، فنانة معروفة وسيدة متحررة، لم تقف عند التفرغ للعمل الفنى، بل اشتغلت بالصحافة والسياسة، وكنت أنتقل وأنا طفل من ندوة جدى حيث يجتمع به زملاؤه من علماء الأزهر ورجال الدين، بكل محافظتهم على التقاليد، لأجد والدتى تدير فى بيتها ندوة يشترك فيها كبار شعراء مصر وأدبائها إلى جانب السياسيين وكبار الصحفيين، وكان الانتقال بين هذين المناخين المتناقضين يصيبنى فى البداية بما يشبه الدوار الذهنى، حتى اعتدت عليه بالتدريج واستطعت أن أعد نفسى لتقبله كأمر واقع فى حياتى، لا مهرب منه، لكنى استطعت التوفيق بين هذه المتناقضات فى حياتى، بحيث لم تفسد شخصيتى كإنسان، ولم تقضِ على مواهبى كفنان وأديب.
حسم إحسان أمره إذن، لم يستسلم لحالة اللخبطة التى وجد نفسه فيها بتأثير الانتقالات الحادة بين عالمين مختلفين، كان يمكن أن ينتج عنهما مسخ مشوّه، لكنه قرر أن يجمع فى قلبه بين حب جده وحب والدته.
يقول: طول مسيرتى كنت أحب جدى، وكان هذا الحب يفرض علىّ كل أنواع الاحترام تجاه جدى العالم المتدين الزاهد فى الدنيا، كنت أحب قيمه وأفكاره، وكنت أحب أبى وأمى مدفوعًا بعاطفة البنوة، ولقد دفعنى هذا الحب الذى أكنه للقطبين المتنافرين فى حياتى إلى التعمق فى معرفة وإدراك وجهة نظر كل منهما بحيث يمكننى الدفاع عنه فى مواجهة الطرف الآخر.
هكذا خرج لنا أديب كبير اسمه إحسان عبدالقدوس، متحرر ومتجدد بلا حدود، لكنه فى الوقت نفسه محافظ يتحدث عن تدينه وتمسكه بالتقاليد والأعراف المجتمعية لا يتجاوزها، ظل طوال حياته يعانى من صراع داخلى، فبينما يعرف هو نفسه بعد أن حسم هذا الصراع، وعاش بشكل متوازن، إلا أننا لم نعرفه جيدًا، وغلّبنا فى تصوراتنا له الكاتب المتحرر وربما المنفلت على الوجه المحافظ التقليدى فى شخصيته، وهو ما جعله طوال حياته يدافع عن وجهة نظره فيما أصبح عليه.
فى كثير من حواراته وكتاباته حاول إحسان عبدالقدوس التأكيد على قربه من القرآن الكريم، لكنه فعل ذلك بطريقته الخاصة، فالقرآن عند كثيرين ليس هو القرآن نفسه لدى إحسان.
فى كتابها «إحسان عبدالقدوس يتذكر» تقول أميرة أبوالفتوح: كان إحسان عبدالقدوس يؤمن بأن الأديب الذى يكتب بالعربية، لكى يستقيم له جمال العبارة وموسيقى الجملة، يجب أن يوثّق صلته بالقرآن الكريم قراءة ودراسة، وهذا ما حدث له بالفعل، فقد قرأ القرآن عشرات المرات بحكم نشأته مع جده العالم الأزهرى، قرأه من باب التدين، وحينما أصيب بحالة نفسية وهو فى السابعة عشرة من عمره ألزمته الفراش فترة طويلة، تخلص منها بقراءة القرآن ثلاث مرات متوالية كعلاج نفسى، ثم بدأ بعد ذلك يقرأ القرآن قراءة الدراسة والتذوق لجمال عبارته والإحساس بموسيقاه التى لا تدانيها موسيقى.

يفصّل لنا إحسان عبدالقدوس علاقته بالقرآن.
فى حواره الطويل مع الكاتب الصحفى محمود فوزى، الذى نشره فى كتابه «إحسان عبدالقدوس بين الاغتيال السياسى والشغب الجنسى»، يقول: منذ أن كنت فى الخامسة من عمرى وأنا أصلى وأردد القرآن تبعًا لتقاليد العائلة، وبعد أن كبرت انتابتنى حالة سيئة أشبه بالمرض، وأهلى أوصونى أيامها بأن أعود إلى تلاوة القرآن، فقرأته كله ثلاث مرات متتالية، كان من أثرها أن أصبح لى تفسيرات خاصة بشئون الدين، ودفعتنى قراءة القرآن إلى قراءة التوراة والأناجيل، وقد عدت إلى قراءة القرآن فى كل مرة دخلت فيها السجن.
ويقول أيضًا: أعتبر أن أول أسباب نجاحى ككاتب هو القرآن الكريم، لأن القرآن يعتبر الموسيقى الكلاسيك للأسلوب العربى الخالص، وقيمة القرآن لا تتوقف عند كونه دعوة للإيمان بالإسلام، وإنما أيضًا هو تدريب على اللغة العربية نفسها، ولهذا أنصح أى كاتب أن يبدأ بقراءة القرآن حتى يثبت القراءة والأنغام والمعانى فى أذنه، لأن القرآن هو الموسيقى الكلاسيك للغة العربية والأسلوب اللغوى، وأنا فى اعتقادى أن كل كاتب له لحن فى أسلوبه، يعنى مثلًا محمد التابعى له لحن فى أسلوبه، والصاوى له لحن فى أسلوبه، وأنا كذلك هناك لحن فى أسلوبى، هذا اللحن لا يمكن أن استقبله بقوة إلا إذا بدأت بأصل الموسيقى العربية وهو القرآن الكريم.
فتح القرآن الكريم فى حياة إحسان عبدالقدوس طريقًا خاصًا ومختلفًا، وكما يقول هو فإن قراءته له دفعته لأن تكون لديه تفسيراته الخاصة للدين، تفسيرات تدفعنا لأن نصفه بأنه كان مجددًا لكن بطريقته، فقد دخل إلى هذا العالم برومانسية الحالم الذى يريد أن يغير العالم دون صراع أو خلاف، فهل هناك من يمكنه أن يرفض التغيير والتجديد والتطور؟
هنا يمكننا أن نتوقف أمام رسالة كتبها إحسان عبدالقدوس لولده الأكبر محمد، وهى الرسالة التى كشفت عنها زينب عبدالرازق فى كتابها «إحسان عبدالقدوس.. معارك الحب والسياسة»، وحصلت عليها ضمن ما حصلت من أوراق خاصة من أسرته وهى تعد كتابها عنه.

يتحدث إحسان فى بداية رسالته عن نشأته التى أشرنا إليها.
يقول: نشأت فى بيت جدى لأبى الشيخ أحمد رضوان، وقد كان من خريجى الأزهر ومن رجال القضاء الشرعى، وربما كان جدى يعتبر مثاليًا فى تزمته على أداء الفروض، حتى إنه كان يحرّم علينا أن نؤدى الصلاة ونحن نرتدى ثوبًا يكشف عن ساقنا فوق الركبة، وقد كنت أذهب إلى المدرسة الابتدائية وأنا أرتدى بنطلونًا قصيرًا يكشف عن ركبتى، فكيف أصلى صلاة الظهر وأنا فى المدرسة، لذلك كانوا يضعون فى حقيبتى التى أذهب بها إلى المدرسة جوربًا طويلًا، يرتفع على ساقى حتى يغطى ركبتى، وأرتديه وأنا أصلى صلاة الظهر داخل مسجد المدرسة، وبدأ فكرى يسيطر علىّ حتى أقنعنى بأنه لا يجب أن أكتفى بأن أكون مسلمًا بالوراثة.
يخبرنا إحسان ببداية رحلته مع القرآن الكريم، يقول: كنت لم أصل إلى سن السابعة عندما حفظت جزء «عم» من القرآن، ثم بدأت أحفظ من القرآن على مدار العمر، وإن كنت لم أحفظه كله، إلا أننى قرأته عشرات المرات، واستوعبت كثيرًا من الآيات، ما زلت إلى اليوم أرددها دائمًا، وفى كل يوم، تبركًا وتقربًا إلى الله، سبحانه وتعالى، وتزودًا باستكمال راحتى النفسية.
يحدّث إحسان ابنه عن الحيرة الدينية التى وقع فيها بعد ذلك.
أنا مسلم لأن أبى وجدى وجد جدى مسلمون لكن يجب أن أكون مسلمًا عن اقتناع بالإسلام.. أى أختار الإسلام إيمانًا ولست مجرد مستسلم له
يقول: بعد أن نما وعيى وتجاوزت سن الخامسة عشرة، بدأت تدهمنى حيرة دينية، ربما كان سببها أنى بدأت ألاحظ مظاهر الإيمان بين المسلمين، فكثير من مظاهر المجتمعات الإسلامية مختلفة فى أداء ما يفرضه الإسلام، فأنا مسلم لأن أبى وجدى وجد جدى مسلمون، لكن يجب أن أكون مسلمًا عن اقتناع بالإسلام، أى أختار الاسلام إيمانًا، ولست مجرد مستسلم له، ولذلك بدأت أفيض فى دراسة الإسلام، دون أن أتخصص كرجل دين، إنما لمجرد إقناع نفسى بما أؤمن به، ووصلت بى الدراسة إلى حد أننى بدأت أحاول اكتشاف أسرار تعاليم الديانة اليهودية والديانة المسيحية، لأفهم منهم وأجادلهم، وقد انتهى بى هذا البحث الذى استغرق شهورًا طويلة إلى أننى أخذت الإسلام دينًا عن إيمان قائم على اقتناع، ولكن هذا الجهد العنيف الذى بذلته خلال هذه الشهور أدى بى إلى حالة معاناة مرضية، إلى أن أصبحت مريضًا، ورقدت فى الفراش بمرض عجز الأطباء عن شفائى منه.

كان القرآن هو من ساهم فى شفاء إحسان من مرضه الغامض.
يحدّث ولده- كما يحدثنا عن ذلك- يقول: وفى فترة مرضى جاءنى أبى المرحوم محمد عبدالقدوس رضوان، ومعه المصحف الذى كان خاصًا بجدى، وكانت العائلة تحتفظ به تبركًا وتكريمًا لذكراه، وقال لى أبى: اقرأ يا ابنى، فالله هو القادر على شفائك.
يحكى إحسان ما جرى: قرأت القرآن كله وأنا راقد فى الفراش، ولكننى أحسست بأنى قرأته تبركًا وتوسلًا إلى الله بأن يشفينى، ولم يكن هذا هو كل ما أريده، فبدأت أقرأ القرآن مرة ثانية وأنا أحاول أن أفسر كل آية وكل كلمة من كلمات الله، وأستعين على الفهم بكتب التفسير، التى تزدحم بها المكتبة التى تركها جدى، ولكننى مع هذا انتهيت من قراءة القرآن كله، ولا أزال قاصرًا عن فهم وتفسير بعض الآيات، فبدأت أقرأه للمرة الثالثة، وأضع تفسيرًا لكل ما كنت عاجزًا عن استيعابه، واسترحت واستكملت إيمانى، على أساس اقتناعى وفهمى، وشفيت فعلًا من مرضى.
ويضيف إحسان: ما أدهشنى أن كثيرًا من الآيات التى كنت أعتقد أنى وصلت إلى تفسيرها بنفسى ووفقًا لعقليتى، وقد سبق تفسيرها فى بعض كتب التفسير، اكتشفت أنه نفس التفسير الذى وصلت إليه، وهو ما أقنعنى بأن صدق وعمق الإيمان يمكن أن يصل بالمؤمن إلى التفسير الصحيح، وإن كنت أتمنى وأدعو حتى اليوم أن يبذل رجال الدين الإسلامى مجهودًا أكبر فى إعلان التفسيرات المبسطة، التى يمكن أن تصل إلى عقول البسطاء، حتى تتم وحدة كل مظاهر الإيمان بين المسلمين.
يخرج إحسان من هذا السرد التاريخى لتجربته التى يمكننا توصيفها بأنها تجربة معرفته للإسلام إلى حديث يوجهه إلى ولده محمد هو أقرب إلى رؤية لتجديد الدين.
يخاطب إحسان ولده بما يراه:
ولدى محمد: إنى أعيش كمسلم، وكل حياتى الخاصة والعامة تجرى تحت تأثير ومن وحى إيمانى بالإسلام، فإن أصبت فى تصرفاتى فلأن الإسلام وفقنى إلى أن أصيب، وإن أخطأت فلأنى عجزت عن اتباع ما يفرضه الإسلام علىّ.

ولدى محمد: الدين هو الأساس الذى يقوم عليه كيان الإنسانية كلها، الدين هو محاولة الوصول إلى حكم القدر، والقدر هو ما يحكم به الله، والكيان الإنسانى متعدد الجبهات بتعدد الديانات، بما فيها من أديان سماوية وأديان أرضية، وقد حاولت بعض جبهات هذا الكيان أن تنكر الأديان، أى تنكر وجود الله، ولكن هذه الجبهات مهما طال بها زمن الوجود، فمصيرها أن تعود إلى الاعتراف بالله والخشوع له، وللقدر الذى يفرضه تعالى على خلقه، ولن يتحقق السلام بين بنى الإنسان إلا إذا تقاربت الأديان فى بوتقة دين واحد.. دين الإسلام.
ولدى محمد: إنى أعتقد أن أى كاتب باللغة العربية لا يستطيع أن يجمع حوله قرّاءه إلا إذا كان أساسًا قد استوعب قراءة القرآن، فالقرآن هو أساس اللغة العربية، أو هو الموسيقى الكلاسيك للغة التى يقوم عليها أى تطور موسيقى، فى اختيار أسلوب الكتابة العربية، وحتى الكاتب إذا لم يكن مسلمًا فإنه لا يستطيع أن يكتب باللغة العربية إلا إذا استوعب أسلوب أو رنات صياغة كلمات وآيات القرآن، ومعروف أن المرحوم مكرم عبيد باشا كان عبقريًا فى إلقاء الخطب وكتابة الرسائل باللغة العربية، لأنه كان يحفظ القرآن، مع أنه مسيحى الديانة، وهكذا كل كاتب عربى، وأنا نفسى لا أعتقد أنى استطعت أن أكون كاتبًا ولى قرّاء إلا لأننى بدأت باستيعاب أسلوب ورنات القرآن، أما بالنسبة للمفكرين فإن القرآن يعتبر الأساس الفكرى لأى محاولة فى تفسير الواقع والمستقبل الإنسانى، ولا يمكن لأى فكر إسلامى أو غير إسلامى استيعاب أسس الكيان الإنسانى ومصير الإنسان إلا باستيعاب ما سجله القرآن، وهو ما يشمل كل تفاصيل الحياة وما بعد الحياة.
ولدى محمد: الهدف الذى يدعو إليه الإسلام هو أن يصل بوحدة الإيمان إلى وحدة الوجود، أى أن جميع المسلمين أنفسهم فى قوة موحدة، مهما تفرقوا فى دول أو فى نظم إدارية، أى أن نصرة الإسلام تقوم على وحدة المسلمين.

ولدى محمد: الإسلام دين يحفظ للمرأة كامل شخصيتها وكامل حقوقها، وهو دين يعترف بواقعية طبيعة المرأة وواقعية طبيعة الرجل، ويجمع بين الطبيعتين ويصونهما على أساس إشهار وإعلان العلاقة بينهما، ومن وسائل الإشهار عقد الزواج، وإذا كان قد أباح للرجل الزواج بأربع نساء تحت شروط محددة مفروضة عليه، فلأنه حريص على ألا تفرض عليه طبيعة علاقة خفية سرية بينه وبين أى امرأة، ولكن شعوبًا أخرى لا تدين بالإسلام تفرض على نفسها علاقات خفية سرية بين الرجل والمرأة، وهو ما يرفضه الإسلام ويعتبره جريمة يعاقب عليها، مهما كان الواقع إليها منطلقًا من الطبيعة التى تميز بها الرجل، فالمرأة المسلمة أقوى فى مواجهة الواقع من أى امرأة تدين بدين آخر.
لم تقل لنا زينب عبدالرازق الظروف التى كتب فيها إحسان عبدالقدوس هذه الرسالة، ولا تاريخها، اكتفت بالتعليق عليها بقولها: لقد تعمدت نشر هذه الرسالة لسبب مهم جدًا، فهى أفضل رد على الذين هاجموا إحسان عبدالقدوس بأنه كاتب الجنس الأول فى مصر، مع تهم أخرى كثيرة منها أنه كان يسعى إلى هدم الإسلام، وذلك فى مجال اعتراضهم على بعض قصصه ورواياته.
أعتقد أن رسالة إحسان إلى ابنه الأكبر محمد كانت لسبب أكبر وأهم مما ذهبت إليه زينب.
تأخر الشيخ الغزالى شيئًا فى كتابة رثاء بعد وفاة إحسان عبدالقدوس
بتحليل بسيط لمفرداتها يمكن أن تدلنا على أن إحسان قد يكون تعرض لهجوم من نجله الذى انتمى مبكرًا لجماعة الإخوان، قد يكون طعن فى دينه أو تدينه، قد يكون واجهه بما يقوله الإخوان عنه وعن أدبه وعن صحافته وعن سلوكه، قد يكون أعلن غضبه على أفلامه، فاضطر الأب أن يدافع عن نفسه فى مواجهة الابن.
وقد يكون محمد قرر أن يتزوج مرة أخرى، بعد أن تزوج من ابنة الشيخ الغزالى- وهو ما أستبعده- وهو ما دعا إحسان إلى أن يحدثه عن حكمة الإسلام فى مسألة التعدد.
الاحتمالات قائمة، لا يمكننى أن أنحاز لشىء منها، لكن يمكن ببساطة أن يحدثنا محمد عبدالقدوس عن سر هذه الرسالة، ولماذا وجهها لها والده؟ وإن كنت أعتقد أنه لن يفصح عن ذلك بسهولة.

هذا التكوين الذى أصبح عليه إحسان عبدالقدوس جعله واثقًا مما هو عليه، وكان منطقيًا وصلبًا وهو يدافع عن إيمانه وعن اهتمامه بالدين وبتجديده والقفز به إلى الأمام.
فى العام ١٩٥٥ تعرض إحسان عبدالقدوس لحملة هجوم وطعن فى دينه وأخلاقه لدى جمال عبدالناصر، على هامش نشره روايته «البنات والصيف»، ونشر مصطفى محمود حلقات «الله والإنسان» التى جمعها فى كتاب بعد ذلك، تمت مصادرته بقرار من الأزهر.
كتب إحسان عبدالقدوس خطابًا مطولًا بهدف إرساله إلى جمال عبدالناصر، لكنه، وكما صرّح فى مقدمته التى كتبها لمجموعته القصصية «آسف.. لم أعد أستطيع» التى صدرت فى العام ١٩٧٥- لم يذكر على وجه الدقة هل أرسل برسالته إلى جمال عبدالناصر أم لا.
ليس هذا ما يشغلنا هنا على أى حال.
ما رأيكم أن نتوقف عند ما قاله إحسان عن إيمانه وتدينه؟
يقول موجهًا كلامه للرئيس: حدثنى الزميل هيكل عن دعوة الإلحاد فى صحف دار «روزاليوسف» والمقالات التى ينشرها مصطفى محمود الخاصة ببحث فلسفة الدين، ولكنى أحب أن أرفع لسيادتكم رأيى فى هذا الموضوع حتى أكون قد صارحتكم بكل شىء.
يرسم إحسان لنفسه صورة الإنسان الملتزم التقى، يقول: إنى مؤمن بالله يا سيدى، لست ملحدًا، ولعلك لا تعرف أنى أصلى، ولا أصلى تظاهرًا ولا نفاقًا، فجميع مظاهر حياتى لا تدل على أنى أصلى، ولكنى أصلى لأنى أشعر بارتياح نفسى عندما أصلى.
حاول إحسان أن يبرئ نفسه من تهمة طاردته كثيرًا، لكن الأهم عنده أنه فى حديثه إلى الرئيس عبدالناصر وضع ما يمكننى اعتباره وصفة دقيقة لتجديد الدين وضخ الدماء الساخنة فى شرايينه المتيبسة.
يقول إحسان: إننى أعتقد أن ديننا طغت عليه كثير من الخزعبلات والأتربة والتفسيرات السخيفة التى يقصد بها بعض رجال الدين إبقاء الناس فى ظلام عقلى حتى يسهل عليهم استغلالهم والسيطرة عليهم، فى حين أنه لو تطهر الدين من هذه الخزعبلات ونفضنا عنه هذه الأتربة لصح ديننا وصحت عقولنا ونفوسنا وسهل على قيادتكم أن تسير بالشعب فى الطريق الذى رسمته له.

يبرر إحسان ما نشره لمصطفى محمود فى «روزاليوسف» بأنه تطبيق لهذه النظرة، يقول: بدأت منذ زمن طويل أنشر فى «روزاليوسف» مقالات تبحث فى الدين، ولم أكن أنا أشترك بقلمى فى هذه المقالات لأنى لست رجل دين، ولكنى دعوت إليها فريقًا من رجال الدين المتحررين ومن الكتّاب الذين أعتقد أنهم درسوا وقرأوا إلى الحد الذى يتيح لهم الكتابة فى الدين، وقد سبق مثلًا أن نشر الدكتور محمد أحمد خلف الله مقالًا فى «روزاليوسف» يؤكد فيه أن القرآن لا يمنع زواج المسلمة من الكتابى أو من المسيحى، وهى دعوة جريئة، ولكن الدكتور خلف الله أستاذ فى الدين، ودراسته وعلمه يخولان له أن يحمل مسئولية مثل هذه الدعوة.
وحتى يخفف إحسان من غضب عبدالناصر، يقول له: لقد أعطيت الفرصة لكثير من الكتاب ليبحثوا فى أمر الدين معتقدًا أن فتح هذا الباب سيؤدى حتمًا إلى رفع مستوى الإيمان الدينى، وقد وقع كثير من الأخطاء نتيجة فتح الباب لمقالات مصطفى محمود مثلًا، ولكن لا شك أننا خرجنا إلى جانب هذه الأخطاء بمقالات جيدة كان لها أثر كبير فى التفكير الدينى، وكان آخر ما حاولته هو أنى حاولت تصفية الأحاديث التى لا يمكن أن تنسب إلى نبينا، كحديث «خير اللحم ما جاور العظم» أو «الذبابة على أحد جناحيها داء وعلى الآخر دواء»، وهى للأسف أحاديث معترف بها وتنشر فى المجلة التى تصدر عن وزارة الأوقاف، فدعوت أحد علماء الأزهر وكتب مقالًا عن الأحاديث، حذفته الرقابة، وهذا هو الهدف والدافع اللذان يدفعاننى إلى التعرض للمواضيع الدينية لا لأننى ملحد، بل لأننى مؤمن ولأننى أعتز بإيمانى من أن يكون إيمانًا لا يقره عقل.
كان إحسان عبدالقدوس يضيق بتصورات الآخرين عن إيمانه، ليس فقط لأن هذه التصورات كانت تطعن فيه، ولكن لأنه كان يعتبر أن الدين علاقة خاصة جدًا بينه وبين الله.
ما رأيكم أن نعود إليه وهو فى عام ١٩٥٥؟
فى هذا العام ذهب ليؤدى فريضة الحج.
قد لا يكون دافع إحسان عبدالقدوس بالنسبة لنا فى ذهابه إلى الحج، بقدر ما هو مهم ما كتبه بعد عودته من رحلته إلى الأراضى المقدسة.

فى العدد ١٣٤٤ من مجلة «روزاليوسف» نشر إحسان مقالًا اختار له عنوان «البحث عن الله»، طلب قبل أن يبدأه ألا يقرأه رجال الدين، لأنه لا يريد رأيهم، لسبب بسيط أنه كتب هذا المقال لله وحده.
يبدأ إحسان مقاله بقوله: أنا عار إلا من كفنى، وأنا ذاهب لأبحث عن الله فى بيته، إن السيارة تتقدم بى نحو البيت المقدس، ولكنى لا أتقدم معها، إنى ما زلت بعيدًا، وما زلت تائهًا عن الطريق إلى الله، شىء يشدنى عنه، يربطنى بالأرض، ويمنعنى من أن أسمو إلى السماء.. إلى حيث الله، إننى مقيد، أغلال غليظة تربط روحى وجسدى وتحرمها من الانطلاق، أغلال ينسجها عقلى، العقل الذى لا يستطيع أن يفسر ما يراه إلا بقدر وعيه، العقل الذى يرى فى الصحراء سوى أنها رمال، ولا يرى فى الجبال إلا أنها أكوام من الحجارة، ولا يرى من الكعبة إلا أنها بناء يستطيع أن يأتى ببنائه أى بناء، ولا يرى فى أستارها السوداء إلا أنها نسيج موشى أنتجته مصانع المحلة وزخرفته أيدى عمال تزيين، وإن أدهشنى شىء من كل ما حوله فهو هذه السيارة «الكاديلاك» التى أركب فيها.
ويحدد إحسان الأرض التى يتحرك منها، يقول: إنه العقل الذى مهما وعى ومهما اتسع له الأفق لا يستطيع أن يخرج عن حدود المادة، ولا يستطيع أن يعى أكثر مما يلمسه، يجب أن أُسكت هذا العقل إذا أردت أن أصل إلى الله، يارب أعنى على عقلى، وضغطت أعصابى كلها، واستنهضت كل قواى النفسية، حتى بدأت أسمع دقات قلبى، وحفيف رئتى، وقبضات كبدى، وبدأت صفحات العقل تتلاشى من وعيى وتختفى فى ضباب كثيف، ومن خلف الضباب بدأت تبدو لى// حواش من النور، نور ينسكب على روحى فيوقظها ويفتحها على عالم آخر، عالم لا يصل إليه العقل.
بدأ إحسان يرى أن فى هذا العالم أشياءً لم يكن يراها، رأى الجبال التى تحيط ببيت الله وقد انحنت كلها إلى الأمام وكأنها الملائكة وقد خشعوا سجدًا، ورأى جبل النور حيث غار حراء يقف بينها ضخمًا عاليًا مشرقًا كأنه عرش الله، ورأى موجات الرمال كأنها آثار أقدام عمالقة من هواء لا نراهم، ولكن هذه آثار أقدامهم فوق الرمال وهم يسعون حول العرش، وأحس برياح ندية تملأ صدرى، وأحس كأنه يرتفع عن السيارة التى يجلس فيها، ويسعى فى الهواء وهو بملابس الإحرام بين الجبال والأودية، الجبال الكثيرة الجافة الخشنة والأودية الملتوية الضيقة، والصمت الرهيب يحيط به ويملأ أذنه ويتساقط فى قلبه، وارتجت وخفت، وشعر أنه- حقًا - فى طريقه إلى الله.

ويترك إحسان نفسه لما تفرضه عليه الرحلة.
يقول: سحبتنى يد من داخل السيارة، إننى الآن فى رحاب البيت الكريم، ولم أرفع عينى إلى الكعبة، لا أريد أن أرفعهما، أخاف إن رفعتهما أن يفيق عقلى فلا يرى فيها إلا بناءً يستطيع أى بناء أن يأتى بمثله، ولا يرى فى الستر السوداء إلا نسيجًا من صنع المحلة، إنى منكس الرأس مغمض العينين، أسير وراء الدليل بلا وعى، إنما وعيى كله منحصر فى أن أتغلب على نفسى حتى لا يلهينى شىء مما حولى عن الله، وبدأت الطواف وسط مئات يطوفون ولا ينقطع طوافهم ليلًا ونهارًا على مدار السنة.
ينتقل إحسان إلى المهمة الكبيرة التى يبدو أنه ذهب إلى الحج من أجلها.
يقول: بدأت أبحث عن الله فى بيته، أين هو؟.. أين؟، إن هناك صوتًا يطن بجانبى ويبعدنى عن الله كلما اقتربت منه، صوتًا خشنًا ليس فيه نغم ولا حس ولا شىء كأنه صوت أسطوانة قديمة ضاع من فوقها صوت المغنى ولم يعد فيها إلا الخشخشة، صوت من هذا؟ إنه المطوف، رجل يهرول بى حول الكعبة وهو يتلو أدعية فى سرعة كأنه تلميذ غبى يتلو صفحة حفظها من كتاب القراءة الرشيدة، ثم يحتم على أن أرددها وراءه، ابعد يا رجل.. لا أريدك.. ولكنه لا يزال بجانبى، ولا يزال صوته الأجوف يخرق أذنى.. وأدعيته التى تتساقط من شفتيه كحبات الحصى الخشنة تقع فى طريقى وتحول بينى وبين مسعاى. يصرخ فيه إحسان: ابعد عنى يا رجل.. لا أريد واسطة بينى وبين الله، لكن الرجل محترف الدعاء لا يبتعد عنه.
يستكمل إحسان رحلته: طفت الطوافة الأولى، والثانية، والثالثة، والرابعة، والخامسة، وكدت أبكى، فإنى فى بيت الله ولا أستطيع أن أصل إليه، إنى لم أره بعد، ولم يد لى يده بعد، والذنب هو ذنب هذا الرجل الذى يسوف بى وتصخب أدعيته الجوفاء من حولى، يا رب ماذا جنيت لتسلط علىَّ هذا الرجل؟ يا رب إن كنت قد أذنبت فإنى لم أكفر بك، يا رب إن كان ذنبى كبيرًا فإن عفوك أكبر، يا رب إنى لم أصل لك كثيرًا، ولم أصم لك كثيرًا، ولكنى آمنت بك كثيرًا، وخفتك كثيرًا، وراعيت حقك فى الناس كثيرًا، واستغفرتك كثيرًا، وتوكلت عليك كثيرًا، فلا تحسبنى فى عداد الكافرين، وابعد عنى هذا العذاب الأليم الذى يتمثل فى هذا الرجل الذى يزاملنى، وابعد عنى صوته الذى يبعدنى عنك، حتى أخلص لك، يا رب إنى جئت إليك فى بيتك، فأبد لى.

بدأ إحسان الطوافة السادسة، وبدأ صوت المطوف يتلاشى شيئًا فشيئًا، ثم لم يعد يسمع شيئًا، ولم يعد يحس أن له أذنين، ولم يعد يرى شيئًا، ولم يعد يحس أن له عينين، لم يعد يشعر بكيانه كله، حتى أصبحت روحه خالصة لله. انكفأ إحسان على جدار الكعبة.. وتعلق فى أستارها بيديه.
وعن هذه اللحظة يقول: ورأيت الله، رأيته فى هذه اللحظة، رأيته هنا، فى قلبى وفى صدرى، ماذا أطلب منه.. من الله؟ وازدحمت أمامى الصور، أمى أبى زوجتى أولادى أصدقائى، مصر، كل هؤلاء تمر صورهم فى مخيلتى ولا أكاد أبدأ فى الدعاء لواحد حتى تقفز صورة الآخر، كنت كالملهوف المجنون يريد كل شىء فى لحظة خاطفة لا تتسع لشىء.. وسمعت شفتى تتمتمان: الحق يا رب.
كان هذا كل ما نطق به، ومسته يد المطوف ليتبعه فى الطوفة السابعة، فابتعد عن الجدار المقدس، ساهمًا يغمره إيمان عنيف، ويملأ صدره هواء طاهر رطب يكاد يرفعه عن الأرض ويسير به فوق السحاب ولم يشعر بشىء فى هذه الطوفة الأخيرة.
يقول إحسان: لم أشعر بالبيت الذى أطوف حوله، ولا بالمسلمين الذين يطوفون معى، ولا بالمطوف الذى يحاول أن يسكب دعاءه فى أذنى، حتى عندما قبلت الحجر الأسود لم أشعر بشىء، لم يتيقظ عقلى ليجادلنى فى قيمة هذا الحجر ويحاول أن يقنعنى بأنه مجرد حجر تفحم نتيجة التفاعلات الجيولوجية، ولم تنصرف إليه عاطفتى لأزداد به إيمانًا فوق إيمان، كنت لا أزال أعيش فى اللحظة الخاطفة التى التقيت فيها الله، إنما توقفت سعادتى قليلًا وأحسست ببعض التأنيب وأنا أسأل نفسى: هل من الإيمان أن أطالب الله بشىء؟! هل جئت إلى هنا لأطلب شيئًا، أم لأنى أحب الله حبًا خالصًا بلا طلب وبلا أجر؟ هل كنت أنانيًا عندما ذكرت نفسى وذكرت عائلتى وأصدقائى ووطنى وأنا فى حضرة الله؟، واسترددت سعادتى وخلصت نفسى من التأنيب، عندما تذكرت أن مطالبة الله هى إحدى درجات الإيمان، وأن الله فى كتابه يقول: «وقال ربكم ادعونى أستجب لكم»، وأن الرسل والأنبياء عاشوا يطالبون الله بالمعجزات، وأنا لم أطلب معجزة، إنما فقط طلبت الحق.
انتهى إحسان من الطواف، وجلس على أرض ساحة الله فى انتظار صلاة المغرب، ولم يعد يشعر برهبة ولا بخوف، ولم يعد يقارن بين عقله وعاطفته، كان يشعر براحة وهدوء، كأنه فى حضرة صديق يعرفه ويحبه، ويعرفه.

بدأ إحسان يراقب المسلمين من حوله، يقول عما رأى: هؤلاء الحضارمة- أهل حضر موت - فى مآزرهم الحمر، ووجوههم النحيلة، وأعوادهم الرفيعة القصيرة، وأهل اليمن فى عماماتهم الكبيرة وأرديتهم الفضفاضة، والمسلمون من إندونيسيا والهند، والباكستان، وسوريا والملايو، وقبائل الشمال والجنوب والغرب والشرق، وجوه مختلفة، وأشباهها مختلفة، ولباسها مختلف، ثم هذا الأعرج الذى يسعى حول الكعبة فوق رجلة خشبية، وهذا الكسيح الذى يطوف فوق يديه وركبتيه، وهذا الأعمى الذى يسحبه أخوه ليمسح كفه فوق الأستار المباركة وهؤلاء النسوة وقد التف بعضهن حول بعض فى هذا الركن القصى، وقد أسدل بعضهن حجابًا كثيفًا لا يبين منهن شيئًا وأسدل البعض الآخر نصف حجاب، وهؤلاء الأطفال الصغار يمرحون فى ساحة الله ويتدللون عليه ويقفزون بين أعمدة الحرم ويرشون بعضهم بماء زمزم ثم يوقفهم شعور خفى عن الاقتراب من عرش الله، وكأنهم يعلمون أن أباهم الكبير جالس هناك، وأن هذا البيت بيته، وكأنهم كهذا الحمام الذى يمرح آمنًا مطمئنًا فى ساحة الحرم دون أن يقرب الكعبة، أو يجرؤ على أن يحط فوقها، إنه عالم كبير، عالم لا يجمعه شىء إلا الإيمان، الإيمان بالله، والإيمان ذخيرة كبيرة لو عرف المسلمون، ذخيرة تستطيع أن تجمعهم للعلم وللفن وللحرب والسياسة.
ويتساءل إحسان بالقرب من نهاية مقاله: لماذا لا يعقد هنا فى موسم الحج مؤتمر للمهندسين المسلمين، ومؤتمر للأطباء المسلمين، ومؤتمر للمحامين المسلمين ومؤتمر للساسة المسلمين ومؤتمر للقادة المسلمين؟
ويعلل سؤاله بقوله: هذه هى حكمة الحج كما أرادها الله ونبيه، ولكن المسلمين نسوا حكمة الله ونبيه، إنهم يأتون إلى هنا وكل منهم لا يسعى لشىء إلا إلى تصفية حسابه مع الله والحصول على صك غفران، ويعود إلى أهله وهو لا يحمل لهم شيئًا إلا لقب «حاج» ولا ينتظر منهم شيئًا إلا أن يستقبلوه على محطة كوبرى الليمون بالطبل والزمر ويقبلون يده تبركًا، ثم يضعونه فى عربة حنطور تطوف به الحوارى والأزقة.
ويستأنف إحسان تساؤلاته: لماذا لم يفكر المسلمون فى عقد مؤتمراتهم الشعبية فى موسم الحج، ليوحدوا صفوفهم وطريقهم فى وجه الاستعمار وفى وجه الأعداء وفى وجه الحكومات؟ ولماذا لم تفكر الحكومات الإسلامية فى عقد هذه المؤتمرات؟

ويجيب إحسان: ربما كان الأولى بالتفكير هى الحكومة السعودية، وواجب الملك السعودى لا يقتصر على حماية بيت الله ومسح الكعبة وتأمين الحجاج، إنما هو أولًا تطبيق حكمة الله ورسوله فى الحج، وحكمة الله ورسوله هى جمع كلمة المسلمين على مستقبلهم وعلى أعدائهم.
ويختم إحسان مقاله بقوله: مرت بى كل هذه الخواطر وأنا جالس على أرض الحرم فى انتظار صلاة المغرب، وغربت الشمس وخيل إلى أنها غربت فى هذا البيت الأمين وتركت وراءها هالة كبيرة من الضوء الخافت الوردى لفتنا فى طياتها وكأنها تحملنا إلى الله، ورددت مأذن الحرم الدعوة إلى الصلاة فى أصوات خافتة باكية ترتجف من الخشوع، ووقفت أصلى وكأنى لم أنقطع عن الصلاة يومًا، حتى التحيات التى لم أقلها منذ سنوات، جرت على شفتى كأنى لم أنقطع عن تلاوتها أبدًا وكنت سعيدًا وأنا واقف بين يدى الله، وخيل إلى من فرط سعادتى أنى ابتسم وأنا أصلى، ألست واقفًا بين يدى صديق .. ألست صديق الله؟
يقين إحسان عبد القدوس بالله بدأ مبكرًا، وهو ما جعله يقظًا للأفكار الإرهابية وأصحابها.
كان إحسان هو أول صحفى مصرى يجرى حوارًا صحفيًا مع حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان الإرهابية فى العام ١٩٤٣.
لم يكن وقتها ظهر البنا على حقيقته، ولم تكن جماعته نزعت قناعها عنها، ورغم ذلك لم ينخدع به إحسان، لم ينضم إلى الإخوان رغم أن البنا دعاه إلى ذلك.
يقول عن ذلك: لقد رفضت الانضمام لأى حزب أو أى هيئة أو تكوين سياسى أيًا كان، لأن إيمانى أنها فوق كل الناس، وعلى قدر حبى لحسن البنا، إنما كانت حريتى فوق حسن البنا، حريتى تجعلنى لا أنضم لحسن البنا أو غيره من الاتجاهات السياسية الأخرى.

يتحدث إحسان أكثر لأميرة أبوالفتوح عن مسألة الإخوان، يقول: كان مبعث اهتمامى بالإخوان تأكيدهم على مبدأ الشورى المعروف فى الإسلام، والذى يمثل رفضًا ضمنيًا للنظام الملكى الوراثى، واتجاهًا عامًا للنظام الجمهورى، ورغم أنهم لم يعلنوا صراحة رفضهم للنظام الملكى الذى كنت أعاديه علنًا، إلا أننى قررت التعرف عليهم عن قرب.
اقترب إحسان من الإخوان وكان لديه هدفًا محددًا.
يقول عنه: كان هدفى من اللقاء مع حسن البنا هو التعرف على حقيقة هذه الجماعة، ومدى فهمها لظروف المرحلة التى يجتازها الواقع المصرى، كنت أريد أن أعرف طريقة تفكير حسن البنا ومنهجه العملى المتصل على ضوء الخطوط العريضة المعلنة للجماعة ككل.
ويقول: كنت أريد خطوطًا واضحة مفصلة، ولم أجد لديهم سوى وجهة نظر عريضة وعائمة فى كثير من نواحيها، كما أننى لم أجد من يقنعنى هناك سوى حسن البنا، رغم أننى أخذت عليه يومها أثناء مناقشتى له محاولة اقحام النصوص الدينية فى الحوار، بشكل يفرض على الاستسلام لوجهة نظره، وهو أسلوب لا أستريح له فى أى مناقشة فكرية، لأن إدخال ما لا يقبل الجدل والنقاش فى الحوار الدائر بين الطرفين، فيه نوع من الإرهاب الفكرى يسلب الحوار حرية الحركة بين الطرفين المتحاورين، كما أننى رفضت بشدة كل المحاولات العديدة التى حاولها حسن البنا لضمى إلى جماعة الإخوان.

هذا الوعى الذى كان عليه إحسان عبدالقدوس دفعه إلى أن يضع رؤية مهمة لمواجهة الإرهاب والتطرف، وهى الرؤية التى تضمنها مقاله « ماذا بعد الإرهاب؟» والذى نشره فى مجلة روزاليوسف فى العام ١٩٤٩ بعد شهور قليلة من مقتل حسن البنا.
يبدا إحسان مقاله بسؤال: هل تكفى الأحكام العرفية للقضاء على الإرهاب؟
ويجيب: إن الحكم العرفى قد يقضى على الإرهابيين ولكنه لا يقضى على الإرهاب، ويقظة رجال البوليس قد تنتهى بتطهير البلاد تطهيرًا كاملًا من مخابئ الأسلحة وأوكار جماعة الإخوان، ولكنها لن تنتهى بتطهير البلاد من التفكير السياسى العنيف المتطرف فى العنف.
ويقفز إحسان إلى الجماعة الإرهابية مباشرة، يقول: أعضاء جماعة الإخوان المسلمين والشيوعيون، لم يولدوا من الإخوان ولا من الشيوعيين، إنما ولدوا وشبوا ورءوسهم وقلوبهم كالأرض الخصبة البكر تنتظر من يبذر فيها البذرة الصالحة أو الطالحة، لتنمو معهم، وتختلط بدمائهم لتحدد اتجاه تفكيرهم، واتجاه مستقبلهم، وقد مرت سنون نسى فيها الزعماء هذه الأرض الخصبة البكر، وتركوها دون أن يحاولوا استصلاحها ودون أن يحاولوا استغلالها، تركوها لغيرهم فاستولى عليها بوضع اليد لأنها كانت أرضًا ليس لها مالك وليس لها زعيم، فبذروا فيها بذور المبادئ الهدامة، وتولوها بعنايتهم حتى أثمرت قنابل وديناميتا ومدافع سريعة الطلقات.
يحدثنا إحسان عن مواجهة الفكر المتطرف، يقول: صادر الحاكم العسكرى هذه الأرض، ويستطيع عبدالرحمن عمار بك- وكيل وزارة الداخلية وقتها - اليوم أو بعد أيام، أن يقسم بأنه ليس فى مصر كلها شيوعى واحد ولا إخوانى واحد، ولكن هناك طبقات جديدة من الشبان تولد كل يوم، طبقات تولد وهى تتلفت باحثة عن قائد وعن مرشد وعن هاد، طبقات تولد منها غريزة القطيع التى تكون المجتمع، فتبدأ فى البحث عن قطيع أو عن جماعة تنضم إليها وتسير معها فى طريق واحد سواء كان طريق خير أو طريق شر، فإذا أعددنا لهذه الطبقات من الشبان الذين يولدون كل يوم، حتى نجنبهم طريق البشر، ونجنبهم اعتناق الشيوعية- مثلا - أو الانضمام إلى جماعة أخرى قد تتكون بعد عام أو عامين أو عشرة أعوام، وتحل محل جماعة الإخوان المسلمين المنحلة؟
ويسأل إحسان: ماذا أعددنا لهم؟
ويجيب مرة أخرى: إن الأحكام العرفية لن تستمر مدى الحياة، وإن استمرت أليس من أصول التربية الوطنى أن ننشىء جيلًا من الشبان على الخوف، الخوف من الحكومة بدل احترامها، والخوف من الزعماء بدل الإيمان بهم، بل إن أول مبادئ التربية الوطنية هو التحرر من الخوف، والتحرير من كل قيد يكبل الفكر الحر والرأى الحر فى حدود الصالح العام، وإذا كانت الأحكام العرفية سلاحًا قويًا لهدم المبادئ الخطرة، فيجب أن يكون هناك سلاح أقوى لبناء المبادئ الصالحة.

يحدد إحسان عبدالقدوس أكثر من سلاح وليس سلاحًا واحدًا لمواجهة الفكر المتطرف، وهى على النحو التالى:
السلاح الأول: إنشاء وزارة تختص بشئون الشباب، يكون وزيرها أصغر سنًا من معالى جلال باشا فهيم، وتكون مهمته أن يضع برنامجًا يوميًا لكل شاب فى مصر، برنامجًا يكفل له تربية عقله وبدنه وتقضية أوقات فراغه ويتعهده بعد تخرجه ليوجد له عملًا يكفل إعالته.
السلاح الثانى: أن تبحث الأحزاب القائمة عن عمل للشبان بديلًا عن تحطيم الفوانيس وقلب عربات الترام والهتاف بحياة فلان أوعلان، فتتيح لهم فرصة المناقشات السياسية والأدبية العاقلة، وتتيح لهم فرصة تقضية أوقات فراغهم فى عمل وطنى مفيد، يحسون بثمرته كأن تطلقهم فى القرى لتعليم الأميين، أو تؤسس من بينهم جمعيات خيرية تقوم على إدارة مستشفيات، أو إدارة جمعيات تعاونية.
السلاح الثالث: هو إعادة تأسيس اتحاد الجامعة، على أن يكون اتحادًا حرًا قويًا له نفوذ فى توجيه الطلبة، وله نفوذ لدى الحكومات، وأن يقوم هذا الاتحاد بعقد مؤتمرات جامعية كبيرة على أضواء المشاعل لمناقشة مشاكل الشباب ومشاكل مصر، ويكون من حقه أن يدعو أى وزير لمناقشته فى اختصاصه، أو ليعرض على الطلبة سياسته وأهدافه، وما يريده منهم ولهم، وأن يقوم هذا الاتحاد أيضًا بدعوة كبار الأساتذة على اختلاف أحزابهم لإلقاء محاضرات على الطلبة سواء كانت محاضرات سياسية أو أدبية أو علمية، وأن ينظم فى كل عام أولمبياد رياضيًا عامًا تهتم به الحكومة وتصرف للدعاية له وتنظيمه بسخاء وتجمع له الطلبة من جميع أنحاء القطر والأقطار المجاورة، ويكون لهم حق مناقشة المسائل السياسية على صفحاتها بصراحة وقوة، فإن من حق الحكومة أن تمنع الطلبة من الاشتغال بالسياسة، ولكنها لا ولن تستطيع أن تمنعهم من أن يفكروا فى السياسة.
السلاح الرابع: تأسيس معسكرات العمل ليقضى فيها الطلبة عطلتهم الصيفية مساهمين فى إنشاء المرافق العامة كإقامة الكبارى ورصف الطرق، كما كان يحدث فى ألمانيا.

السلاح الخامس: هو إنشاء مشروع آخر كمشروع القرش لبناء مصنع السلاح مثلًا كمصنع الطرابيش، على أن يتولى إدارته الطلبة وتكتفى الحكومة بالإشراف على إنتاجه.
يختم إحسان مقاله بقوله: هناك أكثر من سلاح لو استُعملت أو لو استُعمل بعضها، لاستطعنا أن نستغنى عن الأحكام العرفية ونحن مرتاحوا البال.
وضع إحسان عبدالقدوس هذه الخريطة لمواجهة التطرف منذ ما يزيد على ٧٥ عامًا، وأعتقد أننا يمكن أن نبنى عليها ونطورها ونحدثها بما يناسب زماننا، هذا إذا كنا جادين فى مواجهتنا للتطرف الذى يقود إلى الإرهاب، وإذا كنا جادين فى بناء شباب يكون ولاؤهم للوطن وليس لجماعة أو تنظيم أو حزب.
على هامش زواجٍ اختلط فيه الزيت بالماء.. كيف انتصر عبدالقدوس على الشيخ الغزالى؟
رغم اختلافى الشديد مع كل ما يمثله الكاتب الصحفى محمد عبدالقدوس، إلا أننى أحترمه وأقدره.. ولا أخفى عليكم سرًا أننى أشفق عليه أيضًا.
منذ سنوات وكنت أكتب عن زواج ابنة الفنان الكبير عادل إمام من ابن قيادى إخوانى، ومن بين ما كتبته مقال بعنوان «كوابيس عادل إمام»، تخيلت فيه أن هذا الزواج يمكن أن ينتج عنه حفيد يعتنق فكر جماعة الإخوان المسلمين، وأن هذا الحفيد سيرفض ما قدمه جده من أفلام ودراما، وليس بعيدًا أن يطالب بإحراقها، حتى يتخلص من ميراث الخطيئة.
يومها ضربت مثلًا بما حدث من محمد عبدالقدوس، وقلت ما تردد عن أنه تدخل فى نصوص روايات والده، وحذف منها مشاهد عديدة، لا يرضى عنها أعضاء الجماعة التى ينتمى إليها.
يومها تواصل معى عبدالقدوس الصغير، وكان فى قمة الغضب، على اعتبار أنه لم يفعل شيئًا من هذا، وقال لى يومها إنه يحترم كل ما أنتجه والده، ولا يمكن أن يتدخل فيه بالحذف أو الإضافة، وإن كل ما يتردد عن ذلك ليس إلا كذبًا كاملًا.
احترمت محمد عبدالقدوس، الذى دافع عما أنتجه والده، لكننى لم أصدقه، لأنه كانت هناك وقائع تؤكد أنه تم التدخل فى روايات الكاتب الكبير، وضاعت التهمة بينه وبين دار النشر التى أصدرت طبعات جديدة من روايات عبدالقدوس الكبير.
كان محمد عبدالقدوس منتجًا واضحًا وصريحًا لتكوين والده إحسان، فلولا أنه كان يؤمن إيمانًا كاملًا بالحرية، لما أصبح محمد ما هو عليه.

عندما تم القبض عليه ضمن حبسة سبتمبر ١٩٨١ تصادف أن كان إحسان عبدالقدوس يحضر اجتماعًا مع الرئيس السادات فى المجلس الأعلى للصحافة.
فوجئ إحسان بالسادات يقول له: ابنك طالع لأبوه.
فرد عليه إحسان: طالع لأبوه ليه؟ ما يمكن طالع لعمه- وكان يقصد السادات- إنت اتحبست أكثر منى ودخلت السجن أكثر منى.
وقال إحسان للمقربين منه، إنه رفض أن يتحدث مع الرئيس السادات للإفراج عن ابنه، وفسر لهم موقفه بأن هذا معناه أن يتعهد بأن يغير ابنه اتجاهاته السياسية، وهو لا يستطيع أن يكره أحدًا على تغيير أفكاره ومعتقداته، حتى ولو كان ابنه.
كان إحسان يعرف جيدًا حدود ما وصل إليه محمد ابنه.
يقول إحسان لأميرة أبوالفتوح: أنا دائمًا أقول عن نفسى إننى نصفين، نصف منهم خيالى وفنى متفرغ لآرائى ومبادئى فقط، وهذا النصف ورثته عن أبى الفنان محمد عبدالقدوس، وورثته بالتالى لابنى محمد إحسان محمد عبدالقدوس، الصحفى بأخبار اليوم، يذكرنى بشبابى فى الصحافة، فهو مثلى ثورى وجرىء ولكن الفرق بينى وبينه أننى ظللت أرفض الانضمام أو التبعية لأى تنظيم، لكن محمد لم يستطع أن يصمد مثلى، فهناك من يؤثر عليه وهو متدين جدًا يذكرنى بجدى، وحينما فكر أن يتزوج لم أتدخل مطلقًا فى زواجه، ولم يكن لى أى رأى، والحمدلله اختار فتاة فاضلة من أسرة الشيخ الغزالى، فزوجة محمد هى ابنة فضيلة الشيخ الغزالى ولهما طفل اسمه محمد أو مودى، كما نناديه.
ويقول لمحمود فوزى: محمد وُجد فى ظروف مختلفة عن ظروفى، ورغم أننى كنت أتمنى له ألا ينضم لأى حزب أو هيئة ليظل حرًا بلا أى حزبية أو اتجاه سياسى مثلما حدث لى، إلا أنه دخل فى مرحلة التجريب السياسى وهو صغير، وتمسك بكل القيم والمبادئ والمثل العليا، لكنه لم يجد القوة القادرة لتحقيق كل أهدافه أو مبادئه إلا مع الإخوان المسلمين، فانضم لهم، وأصبح مرتبطًا بهم ارتباطًا وثيقًا، وإن كان انضمامه للإخوان المسلمين مدخله الأساسى هو الإتجاه الإسلامى فى المقام الأول، لأنه متدين.
ويكشف إحسان عن دور الشيخ الغزالى فى جذب محمد ابنه إلى الإخوان، يقول عن ذلك: كان من أصحاب الفضل عليه فى هذا الاتجاه واحد من أعمدة وأقطاب الفكر الإسلامى الشيخ الغزالى، وأصبح أكثر ارتباطًا وصلة به خاصة بعد زواجه من ابنته، بالطبع كل هذا له تأثيره على شخصيته وقناعاته، وأنا دائمًا أوافق على تصرفات ابنى محمد بالنسبة لنفسه، لأننى على ثقة من أنه ليست لديه أهداف خاصة أو أهداف تخل بسلامة وطهارة شخصيته، ولذلك فأنا راضٍ عما يفعل وأرى أنه الصواب.

هذه بالطبع رؤية الأب لابنه، لا يمكن أن يلومه، أو يتهمه بشىء، دائمًا ما يبرر له تصرفاته، بل ويبحث فيها عن الإيجابى، حتى لو كان كل ما يفعله سلبيًا.
لكن كيف اختلط الزيت بالماء؟
كيف أصبحت بنت الشيخ الغزالى زوجة لابن الأديب الكبير إحسان عبدالقدوس، رغم الفارق الكبير بينهما، ورغم أن الغزالى كثيرًا ما هاجم إحسان، وطعن فى كل ما تفعله مجلة روزاليوسف.
فى تقرير صحفى متميز نشرته جريدة «الشروق الجزائرية» فى ٢٢ فبراير ٢٠٢٢، حكى محمد عبدالقدوس ما جرى.
يقول: فى أيام الرئيس السادات تم تعيين الشيخ محمد الغزالى إمامًا وخطيبًا لمسجد عمرو بن العاص، وكنت معجبًا به ومتابعًا له، وقتها كنت صحفيًا تحت التمرين فى جريدة «أخبار اليوم»، فتم تكليفى بتغطية أخبار ولقاءات الشيخ محمد الغزالى، فتوطدت علاقتى بالشيخ، وكنت أزوره كثيرًا، وذات مرة زرته فى بيته وتعرفت على أسرته، وحين شاهدت ابنته عفاف خفق قلبى وتمنيتها زوجة، ولما كشفت عن رغبتى صدمت الأسرتان معًا.

يضيف محمد: أفراد أسرتى استغربوا وتفاجأوا ورددوا جملة كنت أسمعها كثيرًا وهى: كيف سيتزوج ابن نادى الجزيرة من ابنة الشيخ؟ وكيف ستقيم معنا فى ظل اختلاف طبيعة الأفكار؟ أما فى أسرة زوجتى فكانت هناك مشكلتان وليس مشكلة واحدة، الأولى أن الشيخ الغزالى كتب مهاجمًا والدى فى كتابه «ظلام فى الغرب»، فكيف سيزوج ابنته لمن يهاجم أفكاره؟ والثانية أن بيت الزوجية لم يكن جاهزًا بعد، ما يعنى أن نقيم فى منزل أبى لفترة طويلة، وقد خاف الشيخ الغزالى على ابنته، فكيف لها أن تعيش فى بيت إحسان عبدالقدوس الليبرالى، المنادى بالحريات بغير حدود، وهل يمكن أن تعيش فى هذا البيت دون أن تتأثر بأفكار والدى وبيئته المتحررة؟
على عكس الشيخ محمد الغزالى، وافق إحسان على الزواج طبقًا لرواية محمد عبدالقدوس، يقول: الغريب أن الشخص الوحيد الذى وافق منذ البداية على الزواج كان والدى، الذى كان يعرف طريقة تفكيرى ويحترمها، فوالدى كان يحترم الحريات والأفكار، حتى التى لا يقتنع بها.
ويضيف: قال والدى محمد بتفكيره أقرب إلى بيت الشيخ محمد الغزالى من بيت نادى الجزيرة، فقد كان يتكلم دائمًا عن الحرية ويطالب بها، وكان يطبق أفكاره علينا، ويمنحنا حريتنا كاملة، لذلك وافق على أن أتزوج ممن أريد.
فى تصريحات متكررة لإحسان عبدالقدوس وردت فى حوارات صحفية، يؤكد أنه لم يكن له رأى فى زواج ابنه من بنت الشيخ الغزالى، لا يوافق ولم يرفض، ترك له حرية الاختيار، كما كان يفعل معه دائمًا.

المشكلة كانت عند الشيخ الغزالى، يقول محمد عنه: لم يوافق الشيخ بسهولة، لكن مع إصرار ابنته وافق، فهو كان يحبها كثيرًا.
نسج محمد عبدالقدوس مع زوجته علاقة هادئة ومستقرة، ووجدت فى إحسان عبدالقدوس أبًا ثانيًا، فلم تشعر بأنه يريد أن يفرض عليها رأيًا معينًا، أو يسوقها إلى اتجاه معين، وهو ما كان سببًا فى أن ينجح الاقتران بين بيت نادى الجزيرة وبيت الشيخ الغزالى.
كانت هناك وأعتقد لا تزال مشكلة لدى محمد عبدالقدوس، فهو طوال الوقت يريد أن يؤكد للجميع أن هناك تشابهات بين والده وبين الشيخ الغزالى، تحدث فى هذا كثيرًا وكتب عنه أكثر، وقد سمعته مرة يقول إنهما كانا يتشابهان فى نقاط كثيرة، على رأسها احترام المرأة وتقدير مكانتها وتعزيز حريتها.
قبل هذا الزواج الذى جرى فى بدايات الثمانينيات من القرن العشرين لم تكن هناك معرفة بين الشيخ الغزالى والأديب الكبير إحسان عبدالقدوس، لكن الزواج قرب بينهما، وكانت بينهما محاورات كثيرة، وعندما نتأمل العلاقة الفكرية التى جمعت بينهما سنتأكد أن الأديب انتصر على الشيخ.
فى كتابه «ظلام من الغرب» يقول الشيخ الغزالى: باسم حرية الرأى يصدر فى أيامنا هذه العدد ١٤٠٩ من «روزاليوسف» طافحًا بالدعوة إلى الخلاعة، بل إلى الفسق، كأن حرية الرأى مرادف جديد لحرية الزنا، فينشر تحت عنوان: إباحة العلاقات الجنسية بين تلاميذ المدارس»، «بيان من مجلس وزراء السويد يحبذ هذه العلاقات».

ويتعرض لإحسان يقول: يكتب السيد إحسان عبدالقدوس فى هذا العدد: إنه لم يعد من حق الرجل أن يأمر بتحريم الرقص على المرأة، لم يعد من حقه أن يدع الطلاق معلقًا بإرادة الزوج، ولم يعد من حقه أن يحرم ارتداء المايوه، فالمايوه أصبح حقيقة أقوى من هيئة كبار العلماء.
ويضيف: ثم يمضى السيد المهذب فى شرح حرية الرأى، فإذا هى حرية الفتاة فى مصادقة من تشاء، أما الزواج فنظام عتيق ينبغى أن نختار صلة أفضل منه، وتحت عنوان «بيت الطاعة وأركانه المنهارة» يقول المحرر التقدمى: يا رجال التشريع، إن بيت الطاعة نظام فاسد لا يتفق وملابسات حياتنا الاجتماعية الجديدة، فلنستبدل به نظامًا آخر أكثر اتفاقًا وملاءمة لهذه الحياة، وإلا فلتمنح المرأة هذا الحق الذى يتمتع به الرجل وحده، وليجرب الرجال كيف يعيشون تحت سقف واحد مع امرأة لا يحبونها، عندما تجبرهم الشريعة على الدخول فى بيت الطاعة.. لا إنه نظام عقيم، ما أحوجنا إلى تغييره.
ويعلق الغزالى على ما كتبه إحسان بقوله: ولا بأس من هذا كله من غمز فريضة الصلاة غمزة تحط من مكانتها، فتحت عنوان «الطعام قبل الصلاة» يقول: إننا نريد أن نتقدم، وأن نصنع مجتمعًا صالحًا ومواطنين صالحين.. فماذا نفعل؟ هل نصلى مع « هكسلى» أو نأكل الزبد مع شو؟ إننا نصلى.. نصلى منذ ألف عام، ونصوم أيضًا، وفى الهند يصومون عن الماء والهواء أحيانًا، لقد صنعنا الصلاة، وصدرناها إلى هكسلى وأجداده، وجربناها على المذاهب الأربعة، ولم يبق إلا أن نجرب الطعام الجيد.
وينهى الغزالى تعليقه على ما كتبه إحسان وما جاء فى عدد روزاليوسف بقوله: أغلب مواد المجلة هزء بالإسلام على هذا النحو الوضيع باسم حرية الرأى، السلاح الذى يشرع فى وجه الإسلام وحده، دون غيره من الأديان والمذاهب.
إحسان عبدالقدوس كان معاديًا للإسلام فى فقه الغزالى إذن، لكن بعد عشرات السنين يصدر الشيخ الغزالى كتابه «المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة»، وبه مقال مهم عنوانه «بيت الطاعة.. اجتهاد خاطئ».

أعتقد أنه من المهم أن أترككم مع المقال قليلًا.
الشيخ الغزالى يتحدث إليكم الآن:
مع ثبوت الخلع فى الكتاب والسنة فقد رأيت جملة من المشتغلين بالفقه يتجاهلونه، ويرفضون إنهاء عقد الزوجية به، سواءً بالفسخ أو بإيقاع الطلاق، وبعضهم يدخله فى الطلاق للضرر، ويأبى أن يكون لمشاعر البغضاء عند المرأة وزن.
وقد عاصرت عهدًا كان القضاء الشرعى يأمر بإرسال الشرطة إلى أسرة الزوجة لإرغامها على الذهاب إلى بيت الطاعة كى تعاشر زوجها، وكانت الأسرة تقوم بتهريب الزوجة إلى مكان بعيد فرارًا من تنفيذ حكم القضاء.
وكنت أسأل نفسى: هل هذا هو تفسيرنا لقول الله سبحانه «أمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف، ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا».
إن من أبغض الأمور عندى تعريض الإسلام كله للرد والجحد بسبب اجتهاد خاطئ أو تعصب مذهبى ضيق.
وإذا كنا فى عصر تلتمس العيوب فيه لديننا الحنيف، ويقال عنه: إنه قضى على شخصية المرأة، واجتاح حقوقها المادية والأدبية، فلماذا بالله نستبعد حكم الخلع من شريعتنا، وهو حق، ونزعم أن المرأة يقبض عليها لتساق إلى بيتٍ هى له مبغضة؟
أعرف أن هناك رجالًا يحتقرون مشاعر النساء، ويأبون تلبيتها أو الوقوف عندها، فهل أولئك الرجال هم الممثلون للوحى الأعلى؟ إنهم أصحاب أمزجة جديرة بالمعالجة.

وقد يرجئ القضاء العادل إجابة المرأة إلى ما تبغى من خلع إيثارًا لمصلحة الأسرة والأولاد، وقد ينتظر تحكيم يتدخل الأهلون فيه ابتغاء الإصلاح، لكن المرأة إذا أبت الفراق، وردت ما سبق إليها من مال، فما بد من تسريحها والاعتراف بمشاعرها، وليس لنا أن نسأل عن الأسباب الخفية لهذه الرغبة لنقبلها أو نرفضها.
إن النبى- صلى الله عليه وسلم- عندما رق لزوج بريرة وقدر محبته لها، ذهب إليها يحدثها فى أن تعود إليه.
فسألته: جئت آمرًا أم شافعًا؟
قال: جئت شافعًا.
قالت: فلا أعود.
ولم يتهمها النبى، عليه الصلاة والسلام، فى دينها، ولا فى طاعتها لله ورسوله.
وامرأة ثابت بن قيس لم تتهم زوجها بأنه يشتمها أو يضربها أو يضيق عليها، وإنما شكت بأنها تكرهه كراهية شديدة، وصرحت بأنها ما تعتب عليه فى خلق ولا دين، إنها تكرهه وحسب، فما معنى الزوجية والحالة هذه؟
وما دخل رجال الشرطة هنا؟ وكيف يحكم الإسلام باستبقاء الزوجة فى بيت تعده سجنًا وتعد صاحبه شخصًا بغيضًا؟
وإذا قدمت ما أخذت من مال فداءً لنفسها فلم يؤخذ منها وتسترد حريتها؟ وهل تقام حدود الله فى بيت يسوده هذا الجو الخانق؟ وأى شرف للرجل فى هذه السيطرة؟
إن الذين يتجاهلون الخلع لا يفقهون قوله تعالى «فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون» والواقع أن ازدراء عواطف المرأة واستخدام القسوة لترضيتها بما لا ترضى ليسا من الإسلام ولا من الفقه.

إن الإسلام دين العدالة والمرحمة، ومَن تصور أنه يأمر باسترقاق الزوجة والإطاحة بكرامتها فهو يكذب على الله ورسوله، ويؤسفنى أن بعض الناس يتحدث عن الإسلام وهو شائه الفطرة، قاصر النظرة، والأدهى أنه يتطاول على أهل الذكر والاستنباط، ومصيبة الإسلام فى هذا العصر من أولئك الأدعياء.
ولا يجوز للرجل أن يحرج امرأته ليكرهها على طلب الخلع، أى يسىء عشرتها لتطلب الفكاك من أسره بأى ثمن، قال الشيخ سيد سابق فى كتابه «فقه السنة»: يحرم على الرجل أن يؤذى زوجته بمنع بعض حقوقها حتى تضجر وتختلع نفسها، فإن فعل ذلك فالخلع باطل والبدل مردود ولو حكم به قضاء.
وإنما حرم ذلك حتى لا يجتمع على المرأة فراق الزوج والغرامة المالية، قال الله تعالى «يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة». - العضل التضييق والمنع-
ويرى الإمام مالك أن الخلع ينفذ على أنه طلاق، ويجب على الزوج أن يرد البدل الذى أخذه من زوجته، على أن الإسلام الذى صان كرامة المرأة وأعلى مكانتها يرفض رفضًا شديدًا أن تستغل المرأة ذلك للعبث والنشوز، فإن البيت المسلم لا ينهض برسالته التربوية والاجتماعية إلا بالتعاون والتراحم وتبادل الحقوق والواجبات، وإذا كان الرجل يكدح سحابة يومه ليقوم بأسرته، فإن على أهله توفير السكن النفسى الذى يريح الأعصاب، ويمسح المتاعب، أما أن تطلب الزوجة الخلع لغير علة إلا البطر والأثرة، فهذه جريمة، وفى الحديث «أيما امرأة اختلعت من زوجها من غير بأس لم ترح رائحة الجنة».

وفى رواية لأبى هريرة «إن المختلعات هن المنافقات».
فلنعرف طبيعة شريعتنا، وليكن وعينا بأحكامها صونًا لحياتنا الخاصة والعامة.
انتهى مقال الشيخ الغزالى، وهو هنا يقر ما كان يقوله إحسان عبدالقدوس فى مقاله منذ عشرات السنين، وكأنى بالأديب الذى لا يدّعى فقهًا بالدين ينتصر على الشيخ الفقيه، فها هو الغزالى يقول نفس ما كان يقوله إحسانه وأخذه عليه بل واتهمه فى دينه.
عندما مات إحسان عبدالقدوس فى ١٢ يناير ١٩٩٠ انتظر كثيرون أن يكتب الشيخ الغزالى كلمة رثاء للرجل الذى عاشت ابنته فى بيته سنين طويلة قبل أن تستقل ببيتها.
تأخر الشيخ الغزالى شيئًا ما، فلم يكتب إلا بعد ما يقرب من شهر، ففى ١٣ فبراير ١٩٩٠ وفى زاويته «هذا ديننا» بجريدة الشعب كتب الغزالى عن إحسان، وختم مقاله بالدعاء له: رحم الله إحسان عبدالقدوس وأكرم نزله بقدر ما أمل فى رحمته وفوق ما أمل مما يفيئه عليه ذو الجلال والإكرام.
خلال السنوات التى جمعت بين الغزالى وإحسان دارت بينهما حوارات كثيرة، كان الشيخ الغزالى حريصًا على نشرها، ومن بين هذه الحوارات يمكننا أن نقرأ ما يدلنا على أن كلًا منهما لم يتغير، بل ظل محتفظا بأفكاره وشخصيته والتمسك بمرجعياته، وليس كما يحلو لمحمد عبدالقدوس أن يصور لنا أنه كان هناك تشابه بينهما، أو أنه حدث تقارب بين الأديب والداعية.
وها هما يتحدثان:
إحسان: أنا أعرف أن رحمة الله واسعة، وقد سمعت حديثًا قدسيًا جاء فيه «لما قضى الله الخلق، كتب عند عرشه: إن رحمتى سبقت غضبى»، وفى القرآن الكريم قال «كتب ربكم على نفسه الرحمة»، فإن كان الأمر كذلك فلماذا خلقت جهنم، وإذا وجدت فلماذا فيها خلود؟

الغزالى: فى كل سباق بين الناس لابد من مكافآت للمحسنين وعقوبات للمسيئين، وليس الحكم أن يسوى بين الفريقين، قال تعالى «أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون»، والله سبحانه، كما وصف نفسه بالرحمة وصف نفسه بالعدالة، ولابد من تحقيق الوصفين فى الدنيا والآخرة لتنضبط شئونهم بين الرغبة والرهبة، بين الخوف والرجاء، وفى الآيات الكريمة قال تعالى «نبئ عبادى أنى أنا الغفور الرحيم، وأن عذابى هو العذاب الأليم»، وغضب الله مقلق، كما أن رحمته مطمعة، وفى الحديث: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع فى جنته، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة لما قنط من جنته».
إحسان: إن فى كلامك ثمة تناقضًا، فكلامك يفيد أن الأوصاف الإلهية متساوية من حيث الثواب والعقاب، وما ذكره يفيد بأن الرحمة العليا تغلب، لكن فى نفس الوقت كيف يكون هناك خلود فى جهنم؟
الغزالى: لا تناقض، فهناك مجالٌ واسع للرحمة المنشودة وأولى الناس بها من يعترف بصاحبها، فلا نصيب له فى هذه الرحمة، نحن فى دنيانا لا نرحم من يقترف جريمة الخيانة العظمى، وإن كانت له حسنات معدودة، والجاحدون للإلوهية المتمردون على الوحى خونة لا أمل لهم، والحق أننا مغمورون برحمات الله، ظاهرًا وباطنًا، وما يفقد هذه الرحمة إلا هالك لا يساوى شيئًا ولا تنهض له عند نفسه حجة.
إحسان: إن مبدأ العقوبة لا يمكن استبعاده فى المعاملات الخاصة والعامة، لكننى أتحفظ على مسألة الخلود فى جهنم، فأنا رجل حقوق لا أهيم فى أودية الخيال، ولكن تصورى للكمال الإلهى ورجحان الرحمة العليا يجعلانى أستبعد الخلود فى جهنم على أعمال خاطئة تمت فى زمن محدود.
الغزالى: الخلود فى جهنم قد يعنى الزمان الطويل، كما أن الأشغال الشاقة المؤبدة تعنى مدة معينة، وهناك اتفاق على أن بعض الملوثين يبقون فى جهنم مدة يتهذبون فيها ثم يخرجون، ومع أن جمهرة المسلمين ترى أن الكفار والمستكبرين على الله يبقون فى جهنم أبد الدهر، فإن هناك علماء من الأكابر يرون أن جهنم ستفنى يومًا بمن فيها.

ورغم الخلاف الذى كان قائمًا بين الأديب والداعية، إلا أن هناك ما يؤكد أن الشيخ الغزالى كان معجبًا بإحسان عبدالقدوس.
قصص إحسان عبدالقدوس كانت تجعل القراء يشعرون بالسياسة عبر الحب والخيانة والصراع الأخلاقى
فى جريدة «الدستور الأردنية» نشر عبدالرءوف التل مقالًا فى ٢٢ سبتمبر ٢٠١٤ فيه إشارة إلى إعجاب الشيخ الغزالى بإحسان عبدالقدوس وتقديره له وثنائه على شجاعته.
يحكى عبدالرءوف أنه فى أواخر العام ١٩٧٢ طلب منه شقيقه حسن التل- كانا يصدران جريدة اللواء الأسبوعية- وكان وقتها فى القاهرة، الاتصال بالشيخ محمد الغزالى ليجرى معه حديثًا صحفيًا.
يقول التل: تطرق الحديث مع الشيخ الغزالى إلى الصحفى والكاتب القصصى إحسان عبدالقدوس، حيث أثنى عليه باعتباره صحفيًا جريئًا، وكان رئيس مجلة «روزاليوسف» التى أسستها والدة إحسان عبدالقدوس، فاطمة اليوسف وفى أعقاب هزيمة الجيوش العربية فى العام ٤٨ قام إحسان بفضح قصة الأسلحة الفاسدة التى ابتاعها قادة مصر فى ذلك الوقت، وزودوا بها الجيش المصرى المحارب فى فلسطين، وهى فضيحة كبرى.
ويضيف التل: ذكر الشيخ الغزالى أن إحسان عبدالقدوس كان له دور كبير فى إقناع جمال عبدالناصر بضرورة إعادة طبع كتاب عبدالقادر عودة «التشريع الجنائى فى الإسلام» لأنه كتاب فقه وقانون ولا بد أن يستفيد منه رجال القانون والطلاب فى مصر، لأنه كتاب فريد، فى معالجته للقضايا القانونية التى عالجها.
لا أحب التدخل فيما تفعله المقادير بالناس، لكننى فكرت على هامش تفاصيل العلاقة التى جمعت بين الشيخ محمد الغزالى والأديب الكبير إحسان عبدالقدوس، وسألت نفسى:
هل كانت العلاقة بينهما ستتحول من العداء والنقد والاتهام من قبل الغزالى إلى هذه الحالة من الود؟
هل كان الشيخ الغزالى سيدخل فى حوارات مطولة مع إحسان، وهى الحوارات التى كانا فيها نِدان، لم يستطع فيها الشيخ الغزالى أن ينتصر على إحسان ويجعله يخضع له؟
وهل كان يمكن أن يعيد الشيخ الغزالى النظر فى بعض ما قاله وأكد عليه وتحديدًا فيما يتعلق بالمرأة وحقوقها؟
أعتقد أن الشيخ الغزالى تأثر كثيرًا بإحسان عبدالقدوس، وهو الأثر الذى دفعنى لأن أقول إن منطق الأديب تفوق على منطق الداعية.







