عقدة قتل الأب.. هل خان هيكل ومصطفى أمين محمد التابعى؟
- لم يحفظ مصطفى أمين للتابعى لا تاريخه ولا هيبته ولم يحافظ على تراثه ولم يتواصل مع أسرته بعد وفاته
- لم يكن صحيحًا ما أشيع أن هيكل أوحى لمصطفى أمين وهو فى السجن أن التابعى كان من أسباب القبض عليه
- خلال سنوات السجن لم يحاول محمد التابعى ز يارة مصطفى أمين أو السؤال عنه
- هيكل رفض مساندة التابعى فى أزمته المالية وقال: يأخذ من الأهرام 200 جنيه ومن رئاسة الجمهورية 200 جنيه ثم يشكو الآن من الأقساط والديون.. وبعدها كتب التابعى خطابًا تاريخيًا يستجدى جمال عبدالناصر حتى يتدخل وينقذه من أزماته
- التابعى كان يعانى من الديون التى تراكمت عليه لأخبار اليوم والتى يبدو أنها كانت عبارة عن أموال كثيرة حصل عليها كسلف
- هيكل اعتذر متأخرًا للتابعى وكتب يقول: بعض تلاميذ المدرسة الصحفية للأستاذ التابعى ولأسبابهم أثروا السكوت عن دوره أو القفز عليه ومن ظلم الأطراف أيضًا أن كثيرين أخذوا عما كتب التابعى دون أن ينسبوا إليه
- قرر تلاميذ الأستاذ ومنهم هيكل بالطبع أن يقتلوه وقد نجحوا فى ذلك
هل كان الكاتب الكبير مصطفى أمين، ومن بعده الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل يعانيان من عقدة قتل الأب تجاه أستاذهما ومعلمهما الكاتب الأكبر محمد التابعى.
فى كتاب مصطفى وهيكل إشارات عديدة إلى أنهما تعلما على يد التابعى، فهو من فتح لهما باب الصحافة الكبير، ووضعهما على أول طريق المجد والشهرة، ارتبطا به ارتباط التلميذ بأستاذه والمريد بوليه، ودارا فى فلكه لسنوات طويلة.
لكن النهايات كانت مزعجة ومؤسفة.
من أدبيات علم النفس نعرف أن عقدة «قتل الأب» وخاصة عند سيجموند فرويد تشير إلى صراع لا واعٍ لدى الابن تجاه أبيه، حيث يراه منافسًا على حب الأم، وتعرف بعقدة «أدويب»، وهى مبنية على أسطورة «أوديب» الذى قتل أباه وتزوج أمه دون أن يعلم.
عندما نخرج بهذه العقدة من كتب علم النفس، نجد أنها يمكن أن تشير إلى الصراع الرمزى ضد السلطة الأبوية، أو إلى تحدى الأب الرمزى أو السلطة العليا للوصول إلى الاستقلالية.
وعندما نطبقها على العلاقة بين مصطفى أمين وهيكل من ناحية، ومحمد التابعى من ناحية أخرى، سنجد أنهما اتفقا فيما بينهما- رغم أنهما قليلًا ما كان يتفقان- على نفى التابعى وتحجيم دوره، وتحديدًا بعد ثورة عام 1952.
كان التابعى يمثل بالنسبة لهما سلطة معنوية، فهو الأستاذ، ولن يمكن أن ينصرف ذهن أحد عندما يستمع لكلمة الأستاذ إلى أى منهما طالما أنه لا يزال موجودًا وفى قوته وعنفوانه، لن يشعرا بتحقيق أى إنجاز وهو إلى جوارهما على القمة، وعليه فلا بد من تحجيمه وطمس آثاره، ولا مانع حتى من تركه وحيدًا يعانى، فعندما احتاج إلى الدعم والمساعدة لم يجدهما إلى جواره.
لا أفترض هنا افتراضًا نظريًا، ولا أحاول نسج نظرية خاصة حول الكُتاب عن الثلاثة الكبار فى تاريخنا الصحفى، فلدى من الوقائع ما يشير إلى ذلك ويؤكده.

لنبدأ معًا من النهاية.. وتحديدًا من ٢٤ ديسمبر ١٩٧٦، وهو اليوم الذى توفى فيه محمد التابعى بعد رحلة مرض استمرت لسنوات.
صباح هذا اليوم كان محمود صلاح أشهر محرر حوادث فى مصر ورئيس تحرير مجلة آخر ساعة ثم أخبار الحوادث بعد ذلك يجلس فى مكتبه بجريدة أخبار اليوم، ووصله خبر وفاة الأستاذ التابعى.
فى كتابه «أسرار وحكايات فى بلاط صاحبة الجلالة» يروى لنا محمود صلاح ما جرى.
يقول: أسرعت ومعى أحد مصورى أخبار اليوم إلى منزل الراحل محمد التابعى فى حى الزمالك، ضغطت على جرس الباب، وبعد برهة انفتح الباب ووجدت نفسى أقف أمام سيدة ترتسم أمارات الحزن على وجهها، وما إن أخبرتها أننى صحفى فى أخبار اليوم، حتى فوجئت بها تصرخ فى وجهى فى انفعال، وقالت بصوت هستيرى: اطلع بره، وكنت بالفعل بره لم أدخل البيت، بل أقف على عتبته.
كانت السيدة التى فتحت الباب لمحمود صلاح هى هدى التابعى زوجة الكاتب الكبير.
لم تكتف بذلك، بل- وطبقًا لما يرويه صلاح- انطلقت فى ثورة تكيل الشتائم إلى دار أخبار اليوم وإلى صاحبيها مصطفى وعلى أمين، وإلى جميع الصحفيين الذين يعملون فى أخبار اليوم.
يضيف محمود: استولى على الذهول، وتسمرت فى مكانى، وأنا لا أعرف سببًا لثورة السيدة هدى، وفى اللحظة التى قررت فيها أن أغادر مكانى، فوجئت بفتاة فى العشرينيات تأتى من داخل البيت على صوت الصراخ، وكانت هذه الفتاة شريفة ابنة التابعى.
هدأت شريفة أمها، وأفهمتها أنه مجرد صحفى يؤدى عمله، ولا شأن له بمسألة الخلاف الذى كان بين التابعى وبين أخبار اليوم.
هدأت هدى التابعى وأخبرت محمود صلاح بسر ثورتها، وأخبرته بأن التابعى عاش شهور وأيام مرضه الأخيرة وحيدًا، دون أن يفكر أحد من أخبار اليوم فى الاطمئنان عليه أو السؤال عنه.

أخذت هدى محمود من يده، يقول: نهضت لأسير خلف أرملة التابعى وأنا لا أعرف ماذا تريد؟، وفتحت إحدى الحجرات، وأشارت بيدها إلى فراش تغطيه ملاءة بيضاء، وقالت وهى تبكى: هذا هو جثمان التابعى.. أمير الصحافة.
لم يخبر محمود صلاح مصطفى أمين بما جرى بينه وبين السيدة هدى التابعى، وفى روايته أشار إلى أن مصطفى أمين طلب منه أن يكتب القصة كاملة، ولما أعطاها له- وكما يقول- وللأمانة فإنه أمر بنشر ما كتبته دون أن يحذف منه كلمة واحدة.
لكن ما الذى جرى فى مياه النهر الذى كان يربط مصطفى أمين بمحمد التابعى، وكيف تحولت الصحبة الدائمة إلى قطيعة.
هنا يمكن أن نعود إلى عام ١٩٦٥ عندما تم إلقاء القبض على مصطفى أمين متهمًا بالتجسس لصالح الولايات المتحدة الأمريكية.
صدر حكم بالحبس المؤبد لمدة ٢٥ عامًا ضد مصطفى أمين، لكن تم الإفراج عنه بعفو صحى وقعه الرئيس السادات فى يناير ١٩٧٤.
خلال سنوات السجن لم يحاول محمد التابعى زيارة مصطفى أمين أو السؤال عنه، وكان هذا طبيعيًا، فالتهمة تجسس، ونظام عبدالناصر كله كان متحفزًا ضد كل ما يتعلق بمصطفى أمين.
لم يكن صحيحًا ما أشيع أن هيكل أوحى لمصطفى أمين وهو فى السجن أن التابعى كان من أسباب القبض عليه، وأميل إلى أن مصطفى غضب من أستاذه لأنه لم يبد معه تعاطفًا، ولم يحاول زيارته ولو لمرة واحدة، وهو ما جعله لا يرد على البرقية التى أرسلها له التابعى يوم الإفراج عنه، رغم أنه كان مريضًا فى المستشفى يتلقى العلاج، بل لم يفكر فى زيارته أو السؤال عليه، وظل مقاطعًا له حتى وفاته.
عندما خرج مصطفى أمين من السجن عام ١٩٧٤ كان التابعى قد توقف عن الكتابة قبل ثلاث سنوات، فقد كان آخر مقال كتبه ونشرته له جريدة الأخبار فى ٢٠ مايو ١٩٧١، وكان عنوانه «جمال عبدالناصر عرف كيف يختار خليفته»، وهو المقال الذى أشاد فيه بالرئيس السادات، وما أخذه من إجراءات فى مواجهة مراكز القوى.
ظل التابعى خلال السنوات الخمس الأخيرة، والتى تفصل بين توقفه عن الكتابة ووفاته أسيرًا لبيته أحيانًا وللمستشفيات أحيانًا، فقد كان مريضًا يعانى، وقد زاد عليه أن أحدًا من تلامذته لم يكن يسأل عليه، لا هيكل ولا مصطفى أمين.
لم يحفظ مصطفى أمين للتابعى لا تاريخه ولا هيبته، ولم يحافظ على تراثه، ولم يتواصل مع أسرته بعد وفاته، ولو من باب رد الجميل.
فعل مصطفى ما هو أكثر من ذلك.
فى عام ١٩٨٥ بدأ مصطفى أمين كتابة حلقات صحفية فى جريدة «أخبار اليوم» تحت عنوان «مسائل شخصية»، وهى الحلقات التى جمعها فى كتاب بعد ذلك بنفس الاسم.
رسم مصطفى للتابعى صورة على هواه، أخرجه من دائرة صناع الصحافة الكبار، وأصحاب المدارس الكبرى فيها، واهتم بأن يظهره ككاتب ساخر تنافس فضائحه كتاباته وحملاته الصحفية وأدواره السياسية.
يصف أمين التابعى بأنه كان أحد ملوك الصحافة فى مصر، عاش حياته بالطول والعرض، ذاق الفقر والحرمان، واستمتع بحياة أصحاب الملايين، عشق الراقصات والأميرات، نام على مقعد فى بدروم عمارة الشاعر أحمد شوقى بشارع جلال، حيث كانت إدارة مجلة «روزاليوسف» فى أيامها الأولى، ونام فى الجناح الملكى بفندق «جوج سانك» بباريس، كان يركب «بـسكليت» ويتنقل بهذه الدراجة من إدارة المجلة إلى المطبعة، وامتلك السيارات من أحدث طراز فى زمن كانت السيارات وقفًا على الباشوات وأصحاب الملايين.

ويواصل مصطفى رسمه لشخصية التابعى كما أراد أن يقدمها لقرائه، فيقول عنه: كان شخصية غريبة، طرد من مدرسة الحقوق، وعمل موظفًا صغيرًا بمصلحة التموين أثناء الحرب العالمية الأولى بستة جنيهات فى الشهر، كان ينفق خمسة جنيهات منها فى اليوم الأول، ويعيش التسعة والعشرين يومًا الباقية على جنيه واحد، قرش فى الإفطار وقرش فى الغداء وقرش فى العشاء، وتبقى عشرة قروش يدخل بها إلى دارين من دور السينما، ويحصل على مقعد لوج بأربعة قروش، ويدفع كل مرة قرش صاغ «بقشيش» لعامل السينما.
ويتحدث مصطفى أمين عن أسلوب التابعى، فيصفه بأنه كان لاذعًا فى بساطة، يحول بجملة الوزير إلى «بلياتشو» والزعيم إلى «بهلوان» قادرًا على أن يسخط المشروع الحكومى المهم ويجعله «نكتة» على أفواه الملايين.
ولأن مصطفى كان مهتمًا بالقفز على المهم فى حياة التابعى إلى الهامشى، يقول: كان قويًا مع الرجال ضعيفًا مع النساء، كان لا يثق فى أى رجل بسهولة، وكان يثق بأية إمرأة بسهولة، وكان أستاذًا فى جذب النساء بكل اللغات ومن كل الأجناس، لم يترك دولة أوروبية إلا وله فيها حبيبة، يبرق لها بالتهنئة فى عيد ميلادها، ويقدم لها الأزهار فى ذكرى لقائهما الأول، وكان سخيًا مع النساء إلى درجة الإسراف، ومقتصدًا مع الرجال إلى درجة التقتير، فهو يجد متعة لا حد لها فى أن يقدم لسيدة يعرفها لأول مرة خاتم سوليتير، ولكنه يستكثر على صديق حميم قلم حبر أمريكانيًا، قضى حياته فى عشق مستمر، يخرج من حب إلى حب، وكان قلبه يتغير مع فصول السنة، كان يسافر مرتين إلى أوروبا كل عام، وفى كل مرة يقع فى حب جديد، حبيبة للصيف وحبيبة للشتاء، وكان يمضى ستة أشهر من السنة فى مصر، فيحب مصريات وفلسطينيات ولبنانيات وسوريات، كان قلبه مثل الأمم المتحدة فيه ممثل لكل دولة من دول العالم.

ويصف أمين، التابعى بأنه كان شخصية متناقضة، ويحكى لنا واقعة تؤكد ذلك من وجهة نظره.
يقول: كان يتولى بنفسه حسابات مجلة «آخر ساعة»، يدقق فى كل مليم، ويعيد جمع وطرح وضرب كل عملية حسابية عدة مرات، وقد أبقانا معه فى مكتبه من الساعة الثامنة مساء إلى منتصف الليل يبحث عن ثلاثة قروش ناقصة فى حساب المجلة، ووجد الغلطة فى آخر الأمر، فأخذنى أنا وجميع محررى المجلة بعد منتصف الليل إلى صالة بديعة، وكانت يومئذ فى شارع عماد الدين، وأنفق فى تلك السهرة مائة جنيه عندما كانت مائة جنيه تساوى عشرة آلاف جنيه فى هذه الأيام.
ثم يصفه أمين مرة أخرى بأنه صاحب مزاج متقلب، فإذا حوصر التابعى عمل ١٨ ساعة كل يوم، وإذا أفلت من الحصار مكث ستة أشهر دون أن يكتب مقالًا واحدًا، التحدى يثير نشاطه ويقوى خياله ويبرز عبقريته، والرخاء يجعل قلمه يسترخى، وعقله يستريح، ويفضل أن يتمدد على شاطئ البحر فى «كابرى» على أن يجلس فى مكتبه بميدان التحرير.
ويصل مصطفى أمين إلى محطة هدى التابعى، فيقول عن أستاذه: كتب سلسلة مقالات رائعة نشرها فى مجلة «آخر ساعة» عن قصة غرامه بأسمهان، وقد غيرت هذه المقالات تاريخ حياته، فقد أحب قارئة أعجبت به، بعد أن كان قد أقسم ألا يتزوج أبدًا، وعاد التابعى شابًا من جديد، ودامت قصة زواجه السعيد من سنة ١٩٤٦ إلى أواخر السبعينيات، كان عندما تزوجها فى الخمسين من عمره، وكانت القارئة التى أحبته فى العشرين من عمرها، ومات بين ذراعى المرأة التى أحبها أكثر من ثلاثين عامًا، وقبلها كانت أطول قصة حب فى حياته لا تدوم أكثر من ستة أشهر.
لم يكن مصطفى أمينًًا دقيقًا فيما كتبه عن قصة حب التابعى مع السيدة هدى، ولم يكن دقيقًا فى تاريخ زواجهما. فقد تعرف عليها التابعى عام ١٩٤٩، وكان عمرها وقتها ١٧ سنة.
بدأت العلاقة بصداقة، قارئة تناقش كاتبها فى مقالات كتبها عن قصة حبه، وتخفف عنه حدة الهجوم الذى لاقاه بحجة أن هذه التفاصيل عن حياته الخاصة مع أسمهان ما كان لها أن تنشر، لكنها كانت متفهمة ودافعت عن حقه فى أن يكتب ما يشاء كما يشاء.
تحولت الصداقة إلى حب، وبعد ٣ سنوات طلب التابعى من هدى الزواج، الذى تم عام ١٩٥٢ قبل شهور قليلة من الثورة، ولم يكن هناك فرح، بل مجرد حفل عقد قران سافرا بعده العروسان إلى أوروبا.
لم يكن هذا ما أغضب هدى التابعى، لكنها عابت على مصطفى أن يكون هذا هو ما يصدره عن أستاذه التابعى، لكنها لم تتواصل معه أو تراجعه فيما فعله، لأنها سبق وفعلت ذلك، عندما كانت « أخبار اليوم» تنشر حلقات عن غراميات المشاهير ونجوم المجتمع.

تناولت الحلقات التابعى، وأشارت إلى إسرافه الشديد على بطلات قصص غرامه، وقتها كان لا يزال محمد التابعى على قيد الحياة، لكنه كان يعيش سنواته الأخيرة.
أجرت هدى التابعى مع مصطفى أمين مكالمة هاتفية عاصفة، وبسبب ما دار بينهما انقطع أى اتصال بينهما حتى مات عام ١٩٩٧.
وقبل أن يموت التابعى أيضًا كتب مصطفى أمين بعضًا من سيرته فى الصحافة، ومن بين ما قاله إن التابعى باع له هو شقيقه على أمين مجلة آخر ساعة مقابل ٢٠٠ ألف جنيه.
كانت «هدى» تعرف أن هذه المعلومة ليست صحيحة، لكنها سألت التابعى عنها، فنفى تمامًا ما قاله مصطفى أمين، ويومها بكى، وقال لزوجته: إذا كانوا يكذبون على وأنا ما زلت حيًا، فماذا سيفعلون بعد أن أموت؟.

خيانة هيكل لأستاذه محمد التابعى كانت أكثر مرارة من خيانة مصطفى أمين له.
هنا يمكن أن نفتح معًا صفحات كتاب مهم صدر عام ١٩٧٧ أى بعد وفاة التابعى بعام واحد، كتبه الدكتور محمد الدسوقى الذى عمل لسنوات سكرتيرًا خاصًا للدكتور طه حسين.
وقبل أن نصل إلى ما يخص التابعى وهيكل فى هذا الكتاب لا بد أن نتعرف على قصة الدسوقى مع الدكتور العميد.
يقول «الدسوقى» فى مقدمة كتابه: بدأت علاقتى بالعميد فى أواخر سنة ١٩٦٤ وامتدت إلى صيف سنة ١٩٧٢، أى قبل وفاته بنحو عام، والحقيقة أننى فى هذه المدة كلها لم أكن أعمل مع العميد سكرتيرًا بصفة رسمية، ففى السنوات الأربع الأولى كان الأستاذ فريد شحاتة ما زال يعمل معه، غير أنى كنت أذهب إلى العميد يومًا كل أسبوع على الأقل، وهو يوم إجازة فريد، بالإضافة إلى إجازته السنوية، وكانت نصف شهر، تبدأ غالبًا عقب عودة العميد من رحلته الصيفية، فضلًا عن الطوارئ المختلفة، التى كانت تحول بين فريد وذهابه للعميد، كالمرض وإنجاز بعض الأعمال الخاصة، وما أكثر تلك الطوارئ، وخاصة طوارئ المرض، وأنه أصبح بهذا السلوك- على حد العميد- لا تطاق، وبعد أن ترك فريد العمل مع العميد كان على أن أذهب إليه يوميًا، وأن أتولى مهمة السكرتير الخاص له.
سجل «الدسوقى» فى كتابه يومياته مع طه حسين، وعندما نصل إلى يوم الاثنين ٢١ أبريل ١٩٦٩، سنقرأ الآتى:
كان الأستاذ محمد التابعى الصحفى المعروف قد اتصل هاتفيًا بالعميد بالأمس، يطلب تحديد موعد للزيارة، ورد عليه العميد بأنه يمكن أن يحضر مساء الاثنين، إننى لا أذكر أنى التقيت به مرة قبل الآن وليست بينى وبينه صلة ما.
وفى الموعد المضروب جاء الأستاذ التابعى، وكنت أراه لأول مرة، لقد دلف إلى حجرة المكتب بادى الإعياء زائغ النظرات ولما جلس بجوار العميد قال: لست أدرى كيف أبدأ قصتى، وتقدمت منه أقدم إليه سيجارة، فاعتذر لمرضه، ولأن الطبيب منعه من الإكثار من التدخين.
وهمس الأستاذ التابعى فى أذن العميد بكلمات مفادها أنه يريد أن يحدثه على انفراد، فتركت حجرة المكتب وجلست فى الردهة نحو نصف ساعة، ووجدت العميد بعد انصراف الأستاذ التابعى يردد هذه العبارة «أعوذ بالله»، وآثرت الصمت ولم أسأل العميد عن الأمر الذى ألجأ الأستاذ التابعى إلى الحضور.
الفصل الثانى من الحكاية جرى فى اليوم التالى، الثلاثاء ٢٢ أبريل ١٩٦٩، يقول «الدسوقى»:
اتصل العميد هاتفيًا فى صباح هذا اليوم بالأستاذ محمود أمين العالم رئيس مجلس إدارة الأخبار، وقال له: هناك مسألة إنسانية تتعلق بالأستاذ محمد التابعى، فقد حضر أمس عندى، وحالته بؤس، ويرجو تقسيط ما عليه من ديون للأخبار، ولم أعرف رد الأستاذ العالم، غير أن العميد ختم حديثه معه بقوله: أرجو أن تفعل ما تقدر عليه، وأحب أن أراك قبل سفرى.
وما كاد العميد ينتهى من حديثه مع الأستاذ العالم حتى اتصل به هاتفيًا الأستاذ التابعى، وقد طمأنه العميد بأن الأستاذ العالم وعد خيرًا، وأن العميد سيحاول الاتصال بالأستاذ محمد حسنين هيكل فى الأهرام.
هيكل يظهر أمامنا فى الفصل الثالث من الحكاية يوم الأربعاء ٢٣ أبريل ١٩٦٩، يقول «الدسوقى»:
قال العميد للأستاذ هيكل فى حديثه الهاتفى صباح اليوم: إن الأستاذ التابعى جاءنى، وهو يشكو من آلام صحية كثيرة، وعليه ديون للأخبار، ويرجو أن تعمل له شيئًا، واستغرق رد الأستاذ هيكل على ما قاله العميد نحو عشر دقائق، كان العميد يردد فى أثنائها: مش معقول، هذا غلط، يا سلام، ومع هذا طلب فى النهاية من الأستاذ هيكل أن يعمل ما يقدر عليه.
وبعد انتهاء الحديث قال العميد: تصور أن الأستاذ التابعى ينفق على ابن له يبلغ الرابعة عشرة من عمره مبلغ ٦٥٠ جنيهًا فى شهر واحد، فظننت أنه أنفقها فى العلاج مثلًا، فقال: لا، أنفقها فى العبث، إنه بهذا يقضى على ابنه، ثم إن الأستاذ هيكل قال لى: إنه كلم الرئيس جمال بخصوص الأستاذ التابعى، وأن الأستاذ التابعى يأخذ من الأهرام ٢٠٠ جنيه، ومن رئاسة الجمهورية ٢٠٠ جنيه، ثم يشكو الآن من الأقساط والديون.
لم يكن هيكل رحيمًا بأستاذه إذن، بل حكى لطه حسين ما أضاف به رتوشًا على صورة الرجل الذى كسب من الصحافة الملايين، لكنه فى سنواته الأخيرة لم يكن يجد ما ينفقه على نفسه وأسرته، بل كان يعانى من الديون التى تراكمت عليه لأخبار اليوم، والتى يبدو أنها كانت عبارة عن أموال كثيرة حصل عليها كسلف، لكنه عجز عن سدادها.
لم تكن هذه الديون جديدة، ولم يكن مما قاله هيكل لطه حسين دقيقًا، بل بدأت عام ١٩٦٢.
وهو ما نتعرف عنه من الكاتب الصحفى سعيد الشحات فى كتابه «ذات يوم»، حيث نقل من مذكرات سامى شرف «سنوات وأيام مع جمال عبدالناصر» نص رسالة أرسل بها التابعى إلى جمال عبدالناصر فى ١٠ مارس ١٩٦٢.
يقول التابعى فى رسالته: «ليس أمامى يا سيادة الرئيس إلا أن ألجأ إليكم لعلكم تجدون لى حلًا لدى البنوك أو مؤسسة «أخبار اليوم»، فأنا يا سيدى الرئيس مدين فى نحو عشرة آلاف جنيه لبنك مصر، والبنك العربى، وبنك التجارة وبنوك أخرى، ومنها ألف جنيه لمؤسسة «أخبار اليوم»، وسددت منها حتى الآن نحو ٧٠٠ جنيه».
ويضيف التابعى: «يجب على أن أعترف بمسئوليتى، بل بسوء تصرفى، فقد كنت مسرفًا كل الإسراف فى شبابى، فلم أقتصد شيئًا، وكان إيرادى يكفينى وكنت أنفقه كله، ثم كان ما لم يكن فى حسابى فتزوجت فى سن متأخرة، وورث ابنى وابنتى عنى وعن أمهما أمراض الحساسية وعلى رأسها الربو، واضطررت نزولًا على رأى الأطباء أن أصحب ابنى إلى جبال سويسرا أو لبنان سنوات متوالية للعلاج والاستشفاء، وكنت فى كل مرة أستدين نفقات الرحلة، وزوجتى أيضًا أصيبت بجلطة فى ساقها اليسرى عقب إجراء عملية جراحية لها وهى الزائدة الدودية، وسافرنا مرتين إلى ألمانيا الغربية لعلاج الساق الضعيفة فى حمامات بادن، ومرضت أنا فى عامى ١٩٥٦ و١٩٥٧، وأجريت لى عمليات جراحية وأقمت فى المستشفى نحو ثلاثة أشهر».
ويتابع التابعى: «وكان يومئذ أول عهدى بالاستدانة، فمرضى كلفنى نحو ألفى جنيه، ومن يومها تراكمت على الديون، ولما كنت لا أملك شيئًا على الإطلاق، رأيت أن أؤمن مستقبل نجلى الاثنين فعملت لهما بوليصتى تأمين، قيمتهما ١٥ ألف جنيه، وأدفع عن البوليصتين أقساطًا سنوية نحو ٧٥٠ جنيهًا، ومؤسسة «أخبار اليوم» تستقطع شهريًا من مرتبى ٥٠ جنيهًا على الأقل من قيمة دينها على».
ويضيف: «أنا يا سيدى الرئيس لا أزعم أن لى حقًا أو حقوقًا لدى «أخبار اليوم»، ولكننى أرجو أن تكون الاعتبارات الآتية موضع العطف والتقدير».
ويعدد التابعى اعتباراته فى رسالته، يقول عنها:
أولًا: لقد تنازلت فى ١٩٤٦ عن مجلة «آخر ساعة» بعقد بيع، جاء فيه أننى تناولت ألف جنيه وهذا غير صحيح، لأننى لم أتناول قرشًا واحدًا، وأعتقد أن مصطفى وعلى أمين يعترفان بهذا.
ثانيًا: كان المتفق عليه أن يكون مرتبى خالصًا من الضرائب، ولكن عقد الاتفاق جاء خاليًا من النص على هذا، ولما كنت يومئذ مريضًا جدًا باحتقان الكبد والمرارة ومصابًا بانهيار عصبى بسبب كثرة العمل والإرهاق النفسى، فقد سكت، ولعلى كنت أعتقد فى قرارة نفسى أننى لن أعيش طويلًا.
ثالثًا: قمت بثمانى رحلات صحفية طويلة إلى أقطار فى أوروبا وآسيا خلال الستة عشر عامًا التى مضت على اتفاقى مع «أخبار اليوم»، وأرسلت خلالها أكثر من مائتى مقال، وكانت هذه الرحلات على نفقتى الخاصة لم تسهم فيها «أخبار اليوم» بقرش واحد حتى ولا أجرة السفر بالباخرة أو بالقطار، ما عدا فى عامى ١٩٥٨ و١٩٦١، تناولت ٥٠٠ جنيه مساهمة من الدار فى نفقات السفر، هذا بينما تكفلت الدار دائمًا بنفقات رحلات أى محرر أو محررة، وبلغ بعضها عدة آلاف من الجنيهات.
وينهى محمد التابعى رسالته إلى جمال عبدالناصر بقوله: «كنت أعتقد فى عام ١٩٤٦ أن حياتى لن تطول، وقدر لى أن أعيش، وأتزوج وتتضاعف نفقات وتكاليف الأمراض التى ابتليت بها أنا وأفراد أسرتى، ومن هنا كانت ديونى التى كنت أؤجلها من عام إلى عام ومن شهر إلى شهر، ومعظمها تستحق فى مارس الحالى.. صدقنى يا سيدى الرئيس إننى خجل، ولكن الدنيا ضاقت فى وجهى فلم أجد أمامى سواكم، وأنا لكم دائمًا وفى جميع الحالات الشاكر المحب المخلص».
استجاب عبدالناصر لرجاء محمد التابعى، ويؤكد سامى شرف أن الرئيس أسقط ديونه، وأمر بإذاعة مقال له فى «صوت العرب» بمقابل مادى ٢٥ جنيهًا عن المقال الواحد.
فى رسالته إلى عبدالناصر يكشف التابعى كذب مصطفى أمين فيما يخص ما حصل عليه من أخبار اليوم مقابل تنازله عن مجلته «آخر ساعة».
والأهم أنه يكشف كذب ما قاله هيكل عنه لطه حسين، من أنه كان ينفق أمواله على ابنه من باب المنظرة والفشخرة وأنه بذلك يؤذى ابنه، فقد كان الابن مريضًا كما كان الأب والأم أيضًا، وهو ما راكم الديون على الكاتب الكبير.
عاش محمد التابعى سنواته الأخيرة فى ضيق شديد، وقد حاول هيكل أن يساعده، لكنه هتك ستره بعد ذلك بسنوات.
عندما أصبح محمود صلاح رئيسًا لتحرير آخر ساعة عام ١٩٩٨، فوجئ بأن السيدة هدى تتواصل معه وتبلغه أنها ما زالت تتذكره، وأنها سوف ترسل له بعض الأشياء التى ربما تهمه.
وهنا يمكننا أن نعود إلى كتابه المهم «فى بلاط صاحبة الجلالة».
يقول محمود: أرسلت لى السيدة هدى التابعى هذه الأشياء التى كانت عبارة عن أكوام وأكوام من أوراق وكتابات محمد التابعى، بعضها كان قد تم نشره والبعض الآخر لم ينشر، وعكفت على أوراق التابعى، ويومًا بعد يوم كنت أشعر أننى عثرت على كنز لا يقدر من الأسرار والحكايات السياسية والفنية، التى تشهد على تاريخ مصر فى فترات مهمة وخطيرة من تاريخها.
وبينما يقلب محمود صلاح فى الأوراق، وجد الأستاذ التابعى يكتب فى مقدمتها الآتى: طلب منى الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير «الأهرام» أن أكتب كل ما أعرفه عن حادث ٤ فبراير.
فكر محمود أن يتواصل مع هيكل ليكتب مقدمة لأوراق التابعى.
وأترك «صلاح» يروى ما حدث بينه وبين هيكل.
يقول: «حملت نسخة من الأوراق إلى الأستاذ هيكل، وسألته: هل نشرت الأهرام هذه الأوراق؟، تصفح الأستاذ هيكل الأوراق ولاذ بالصمت، فأعدت تكرار سؤالى عليه، فقال الأستاذ هيكل إن الأهرام لم تنشر هذه الأوراق».
قال «صلاح»: «لكن الأستاذ التابعى يذكر فى مقدمتها أنك طلبت منه كتابتها لنشرها فى الأهرام.
تردد هيكل فى الإجابة، ثم قال لمحمود: الكل يعرف التابعى كان فى حياته مسرفًا، وقد تعود على نوع من حياة الترف، وكان يحدث أحيانًا أن نتفق معه على كتابة بعض الموضوعات فقط لكى يحصل على عائدها، لكنى لا أتذكر أن الأهرام نشرت هذه المذكرات».
لم تنته القصة عند هذا الحد.
يقول «محمود»: «كنت قد حملت معى فى نفس الزيارة إلى الأستاذ هيكل بعض أوراق التابعى الأخرى، ومنها سيناريو فيلم كتبه التابعى باللغة الإنجليزية عن أسمهان، وقد أعطيت الأستاذ هيكل نسخة من ذلك السيناريو، وظللت أنتظر- وما زلت- المقدمة التى وعدنى بكتابتها لهذه القصة».

لم يكتب هيكل المقدمة للقصة ولا للمذكرات، وكأنه بخل على أستاذه أن يفعل له ذلك، رغم أن الفاصل بين نشر المذكرات فى آخر ساعة وفى كتاب بعد ذلك وصل إلى خمس سنوات، فقد نشر الكتاب لأول مرة عام ٢٠٠٣.
بعد خمس سنوات من نشر كتاب محمود صلاح صدرت طبعة جديدة من كتاب التابعى الشهير «من أسرار الساسة والسياسة» تتصدر غلافه عبارة «تقديم محمد حسنين هيكل»، وكانت السيدة شريفة التابعى قد سعت إليه ليكتب مقدمة للطبعة التى قررت دار الشروق أن تصدرها، وأعتقد أنه لولا أن الكتاب من إصدار الشروق ما كتب هيكل هذه المقدمة.
ما كتبه هيكل لم يكن مقدمة، بقدر ما كان اعتذارًا إلى أستاذه التابعى، لكنه اعتذار جاء متأخرًا.
يقول هيكل: هذه السطور ليست بالمعنى التقليدى مقدمة لطبعة جديدة لواحد من كتب الأستاذ محمد التابعى، وإنما هذه السطور ومن القلب تقديم اعتذار له عن درجة من النسيان لاسمه وقيمته لحقت ذاكرة أجيال جديدة من القراء بغير ذنب عليهم، لأن المسئولية فيه واقعة بالحق على ناحيتين، أطراف ظلمت الرجل من جهة، وعوائد ترسبت بعموم على جهة أخرى.
ويوضح هيكل ما يقصده، يقول: من ظلم الأطراف مثلًا أن بعض تلاميذ المدرسة الصحفية للأستاذ التابعى ولأسبابهم آثروا السكوت عن دوره أو القفز عليه، ومن ظلم الأطراف أيضًا أن كثيرين أخذوا عما كتب التابعى دون أن ينسبوا إليه، رغبة فى إظهار أمرهم، والنتيجة إخفاء أمره.
أما العوائد التى ترسبت- كما يقول هيكل- فأولها ظاهرة لها سوابق فى تاريخنا، خصوصًا أزمنة الفراعنة والمماليك، ومن هذه العوائد أن كل نجم طالع فى أى مجال يريد نسبًا موصولًا بالشمس، يستكبر أن يكون ابنًا شرعيًا لأب، وإنما يطلب أن يكون مولودًا بذاته ولذاته بداية ونهاية، ومع مثل تلك النوازع يتبدى تعاقب الأجيال صفحات باهتة، أو صفحات ممزقة، أو صفحات مزوقة، وعليه لا يصبح التعاقب تاريخًا موصولًا ومتواصلًا، وإنما يصبح غرضًا وهوى، أخطره هوى السلاطين قريبًا وبعيدًا، سلاطين القرب يبغون محو أثر وقطع ذكر كى يبقى زمانهم وحيدًا، وسلاطين البعد يهاجمون ذاكرة ويبعثرون ترتيبًا، كى يضيع الزمان كله من أصحابه ومعه وعيهم ومكمن إرادتهم.
كلام عظيم كتبه هيكل كالعادة، وكلام عظيم كتبه عن التابعى بعد هذه الاعتراف الساخن الصاخب، لكنه صاغه وكأنه لم يكن هناك، ولم يكن سببًا فيما جرى للتابعى، لقد قرر تلاميذ الأستاذ- ومنهم هيكل بالطبع- أن يقتلوه، وقد نجحوا فى ذلك، وكأن بهيكل قتل القتيل ثم قرر أن يسير فى جنازته.
لكن لماذا فعل تلاميذ التابعى به ما فعلوه؟.
هنا لا بد أن أتوقف عند مقال كتبه بمجلة «آخر ساعة» فى زاويته «من أسبوع لأسبوع» عام ١٩٥٣ أى بعد شهور قليلة من قيام الثورة، وقد حصلت عليه من الصفحة البديعة التى أسستها السيدة شريفة التابعى لوالدها على الفيس بوك، وتنشر فيها مقالاته وتحيى تاريخه وذكره.
المقال كان بعنوان «هل كنا جميعًا أبرياء؟».
رأى التابعى تكالب الكتاب على نفاق السياسيين والكتاب والصحفيين على العهد الجديد، فكتب يقول:
يبدأ مقاله بقوله: «رسالة جاءتنى من الخرطوم، قرأتها وأطلت فيها النظر، وعدت إليها اليوم بعد أن فاضت الصحف أو فاض بعضها فى الحديث عن النفاق والمنافقين، والرسالة جاءتنى من حضرة عبدالعزيز النصرى حمزة بكلية الخرطوم الجامعية، وفيها بين ما جاء فيها وهو كثير وحق مرير، وأنت تبحث اليوم فى مصر عبثًا عن واحد يقولها لك صريحة جريئة إنه شارك فى نشر الفساد والظلم فى ذلك العهد- عهد فاروق- فلا تجد».
يتتبع التابعى أحوال ما يجرى فى مصر، فيقول: «تبحث بين من كان لهم الحول والطول فى ذلك العهد لتجد من يعترف لك بأنه كان بين من شاركوا فى نشر الفساد فلا تجد، أما إن أردت أن تبحث عن الرهبان وعن الأمناء والشرفاء والنزهاء فأنت واحد فى مصر الملايين منهم، وكل مصرى اليوم نزيه، وكل مصرى اليوم راهب فى صومعة، إلى آخره، إلى آخره، وكله حق وصدق.
هذا الفساد الذى عم البلاد فى العهد الماضى القديم.. من المسئول عنه؟
هل كان فاروق وحده هو المسئول؟ وهل هذا الكلام معقول؟».
يبدأ التابعى بالحديث عن السياسيين، فيقول:
زعماء مصر وسياسيوها وكبارها وقادتها استغفروا الله واحدًا بعد واحد من أن تكون لهم يد فى ذلك الفساد.
أحدهم أعلن بعد سقوط فاروق أنه سكت على الفساد لعل وعسى أن تفلح سياسة المسالمة.
وآخر أعلن أنه كثيرًا ما نبه فاروق وحذره، وما على الرسول إلا البلاغ.
ولكن هذا الرسول كان إذا استدعى لتشكيل وزارة لبى الدعوة خفيفًا سريعًا.
وثالث أعلن عن أنه كثيرًا ما ضاق ذرعًا بفساد فاروق وبتدخله فى شئون الحكم، ولكنه كان- إذا تولى الحكم- أرخى الحبل لفاروق ولبى جميع طلباته، وانتهز فرصة كل عيد لكى يذيع على الشعب حديثًا عن مآثر الفاروق.
الحديث الشريف عن الإعوجاج وتقويم الإعوجاج باليد، وإلا فباللسان، وإلا فبالقلب وهذا أضعف الإيمان، فمن بين زعمائنا وقادة الرأى هؤلاء حاول مرة أن يُقوم من إعوجاج فاروق؟
الذين كانوا يتزاحمون على مناصب الوزارة ويتسابقون فى إرضاء فاروق وتلبية كل طلب له؟
الذين كانوا يحجون إلى القصر فى كل مناسبة ليسجلوا أسماءهم ويرفعوا تهانيهم إلى فاروق؟
الذين كانوا يلتمسون مقابلة فاروق ليستأذنوه فى السفر كلما أرادوا السفر، فإذا عادوا التمسوا المقابلة لكى يؤكدوا له أنهم مازالوا له العبيد المخلصين؟
ومع ذلك فإن فاروق وحده هو المسئول عن كل الفساد والبلاء؟ وهذه هى النتيجة التى تخرج بها من قراءة كل ما نشر من أقوال هؤلاء الزعماء والقادة والمسئولين.
ويترك التابعى ساحة السياسة، ويتجه إلى ساحة الصحافة، يقول:
ألم يسهم بعضها فى نشر هذا الفساد؟ وفى النفاق وفى خداع الشعب وتلوين الأسود المجرم باللون الأبيض الطاهر البرىء؟ والأصوات التى علت ولعلعت منذ ٢٣ يوليو تتحدث عن النفاق والمنافقين، أليس بينها ولو صوت واحد كان صاحبه من المنافقين المفسدين؟
وهذه الصحف التى تنشر وتعيد أحاديث النفاق والمنافقين، هذه الصحف الأهرام والمصرى والأخبار والبلاغ والزمان والمقطم وسائر المجلات، أليس بينها صحيفة واحدة يذكرها ضميرها اليوم أو يلكزها وهى تتحدث عن النفاق ويقول لها هل تذكرين؟
هل تذكرين قصائد المديح فى فاروق؟ وصور الفاروق تزدان بها صدرك كما كنت تفخرين؟
ولا يتحدث التابعى عن الصحافة بوجه عام، ولكنه يخصص الأقلام المنافقة، يقول:
«هذه الأقلام التى كتبت وما تزال تكتب عن النفاق والمنافقين، أقلام محررى صحف هذه الدار: زكى عبدالقادر ومصطفى وعلى أمين و كامل الشناوى ومحمد التابعى وهيكل ومحررى صحف المصرى والأهرام والبلاغ والزمان وسائر المجلات، أليس بينها قلم واحد خالف و لو مرة واحدة صوت الذمة والضمير وجرى على سنن النفاق؟».
أعتقد أن هذه المقال كان سببًا فى أن يضيق هيكل ومصطفى أمين وآخرون بالتابعى، فهو يتحدث من منصة الأستاذ، وكان طبيعيًا ألا يُقروا له بما يقوله، فهو يكشفهم ويضعم أمام حقيقتهم، فقد تحولوا بسهولة من نفاق فاروق إلى نفاق الحكام الجدد.
عاد التابعى إلى هذه الحديث مرة أخرى، فى مقال كتبه فى ٤ يوليو ١٩٦٤ فى زاويته «من السبت إلى السبت» التى كان ينشرها فى جريدة أخبار اليوم.
أشار التابعى فى مقاله إلى هؤلاء الكتاب والصحفيين الذين نافقوا فاروق، ثم دارت الأيام بهم فنافقوا الثورة وتملقوا قادتها.
كان التابعى هذه المرة يكتب بمرارة، فقد وجد الخذلان من الكتاب والصحفيين ممن تتلمذوا على يديه، وأعتقد أنه كان مقالًا رمزيًا، فهو لا يتحدث عن نفاق الكتاب والصحفيين لفاروق ثم انقلابهم عليه، ولكنه كان يتحدث عن الصحفيين الذين كانوا يحيطون به، وعندما دار الزمن عليه أشاحوا بوجوههم عنه.
فى هذه الفترة كان التابعى يسعى للإنفاق على علاجه وعلاج ابنه، وبدلًا من أن يقف رفاق الطريق معه، بدأوا يشيعون كلامًا معادًا ومكررًا عن إنفاقه على ابنه فيما لا يفيد، وأنه يتاجر بمرض ابنه، وهو ما جعل التابعى يضيق بكل شىء، وهو ما قاله هيكل لطه حسين، فأخذ يردد: «مش معقول».
لقد أهان تلاميذ التابعى أستاذهم، وزادوا على ذلك أنهم لم يحفظوا منتجه وتراثه، فلم ينشروا كتبه، رغم أنهم كانوا يستطيعون ذلك، كان يمكن أن يفعلها مصطفى أمين فى دار أخبار اليوم التى أصبح يشرف عليها بعد خروجه من السجن، وكان يمكن أن يفعلها هيكل لو أراد من خلال دور النشر التى يتعامل معها، لكنهما لم يفعلا، وأعتقد أن هذا كان عن عمد، لذلك ليس لدينا إلا كتاب واحد مهم عن التابعى وهو الكتاب الذى كتبه صبرى أبوالمجد وصدر عن دار التعاون فى جزءين، وطبع مرة واحدة، ولم يطبع بعد ذلك.
أعتقد أننا جميعًا مدانون للأستاذ التابعى، وأعتقد أنه آن الأوان لرد كرامته المهنية، وإعادة اعتباره الفكرى والسياسى.. وسنكون نحن من سيستفيد من ذلك.. فالتابعى شاء من شاء وأبى من أبى هو الأستاذ الأكبر للصحافة المصرية.







