الثلاثاء 17 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

«مرتفعات وذرينج».. رائعة الأدب الإنجليزى الكلاسيكى على الشاشة فى «عيد الحب»

حرف

- توقعات بافتتاحية قوية ونجاح كبير فى شباك التذاكر رغم الانتقادات

- بطولة مارجوت روبى وجاكوب إلودرى.. وتأليف وإخراج إيميرالد فينيل

فى عام 2024، أعلنت إيميرالد فينيل، المخرجة والكاتبة البريطانية الحائزة على «أوسكار»، عن تحويل رواية إميلى برونتى الوحيدة «Wuthering Heights/ مرتفعات وذرينج»، الصادرة عام 1847، وتعد أشهر الروايات الكلاسيكية فى الأدب الإنجليزى- إلى فيلم سينمائى. وبعد منافسة شرسة مع عملاق البث المباشر «نتفليكس»، قبلت المخرجة عرضًا من شركة «وارنر بروذرز»، وحددت موعدًا لعرض الفيلم فى دور السينما بالتزامن مع «عيد الحب».

ويُعرض الفيلم فى دور السينما العالمية، بعد غدٍ الجمعة، الموافق 13 فبراير الجارى، عشية «عيد الحب» أو «الفالنتين داى» الذى يوافق 14 فبراير من كل عام، وذلك بعد عامين من الإعلان عن المشروع، الذى تقدم من خلاله النجمة مارجوت روبى، والنجم جاكوب إلوردى، رؤية عصرية لقصة حب مأساوية عتيقة على الشاشة الكبيرة.

وتشهد مواقع التواصل الاجتماعى ووسائل الإعلام ضجة كبيرة حول الفيلم المنتظر بشدة، وسط ردود أفعال أولية مفاجئة حتى لصناع الفيلم، فى ظل إشادات كبيرة بنسخة إيميرالد فينيل المثيرة والمليئة بالحب والكره والغيرة والهوس والفجوة الطبقية والانتقام.

تحفة فنية

وصفت كورتنى هوارد، الناقدة السينمائية والصحفية المتخصصة فى مجال الترفيه، من خلال مقال فى مجلة «فارايتى»، الفيلم الجديد بأنه «تحفة فنية من الطراز الرفيع»، معتبرة أنه «يُجسد ببراعةٍ ألم الرغبة وجوهرها».

وتوقعت الكاتبة الصحفية المخضرمة آن تومسون، فى موقع «إندى واير»، أن يحقق الفيلم «افتتاحية قوية ونجاحًا باهرًا فى شباك التذاكر»، واصفةً إياه بأنه «فيلم مثير ومشوق يُرضى الجماهير»، قبل أن تضيف: «سيحقق جاكوب إلوردى ومارجوت روبى نجاحًا كبيرًا. سيُفتن الجمهور بالمؤثرات البصرية الصارخة، وإخراج إيميرالد فينيل الجرىء. كل شىء فيه (الفيلم) ضخم».

وأيد خبير شباك التذاكر والناقد السينمائى سكوت ميندلسون هذا الرأى، قائلًا: «الفيلم رائع»، مشيدًا بـ«قيمة إنتاجه الضخمة، وأسلوبه السينمائى المميز». لكنه أشار أيضًا إلى أن الفيلم «يعمل وفقًا لشروطه الخاصة كمأساة رومانسية معقدة».

فى المقابل، أبدى الناقد براندون نوروود بعض التحفظ، واصفًا الفيلم بأنه «طويل بعض الشىء»، لكنه قال إن أداء نجومه «مذهل معًا. الكيمياء بينهما واضحة جدًا». وأضاف: «فعلًا، إنه مثير للغاية».

كما واجه الفيلم بعض الشكوك من قبل محبى إميلى برونتى بسبب نهجه غير المتوافق مع العصر فى تصميم الأزياء، وتلميحاته الواضحة إلى ممارسات السادية والمازوخية، واختيار «روبى» البالغة من العمر ٣٥ عامًا لتجسيد شخصية «كاثى» البالغة من العمر ١٩ عامًا، و«إلوردى» الأبيض لتجسيد شخصية «هيثكليف»، وهى شخصية يُفهم عمومًا أنها من أصل غجرى.

ودافعت إيميرالد فينيل عن نهجها قائلةً: «هناك قدر هائل من السادية والمازوخية فى هذا الكتاب. هناك سبب وراء صدمة الناس الشديدة منه»، مؤكدةً أن اقتباسها «رؤية شخصية، وواحدة بين العديد من الرؤى».

وأضافت: «الرائع فى هذا الفيلم أنه يمكن إنتاجه كل عام، وسيظل مؤثرًا ومثيرًا للاهتمام. هناك العديد من الرؤى المختلفة. أعتقد أنه يجب أن يكون لدينا رؤية جديدة كل عام».

الرواية الأصلية

كما أثار الفيلم موجة نقاشات بين النقاد والصحفيين والكُتَّاب، جذب نوادى الكتب إلى العمل الأصلى المقتبس عنه. واتجه جيل جديد من القراء بالفعل إلى رواية إميلى برونتى، وما تحويه من قصة حب جامحة، واقتنى آلاف الشباب الأمريكى الرواية الأصلية. 

وتضاعفت مبيعات «مرتفعات وذرينج» أكثر من مرتين فى عام ٢٠٢٥ مقارنةً بالعام السابق، لتصل إلى ١٨٠ ألف نسخة مطبوعة فى الولايات المتحدة، وفقًا لشركة «سيركانا بوك سكان»، المتخصصة فى تتبع صناعة النشر.

فيما أفادت ٦ مكتبات بزيادة ملحوظة فى المبيعات، بعد سبتمبر الماضى، حين صدر إعلان ترويجى للفيلم يظهر فيه نجما الفيلم: مارجوت روبى وجاكوب إلوردى، بشعر أشعث وملامح كئيبة.

وأصبحت الرواية، التى صدرت قبل ١٧٩ عامًا، أول كتاب يُدرج فى منهج الثقافة الشعبية لعام ٢٠٢٦، وذلك بمساعدة مجلة «فوج»، التى اختارتها كأول كتاب لناديها الجديد للقراءة. كما حظى الفيلم بدعمٍ كبير من المغنية شارلى إكس سى إكس، التى ستصدر ألبومًا مصاحبًا له.

ووسط القلق المتزايد بشأن عزوف الشباب الأمريكى عن القراءة، يبدو أن القرّاء يتعاملون مع رواية «مرتفعات وذرينج» كمشروعٍ جماعى، فهم يناقشون الرواية بتفصيلٍ دقيق فى نوادى الكتب ومجموعات الدردشة، متلهفين لتجارب جماعية مماثلة لتلك التى تُشبع شغفهم بنوادى الجرى وجلسات ألعاب الطاولة. وامتلأت وسائل التواصل الاجتماعى مؤخرًا بشهاداتٍ من قرّاءٍ مُغرمين برواية «برونتى»، وفقًا لتقرير «نيويورك تايمز».

وإذا كانت «مرتفعات وذرينج» رواية رومانسية، فهى من النوع الذى يغلب عليه التوتر والقلق. صحيح أن شخصياتها تتبادل اللمسات الرومانسية كل ١٠٠ صفحة تقريبًا، لكنها فى معظمها تدور حول خوض غمار الحياة فى سهول متجمدة، ومقاومة أمراض غامضة، وتفريغ الغضب على الجيل القادم. ومع ذلك، تكشف الرواية عن سحرها الآسر لجيل جديد من القراء.

وتقول آدى ميجلانى، ٢٣ عامًا، التى تعمل فى مجال النشر الأكاديمى فى نيويورك، وتقرأ الرواية للمرة الأولى: «لا يسمح لى غرورى بمشاهدة الفيلم دون قراءة الكتاب».

ولخصت توينى إيلونومى، البالغة من العمر ٣٠ عامًا، التى تعيش فى منطقة خليج سان فرانسيسكو، تجربتها فى قراءة رواية «مرتفعات وذرينج»، على تطبيق «تيك توك» قائلةً: «أنا مهووسة بها. بعد ٧٤ صفحة من قراءتها، لماذا لم يخبرنى أحدٌ من قبل أن قراءة هذه الرواية أشبه بالتنصت على أكثر الأحاديث جنونًا التى سمعتها فى حياتك؟».

وفى يوم سبت بارد من يناير المنقضى، احتشد جمعٌ من القراء المتلفعين بالملابس الدافئة، فى مكتبة «بى آند تى نيتوير» بالجانب الشرقى من مانهاتن، حيث استضاف نادى الكتاب الإلكترونى «بيلتريست»، ودار نشر الروايات الرومانسية «٨٣١ ستوريز»، فعالية قراءة جماعية استمرت ٣ ساعات.

وشرحت إيما كيثلى ٢٧ عامًا، التى كانت تمسك نسخة الرواية من «بينجوين كلاسيكس»، كيف عانت فى قراءة الرواية خلال فترة مراهقتها، وكيف وجدتها أكثر قتامة مما توقعت. وفى إطار فعالية تعريفية بالمدرسة الثانوية، سُئلت عن الكتاب الذى ستأخذه معها إلى جزيرة مهجورة فقالت: «مرتفعات وذرينج لأبدو ذكية».

وقال أندرو مورين، ٢٣ عامًا، الذى كان قد وصل إلى الصفحة ٢٥ من الرواية على جهازه الإلكترونى، إنه يقرأ روايات من القرن التاسع عشر لهنرى جيمس وجين أوستن، فى محاولة لاستعادة تركيزه فى عالم ملىء بمحتوى الفيديو القصير والسريع.

انتقادات

تميل الاقتباسات السينمائية لرواية «مرتفعات وذرينج» إلى اختزال قصتها متعددة الأجيال فى إطار قصة حب ثنائية أكثر وضوحًا، كما أوضحت ديبورا دينينهولز مورس، أستاذة الأدب الإنجليزى فى كلية ويليام ومارى، حيث قالت إن محبى «برونتى» أثاروا بالفعل ضجة كبيرة حول ما وصفته بـ«الإفراط الإيروتيكى» فى الإعلان الترويجى لفيلم مارجوت روبى.

وقالت «مورس»: «لا أستطيع أن أحصى عدد طلاب الدراسات العليا الذين راسلونى قائلين: أستاذة، هل شاهدتِ هذا الاقتباس؟ إنه سيدمر مرتفعات وذرينج».

كما أثار الفيلم ردود أفعال غاضبة بسبب اختيار الممثل الأبيض جاكوب إلوردى لتجسيد شخصية «هيثكليف»، التى وصفت فى الرواية بأنها «سمراء البشرة»، فالعنصرية التى يتعرض لها «هيثكليف» تمثل محور الرواية وصراعها الأساسى، وتجاهل هذا البعد يضعف الحبكة.

وأعربت «مورس» عن عدم رضاها عن هذا الاختيار، مؤكدة أنه يتجاهل جانبًا كاملًا من الرواية، لكنها رغم ذلك قالت إنها تدعم أى عمل يجذب قراء جددًا إلى أكثر روايات الأخوات برونتى شاعرية، مضيفة: «رواية مرتفعات وذرينج» هى رواية صراع، وجزء من هذا الصراع هو معرفة ما يمكن أن يبقى من الرومانسية.

وفى تقرير لشبكة «بى بى سى» بعنوان «هل يصبح مرتفعات وذرينج الفيلم الأكثر إثارة للجدل هذا العام؟»، أشارت الشبكة إلى أن نسخة إيميرالد فينيل من الرواية الكلاسيكية أصبحت موضوع نقاش واسع على الإنترنت، شمل كل شىء من اختيار الممثلين وصولًا إلى الأزياء.

وعادةً ما يُمنح لقب «الأكثر إثارة للجدل» لفيلم سياسى جرىء أو عمل رعب يكسر المحظورات، لكن الفيلم الذى يثير حاليًا أكبر قدر من النقاش هو اقتباس لرواية من القرن التاسع عشر، وكتبت الناقدة لارا براون فى مجلة «ذا سبيكتاتور»، قائلة «لقد وظّفت فينيل إبداعها فى عملٍ مُقلقٍ من التدمير العبثى».

الفيلم تعرض لانتقادات واسعة، شملت كل شىء من اختيار الممثلين والأزياء إلى لكناتهم، وصولًا إلى وضع علامات تنصيص حول العنوان للتأكيد على أنه تفسير شخصى للرواية. 

أكثر ما أثار الجدل كان الطابع الشهوانى للعمل، إلى جانب استخدام عناصر معاصرة متناقضة مع العصر، مثل إدراج أغانى شارلى إكس سى إكس فى الموسيقى التصويرية.

مجلة «فوج» وصفت بعض الأزياء بأنها أقرب إلى الثمانينيات منها إلى أوائل القرن التاسع عشر، فيما سخر متابعون على يوتيوب من مظهر الممثلين، قائلين إنهم يبدون وكأنهم على وشك استخدام هواتف آيفون.

السبب الرئيس وراء هذا الاستياء هو أن محبى رواية برونتى لا يكتفون بالإعجاب بها، بل يعشقونها حد الهوس. وكما كتبت هيفزيبا أندرسون فى «بى بى سى»، معظمنا يقرأ مرتفعات وذرينج فى سن المراهقة، حين نكون فى غاية التأثر.

أما الناقدة أوليفيا بيتر فى «فوج» فقالت: «ما زلت مقتنعة بأن هيثكليف هو من وضع لى سابقة الانجذاب إلى قصص الحب السامة فى سن المراهقة».

لم يكن فيلم إيميرالد فينيل الاقتباس الوحيد الذى أثار انتقادات حول تفسيره لرواية «مرتفعات وذرينج»، فهو ينضم إلى سلسلة طويلة من الأعمال التى استلهمت الرواية على مدار القرن الماضى.

واشتهر لورانس أوليفييه وميرل أوبرون بأداء دورى «هيثكليف وكاثرين» فى فيلم عام ١٩٣٩، ثم جسّد رالف فاينز وجولييت بينوش شخصيتى العاشقين فى نسخة عام ١٩٩٢، وفى عام ٢٠٠٩، التقى توم هاردى بزوجته شارلوت رايلى فى أثناء مشاركتهما فى بطولة أول فيلم تليفزيونى من جزأين، حيث لعبا دورى هيثكليف وكاثرين، كما تحولت الرواية إلى مسلسلين تليفزيونيين صدرا عامى ١٩٧٨ و١٩٩٨.

ولم تقتصر الاقتباسات على الغرب، إذ شهدت السينما المصرية محاولة خاصة لنقل الرواية إلى بيئة محلية من خلال فيلم «الغريب» عام ١٩٥٦، من إخراج فطين عبدالوهاب وكمال الشيخ، وبطولة يحيى شاهين وزهرة العلا وكمال الشناوى. وركّز الفيلم على قصة الحب المأساوية بين اليتيم غريب وياسمين، ليقدم معالجة مصرية للرواية الكلاسيكية الشهيرة.