السبت 14 فبراير 2026
المحرر العام
محمد الباز

تفكيك أسطورة جمال حمدان..

نسف الحلم الإسرائيلى.. أنفاق سيناء.. مشروع جمال حمدان الذى حققته الجمهورية الجديدة

حرف

- أطماع الصهيونية فى سيناء قديمة قدم هرتزل ودورة القرن

- تم ربط جميع أنفاق قناة السويس الجديدة فى محافظات القناة الثلاث بمجموعة من الممرات العرضية التى تستخدم لحالات الطوارئ

قبل وفاته بشهور فى العام ١٩٩٣ صدر عن مكتبة مدبولى بالقاهرة كتاب جمال حمدان المهم «سيناء فى الاستراتيجية والسياسة والجغرافيا». 

فى هذا الكتاب يبدد جمال حمدان تمامًا أوهام إسرائيل فيما يتعلق بسيناء، والذى يكشف عن أنها كانت ولا تزال وستظل حلمًا من أحلام الدولة الصهيونية.

يقول حمدان: أما عن إسرائيل فإن أطماع الصهيونية فى سيناء قديمة قدم هرتزل ودورة القرن، حين وصلت إليها بالفعل بعثة صهيونية لدراسة إمكانات التوطين اليهودى بها، وقد اقترحت البعثة نقل مياه النيل عبر قناة السويس إلى شمال شبه الجزيرة، خاصة منطقة العريش للاستزراع والتوطين، وكانت السياسة البريطانية فى مصر من قبل تعمل على عزل سيناء عن مصر، وأقامت بينهما سدودًا إدارية وعسكرية ومادية مصطنعة، ولم تتورع عن أن تعلن بإلحاح أن سيناء آسيوية وسكانها آسيويون، متأرجحة بين مخاوفها من خطر اللعبة على نفوذها ووجودها فى مصر، وبين تطلعها إلى إيجاد قوة مناوئة لمصر على تخومها الشرقية تهددها وتضاربها وتفصلها عن العرب، وفيما بين هذين النقيضين سقط المشروع فى النهاية. 

يسرد «حمدان» مسار الحلم الصهيونى المتجدد فى سيناء، ويمكن أن نضع أيدينا على عدة نقاط مهمة ذكرها فى كتابه على النحو التالى: 

أولًا: كل خطط تركيا القديمة غير العاقلة وخطط الصهيونية الميتة بعثتها إلى الحياة- بحذافيرها تقريبًا- إسرائيل منذ ١٩٥٦ على الأقل، فحين أرغمت إسرائيل على التراجع بعد أن كانت قد أعلنت رسميًا ضم سيناء، بدأت تراوغ بالمساومة، فاقترحت خطوط تقسيم شبيهة بالخطوط العثمانية، ولكن مصيرها أيضًا كان مشابهًا. 

ثانيًا: بعد يونيو عادت إسرائيل تثير موضوع مصرية سيناء، وزعمت أنها حديثة عهد بالتبعية، بالتحديد منذ ١٩٠٦، وفى تلك الفترة أغرقت العالم بطوفان من الادعاءات والأبحاث الملفقة التاريخية والأركيولوجية تسند بها أطماعها الإقليمية، وتمضى بسياسة الأمر الواقع تعد لتهويد شبه الجزيرة أو أجزاء منها، تطرد الأهالى، تقيم المستعمرات هنا وهناك، خاصة حول رفح والعريش وشرم الشيخ، وترسم المشاريع الضخمة لمدن جديدة على الحدود. 

وقد وصلت حملات التشكيك الإسرائيلى فى مصرية سيناء إلى حد جعل وزيرًا لخارجية الولايات المتحدة وأستاذ علوم سياسية يسأل مؤخرًا، على سبيل الاستفسار فيما يبدو: منذ متى كانت سيناء مصرية؟ 

ثالثًا: كان من المفجع، كما هو من المضحك، أن نسمع أثناء أكتوبر وبعده أصواتًا فى الغرب ترتفع مقترحة تدويل سيناء مرة أو تأجيرها أو حتى شراءها، كحل لجذور المشكلة. مجموعة من البرلمانيين الإنجليز مثلًا يدّعون الصداقة أو الحياد فعلوا هذا ووضعوا جادين شروطها وتفاصيلها وحسابات الأرباح والخسائر بالنسبة للمساهمين وأصحاب السندات بما فيهم مصر أيضًا. 

بعد هذا الرصد الدقيق، بدأ جمال حمدان فى تقديم ما يشبه الدفوع التاريخية والجغرافية للتأكيد على مصرية سيناء، والتأكيد على سفه الدعاوى الإسرائيلية. 

يقول: ما نظن مصريًا واحدًا بحاجة إلى أن يدافع عن مصرية سيناء، إن الادعاء للعدو فيه من السفه أكثر مما فيه من السخف، وبه من الخطأ بقدر ما به من الخطيئة، فسيناء جغرافيًا وتاريخيًا جزء لا يتجزأ، ولم يتجزأ قط، من صميم التراب الوطنى والوطن الأب، قد تكون غالبًا أو دائمًا أرض رعاة، ولكنها قط لم تكن أرضًا بلا صاحب منذ فجر التاريخ. 

فسيناء- كما يؤكد حمدان- مصرية كما أن أسوان والبرارى والسلوم وعلبة والواحات والعوينات مصرية، كما أن أسيوط وطنطا مصرية، بل كما أن القاهرة مصرية، أو قل منف وطيبة، سيناء تحمل بصمات مصر حضارة وثقافة وطابعًا وسكانًا بالقوة نفسها التى يحملها أى إقليم مصرى آخر، ومنذ بدء تاريخ مصر المكتوب والنقوش الهيروغليفية تثبت الوجود المصرى على كل حجر، والانتماء المصرى لكل حجر فى سيناء، محجرًا كانت أو معبرًا، ممرًا كانت أو مقرًا، بل إن تراب سيناء قد امتزج بالدم المصرى المدافع ربما أكثر من أى رقعة أخرى مماثلة من التراب الوطنى، فحيث كان ماء النيل هو الذى يروى الوادى، كان الدم المصرى هو الذى يروى رمال سيناء. 

ينتقل جمال حمدان بعد ذلك إلى السؤال الأكاديمى الذى ظل يتردد كثيرًا، وهو: هل سيناء آسيوية أم إفريقية؟ 

وبطريقته المعهودة دقة وتحليلًا يقول: هذا الأمر لا يعنى شيئًا من الناحية الجيوبوليتيكية، ببساطة لأن مصر نفسها جميعًا كانت دائمًا فى آسيا بالتاريخ كما هى فى إفريقيا بالجغرافيا، أما أن سيناء تبرز كوحدة متميزة أرضيًا إلى حد ما بانحصارها بين ذراعى خليجىّ السويس والعقبة، فلا يجعلها فى آسيا أكثر مما هى فى إفريقيا، بل إننا بهذا المنطق الفيزيوغرافى نفسه، إن صح مثله، أحرى بأن نضع الشام كله فى إفريقيا أكثر مما هو آسيا، فهو إنما يتبع تكوين الأخدود الإفريقى العظيم الذى يبدأ فى قلب إفريقيا فلا ينتهى إلا فى جنوب طوروس، شاملًا من بين ما يشمل البحر بذراعيه اللتين تحضنان سيناء، بل أبعد من هذا نستطيع بالمنطق نفسه أن نعتبر شبه الجزيرة العربية نفسها خارج آسيا كما هى خارج إفريقيا، فهى بذراعىّ البحر الأحمر والخليج العربى ثم بحر العرب كسيناء ولكن على تكبير جيب ضخم فارغ آخر من الصحراء والجبال، يسقط بين القارتين الهائلتين أكثر مما يقع على هوامشهما أو ضلوعهما. 

يدرك جمال حمدان أن ما قاله حتى الآن كان ردًا علميًا على هذا السؤال الأكاديمى، ويدرك أيضًا أن هناك من سيطالبه بالرد العملى على ما يذهب إليه، ولذلك يقول: حسبنا هذا إذن ردًا علميًا على ادعاءات العدو الكاذبة، ولكن ماذا عن الرد العملى؟ 

ويجيب فى كلمة واحدة: إنه التعمير. 

ثم يبدأ فى إيضاح ما يريد أن يقوله: نعم التعمير البشرى، والتبشير العمرانى، فالفراغ العمرانى هو وحده الذى يشجع ويدعو الأطماع الحاقدة إلى ملء الفراغ، وهناك إجماع تام على ضرورة نقل الكثافة المكتظة فى الوادى إلى أطراف الدولة وحدودها، بما فيها وعلى رأسها سيناء، إن التعمير هو التمصير، إن من الظاهرات المؤسفة والمزعجة التى أصبحت تتكرر بانتظام منذ وجدت إسرائيل حتى كادت أن تصبح كالقانون، أن منطقة سيناء والقناة قد صارت من ناحية الجغرافيا البشرية منطقة تذبذب سكانى حاد وعنيف، تتأرجح دوريًا ما بين إخلاء وامتلاء، وتخضع معها لدورة منتظمة ومتعاظمة من التخريب والتدمير، فلمرتين على الأقل منذ ١٩٥٦ يتحول سكان سيناء وسكان القناة إلى لاجئين ومهجّرين إلى الوادى، إما بالطرد والضرب من جانب العدو وإما بالتهجير المقرر من جانبنا، وفى ١٩٦٧ وحدها انتظمت هذه الحركة أكثر من مليون وربما مليونًا ونصف المليون من السكان. 

وفى كل مرة أيضًا- كما يقول حمدان- تتعرض كلتا المنطقتين للتخريب الحاقد والتدمير الانتقامى على يد العدو الذى يتبنى سياسة ابتزاز الموارد الاقتصادية أثناء الاحتلال وسياسة حرق الأرض أثناء الانسحاب، فالمناجم والمعادن والثروات الطبيعية لا سيما البترول، وحتى موارد المياه المحدودة، يبددها ويستنزفها بوحشية وجشع لحسابه، والمصانع والآلات والسكك الحديدية يفكها وينقلها إلى عمقه «كمنشآت حقل فحم المغارة مثلًا، ومصانع البترول والبتروكيماويات والسماد وغيرها فى السويس»، أما حين يُرغم على الانسحاب، فإنه يدمر كل ما يستطيع تدميره مما لا يمكنه أن يسرق؛ المبانى والطرق ينسفها، والمناجم وآبار البترول يحرقها أو يغرقها كحقول بترول أبورديس، والأرض يتركها ملوثة ملغمة مهددة بحقول الألغام الشاسعة الكثيفة والقنابل الموقوتة. 

يصل بنا حمدان أكثر إلى ما يريد أن يقوله عن التعمير. 

يقول: هناك إمكانات طيبة للاستصلاح والتوسع الزراعى فى سيناء بطول الضفة الشرقية للقناة، وعلى امتداد الساحل الشمالى، ثم فى رقع مبعثرة على طول أودية شبه الجزيرة، وإمكانات المياه، مطرًا وجوفيًا، لم تستثمر بعد استثمارًا كافيًا، أما تمديد مياه النيل إلى شبه الجزيرة فليس بدعًا، كان النيل قديمًا يصب فى غرب سيناء، وإسرائيل اليوم تسرق مياه أعالى النيل لتنقلها مئات الكيلومترات إلى النقب، ومن الوجهة العمرانية البحتة، فلم يعد معنى ولا مبرر لأن تظل قناة السويس أحادية الضفة، بل ينبغى أن تزدوج مشاريع التعمير بمشاريع الدفاع، فتكون كل وحدة بشرية وحدة إنتاج ودفاع معًا. 

ومن الوجهة الاستراتيجية المباشرة- كما يرى حمدان- فلم يعد معنى لأن يتوقف ارتباط سيناء بمصر الوادى عبر القناة على كوبرى سكة حديد قابل للتدمير، ثم التدمير بعد إعادة البناء، كوبرى الفردان مثلًا، أو على مجموعة معديات تعترض تيار الحركة فى القناة، لا بد من سلسلة من الأنفاق تحت القناة تحمل شرايين المواصلات البرية مثلما تنقل المياه، فمثل هذه الأنفاق تعد مجازيًا، بل عمليًا، بمثابة إعادة تحقيق للاستمرارية والوحدة الأرضية بين الوادى وسيناء ولرقعة مصر الجغرافية- السياسية عمومًا رغم وجود القناة، إنها مع القناة أشبه فى هذا بالطريق والشوارع الطويلة والسفلية المركبة أو المعلقة رأسيًا فى المدن، وإنما على مقياس إقليمى قومى هائل، ومن حسن الحظ أن هذا كله وغيره قد أصبح قيد التخطيط والتنفيذ الجاد، حيث تم بالفعل شق نفق السويس فى الجنوب، لتكن إعادة تعمير سيناء إذن قطعة رائدة من التخطيط القومى والإقليمى العمرانى والاستراتيجى، تضع التحدى الحضارى على مستوى التحدى العسكرى. 

مرّ على ما قاله جمال حمدان سنوات، حاولت الدولة أن تعمل، أن تنفذ فكرته، دون أن يكون هناك إنجاز حقيقى على الأرض، حتى جاء الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى قرر أن ينفذ الفكرة التى سبق وفصّلها «حمدان» فى كتابه. 

والآن لدينا بالفعل ٥ أنفاق أسفل قناة السويس، وهى: نفقا الإسماعيلية «تحيا مصر»، اللذان يصلان إلى سيناء ذهابًا وإيابًا فى مدة زمنية تتراوح بين ١٥ و٢٠ دقيقة، ونفقا بورسعيد «٣ يوليو» ويربطان غرب مدن القناة بشرقها لتسهيل حركة التجارة فى منطقة إقليم قناة السويس، ونفق الشهيد أحمد حمدى ٢ بالسويس، ويمر نفقا الإسماعيلية من أسفل قناة السويس الرئيسية وقناة السويس الجديدة، بينما نفق الشهيد أحمد حمدى ٢ ونفقا بورسعيد فتمر من القناة الرئيسية فقط، نظرًا لعدم وجود ازدواج القناة فى تلك المنطقة. 

تم ربط جميع أنفاق قناة السويس الجديدة فى محافظات القناة الثلاث بمجموعة من الممرات العرضية التى تستخدم لحالات الطوارئ، فى كل نفق، وهى ممرات آمنة للخروج منها فى حالة الطوارئ، ويستوعب النفق الواحد ٢٠٠٠ سيارة فى الساعة، بمعدل عبور ٤٠ ألف سيارة فى اليوم للنفق الواحد.

لم يكن جمال حمدان يتحدث فى الفراغ، ولم يكن يضع حلًا نظريًا لمشكلة سيناء المزمنة، فما دامت فارغة خاوية على عروشها، فسيطمع فيها كل من هب ودب، وحتى نقطع الطريق على هؤلاء جميعًا كان لا بد أن نقتحمها بمشروعات التعمير والبناء، وأعتقد أن جمال حمدان لم يكن يعتقد أن هناك من سيأتى بعد عشرات السنين ليحول حلمه إلى حقيقة، فقد كان يائسًا من كل إصلاح، ومحبطًا من عدم الاستجابة لما يقوله. 

لكننى أعتقد أنه لو أطل الآن على سيناء وما جرى فيها بعد تطهيرها من الإرهاب، ولو مر من أنفاق قناة السويس، لعرف أن ما قاله لم يضِع هدرًا، وما وضعه من تصورات نظرية جاء مَن حوّله إلى حقيقة.